محمود قابيل: فقر الأفكار وراء الانحدار الفني

تحدث إلى «الشرق الأوسط» عن أزمة الفنانين الأحياء المنسيين

قابيل في لقطة من مسلسل «الأجهر»  (الشركة المنتجة)
قابيل في لقطة من مسلسل «الأجهر» (الشركة المنتجة)
TT

محمود قابيل: فقر الأفكار وراء الانحدار الفني

قابيل في لقطة من مسلسل «الأجهر»  (الشركة المنتجة)
قابيل في لقطة من مسلسل «الأجهر» (الشركة المنتجة)

انتقد الفنان محمود قابيل عدم استغلال النجوم الكبار في الأعمال الفنية بشكل يليق بهم، معتبراً ذلك «فقراً في الأفكار يتسبب في حالة من الانحدار الفني»، وأشار قابيل، في حواره مع «الشرق الأوسط» إلى أزمة الفنانين الأحياء المنسيين.

قابيل مع المخرج خالد يوسف خلال كواليس «سره الباتع» (الشركة المنتجة)

وقال قابيل إنه ينتظر بشغف عرض فيلم «ما بعد الجنون» الذي انتهى من تصويره أخيراً، وهو من إخراج عادل أديب وبمشاركة محمود حميدة وشيرين رضا، مؤكداً أنه العمل الذي كان يتطلع إليه للعودة للسينما، وأشار إلى أن الفنان يجب أن يعمل حتى آخر لحظة من حياته، وأن شخصيته في فيلم «نجم كبير» عبرت عن ذلك.

ورغم رفض عدد من كبار الممثلين للفيلم الروائي القصير «نجم كبير» فقد تحمس له قابيل مجسداً شخصية ممثل كبير يعاني من التجاهل ويتقوقع على ذاته، مبرراً تحمسه للفيلم: «لأنه يعبر بصدق عن أزمة الفنانين الكبار، من خلال نجم كبير ينتمي لجيل عمر الشريف وسعاد حسني، يعاني من تعطله عن العمل، ويرسل خطابات لنقيب الممثلين ويذهب إلى تمثال رائد الاقتصاد المصري طلعت حرب الذى أسس (استوديو مصر) يشكو له، ويتجه إلى (كافيه حديقة جروبي) الذي كان يلتقي فيه بسعاد حسني ونادية لطفي مستعيداً ذكرياته الحلوة، والفيلم أخرجته روجينا بسالي قبل سنوات، وأبدع في تصويره الفنان محسن أحمد، ووفقاً لقابيل، فقد ظلمته ظروف العرض لكنه متاح عبر موقع «يوتيوب»، ويعد صرخة عن أزمة الفنانين العظام الذين طواهم النسيان وهم أحياء.

ويوضح قابيل وجهة نظره: «أرى أن الفنان يجب أن يعمل لآخر نفس ما دام قادراً على أداء أدوار تتواءم مع عمره وخبراته»، متسائلاً: «نحن لدينا قصص كثيرة ومؤلفون على مستوى عالمي، فلماذا نعيش في انحدار دائم، لماذا لا نجد فيلماً مثل On Golden Pond لهنري فوندا وكاترين هيبورن وجين فوندا، أوThe Irishman لروبرت دي نيرو وآل باتشينو وجو بيتشي، وأفلام أخرى لكبار نجوم العالم على غرار، أنتوني هوبكنز وميريل ستريب وداستين هوفمان وكاترين دي نيف، لماذا لا نستغل الكبار في أعمالنا بشكل يليق بهم، هذا في رأيي فقر في الأفكار».

ويتحدث قابيل بإعجاب وثقة عن فيلم «ما بعد الجنون» الذي انتهى من تصويره مؤخراً، ولم يعرض بعد، قائلاً، إنه كان في اشتياق لعمل سينمائي مميز، فهو فيلم إنساني به مزيج من التشويق والجنون عبر سيناريو غير معتاد كتبه الشاعر جمال بخيت وفريق العمل الذي يترأسه المخرج عادل أديب.

