الملك تشارلز والفنون

انخرط في الحياة الفنية البريطانية ليس فقط كفنان... بل أيضاً كمتفرج نهم وراعٍ للفنون

الملك تشارلز مع الممثلة جودي دينش بعد حضوره عرضاً مسرحياً لفرقة شكسبير الملكية عام 2016 (تريستان فوينغ - غيتي)
الملك تشارلز مع الممثلة جودي دينش بعد حضوره عرضاً مسرحياً لفرقة شكسبير الملكية عام 2016 (تريستان فوينغ - غيتي)
TT

الملك تشارلز والفنون

الملك تشارلز مع الممثلة جودي دينش بعد حضوره عرضاً مسرحياً لفرقة شكسبير الملكية عام 2016 (تريستان فوينغ - غيتي)
الملك تشارلز مع الممثلة جودي دينش بعد حضوره عرضاً مسرحياً لفرقة شكسبير الملكية عام 2016 (تريستان فوينغ - غيتي)

في عهد الملك تشارلز الثالث، تحظى بريطانيا بأكثر ملوكها توافقاً مع الثقافات عبر أجيال من الزمان.

في عام 1987، قدم آرثر جورج كاريك، وهو رسام سابق بالألوان المائية غير معروف وعمره 39 عاما، عملاً للأخذ في الاعتبار في «معرض الصيف»، وهو أحد أهم العروض الفنية في بريطانيا.

يمنح المعرض الذي يقام سنوياً في الأكاديمية الملكية في لندن، الفرصة للهواة لعرض أعمالهم إلى جانب اللوحات والمنحوتات من أعمال مشاهير الفنون العالمية. إذ يقدم آلاف البريطانيين أعمالهم كل سنة. وكلها تقريباً أعمال مرفوضة.

كانت لوحة كاريك بسيطة وتقليدية - عبارة عن لوحة صغيرة بألوان مائية تصور بيوتاً ريفية وبضعة أشجار تحت سماء زرقاء شاحبة - لكن من الواضح أن أمناء المعرض رأوا فيها شيئاً خاصاً. لقد اختاروها على أكثر من 12.250 عملاً آخر لضمها إلى المعرض.

ما لم يعرفه قيّمو العرض هو أنهم خُدعوا، فآرثر جورج غاريك كان اسماً مستعاراً، والرسام الحقيقي كان الرجل الذي توج هذا الأسبوع ملكاً على بريطانيا.

الملك تشارلز يرسم أثناء رحلة لبوتان (تيم غراهام - غيتي)

خلال حياته انخرط الملك تشارلز في الحياة الفنية البريطانية ليس فقط كفنان، بل أيضاً كمتفرج نهم وراعٍ للفنون.

في بريطانيا دائماً ما كان يتم تصوير الملك تشارلز على أنه تقليدي في ميوله الثقافية بسبب حبه المعروف للعمارة الكلاسيكية وتردده الدائم على دار الأوبرا: وتوائم ميوله هذه مشروعات أطلقها باسمه، مثل مدرسة للفنون وأكاديمية للحِرف التراثية.

لكن العديد من أذواقه ليست كلها كلاسيكية. في المقابلات، قال تشارلز إنه من المعجبين بموسيقى وأفلام الممثلة باربرا سترايسند، وعروض الكوميديا السريالية، بما في ذلك «مونتي بايثون فلاينج سيركاس» و«غون شو». وهو أيضاً من الأشخاص المحبين لموسيقى ليونارد كوهين و«ذا ثري ديجريز»، إحدى فرق «صوت فيلادلفيا» الموسيقية.

الملك تشارلز مع باربرا سترايسند أثناء زيارته للوس أنجليس عام 1974 (غيتي)

بوجود هذه الاهتمامات المتنوعة، فإن تشارلز هو الملك الأكثر انسجاماً من الناحية الثقافية لأكثر من قرن من الزمان. وإذا كانت الملكة إليزابيث الثانية، التي توفيت العام الماضي، أكثر اهتماماً بسباق الخيل من آلاف عروض التأدية التي شهدتها أثناء فترة حكمها، فإن افتتان تشارلز بالفنون والترفيه يعكس شواغل العديد من الملوك الأوائل.

