اكتشاف «أكبر» ورشتي تحنيط آدمية وحيوانية في سقارة

تعودان إلى نهاية الأسرة الـ30 وبداية العصر البطلمي

نقوش على جدران إحدى المقابر الأثرية (وزارة السياحة والآثار)
نقوش على جدران إحدى المقابر الأثرية (وزارة السياحة والآثار)
TT

اكتشاف «أكبر» ورشتي تحنيط آدمية وحيوانية في سقارة

نقوش على جدران إحدى المقابر الأثرية (وزارة السياحة والآثار)
نقوش على جدران إحدى المقابر الأثرية (وزارة السياحة والآثار)

أعلنت وزارة السياحة والآثار المصرية الكشف عن ورشتي تحنيط آدمية وحيوانية، وصفتهما بأنهما «الأكبر» و«الأكثر اكتمالاً». وأعلن وزير الآثار أحمد عيسى، أنه «للمرة الأولى يتم الكشف عن أكبر وأكمل ورشتين للتحنيط في منطقة آثار سقارة».

جاء الكشف خلال أعمال حفائر الموسم السادس للبعثة المصرية العاملة في منطقة جبانة الحيوانات المقدسة (البوباسطيون) بمنطقة آثار سقارة (محافظة الجيزة)، وتضمّن إلى جانب ورشتي التحنيط مجموعة من اللقى الأثرية ومقبرتين، وفق المسؤولين عن البعثة.

من جهته، أوضح الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار ورئيس البعثة الدكتور مصطفى وزيري، أنّ الورشتين المكتشفتين «تعودان إلى أواخر عصر الأسرة الـ30 وبداية العصر البطلمي، والبعثة تمكنت كذلك من الكشف عن مقبرتين تعودان إلى فترتي الدولة القديمة والحديثة، إضافة إلى عدد من اللقى الأثرية».

مجموعة من اللقى الأثرية (أ.ب)

وورشة التحنيط الآدمية عبارة عن مبنى مستطيل الشكل من الطوب اللبن (قرميد بدائي)، مقسم من الداخل إلى عدد من الحجرات تحتوي على سريرين للتحنيط الآدمي، وتبلغ أبعاد السرير نحو مترين طولاً، ومتر عرضاً و50 سنتيمتراً ارتفاعاً، وهو مكوّن من كتل حجرية عدّة. وقال وزيري إنه «عُثر داخل الورشة على عدد كبير من الأواني الفخارية، من بينها أوانٍ ربما كانت تُستخدم في عملية التحنيط، كما كُشف عن بعض الأدوات والأواني الطقسية وكمية كبيرة من الكتان ومادة الراتينج الأسود المستخدمة في التحنيط».

ولفت الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار إلى أنّ ورشة التحنيط الحيوانية «عُثر بداخلها على عدد كبير من الأواني الفخارية وبعض الدفنات الحيوانية مختلفة الأشكال والأحجام، إلى جانب بعض الأدوات الخاصة بالتحنيط الحيواني كالكتان وبعض الأدوات البرونزية». وقال إنّ «دراسة اللقى الأثرية داخل هذه الورشة، ترجح استخدامها في تحنيط الحيوانات المرتبطة بالإله باستت».

وبدأت البعثة الأثرية المصرية عملها في المنطقة عام 2018، وعلى مدار 6 مواسم، أُعلن عن عدد من الاكتشافات الأثرية، أبرزها مقبرة لكاهن من الأسرة الخامسة يدعى «واحتى»، وخبيئة للحيوانات المقدسة، تضم مومياوات وقططاً وحيوانات مختلفة. وعام 2020، أُعلن عن اكتشاف أكثر من 100 تابوت خشبي مغلقة بحالتها الأولى من العصر المتأخر، و40 تمثالاً لإله جبانة سقارة «بتاح سوكر». وخلال موسم حفائر البعثة في العام الماضي، كُشف عن «أول وأكبر خبيئة تماثيل برونزية تضم 150 تمثالاً لآلهة مصرية قديمة، بالإضافة إلى 250 تابوتاً خشبياً ملوناً مغلقاً يحتوي على مومياوات».