قابيل الذي بدأ مشواره السينمائي بطلاً أمام الفنانة شادية في فيلم «وادي الذكريات» عام 1978، وقدم أفلاماً مع كبار المخرجين من بينهم، يوسف شاهين في «العصفور»، وحسين كمال في «الحب تحت المطر»، يؤكد: «لا أقبل الظهور السينمائي إلا في عمل أكون مقتنعاً به مائة بالمائة، لذلك لا أبالغ حين أقول إن فيلم (ما بعد الجنون)، يستحق أن يمثل مصر في الأوسكار».

وشارك الفنان محمود قابيل خلال شهر رمضان الماضي في ثلاثة مسلسلات... «الأجهر»، «سره الباتع»، «تغيير جو»، وهذا الأخير ظهر خلاله في مشهدين فقط مجسداً شخصية والد البطلة «منة شلبي» التي تتهمه بأنه وراء إدمان والدتها - أدت دورها الفنانة شيرين - بينما تتضح لها الحقيقة في النهاية، مثلما يقول: «استمتعت بهذين المشهدين، وتحمست للعمل لأن مخرجته مريم أبو عوف من أفضل المخرجين على الساحة الفنية، ولديها كفاءة كبيرة في إدارة الممثلين، علاوة على أنها ابنة حبيبي وصديقي الفنان الراحل عزت أبو عوف الذي جمعتني به صداقة بعد لقاء بالصدفة، كان يرويه كثيراً عزت، فقد كنت عائداً من الجبهة خلال عملي ضابطاً في أثناء حرب 1967، وذهبت لأمر عاجل لنادي الجزيرة فرأيت عزت يجلس بصحبة مجموعة من أصدقائه فصرخت فيهم: «أنتم تجلسون هنا والبلد كلها تحارب»، وتعارفنا، لتجمعنا بعدها صداقة على مدى سنوات طويلة، وقد كان رحمه الله يتمتع بطيبة ونقاء، وكان فناناً بمعنى الكلمة كموسيقي ومطرب وممثل ناجح.

وفي مسلسل «الأجهر» قدم قابيل دوراً محورياً لرجل أعمال يتخلى عن مبادئه ويعيش نزواته بالزواج سراً من الخادمة، مثلما يقول عنه: «هو رجل بلا مبادئ، يحصل على ما يريده، ويبرر كل أفعاله بمنطقه الخاص، وقد سعدت بالعمل مع زملائي أمام وخلف الكاميرا من مصريين ولبنانيين، فالمسلسل إنتاج لبناني للمنتج الكبير صادق الصباح ونجله أنور، كما سعدت كثيرا بتصويره في بيروت فهي مدينة (طول عمرها في القلب)»، على حد وصفه.

وقدم الفنان شخصية د. يوسف إسكندر، الباحث في تاريخ المصريات عبر مسلسل «سره الباتع» الذي يقول عنه: «هو رجل له وجهة نظر في الحملة الفرنسية وفي مشكلة الثأر، وثورة 25 يناير، ومحاولة الإخوان لتغيير هوية مصر، وقد أحببت الشخصية لأنها تكاد تتطابق مع أفكاري وقناعاتي، وأسعدني العمل مع المخرج خالد يوسف، وقد حظي المسلسل بمشاهدات كبيرة، وأثق أنه مع مرور الزمن ستنصفه الأجيال بشكل أكبر».

قابيل في لقطة من مسلسل «الأجهر» (الشركة المنتجة)

وتتجدد مع شهر يونيو (حزيران)، ذكريات أليمة لقابيل، فقد كان أحد الضباط الذين شاركوا في الحرب، وتعرض لإصابة في قدمه لا يزال يعاني منها: «كان عمري 21 سنة، وتخرجت لتوي برتبة ملازم تحت الاختبار، وكانت عيني عبارة عن كاميرا تسجل كل ما جرى، لا تزال كل لحظة ماثلة أمام عيني، وقد خضعت لجراحات كثيرة على مدى سنوات، وما زلت (أعرج) قليلاً في حركتي، وأضطر لتناول مسكنات عند التصوير بسبب المجهود المضاعف الذي أبذله».



