بلا مبالغة، يعجّ المركز السعودي القائم في المنطقة الخاصة بالمؤسسات والمراكز السينمائية العالمية، قرب قصر مهرجان «كان» الفرنسي، بالزوار على اختلاف مشاربهم واهتماماتهم. بعض هذه الاهتمامات تنصبّ في الندوات والمؤتمرات التي يقيمها المركز في حاضرة المهرجان الشهير.
آخرها كان أول من أمس، عندما وجّهت مؤسسة «الملك عبد العزيز العالمي للثقافة»، (إثراء)، دعوة لكل الجهات العربية والدولية للتقدّم بطلب منَح إنتاجية تموّلها «إثراء» في تسويق يخدم مصلحة المنتجين وصانعي السينما، كما يؤكد حضور السعودية موقعاً متميّزاً جغرافياً وإنتاجياً يمدّ يده للتعاون عالمياً.
يشمل العرض الذي أشاع ارتياحاً وبهجة بين أطراف عدّة، استعداد المؤسسة لتمويل 5 مشاريع سنوياً، مؤكداً دور السعودية ومؤسساتها في تنمية العمل السينمائي، ليس داخل المملكة فحسب، بل كموقع ثابت تستطيع شركات السينما العالمية التوجّه إليه لطرح مشاريع تبحث عن تمويل أو دعم.
مبادرة «إثراء» الإنتاجية ليست وحيدة. فـ«مركز الملك عبد العزيز العالمي للثقافة» أنتج حتى الآن 23 فيلماً على الأقل، من بينها 15 نالت جوائز محلية أو إقليمية؛ وعُرضت في 17 مهرجاناً دولياً واشترت شركة «نتفليكس» حقوق البث إلكترونياً لخمسة منها.
وكانت أجهزة المملكة الرسمية المتمثلة في «هيئة الأفلام»، قد أعلنت، خلال الأيام الأولى من مهرجان «كان»، (16 - 27 مايو «أيار» الحالي)، اعتماد منح تصل إلى 40 في المائة من ميزانية كل فيلم غير سعودي يُصوّر في المملكة. طريقة التنفيذ بسيطة وواضحة: يستطيع المُنتج استرداد 40 في المائة من ميزانيته إنْ صوّر فيلمه في السعودية.
صحيح أنّ نظام «الاسترداد» (The Rebate) ليس منتشراً اليوم في بلاد آسيوية وأوروبية وفي ولايات معيّنة من أميركا، لكن النسبة التي توفّرها المملكة لقاء تصوير أفلام غير سعودية في البلاد هي الأعلى (تتراوح النسب الأخرى ما بين 25 و35 في المائة).
مكوّنات مهمة
مشاريع السينما، على صعيديها الصناعي والتجاري، تأخذ حيّزاً كبيراً من الاهتمام في هذا المهرجان لسبب مهم: «كان» هو أكبر تجمّع للسينما والسينمائيين وللمشاريع المنجزة التي تبحث عن فرص الإنجاز. أفلام بالمئات تصل إلى هنا لدخول السوق بحثاً عن المشتري والموزّع، وأخرى تُطرح بين المنتجين والموزّعين أفكاراً على ورق. بعضها ينمو عضوياً خلال اللقاءات والاجتماعات المطوية بعيداً عن الإعلام.
من دون هذه السوق، يبقى مهرجان «كان» مهمّاً لكن على صعيد العروض السينمائية وحدها كما حال مهرجان «البندقية». ليس لكون هذا الاختيار سيئاً أو معيباً، بل على العكس، سيوجّه المشاركين إلى البحث في الأفلام المنتقاة رسمياً وسيحدّد للمهرجان الفرنسي وجهةً كان يتمتع بها قبل عقود تسبق توسيع اهتماماته لتشمل السوق.
لكن، رغم أنّ الاجتماعات الدائرة في أركانه تبقى سرية إلا ما يُتفق على إعلانه، يستطيع المهتم من خارج هذه المكوّنات الإنتاجية والصناعية الإلمام بمسارات وتيارات عمل مهمّة. واحد منها، هذا النجاح السعودي في جذب الاهتمام العالمي بما تطرحه المملكة اليوم من مشاريع خاصة أو مشتركة.
منها أيضاً ملاحظة تتعدّى الجانب الإنتاجي من المهرجان إلى اهتمامات المهرجان عينه.
اللافت في هذه الدورة أكثر من سواها، تفوّق حضور النجوم القدامى على نجوم اليوم الأقل سنّاً أو المنتمين إلى جيل هذا العقد من الممثلين والممثلات.
تُمكن مطالعة هذه الظاهرة من خلال الاستقبال الرسمي الكبير لأبطال الأمس القريب.