بدوره، أكد المدير العام لمنطقة آثار سقارة والمشرف على الحفائر صبري فرج، لـ«الشرق الأوسط»، أنّ «المنطقة غنية بالاكتشافات، ولم تبح بعد بأسرارها». وبشأن المقبرتين، أوضح أنّ «الأولى لشخص يدعى (ني حسوت با)، وهو أحد موظفي عصر الدولة القديمة من الأسرة الخامسة (نحو 2400 قبل الميلاد)، ويحمل العديد من الألقاب الدينية والإدارية أهمها (كبير عشرة الجنوب) و(مدير الكتبة) و(كاهن الإله حورس والإله ماعت)، و(المسؤول القانوني عن شق الترع والقنوات)».

أما الثانية فتخصّ شخصاً يدعى «من خبر»، من عصر الدولة الحديثة من الأسرة الـ18 (1400 قبل الميلاد) حمل لقب «كاهن الإله قادش»، وهي «معبودة أجنبية من أصل كنعاني من منطقة سوريا كانت تعبد في مدينة قادش وعبدت في مصر في عصر الأسرة الـ18، وكانت المعبودة الخاصة بالخصوبة، وسيدة نجوم السماء عظيمة السحر»، وفق فرج.

وتضمّن الكشف مجموعة من اللقى الأثرية، من بينها تماثيل حجرية وتماثيل من الخشب والحجر لشخص يدعى «شبسس كا» من عصر الأسرة الخامسة، وتابوت من الخشب الملون على هيئة آدمية من عصر نهاية الدولة الحديثة وبداية عصر الانتقال الثالث، ومجموعة من موائد القرابين، وأبواب وهمية، ومجموعة من التمائم المصنوعة من الفيانس والأحجار، وتماثيل أوشابتي، وأجزاء من بردية، وقطع من البرونز، ومجموعة من الأواني الفخارية التي تحوي جبنة ماعز مصرية تعود لنحو 600 عام قبل الميلاد.

وقال وزير السياحة والآثار إنّ «منطقة آثار سقارة تعد أحد أهم أجزاء جبانة منف المُسجّلة على قائمة التراث العالمي لـ(اليونسكو)، وهي بمثابة متحف مفتوح يبرز جانباً كبيراً من فترات التاريخ المصري القديم، حيث تَحتضن أقدم بناء حجري في تاريخ البشرية وهو هرم (زوسر) المدرج على القائمة، إلى جانب العديد من أهرامات الملوك والملكات».

«المنطقة غنية بالاكتشافات، ولم تبح بعد بأسرارها»

صبري فرج المدير العام لمنطقة آثار سقارة والمشرف على الحفائر


مقالات ذات صلة

ألواح فسيفسائية من قصر الحلابات

ثقافة وفنون ألواح فسيفسائية من قصر الحلابات

ألواح فسيفسائية من قصر الحلابات

تحوي الأراضي الأردنية مجموعة هائلة من المواقع الأثرية تتميّز بحللها الفسيفسائية المتعددة الأشكال، وتعود إلى الحقبة البيزنطية، وتشهد لتقليد فني ازدهر وراج بشكل..

محمود الزيباوي
يوميات الشرق القطع المستردَّة تعود لعصور مختلفة (وزارة الخارجية المصرية)

مصر تسترد عشرات القطع الأثرية النادرة من أميركا

استردت مصر 48 قطعة أثرية نادرة من الولايات المتحدة، في مراسم رسمية بمدينة لوس أنجليس، بحضور مسؤولي مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (FBI) وقنصل مصر.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق مجسم يمثل حصان طروادة في مدينة حصارليك/ طروادة (غيتي)

كنز طروادة المسلوب... تركيا وألمانيا تطالبان به وروسيا لا تنوي إعادته

حين تطرقت الأستاذة زينب بوز إلى مصير ذهب مدينة طروادة القديمة الشهير شعرت لأول مرة بوطأة الألم الناجم عن فقدان كنوز بلادها التي نقلت إلى الخارج.