الملك تشارلز وقرينته كاميلا مع الملكة الراحلة إليزابيث في حفل أقيم عام 2018 بمعرض اللوحات في قصر باكنغهام (غيتي)

في القرن السابع عشر، بنى الملك تشارلز الأول، راعي الرسامين من بينهم «روبنز» و«فان دايك»، واحدة من أهم المجموعات الفنية في أوروبا. وأعاد نجله الملك تشارلز الثاني افتتاح مسارح بريطانيا بعد أن فرض المتمردون المتدينون إغلاقها لفترة طويلة، ووضع الأساس لما هو معروف اليوم باسم «ويست إند». في القرن الثامن عشر، جمع الملك جورج الثالث مجموعة فائقة من 65 ألف كتاب شكّلت قلب المكتبة البريطانية.

لكن حيث كان الملوك السابقون معروفين بشغفهم، كان تشارلز يُعرف غالباً بالأشياء التي لا يحبها. بدءاً من الثمانينات عندما كان أميراً لويلز، استخدم تشارلز الخطب، والكتب، والبرامج التلفزيونية لمهاجمة العمارة الحديثة بصفة متكررة، والترويج للبدائل القائمة على الأنماط الكلاسيكية. وفي مناسبات عدة، تدخل بصورة مباشرة لوقف مشاريع البناء بالزجاج والصلب. وفي هذه العملية، أثار حفيظة المهندسين المعماريين البريطانيين، الذين وصف بعضهم تدخله بأنه غير دستوري.

وظهر يوم السبت جلياً للكل محبة الملك للموسيقى. فقد كلف 12 عملاً لمراسم التتويج، بما في ذلك مقطوعة «أغنوس داي» لجوقة المؤلف الموسيقي الأميركي المولود في لندن طارق أوريغان. في مقابلة هاتفية، قال أوريغان إنه بمجرد أن «تتعمق في ما يحبه وما يكرهه تشارلز»، تظهر صورة لرجل كانت اهتماماته «دقيقة بشكل واضح».

قال أوريغان «إنه شخص يتأثر بالموسيقى والفنون الأخرى بصورة واضحة للغاية».

قال تشارلز مراراً إن محبته للثقافة نابعة من جدته الملكة إليزابيث الأم، التي اصطحبته إلى دار الأوبرا الملكية في لندن لمشاهدة الباليه الأول له في سن السابعة. وقال أيضاً خلال مقابلة إذاعية أجريت عام 2018 «أتذكر أنني كنت مأخوذاً للغاية بسحر هذا الباليه».

كما شجعت الملكة الأم حفيدها تشارلز أيضاً على محبة الموسيقى الكلاسيكية، وتعلم الملك المستقبلي البوق في أوركسترا المدرسة الداخلية. وتذكر تشارلز أنه اعتقد بأنه يحسن صنعاً في الآلة الموسيقية إلى أن قاطعه أحد المعلمين في البروفة بالصراخ «هذه الأبواق! أوقفوا هذه الأبواق!»، ومن ثم تحول إلى العزف على التشيللو.

الملك تشارلز أثناء دراسته في كلية ترينيتي بجامعة كمبردج يتدرب على عزف آلة التشيلو (غيتي)

في كلية ترينيتي، جزء من جامعة كمبردج، عزف تشارلز في الأوركسترا وقدم دوراً كوميدياً كعضو في المجتمع المسرحي للكلية.

الآن، تشارلز (74 عاماً) أكثر ارتياحاً كمشاهد من كونه مؤدياً. غالباً ما يحضر أعمال الأوبرا والباليه في لندن - قال متحدث باسم دار الأوبرا الملكية إن الملك زار الأوبرا الشهر الماضي بصفة خاصة - ويشاهد بانتظام أعمال «شركة شكسبير الملكية» في مقر فرقة المسرح في ستراتفورد أبون آفون، في إنجلترا. (تشارلز راعي كلتا المنظمتين).

يتذكر الأمير هاري في سيرته الذاتية الأخيرة «الاحتياطي»، وهو يرافق والده لزيارة «شركة شكسبير الملكية» في مناسبات عدة. يكتب هاري قائلاً «كنا نذهب إلى هناك من دون إخطار مسبق، ونشاهد أي مسرحية يؤدونها. لم يكن الإخطار المسبق مهماً لوالدي في شيء». (يقول هاري إن مسرحية «هنري الخامس» هي المفضلة لدى والده).