«لا فابريك - المصنع»... منصة للإبداع الفني في الرياض

تتيح منصة «لا فابريك - المصنع» للجمهور فرصة التفاعل المباشر مع العملية الإبداعية (واس)
تتيح منصة «لا فابريك - المصنع» للجمهور فرصة التفاعل المباشر مع العملية الإبداعية (واس)
TT

«لا فابريك - المصنع»... منصة للإبداع الفني في الرياض

تتيح منصة «لا فابريك - المصنع» للجمهور فرصة التفاعل المباشر مع العملية الإبداعية (واس)
تتيح منصة «لا فابريك - المصنع» للجمهور فرصة التفاعل المباشر مع العملية الإبداعية (واس)

أطلق برنامج «الرياض آرت» بالشراكة مع المعهد الفرنسي في السعودية، مساء الأربعاء، «لا فابريك - المصنع»، وهي مساحة جديدة مخصّصة للإبداع الفني والتبادل الثقافي، وذلك في حي جاكس، ضمن إطار الشراكة الثقافية الممتدة بين البلدين، وتستمر حتى 14 فبراير (شباط) المقبل.

ويأتي إطلاق «لا فابريك - المصنع» بوصفها منصة إبداعية مفتوحة صُممت لتكون مختبراً حياً يتيح للفنانين تطوير أفكارهم واختبارها والعمل عليها ضمن بيئة تشاركية تجمع ممارسات فنية معاصرة متعددة، تشمل فنون الأداء، والفنون الرقمية والتفاعلية، والتصوير الفوتوغرافي، والموسيقى، والسينما، وأخرى تفاعلية.

يُمكِّن المختبر الفنانين من تطوير أفكارهم واختبارها والعمل عليها ضمن بيئة تشاركية (واس)

وتتيح المساحة للجمهور فرصة التفاعل المباشر مع العملية الإبداعية أثناء تشكّلها، والاطلاع على مسارات إنتاج الأعمال الفنية وتطوّرها عبر الزمن، بما يُعزّز حضور الفن في الفضاء العام، ويقرّبه من المجتمع.

من جهته، أكد باتريك ميزوناف، السفير الفرنسي لدى السعودية، أن «لا فابريك - المصنع» تجسّد مرحلة جديدة في مسار التعاون الثقافي بين البلدين، مشيراً إلى أن جمع الفنانين في فضاء إبداعي مشترك يفتح المجال لتبادل الخبرات وتلاقي الأفكار، وصناعة تعبيرات فنية معاصرة تعكس عمق الشراكة الثقافية، وتؤكد دور الفن بوصفه جسراً للتواصل وبناء الفهم المتبادل بين المجتمعات.

أكد السفير الفرنسي أن «لا فابريك - المصنع» تجسّد مرحلة جديدة في مسار التعاون الثقافي (واس)

بدوره، أوضح عمر البريك، مدير أول إدارة الفن العام في البرنامج التابع لـ«الهيئة الملكية لمدينة الرياض»، أن إطلاق «لا فابريك - المصنع» يمثل امتداداً لالتزامهم بدعم الممارسات الفنية المعاصرة، وتوسيع نطاق الوصول إلى مسارات التطوير الإبداعي، مبيناً أنه يوفّر منصة تعزّز العمل التشاركي، وتسهم في دعم المنظومة الثقافية بالعاصمة السعودية ومشهدها الإبداعي المتنامي.

إطلاق «لا فابريك - المصنع» يمثل امتداداً لالتزام البرنامج بدعم الممارسات الفنية المعاصرة (واس)

وتعد «لا فابريك - المصنع» منصة طويلة المدى تجمع الفنانين والمؤسسات والاستوديوهات الإبداعية من السعودية وفرنسا، عبر مشاريع فنية مشتركة وحوارات إبداعية تشمل الفنون البصرية، والصورة المتحركة، والإبداع الرقمي، بما يسهم في دعم تحوّل مدينة الرياض إلى وجهة ثقافية دولية، ويتوافق مع مستهدفات «رؤية المملكة 2030»، ويعزّز الروابط الثقافية بين البلدين.