غراهام باولي (نيويورك)
يوميات الشرق لوحة رمسيس الثاني النادرة بعد إعادة عرضها بالمتحف المصري (وزارة السياحة والآثار)

لوحة رمسيس الثاني تثير جدلاً... والمتحف المصري يحسم «قصة الإسمنت»

تأتي أعمال الترميم ضمن مشروع تطوير سيناريو العرض المتحفي بالمتحف وإعادة ترتيب مقتنياته داخل سياقها التاريخي والحضاري والديني الملائم...

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق سور مجرى العيون بعد تطويره (الشرق الأوسط)

«سور مجرى العيون» بالقاهرة ينفض غبار السنين ويظهر بحلة جديدة

يرجع تاريخ إنشاء السور إلى عهد الناصر صلاح الدين الأيوبي؛ إذ كان الهدف من بنائه تزويد القلعة بالمياه.

حمدي عابدين (القاهرة)

احتفالات المولد النبوي في مصر... طقوس روحانية مُفعمة بالبهجة

مواطنون من مختلف الأعمار في احتفال ليلة المولد بالأقصر (حساب الأقصر اليوم على «فيسبوك»)
مواطنون من مختلف الأعمار في احتفال ليلة المولد بالأقصر (حساب الأقصر اليوم على «فيسبوك»)
TT

احتفالات المولد النبوي في مصر... طقوس روحانية مُفعمة بالبهجة

مواطنون من مختلف الأعمار في احتفال ليلة المولد بالأقصر (حساب الأقصر اليوم على «فيسبوك»)
مواطنون من مختلف الأعمار في احتفال ليلة المولد بالأقصر (حساب الأقصر اليوم على «فيسبوك»)

بمزيج من الروحانية والبهجة الشعبية، احتفل مصريون بحلول ذكرى المولد النبوي الشريف، عبر الفعاليات الدينية، والمواكب الجماهيرية، وإحياء المظاهر الفلكلورية المرتبطة بالمناسبة منذ عشرات السنين.

وفي حين شملت الاحتفالات الرسمية تنظيم الأمسيات الدينية والندوات في المساجد الكبرى، التي تتناول السيرة النبوية ومآثر الرسول صلى الله عليه وسلم وأخلاقه الكريمة؛ تنوعت الاحتفالات الشعبية بين حلقات الذكر والابتهالات، وخروج المسيرات والمواكب التي تتغنى بالأناشيد الروحانية على نقرات الطبول والدفوف، إلى جانب إعداد الأطباق التقليدية وتوزيع الحلوى في الشوارع.

ويشهد محيط مسجد الحسين بالقاهرة، أبرز احتفالات المولد النبوي الشريف، حيث تجتذب المنطقة آلاف المواطنين، حيث تقام السرادقات التي تستقبل الزوار القادمين من المحافظات، للمشاركة في إحياء الذكرى بالمدائح النبوية والابتهالات الدينية، ما يجعل المنطقة بؤرة شديدة الزحام.

مصرية تطالع «حصان السكر» ضمن احتفالات المولد النبوي (أرشيفية- رويترز)

وتمتد مظاهر الاحتفال إلى مختلف المحافظات، التي ترسم لوحة مفعمة بالبهجة والعادات المتوارثة، تعبيراً عن الفرح بالمناسبة العطرة، وحفاظاً على التراث الثقافي المحبب للشخصية المصرية.

وتعكس احتفالات المولد النبوي في مصر خصوصية كل محافظة، ومن أبرزها ما شهدته محافظة الأقصر (جنوب مصر)، ففي قرية «منشأة العماري»، تستمر الاحتفالات لمدة 10 أيام، وتضم مجالس ذكر وسباقات خيول وعزف فرق المزمار والربابة وحلقات تحطيب. ويشارك في هذه الاحتفالات عشرات الآلاف من أبناء الأقصر والمحافظات المجاورة، فضلاً عن العديد من السائحين.

كما شهدت منطقة الكرنك بالأقصر أجواءً احتفالية، حيث نظّم أبناء المنطقة ما يُعرف بـ«دورة المولد»، وهي مسيرة شعبية تجوب عدداً من الشوارع، وسط مشاركة واسعة من الأهالي والأسر والأطفال.