أحاطت روائع التحف تشارلز منذ أيامه الأولى. تتضمن المجموعة الفنية للعائلة المالكة 600 رسم لليوناردو دافنشي، من بين كنوز أخرى. ومع ذلك، قال تشارلز في فيلم «رويال باينتبوكس» الوثائقي لعام 2013، إنه لم يشغل باله بهذه الأعمال الفنية حتى بلغ المراهقة. ثم «فجأة، صارت كل الرسومات على الجدران، والأثاث، محل الاهتمام»، كما قال تشارلز.

لم يتلق أي تدريب فني رسمي، بحسب الفيلم الوثائقي، وعلّم نفسه الرسم بالألوان المائية. بحلول الوقت الذي دخل فيه عمل تشارلز الفني سراً إلى «معرض الصيف» بالأكاديمية الملكية، سنة 1987، كان يصنع صوراً لمشاهد ريفية ومساكن ملكية لعقود. (عُرضت مجموعة من الألوان المائية للملك في «ساندرينغهام هاوس»، أحد منازل تشارلز، في مقاطعة نورفولك، بتاريخ 12 أكتوبر/ تشرين الأول).

كما دفع تشارلز أموالاً ليرافقه الفنانون في جولات خارجية، منتجاً سجلات عن الفعاليات التي تُضاف إلى مجموعة الفنون الملكية. قال ديارمويد كيلي، الرسام التشكيلي الذي ذهب مع تشارلز في جولة في المكسيك وكولومبيا سنة 2014، إنه طُلب منه أن يرسم كل ما يحبه، رغم أن رجال البلاط حثّوه على تضمين تشارلز في الصور. قال كيلي إنه رسم مشاهد الشوارع وزيارة المعبد — «لا شيء غريب أو ريادي».

قال كيلي «النظام الملكي مُحافظ بطبيعته. لا يمكنك احتضان الفنانين المناهضين للمؤسسة عندما تكون جزءاً من المؤسسة».

قال المؤلف الموسيقي أوريغان، إنه بصرف النظر عن رأي الناس في أذواق تشارلز، فإنها مناسبة جيدة للغاية أن يكون هناك ملك محب للفنون على عرش بريطانيا. انخفض الدعم الحكومي لبعض المنظمات الثقافية العام الماضي، وقال أوريغان إن الموسيقى الجديدة التي طلبها الملك في مراسم للتتويج كانت «بياناً واضحاً حول أهمية الفنون».

وأضاف أوريغان أنه لا ينبغي على الملوك توجيه أعمال الحكومات، لكن تشارلز كان على الأقل يُظهر أهمية الثقافة.

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

تركيا: تكهنات حول خوض عبد الله غل سباق الرئاسة من صفوف المعارضة

شؤون إقليمية الرئيس التركي السابق عبد الله غل مستقبلاً الرئيس الحالي رجب طيب إردوغان بقصر الرئاسة في أنقرة عقب انتخابه رئيساً للبلاد عام 2007 (أرشيفية - الرئاسة التركية)

تركيا: تكهنات حول خوض عبد الله غل سباق الرئاسة من صفوف المعارضة

ظهر اسم الرئيس التركي السابق عبد الله غل مرشحاً محتملاً للرئاسة من جانب المعارضة، وسط تصاعد المناقشات حول وضع دستور جديد لتركيا يسمح للرئيس إردوغان بخوضها.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية أنصار رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام اوغلو يرفعون لافتة تحمل صورته مطالبين بالإراج عنه خلال تجمع في إسطنبول ليل الأربعاء - الخميس (حزب الشعب الجمهوري - إكس)

محكمة تركية تحدد موعداً لظهور إمام أوغلو أمامها بتهمة التجسس

قررت محكمة تركية عقد أولى جلساتها لمحاكمة رئيس بلدية إسطنبول المحتجز أكرم إمام أوغلو بتهمة «التجسس السياسي» في 11 مايو المقبل

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية متظاهرون من حزب «الشعب الجمهوري» يرفعون لافتة تحمل صورة لإمام أوغلو وعبارات تطالب بإطلاق سراحه خلال تجمع في إسطنبول 11 فبراير (من حساب الحزب على «إكس»)