«عند باب المسجد»... لوحة استشراقية تتوج مزاد «بونامز» المقبل

لوحة «فتاة تقرأ القرآن» باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني (بونامز)
لوحة «فتاة تقرأ القرآن» باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني (بونامز)
TT

«عند باب المسجد»... لوحة استشراقية تتوج مزاد «بونامز» المقبل

لوحة «فتاة تقرأ القرآن» باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني (بونامز)
لوحة «فتاة تقرأ القرآن» باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني (بونامز)

في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين شهدت بلاد الشرق توافداً من الفنانين الغربيين الذي تجولوا في المشرق العربي حاملين معهم أدواتهم لتسجيل تفاصيل ذلك العالم الجديد والمختلف بالنسبة إليهم، أخذوا من تلك التفاصيل وملامح الحياة في المدن وفي الصحراء مواد غنية للوحاتهم التي سمحت للشخص في الغرب برؤية ذلك العالم الغامض بالنسبة إليه. غير أن كثيراً من تلك اللوحات لجأت إلى الخيال في تفاصيل كثيرة، خصوصًا فيما يتعلق بعالم النساء، أو الحريم، كما ظهر في لوحات الفنانين العالميين وقتها.

تنتمي أعمال الفنان التركي عثمان حمدي بك إلى اللون الاستشراقي ولكن كانت لديه ميزة عن غيره من الفنانين الاستشراقيين وهي أنه كان يرسم تفاصيل عالمه الشرقي ولكن بالأسلوب الغربي الذي درسه في فرنسا واستلهمه من أهم الفنانين الاستشراقيين في بدايات القرن العشرين. تميزت لوحات حمدي بك بالأسلوب الهادئ الذي لا يبحث عن الإثارة عبر الخيال ولكنه اعتمد على مشاهد من الحياة حوله. وحمَّل لوحاته بالكثير من التفاصيل الجمالية للقصور والمساجد وأيضاً النساء، ولكن بأسلوب أكثر رقياً وأقل إثارةً عن لوحات الاستشراقيين. وكان حمدي بك من أوائل الفنانين العثمانيين الذين ربطوا بين عالمي الفن في تركيا وفرنسا، وقد عكست أعماله، في جوانب عديدة، المواضيع الاستشراقية التي لاقت رواجاً كبيراً في أوروبا آنذاك.

لوحة «عند باب المسجد» للفنان عثمان حمدي بك (بونامز)

عُرضت لوحات حمدي بك في أهم المتاحف، وحققت أرقاماً عالية في المزادات العالمية مثل لوحة «فتاة تقرأ القرآن» التي باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني، واليوم تطرح الدار لوحة أخرى لحمدي بك تقدِّر لها سعراً مبدئياً يتراوح ما بين 2 و3 ملايين جنيه، معتمدةً على جاذبية لوحات الفنان التركي الشهير لهواة الاقتناء.

اللوحة التي تعرضها الدار في 25 من مارس (آذار) المقبل ضمن مزادها للوحات القرن التاسع عشر والفن الانطباعي البريطاني، تحمل عنوان «عند باب المسجد»، وتصور مشهداً لباب أحد المساجد بمدينة بورصة بتركيا. تعرض اللوحة تفاصيل المشهد أمامنا بدقة وبألوان دافئة، مما يمنح اللوحة عموماً إحساساً بالهدوء يزيده وجود الحَمَام في أكثر من مكان في اللوحة؛ فهناك حمامات تلتقط بعض البذور من الأرض، وهناك عدد آخر منها يجلس على عارضة معدنية أعلى باب المسجد. ولكن المشهد أمامنا يبدو غنياً بالحياة والتفاعل بين الشخصيات أمامنا. في المشهد وعلى عتبات مدخل المسجد نرى عدداً من الأشخاص، كل منهم له شخصية مميزة؛ فهناك رجل يشمِّر عن ذراعيه استعداداً للوضوء، وخلفه شخص آخر يبيع بعض الكتب، وشخص إلى جانبه يجلس في تأمل... لا يغيب عن نظرنا شخصان إلى يسار اللوحة أحدهما يرتدي جلباباً أصفر اللون وعمامة جلس إلى جانبه متسول يمد يده وعلى وجهه تعبيرات التوسل. إضاءة لطيفة: يبدو أن الفنان قد رسم نفسه في ثلاث شخصيات هنا؛ فهو الرجل ذو الجلباب الأصفر، والرجل في يمين اللوحة الذي يتهيأ للوضوء، وهو أيضاً المتسول.