وفي مدينة نقادة بمحافظة قنا (جنوب مصر)، خرجت مواكب بالجمال ومسيرات بالسيارات احتفالاً بالمولد النبوي الشريف، وتضمنت الفعاليات تجمعات دينية وشعبية، حيث ردّد الأهالي الأناشيد والمدائح النبوية وسط أجواء من المحبة والفرحة، مع توزيع الحلوى على المارة. وفي مدينة دشنا بالمحافظة، نُظمت مواكب كبيرة بالمدائح النبوية، لتتحول الشوارع إلى ساحات احتفالية عارمة تجمع بين الطابع الديني والبهجة الشعبية.

أما في المنيا، فقد نُظمت مسيرات حاشدة انطلقت من أمام المساجد الكبرى وطافت الشوارع، ورُفعت خلالها الأعلام والرايات الخضراء التي تحمل آيات قرآنية وعبارات احتفالية، في حين ردّد المشاركون المدائح النبوية عبر مكبرات الصوت، في مشهد جماهيري معتاد.

مواطنون بمحافظة الأقصر جنوب مصر في احتفال ديني بالمولد النبوي (حساب بوابة الأقصر على «فيسبوك»)

وفي الإسكندرية شمالاً، ظهر حرص الأهالي على عادة شعبية متوارثة في يوم المولد النبوي، حيث يُعدّ «الشربات بالموز» ويُوزّع في الشوارع على المارة وراكبي السيارات، التي تتوقف بدورها ليشارك الجميع في احتساء المشروب، ما يُضفي على الاحتفال طابعاً من الفرح الجماعي.

وهي العادة التي انتقلت إلى مدينة كفر الدوار بمحافظة البحيرة (دلتا مصر)، حيث تسابق الأهالي في توزيع الشربات بالموز، إلى جانب الساندويتشات، على المواطنين.

وفي شوارع دمياط، أضفت عروض رقص التنورة أجواء فنية مميزة على الاحتفالات، حيث امتزج الفن الشعبي بالمدائح الدينية.

وأوضح الباحث في التراث الشعبي محمد الدسوقي أن «المصريين يميلون بطبيعتهم إلى الشكل الاحتفالي في المناسبات الدينية»، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «ذكرى المولد النبوي مناسبة تتحول دائماً إلى تظاهرة فنية مبهجة، وسط حالة فلكلورية مميزة، مع انتشار شوادر بيع حلوى المولد الشهيرة. وهذه المظاهر ليست استثناءً، بل جزء من ثقافة شعبية متجذرة، إذ يحرص كثيرون على إحياء الموالد، لكون الشعب المصري معجوناً بالفلكلور والجمال والمحبة».

احتفالات المولد النبوي في مصر تحمل خصوصية لكل محافظة (حساب الأقصر اليوم على «فيسبوك»)

ويشير إلى أن أكثر هذه المظاهر تجلياً يكون عبر الطعام، إذ ترتبط كل مناسبة بأطباق وحلوى مخصوصة، بوصفه نوعاً من الاحتفال الفلكلوري. وعلى سبيل المثال، ليست «عروسة المولد» الشهيرة مجرد حلوى، بل هي امتداد لرمز الخير المرتبط بفيض النيل، لذا تفنن المصريون في تشكيلها وزركشتها بالذهب والألوان منذ العصر الفاطمي، لافتاً إلى أن استمرار شوادر بيع الحلوى، وكذلك «عروسة المولد والحصان»، دليل على الميل إلى هذه الطريقة في الاحتفال.

ويبيّن أن احتفالات المولد ورموزها ألهمت كثيراً من الفنانين التشكيليين المصريين، بما يؤكد تجذّرها في الثقافة الشعبية واستمرار حضورها.


