سيكون شارع «النبي دانيال»، الذي يبلغ طوله 730 متراً، ويُعد أقدم وأهم شوارع محافظة الإسكندرية (شمال مصر) على موعد مع مشروع ترميم جديد، يعيد إليه رونقه وجمالياته.
ومن المقرر أن يبدأ تنفيذ المشروع في شهر يوليو (تموز) المقبل، بمشاركة الجهاز القومي للتنسيق الحضاري، في إطار حرص الجهاز على التعاون مع مختلف المحافظات المصرية، من أجل المحافظة على الوجه الحضاري لها.
وقال المهندس محمد أبو سعدة، رئيس الجهاز القومي للتنسيق الحضاري، لـ«الشرق الأوسط»، إن «لشارع النبي دانيال أهمية خاصة، كونه من أعرق شوارع المدينة؛ فهو يمثل جزءاً من الشارع الرئيسي الطولي للإسكندرية وقت إنشائها، إذ يعود تاريخه إلى عام 331 قبل الميلاد؛ حيث أمر الإسكندر الأكبر، المهندس الإغريقي دينوقراطيس ببناء المدينة لتكون عاصمة جديدة لإمبراطوريته، وجاء اختياره بسبب موقعه الممتاز».
ويُعد الشارع مجمعاً للأديان السماوية بها؛ حيث يضم معبد «الياهو هانبي»، وهو مزار سياحي ومن أشهر المعابد بمصر، ويحتضن مكتبة مهمة تضم كتباً تعود إلى القرن الخامس عشر، فضلاً عن الكنيسة المرقسية، التي تعد «أقدم» كنيسة في أفريقيا، بناها القديس مرقس في القرن الأول الميلادي عام 43، وضريح أثري، ومسجد النبي دانيال، الذي بني في القرن الـ18.

ويتمتع الشارع كذلك بخصوصية تاريخية وثقافية لوجود مبانٍ تراثية به، علاوة على مبانٍ مهمة مثل مبنى جريدة «الأهرام» والمركز الثقافي الفرنسي، إضافة إلى أكشاك الكتب والصحف التي لعبت دوراً «بارزاً» في الثقافة المصرية على مرّ سنوات طويلة، حسب أبو سعدة.
وسيشمل تطوير الشارع الممتد من منطقة «محطة الرمل» حتى محطة السكة الحديد الرئيسية بالمدينة «محطة مصر»، ترميم ودهان كافة واجهات المباني الموجودة بالشارع مع الاحتفاظ باللون الأصلي للمباني التراثية وعددها 15 مبنى، مع الإبقاء على هويتها، وذلك في إطار شكل موحد للمظهر الحضاري والتراثي للشارع، إضافة إلى توفير الإضاءة المناسبة لطبيعة المكان، والعمل على عدم إعاقة الدور الحيوي للشارع ومتاجره وأكشاكه الثقافية لحركة المرور به، وفقاً لجهاز التنسيق الحضاري.
ووفق سعدة فإن «تجديد الشارع سيشهد اتساقاً مع مشروع التطوير الذي تم في (محطة مصر)، أخيراً لتكتمل خطة محافظة الإسكندرية لجميع المواقع الأثرية والتراثية للحفاظ عليها وعودتها إلى سابق عهدها».
ويستمد الشارع جانباً من أهميته حسب الباحث في التاريخ الروماني الدكتور أحمد علام من وجوده في غرب منطقة «كوم الدكة» بما تضمه من حمامات رومانية، والمسرح الروماني الذي كان يعد قاعة ثقافية كبرى كانت الوحيدة من نوعها في مصر والمنطقة حيث كانت تلقى فيها الخطب، وتعقد بها الاجتماعات السياسية والمناقشات العلمية.

واستمرت أهمية الشارع حتى العصور الإسلامية، لا سيما بعد بناء مسجد النبي دانيال، الذي توجد تحته العديد من الآثار الرومانية، وهو ما قاد إلى الاعتقاد بأن مقبرة «الإسكندر الأكبر» موجودة أسفله، وهو اعتقاد يرجحه البعض بسبب وجود الجبانة الملكية في تقاطع الشارع مع شارع فؤاد، بينما يشكك البعض الآخر باعتبار أنه لم يُكتشف أي شيء يخص الإسكندر بتلك البقعة، غير أنه اكتُشف أنفاق كبيرة من العصر الروماني متصلة ببعضها.
وكان الشارع قد شهد بعض أعمال الترميم لبعض معالمه المهمة، إذ قامت منطقة آثار الإسكندرية بصيانة شاملة للضريح الأثري بمسجد النبي دانيال بالتعاون مع وزارة الأوقاف في منتصف عام 2019 بعد أن تعرض للضرر نتيجة ترسبات للأملاح على الجدران وعوامل الرطوبة، بالإضافة إلى بعض التصدعات، بينما لم يشهد المسجد نفسه وقتها إجراءات الترميم، وأثار جدلاً واسعاً حين تساقطت أجزاء من سقف مدخله في 2022.
وترميم المعبد اليهودي الذي يُعد «أقدم» معابد اليهود في الشرق الأوسط على الإطلاق، حسب علام، حين بني على أنقاض معبد قديم شُيّد عام 1354، وتعرض للقصف من جانب الحملة الفرنسية على مصر، حين أمر نابليون بضربه بهدف إنشاء (حاجز رماية) للمدفعية بين حصن «كوم الدكة» والبحر، ليعاد بناؤه مرة أخرى في القرن التاسع عشر، إلى أن شهد عام 2017 بدء ترميم المعبد وشملت أعمال الترميم الإنشائي والمعماري للمبنى والموقع العام، بالإضافة إلى أعمال ترميم العناصر الرخامية والزخارف وإدخال أنظمة مكافحة الحريق، وشبكات صرف المياه، فضلاً عن أعمال ترميم الزجاج المعشق والزخارف والألواح والأسقف الخشبية ليعاد افتتاحه في 2020.