النساء في اللوحة أيضاً ظاهرات؛ نرى سيدة ترتدي رداءً ورديَّ اللون وهي تحمل مظلة بيضاء، لا نرى وجهها ولكنها فيما يبدو تنظر إلى كلب وقف يستجدي بعض الطعام من شخص جالس. تتلون أزياء النساء بألوان رائقة ومريحة للعين، فنرى سيدة ترتدي زياً باللون السماويّ، وأخرى باللون البرتقاليّ، وسيدة ترتدي زياً أبيض اللون بينما تحمل مظلة حريرية باللون الأخضر الفاتح. ما يميز المشهد هنا هو الحركة، تقع العين على سيدة تنظر إلى أخرى وهي مبتسمة كأنها تستكمل حديثاً بدأته منذ قليل، تقابلها سيدتان واقفتان أعلى الدرج؛ إحداهما تنظر أمامها بينما الأخرى تنظر إلى طفلة وطفل جالسين على الدَّرَج وعلى وجهها ابتسامة. تبدو الفتاة الصغيرة كأنها تنظر إلى المشاهد وتضع يداها على خصرها فيما يضحك الطفل إلى جانبها. التفاصيل كثيرة جداً هنا، ويتميز فيها أيضاً الاهتمام بتفاصيل البناء والزخارف على أعلى المدخل والستارة المطوية لتسمح للناس بدخول المسجد. تأخذ اللوحة عين الناظر لملاحظة نافذة مزخرفة أعلى البناء وقد تدلَّت منها سجادة مزخرفة بألوان جميلة.

حسب الدار؛ فاللوحة تُعرض في المزاد للمرة الأولى وتتمتع بسجل ملكية موثق ومتميز، إذ اقتُنيت مباشرةً من الفنان بعد أربع سنوات من إنجازها، حسب تصريح تشارلز أوبراين، مدير قسم لوحات القرن التاسع عشر في «بونامز» الذي يضيف أن اللوحة تُعد «مثالاً رائعاً على أعمال عثمان حمدي بك، أحد أبرز الشخصيات في المشهد الثقافي العثماني في مطلع القرن العشرين. إنها لوحة رائعة بكل المقاييس، من حيث الحجم والتفاصيل، وبوصفها من أوائل لوحاته ذات الأبعاد الضخمة، فهي تُعدّ مثالاً مثالياً على دمج مشهد شارع معاصر مع بعض السمات المعمارية لمسجد عثماني من القرن الخامس عشر."


الفرنسيون يتراجعون عن المآدب المنزلية لصالح المطاعم

دعوة منزلية (أ.ف.ب)
دعوة منزلية (أ.ف.ب)
TT

الفرنسيون يتراجعون عن المآدب المنزلية لصالح المطاعم

دعوة منزلية (أ.ف.ب)
دعوة منزلية (أ.ف.ب)

كشف التقرير السنوي لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عن أن نسبة الأوروبيين الذين يلتقون بأصدقائهم يومياً تراجعت من 21 في المائة عام 2006 إلى 12في المائة عام 2022. وتشير دراسة حديثة في فرنسا حول اتجاهات الطعام أجراها مرصد المجتمع والاستهلاك، إلى أن 43 في المائة من الفرنسيين يتناولون العشاء بمفردهم في المنزل، مقارنةً بنحو 29 في المائة قبل عشرين عاماً. لكن الظاهرة الأكثر لفتاً للانتباه هي التراجع عن دعوة المعارف لعشاء منزلي وتفضيل المطاعم، اختصاراً للجهد والقلق الذي يسبق الاستعداد لاستقبال الضيوف.