كيف تخلى نابليون عن جيشه في مصر من أجل مجد باريس؟

لوحة «نابليون أمام أبو الهول» بريشة «جان ليون جيروم» (قرابة سنة 1868) محفوظة في قلعة هيرست بولاية كاليفورنيا في الولايات المتحدة (ويكيبيديا)
لوحة «نابليون أمام أبو الهول» بريشة «جان ليون جيروم» (قرابة سنة 1868) محفوظة في قلعة هيرست بولاية كاليفورنيا في الولايات المتحدة (ويكيبيديا)
TT

كيف تخلى نابليون عن جيشه في مصر من أجل مجد باريس؟

لوحة «نابليون أمام أبو الهول» بريشة «جان ليون جيروم» (قرابة سنة 1868) محفوظة في قلعة هيرست بولاية كاليفورنيا في الولايات المتحدة (ويكيبيديا)
لوحة «نابليون أمام أبو الهول» بريشة «جان ليون جيروم» (قرابة سنة 1868) محفوظة في قلعة هيرست بولاية كاليفورنيا في الولايات المتحدة (ويكيبيديا)

في ليلة باهتة من ليالي أغسطس (آب) عام 1799، ساد الصمت شواطئ مدينة الإسكندرية المصرية. ولم يكن أحد من جنود الحملة الفرنسية، أو من أهالي المدينة المنهكين من المعارك والضرائب، يعلم أن سفينتين حربيتين فرنسيتين تقفان على مسافة قريبة من الشاطئ في انتظار أهم رجل في أوروبا.

في تلك اللحظات، كان الجنرال الشاب نابليون بونابرت يستعد لتنفيذ خطة هروب سرية للغاية، واضعاً حداً لمغامرته الشرقية التي بدأت بآمال إمبراطورية عريضة قبل عام واحد فقط.

نابليون بونابرت يخاطب العلماء المرافقين للحملة الفرنسية على مصر (معرض الإسكندرية بين بونابرت وكليبر)

خطوة بونابرت بالفرار نحو باريس لم تكن مجرد مناورة عسكرية، بل كانت انسحاباً دراماتيكياً وتاريخياً غيّر مسار الشرق الأوسط، وتخلياً غير متوقع عن جيش كامل تركه بونابرت يواجه مصيره المحتوم وسط رمال مصر الساخنة وتحت ضربات العثمانيين والإنجليز.

لوحة تجسد الاستيلاء على الإسكندرية وظهور نابليون بونابرت أمام أبراجها (معرض الإسكندرية بين بونابرت وكليبر)

أحلام الشرق تتكسر على صخرة الواقع

دخل نابليون بونابرت مصر عام 1798 وفي مخيلته أمجاد الإسكندر الأكبر، باحثاً عن قطع طريق التجارة البريطاني نحو الهند وتأسيس إمبراطورية فرنسية في الشرق.

لكن الواقع كان أشد قسوة من طموحات الجنرال الشاب، فبعد أسابيع قليلة من وصوله، دمّر الأدميرال البريطاني نيلسون الأسطول الفرنسي في معركة أبي قير البحرية، ليصبح جيش بونابرت محاصراً ومعزولاً عن خطوط إمداده في أوروبا.

«معركة أبي قير البحرية» بين الأسطولين البريطاني والفرنسي يوم 1 أغسطس 1798 بريشة لوني طوماس (ويكيبيديا)

وتوالت الضربات على الحملة، من ثورة القاهرة الأولى العنيفة، إلى فشل حصار مدينة عكا في الشام الذي حطّم كبرياء نابليون العسكري، وانتشار مرض الطاعون الفتاك بين جنوده.

أدرك بونابرت مبكراً أن الشجرة الفرنسية لن تضرب جذورها في طمي النيل، وأن البقاء في مصر يعني الموت البطيء، بينما كانت الأخبار الواردة من باريس تتحدث عن اضطرابات سياسية وهزائم عسكرية فرنسية في أوروبا، وهي فرصة ذهبية كان يحتاجها ليقفز إلى السلطة في بلاده.

صورة بونابرت ومساعدوه في مصر خلال معركة الأهرام رسمت عام 1863 (ويكيبيديا)

مؤامرة في جوف الليل والفرار نحو باريس

لم يصارح نابليون جنوده حتى قادته الكبار بنيته في الرحيل، خوفاً من حدوث تمرد عسكري أو انهيار الروح المعنوية لما تبقى من الجيش. وتحت ستار من السرية المطلقة، وبحجة القيام بجولة تفتيشية في الدلتا، توجه بونابرت إلى شاطئ المعمورة في الإسكندرية برفقة حفنة صغيرة من رجاله المخلصين والعلماء المقربين.