تركيا: تأجيل جديد لقضية تزوير شهادة إمام أوغلو الجامعية إلى يوليو

أجلت محكمة تركية نظر دعوى تزوير الشهادة الجامعية لرئيس بلدية إسطنبول المحتجز، أكرم إمام أوغلو، إلى 6 يوليو (تموز) المقبل.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية الرئيس التركي رجب طيب إردوغان لمح إلى إطلاق حملة انتخابية من أحياء تركيا الفقيرة خلال اجتماع لرؤساء فروع حزبه في أنقرة الخميس (الرئاسة التركية)

إردوغان يُلمّح لإطلاق حملة انتخابات مبكرة من أحياء تركيا الفقيرة

أعطى الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إشارة ضمنية لإطلاق حملة انتخابية مبكرة في ظل حديث عن تعديل جديد في الحكومة.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية الرئيس التركي رجب طيب إردوغان أجرى تعديلاً محدوداً ومثيراًً للجدل في حكومته شمل وزارتَي العدل والداخلية (الرئاسة التركية)

تركيا: تعديل وزاري شمل وزارتَي العدل والداخلية يفجّر جدلاً واسعاً

أجرى الرئيس التركي رجب طيب إردوغان تعديلاً وزارياً ضيقاً ومثيراً للجدل شمل وزارتَي العدل والداخلية فيما عدَّته المعارضة التركية استمراراً لتصعيد الحملة ضدها.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

مقاهي جدة التاريخية في رمضان… حين يصبح المساء طقساً اجتماعياً

مقاهي جدة التاريخية تستقطب السياح ليستمتعوا بالقهوة وأصالة المكان (الشرق الأوسط)
مقاهي جدة التاريخية تستقطب السياح ليستمتعوا بالقهوة وأصالة المكان (الشرق الأوسط)
TT

مقاهي جدة التاريخية في رمضان… حين يصبح المساء طقساً اجتماعياً

مقاهي جدة التاريخية تستقطب السياح ليستمتعوا بالقهوة وأصالة المكان (الشرق الأوسط)
مقاهي جدة التاريخية تستقطب السياح ليستمتعوا بالقهوة وأصالة المكان (الشرق الأوسط)

في جدة التاريخية، يبدأ المساء متأخراً في رمضان. بعد الإفطار وصلاة التراويح تتبدل ملامح الأزقة القديمة؛ تفتح المقاهي أبوابها على إيقاع مختلف، وتتحول الجلسات إلى محطات لقاء لا يقصدها الزوار بحثاً عن القهوة فقط، بل عن تجربة كاملة يعيشون فيها تفاصيل المكان. بين برحة نصيف وشارع الذهب، تتشكل اليوم هوية جديدة لمقاهي «البلد»، حيث يلتقي الجيل الجديد بتاريخ المدينة، في محاولة لإعادة تعريف المقهى داخل فضاء تراثي عمره قرون.

«ميناء»... حين يصبح المقهى نقطة انطلاق

خلف بيت نصيف مباشرة، اختار مقهى ميناء أن يكون جزءاً من التحول الذي تشهده المنطقة، لا مجرد مشروع جديد داخلها. المقهى يصفه مالكه محمد جوجو بأنه محاولة للمشاركة في صناعة التغيير نفسه، عبر تقديم القهوة المختصة ضمن قراءة معاصرة للمكان، تحافظ على التاريخ دون أن تمسّه.

مقهى ميناء نقطة التقاء وانطلاق لاكتشاف أزقة جدة التاريخية (الشرق الأوسط)

يقول جوجو لـ«الشرق الأوسط» إن الفكرة لم تكن إنشاء مقهى فقط، بل إعادة صياغة مفهوم المقهى والمحمصة داخل بيئة تاريخية، بحيث يلتقي الزمن الماضي بالحاضر في تجربة واحدة. فالمكان معاصر بطبيعته، لكنه يعيش داخل تاريخ طويل يجب احترامه لا استبداله. فاختيار الموقع جاء نتيجة علاقة شخصية مع جدة التاريخية؛ إذ أمضى جوجو عاماً كاملاً في دراسة الهندسة الإسلامية، والحرف التقليدية في البلد، متتبعاً تفاصيل الرواشين، والنجارة، والخزف، والجبس، قبل أن يقرر أن يبدأ مشروعه من هنا تحديداً.