ويبدو أن عادة «تناول العشاء في المنزل» وجميع أشكال التجمعات العفوية داخل المنازل تتراجع ببطء ولكن بثبات وهي قد تمضي نحو الانقراض. ويأتي ضيق مساحات المعيشة في مقدمة الأسباب الواردة في الدراسة. وفي المرتبة الثانية الإرهاق والضغط الاجتماعي لتقديم ضيافة مميزة.

وفي استطلاع حول الموضوع نشرته صحيفة «الفيغارو» الفرنسية، قالت إيميلي، وهي مهندسة معمارية تبلغ من العمر 37 عاماً، إن سنتين مضتا على آخر مرة دعت فيها أصدقاءها لتناول العشاء. كان ذلك في عيد ميلادها. وأضافت: «قضيت أسابيع في التفكير والقلق بشأن ما سأطبخه، وما إذا كانت شقتي واسعة ومريحة ونظيفة بما يكفي». لكن في طفولتها، كانت وجبات عشاء ليلة السبت في منزل والديها أمراً معتاداً. وهي تتذكر تلك الأمسيات الحميمة قائلة: «10 أشخاص حول المائدة وتأتي والدتي بالطبخة لتضعها على المائدة بينما يفتح والدي قنينة الشراب وينتهي الأمر».

في التقرير ذاته، يوضح جان بيير كوربو، الأستاذ الفخري لعلم اجتماع الغذاء والاستهلاك في جامعة تور، أن دعوة الناس تعني السماح لهم بالدخول إلى جزء من حياتك الخاصة، أي عالمك الحميم. وقد أصبحت هذه الحميمية أكثر هشاشة وانكشافاً، خصوصاً مع تقلص مساحات الشقق الحديثة. إذ ليس من الممكن دائماً الفصل بين ما يُعتبر لائقاً وما يرغب المرء في إخفائه. ويضيف: «عندما تُستخدم غرفة النوم غرفة معيشة أيضاً، وعندما يكون المطبخ مكشوفاً، فإن استقبال الضيوف يعني فضح كل شيء، وهذا ما لا يرغب به الجميع. إن دعوة شخص ما إلى المنزل ليست بالأمر الهين في أيامنا».

من الذين شملهم التقرير بائعة شابة تدعى نورا، تسكن في «ستوديو»، أي شقة من غرفة واحدة في باريس، وهي تشرح سبب تحرجها من دعوة زملاء العمل بقولها: «شقتي صغيرة وفوضوية بعض الشيء. إن فكرة استضافة زملائي تعني اضطراري إلى ترتيب كل شيء قبل ثلاثة أيام. وهو أمر يسبب لي التوتر. وحتى مع العائلة، أجد صعوبة في التخلي عن الفوضى وأخشى أنها تعطي انطباعاً سلبياً عني». ومثل نورا، صارت نسبة غالبة من الفرنسيين تفضل نقل التجمعات إلى أماكن محايدة، مثل المقاهي والمطاعم، حيث لا حاجة إلى التبرير أو التفسير. لكن هذا التغيير لا يقتصر على المساحة فحسب بل هو جزء من تحول أوسع في أنماط الحياة المعاصرة. ولاحظ مهندس معماري أن المساكن المعاصرة أصبحت هجينة. ولم تعد غرفة الطعام مكاناً أساسياً مثل السابق بل جرى اختصارها إلى طاولة مستديرة في زاوية غرفة المعيشة. وهذه الغرفة هي مساحة مختلطة تصلح للنوم والأكل والعمل وتصفح الهواتف.

وحسب مقياس «ألفابيت فرانس-إيفوب» لعام 2024، يقضي الفرنسيون ما يقارب 50 دقيقة يومياً في التنقل بين المنزل والعمل، مما يشكل ضغطاً على جداولهم الزمنية وتواصلهم الاجتماعي. فزملاء العمل موزعون في الضواحي ويستغرق الأمر ساعات لكي يعودوا للاجتماع في مكان واحد بعد الدوام. لقد أصبح المسكن، بالنسبة لكثيرين، ملاذاً حقيقياً ومكاناً للراحة النفسية. ومع تراجع الدعوات المنزلية صار اللقاء في المطعم هو الحل. وما يقال عن فرنسا يصلح لغيرها من الدول، حتى في عالمنا العربي.