لوحة «معركة الأهرامات» (1808) للبارون لويس-فرانسوا لوزان، وتظهر مواجهة جيش نابليون مع خيالة المماليك قرب القاهرة عام 1798 (ويكيبيديا)

وفي فجر الثاني والعشرين من أغسطس، استقل الجنرال الفرنسي السفينة الحربية «ميركور» متسللاً عبر الحصار البحري البريطاني الصارم بفضل ضباب فجر ذلك اليوم الحذر.

ترك نابليون وراءه رسالة وداع مكتوبة موجهة لجيشه، مبرراً رحيله المفاجئ بأن «مصلحة الوطن العليا» تستدعي وجوده الفوري في فرنسا، لتسجل هذه الليلة واحدة من أكثر عمليات الهروب السياسي إثارة للجدل في التاريخ العسكري الحديث.

الجنرال جان بابتيست كليبر (ويكيبيديا)

الهدية المسمومة والتركة الثقيلة للجنرال كليبر لم تكن الصدمة في باريس بل في القاهرة، حيث استيقظ الجنرال جان باتيست كليبر، أحد أكفأ قادة الحملة وأكثرهم شعبية بين الجنود، ليجد نفسه قد عُيّن خطياً وبأمر من نابليون قائداً عاماً للحملة الفرنسية في مصر.

لم يكن كليبر يعلم بالخطة، وشعر بإهانة بالغة وغضب عارم من تصرف بونابرت الذي اعتبره «نذالة عسكرية» وهروباً من المسؤولية.

كانت التركة التي تركها نابليون لكليبر أشبه بهدية مسمومة، جيش تناقصت أعداده إلى النصف، خزانة خاوية من المال، جنود ينهشهم الطاعون والإحباط، وعداء مستعر مع الأهالي والعثمانيين والإنجليز.

لم يجد كليبر بداً من كتابة تقارير لاذعة للحكومة الفرنسية، يفضح فيها الوضع المزري الذي تركه بونابرت، ويبدي رغبته في إنهاء المغامرة بأي ثمن يحفظ كرامة ما تبقى من رجاله.

اللوحة الزيتية التاريخية الشهيرة التي رسمها الفنان الفرنسي فرانسوا بوشو والتي تُخلد اللحظة الدراماتيكية لـ انقلاب «18 برومير» عام 1799، عندما دخل نابليون بونابرت قاعة المجلس للإطاحة بالحكومة وتولي زمام السلطة في فرنسا (ويكيبيديا)

نهاية مأساوية لطموح فرنسي قصير الأمد

أثبتت الأيام أن فرار نابليون السري كان طوق النجاة الشخصي له، ولكنه كان حكم الإعدام على الحملة الفرنسية في مصر، فبينما كان بونابرت ينجح في باريس بتنفيذ انقلاب «18 برومير» ويصبح القنصل الأول ومستبد فرنسا المطلق، كان الجنرال كليبر يحاول يائساً لملمة جراح الجيش الفرنسي في القاهرة.

اللوحة التشكيلية التاريخية للفنان الفرنسي أنطوان جان غرو، والتي يُجسد فيها اللحظات الدراماتيكية لاغتيال الجنرال الفرنسي جان بابتيست كليبر في حديقة قصره بالقاهرة عام 1800 على يد الطالب السوري سليمان الحلبي (ويكيبيديا)

وعلى الرغم من حنكة كليبر العسكرية وانتصاره في معركة عين شمس، فإن طعنات خنجر الشاب السوري سليمان الحلبي أنهت حياته في حديقة مقره بالقاهرة عام 1800.

الطالب السوري سليمان الحلبي (ويكيبيديا)

تولى بعده القائد «مينو» الذي لم يصمد طويلاً، لتستسلم الحملة الفرنسية رسمياً وتغادر مصر عام 1801.

رحل نابليون وبقيت قصة هروبه من الإسكندرية فصلاً مثيراً يتأرجح بين عبقرية الانتهازية السياسية والتضحية بمصائر الجنود من أجل المجد الشخصي.