يقول جوجو: «أصل جدة هو البلد»، معتبراً أن تأسيس المشروع في هذا الموقع منحه جذوراً حقيقية قبل التفكير في أي توسع لاحق. ولا يركّز ميناء على المنتج وحده، بل على التجربة الكاملة. فالقهوة المختصة -خاصة البن اليمني- تكتسب معنى إضافياً بوجود المقهى في حارة اليمن، بينما تتحول الخدمة والتواصل مع الزوار إلى جزء أساسي من هوية المكان.

«نحن لا نبيع قهوة فقط، بل نبيع تجربة»، يوضح جوجو، مشيراً إلى أن الزوار يقصدون جدة التاريخية لا للشراء السريع، بل للعيش داخل المكان. ومن هنا جاء اسم «ميناء»؛ نقطة ترسو عندها الرحلات قبل أن تنطلق من جديد. كثير من الزوار يبدأون جولتهم من المقهى، ثم يعودون إليه طلباً لتوجيهات جديدة لاكتشاف بقية الأزقة والمعالم، ليصبح المكان محطة تجمع تنطلق منها تجربة البلد كاملة.

ويمتد ارتباط المقهى بالمنطقة إلى التعاون مع حرفيين محليين شاركوا في تصميم عناصر المكان، من الإضاءة المصنوعة يدوياً إلى البلاطات والزخارف، في محاولة لخلق علاقة حقيقية بين المشروع والبيئة الحرفية المحيطة به. وخلال رمضان، يتجه المقهى إلى تطوير منتجات مستوحاة من الهوية المحلية، مثل الآيس كريم بنكهات عربية، ومشروبات مرتبطة بالمذاق الرمضاني، في استمرار لفكرة المزج بين التجربة المعاصرة وروح المكان التاريخي.

زوار جدة التاريخية يتجمعون في المقاهي بعد صلاة التراويح (الشرق الأوسط)

رمضان... موسم المقاهي الأكبر

يرى القائمون على المقاهي في المنطقة أن رمضان يمثل الذروة الحقيقية لحضور جدة التاريخية، إذ تتحول الأزقة إلى فضاء اجتماعي مفتوح يستقبل ملايين الزوار، معظمهم من داخل المملكة، يبحثون عن تجربة مختلفة لليالي الشهر الفضيل. وعلى شارع الذهب، أحد أكثر شوارع البلد حركة، افتُتح مقهى ميغوستا، وكانت انطلاقته الفعلية في منتصف شهر رمضان الماضي. ويقدم المقهى، المصمم بأسلوب ريفي بسيط داخل بيئة تاريخية، القهوة والمشروبات الحديثة، مع جلسات داخلية وخارجية تستوعب الزوار خلال جولتهم الليلية. يؤكد مالكه بسام ياسر أن رمضان يشكل موسماً رئيساً للسياحة المحلية، حيث يبحث الزوار عن أماكن تمنحهم تجربة المكان بقدر ما تقدّم لهم المشروبات، ما يدفع المقاهي إلى إضافة منتجات موسمية، ونكهات مرتبطة بالشهر الفضيل.

ومن أمام بيت نصيف مباشرة، يواصل مقهى هولا لوبز حضوره في جدة التاريخية حيث اختار مالكه أحمد أبو طه الموقع انطلاقاً من قناعته بأن البلد تمثل البيئة الأصدق لخلق تجربة تجمع بين التاريخ والحياة المعاصرة.

مقاهي جدة التاريخية تستعد لاستقبال زوارها مساءً في رمضان (الشرق الأوسط)

في رمضان، تتغير هوية المقهى بإضافة منتجات مستوحاة من تاريخ جدة تُقدَّم بنكهات حديثة تمنح الزوار تجربة متجددة دون الابتعاد عن روح المكان. ويبحث رواد المقاهي عن الأجواء الشعبية، والنكهات المرتبطة بالذاكرة، إلى جانب أسلوب الترحيب الذي يعكس طريقة استقبال أهل جدة قديماً.

وتتمثل الطقوس اليومية في تزيين المكان، واستقبال الزوار بطريقة تمنحهم شعور المشاركة في أجواء الشهر، مع الحفاظ على الطابع التاريخي عبر تطوير المنتجات بما ينسجم مع هوية الموقع. ويختصر أبو طه ليالي رمضان بوصفه ليالي رمضان في المقهى بأنها «ليالٍ تاريخية بنكهة حضارية».