سيلحظ المراقب أنّ الاستقبال الذي حظي به جوني ديب في مطلع المهرجان لحضور فيلم الافتتاح «جان دو باري»، (فرنسي الهوية، سعودي التمويل)، كان نوعاً من تضميد جراح ممثل قرّرت «هوليوود» مقاطعته بسبب قضية رفعتها زوجته السابقة أمبر هيرد، بتهمة سوء المعاملة والعنف من بين اتهامات أخرى. صحيح أنها خسرت القضية، لكنّ «هوليوود» عدّتها ضحيّة (وربما هي كذلك إلى حد ما)، وقررت التوقف عن إرسال السيناريوهات إلى ديب الذي أعلن ذلك صراحةً، شاكياً من أنّ «هوليوود» لا تودّ التعامل معه.
هذا قد لا يستمر طويلاً، لإدراك «هوليوود» شعبية الممثل الكبيرة التي تجلّت في المهرجان خارج قصر العروض وداخله، لدرجة أنه اهتزّ عاطفياً للحماسة التي واجهته وأدمعت عيناه على وَقع تصفيق الحضور.
استقبال حافل أيضاً أحاط بالممثل هاريسون فورد عندما وصل إلى درجات قصر المهرجان، ثم داخل القاعة. فورد (81 سنة)، برهان آخر على أنّ الممثلين القدامى يتمتعون اليوم بحضور شعبي لافت ونجاح متكرّر. هذا على عكس ما ذهب إليه المنتجون لفترة حاولوا فيها دفع جيل جديد من الممثلين للصدارة، لكن المفاجأة أنّ الجيل القديم لم يتخلّف عنها بعد.
بحضور فورد افتتاح فيلم «إنديانا جونز وقرص القدر»، تكرّر ما حدث مع توم كروز في العام الماضي، عندما عرض فيلمه «توب غن: مافيريك». كروز يصغر فورد بعشرين سنة، لكنه من الجيل المحتفَى به إلى اليوم.
Leonardo DiCaprio, Martin Scorsese, Robert De Niro... Trois monstres sacrés du cinéma hier sur le tapis rouge pour "Killers of the Flower Moon !Mais aussi Krinsten Dunst, Natalie Portman, Salma Hayek, Julianne Moore, Tomer Sisley et Lucien Laviscount...#Cannes2023 pic.twitter.com/arTr7a7pI9
— Palais des Festivals (@CannesPalais) May 21, 2023
مع وصول فيلم «قتلة زهرة القمر»، اندلع نوع آخر من الحماسة شملت الممثلين: روبرت دي نيرو (97 سنة) وليوناردو دي كابريو (48 سنة)، علاوة على المخرج مارتن سكورسيزي (80 سنة). لم يشهد المهرجان هذا العام تصفيقاً دام لأكثر من 10 دقائق لمخرج آخر كما حدث مع سكورسيزي الذي، كالآخرين، تأثر بهذا الاستقبال.

وامتدت حرارة الاستقبال قبل يومين لتطال الممثلة جوليان مور (62 سنة) المشارِكة عبر فيلم آخر للمخرج الذي يُكرر الاستعانة بها، تود هاينز. الفيلم الجديد «ماي ديسمبر»، من بطولتها وناتالي بورتمن التي تصغرها بنحو 20 سنة، لكنها لا تنتمي إلى جيل السنوات العشرين الأخيرة، بل لما قبلها.
هذا كله على صعيد ما لوحظ من تقدير الإعلام والجماهير على السواء، وما يجعل مهرجان «كان» يستحق نجمة كبيرة لإدراكه أنّ السينما تتجاوز مجرد اللعب على أوتار العصر الحديث.
خارج الإطار الرسمي لعروض المهرجان، هناك أيضاً ما يلفت الانتباه. فما إن أُعلن عن مشروع سينمائي جديد لسلفستر ستالون (76 سنة)، حتى تسابق الموزّعون لحجز الفيلم للعروض حتى قبل تصوير لقطة واحدة منه!

الفيلم هو إعادة صنع لفيلم ستالون السابق Cliffhanger الذي اضطلع ببطولته في عام 1993.
أرنولد شوارزنيغر (75 سنة)، لن يترك الساحة لمنافسه منذ الثمانينات سلفستر ستالون. ها هو يشمّر عن ساعديه لدخول معترك تصوير فيلم جديد «هروب» (BreakOut) قبل نهاية العام الحالي.
الحال عينها مع الممثل نيكولاس كايج (95 سنة)، إذ لا يزال مستمراً في منح الشاشة حضوره، ولديه الآن 4 أفلام في مراحل مختلفة من الإنتاج، كما أعلن هنا في دوائر صانعي السينما.
خلاصة هذا الوضع أنّ الجمهور القديم لا يزال يبحث عمّن عاش وإياهم بعض أفضل الذكريات على الشاشة؛ والجمهور الجديد، الذي شاهد هذه الأفلام القديمة عبر منصّات العروض الإلكترونية، يلتقي مع الآباء والأمهات في إعجابهم بسينما لم تكن قائمة فحسب على المؤثرات البصرية، بل اضطلع ببطولتها بشر.