الذكاء الاصطناعي وتعدد اللغات يعيدان تشكيل المشهد الإعلامي السعودي

الزميل فيصل عباس مشاركاً في الندوة البرلمانية بباريس (الشرق الأوسط)
الزميل فيصل عباس مشاركاً في الندوة البرلمانية بباريس (الشرق الأوسط)
TT

الذكاء الاصطناعي وتعدد اللغات يعيدان تشكيل المشهد الإعلامي السعودي

الزميل فيصل عباس مشاركاً في الندوة البرلمانية بباريس (الشرق الأوسط)
الزميل فيصل عباس مشاركاً في الندوة البرلمانية بباريس (الشرق الأوسط)

شكّل دور الإعلام في إعادة تقديم صورة السعودية والعالم العربي أمام الجمهور الدولي، إلى جانب تأثير الذكاء الاصطناعي والتحولات في عادات استهلاك الأخبار، محوراً رئيسياً في جلسة حوارية استضافها مجلس الشيوخ الفرنسي، بمشاركة الزميل فيصل عباس، رئيس تحرير صحيفة «عرب نيوز».

وتناول عباس خلال الجلسة، التي أدارتها السيناتورة الفرنسية ناتالي غوليه، التحولات التي يشهدها قطاع الإعلام، خصوصاً مع التوسع في المحتوى متعدد اللغات، ودور التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي في الوصول إلى جماهير جديدة.

تغيير المفاهيم

وكان دور الإعلام في تغيير المفاهيم السائدة عن السعودية والعالم العربي محوراً رئيسياً؛ حيث تناول عباس أدوار الذكاء الاصطناعي ومبادرات المحتوى متعدد اللغات المتزامنة مع إطلاق صحيفة «عرب نيوز» بالفرنسية (Arab News en français) والذكرى الخمسين لتأسيس الصحيفة. ويهدف هذا التوسع اللغوي إلى إيصال التغطيات الإعلامية إلى جمهور دولي أوسع، يصل إلى نحو 80 في المائة من سكان العالم.

وأشار عباس إلى أن الوصول إلى الجمهور العالمي لا يعني بالضرورة تفاعله مع المحتوى، مستشهداً بالمثل القائل: «يمكنك قيادة الحصان إلى الماء، لكنك لا تستطيع إجباره على الشرب»، في إشارة إلى التغير الكبير في طرق استهلاك الأخبار ودور منصات التواصل الاجتماعي في تشكيل اهتمام الجمهور.

منظور الرصاص والقنابل

وفي هذا السياق، تناول النقاش دور الذكاء الاصطناعي ومبادرات المحتوى متعدد اللغات في تطوير العمل الإعلامي والوصول إلى جماهير جديدة.

الزميل فيصل عباس متحدثاً في الندوة البرلمانية بباريس (الشرق الأوسط)

ولم يخْلُ النقاش من التطرق إلى تمكين المرأة والتغيرات الاجتماعية الواسعة؛ إذ أكد عباس على ضرورة ألا يُختزل العالم العربي في مشاهد النزاع فقط، قائلاً: «لا ينبغي رؤية العالم العربي من منظور الرصاص والقنابل فحسب»، مسلطاً الضوء على الفرص الواعدة في المنطقة والتطورات الجارية في السعودية.

مواكبة التحولات

كما أشار عباس إلى أهمية التطورات التي تشهدها السعودية والمنطقة في تغيير الصورة النمطية السائدة، مؤكداً أن التحولات الجارية تستحق أن تحظى باهتمام إعلامي يتجاوز تغطية الأزمات والصراعات.

وتناول النقاش كذلك التوجه السعودي نحو تعزيز الحضور الدولي والانفتاح على الأسواق والجمهور العالمي، ودور الإعلام في مواكبة التحولات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي تشهدها المملكة.

«نادي صحافة فرنسي - سعودي»

كما تطرقت الجلسة إلى عدد من الملفات السياسية والاقتصادية المرتبطة بالعلاقات السعودية - الفرنسية والتطورات الإقليمية، إلى جانب الاتفاقيات ومذكرات التفاهم التي تعكس اتساع نطاق التعاون بين البلدين.

واختتمت الجلسة باقتراح إنشاء «نادي صحافة فرنسي - سعودي» لتعزيز التواصل والتبادل بين الصحافيين والإعلاميين في البلدين.