مقاهي جدة التاريخية تجمع بين القهوة الحديثة وروح المكان التراثي (الشرق الأوسط)

المقاهي... قلب المشهد الليلي

وفي الشهر الفضيل، لا تعد مقاهي جدة التاريخية مجرد أماكن جلوس، بل نقاط اجتماع، ومحطات انطلاق داخل المدينة القديمة. يجلس الزوار طويلاً، يتبادلون الأحاديث، أو يخططون لمحطتهم التالية، بينما تتحول القهوة إلى سبب للبقاء أكثر، ومع كل موسم رمضاني تعيد مقاهي جدة التاريخية رسم علاقتها بالمدينة؛ بين الماضي الذي يحتفظ به المكان، والحاضر الذي يصنعه رواده.


عادات غذائية خاطئة تزيد الوزن في رمضان

الوجبات المتوازنة تساعد على إنقاص الوزن في رمضان (المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين)
الوجبات المتوازنة تساعد على إنقاص الوزن في رمضان (المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين)
TT

عادات غذائية خاطئة تزيد الوزن في رمضان

الوجبات المتوازنة تساعد على إنقاص الوزن في رمضان (المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين)
الوجبات المتوازنة تساعد على إنقاص الوزن في رمضان (المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين)

قد يبدو شهر رمضان فرصة مثالية لمن يسعون للتخلص من الوزن الزائد؛ إذ يعتقد بعضهم أن الامتناع عن الطعام والشراب من الفجر حتى المغرب يكفي لإنقاص الدهون تلقائياً. لكن خبراء التغذية يؤكدون أن فقدان الوزن لا يعتمد على الصيام وحده، بل يتأثر بشكل كبير بالعادات الغذائية الخاطئة خلال وجبتَي الإفطار والسحور. ويحذر المختصون من أن بعض السلوكيات الشائعة قد تعرقل خسارة الوزن، بل قد تؤدي إلى زيادته رغم الصيام، وفق صحيفة «بورنيو بوست»، الماليزية.

وتشدد الدكتورة نورشام جوليانا نور الدين، رئيسة مجموعة أبحاث الإيقاع الحيوي ونمط الحياة بكلية الطب والعلوم الصحية في جامعة العلوم الإسلامية الماليزية، على أن فقدان الوزن يعتمد على إجمالي السعرات الحرارية ونوعية الطعام وحجم الحصص والنشاط البدني.

وتوضح أن الإفراط في تناول الأطعمة الغنية بالسكر والدهون خلال الإفطار أو السحور قد يؤدي إلى زيادة الوزن، خصوصاً عند قلة الحركة واضطراب النوم؛ لأن الطاقة الزائدة تُخزن على شكل دهون. ومع ذلك، تشير إلى أن الصيام يمكن أن يساعد في ضبط الوزن إذا ترافق مع تغذية متوازنة ونشاط بدني منتظم.

القهوة والسهر ليلاً

في السنوات الأخيرة، أصبحت جلسات القهوة بعد التراويح شائعة، خصوصاً بين الشباب. وتوضح نور الدين أن شرب القهوة ليلاً ليس مثالياً من الناحية الفسيولوجية؛ إذ يعرقل النوم بسبب تأثير الكافيين الذي يمنع إفراز المواد المحفزة للنوم في الدماغ، ما يؤدي إلى تعب خلال النهار. كما أن القهوة مدرّة للبول، ما يزيد فقدان السوائل في وقت يحتاج فيه الجسم لتعويضها. بالإضافة إلى ذلك، قد تعوق مركبات القهوة امتصاص بعض المعادن مثل الحديد والكالسيوم، وتنصح بتجنب القهوة عند الإفطار.

الأكل الليلي المتكرر

يميل بعض الصائمين إلى تناول وجبات إضافية بعد التراويح، غالباً تكون غنية بالكربوهيدرات والسكريات. ويحذر الخبراء من أن الأكل المتأخر ليلاً يُبطئ عملية الأيض، ويعيد الجسم إلى وضع تخزين الطاقة، مما يقلل من فوائد الصيام في حرق الدهون. وتوصي نورشام بالاعتدال وتجنب الأطعمة الثقيلة أو السكرية التي قد تسبب اضطرابات في الهضم والنوم.

أهمية وجبة السحور

تشير نور الدين إلى أن تخطي السحور قد يخل بتوازن الجسم؛ لأن توقيت الوجبات يلعب دوراً مهماً في ضبط الساعة البيولوجية؛ فالسحور يهيئ الجسم لبداية يوم الصيام ويساعد الأعضاء على العمل بكفاءة، ما يدعم استقرار الطاقة.

كما تحذر من بدء الإفطار أو السحور بمشروبات وأطعمة شديدة الحلاوة، مثل المشروبات المحلاة والحلويات؛ لأنها تسبب ارتفاعاً سريعاً في سكر الدم يتبعه هبوط مفاجئ يؤدي إلى التعب وزيادة الرغبة في تناول السكريات. وتشير أيضاً إلى أن الإفراط في الملح يزيد الشعور بالعطش ويؤثر على جودة النوم، مما قد يؤدي إلى الجفاف أثناء الصيام.

توقيت الوجبات

تؤكد الدكتورة أرياتي أحمد، الأستاذة المشاركة بكلية العلوم الصحية في جامعة السلطان زين العابدين الماليزية، أن توقيت الإفطار والسحور عامل أساسي للحفاظ على الصحة خلال رمضان.

وتنصح بالبدء بأطعمة خفيفة سهلة الهضم لتجنب الانتفاخ أو الارتجاع، وللحد من الإفراط في الأكل نتيجة الجوع الشديد. أما السحور، فيوفر طاقة مستدامة ويحسن مستوى الترطيب قبل ساعات الصيام الطويلة.

الرياضة خلال الصيام

تدحض الدكتورة أرياتي الاعتقاد بأن النشاط البدني لا بدَّ أن يتوقف خلال رمضان، مشيرة إلى أن التمارين الخفيفة إلى المتوسطة مفيدة للحفاظ على اللياقة والكتلة العضلية وضبط الوزن.

وتوصي بممارسة أنشطة خفيفة قبل الإفطار بنحو 30 إلى 60 دقيقة، مثل المشي أو التمدد، أو بعد الإفطار بساعة إلى ساعتين لممارسة تمارين القوة المعتدلة.


قبل أضواء «سيزار»… معركة جديدة بين السينما الفرنسية والذكاء الاصطناعي

صورة تعبيرية عن الجدل بين السينما الفرنسية والذكاء الاصطناعي (شاترستوك)
صورة تعبيرية عن الجدل بين السينما الفرنسية والذكاء الاصطناعي (شاترستوك)
TT

قبل أضواء «سيزار»… معركة جديدة بين السينما الفرنسية والذكاء الاصطناعي

صورة تعبيرية عن الجدل بين السينما الفرنسية والذكاء الاصطناعي (شاترستوك)
صورة تعبيرية عن الجدل بين السينما الفرنسية والذكاء الاصطناعي (شاترستوك)

في وقت تستعد فيه السينما الفرنسية للاحتفاء بنجومها على سجادة جوائز «سيزار» الحمراء، يرتفع صوت الاحتجاج داخل الوسط الفني ضد الذكاء الاصطناعي، بعد تحرّك لافت قاده نحو 4 آلاف ممثل ومخرج ندَّدوا بما وصفوه بـ«النهب المنظّم» عبر استخدام أصواتهم وصورهم من دون إذن.

وفي مقال نُشر على موقع صحيفة «لو باريزيان»، ونقلته «وكالة الصحافة الفرنسية»، حذَّرت هيئة «أدامي» التي أطلقت المبادرة قائلة: «نشهد تحوّلاً عميقاً في مهنتنا منذ وصول الذكاء الاصطناعي. هذه الأداة القيِّمة لبعض المهن هي أيضاً وحش نهم للفنانين من أمثالنا».

وضمَّت قائمة الموقِّعين أسماء بارزة في السينما الفرنسية، من بينهم سوان أرلو، وجيرار جونيو، وجوزيه غارسيا، إلى جانب الممثلات ليا دروكر، وإلودي بوشيه، وكارين فيار، في خطوة عكست حجم التوتر المتصاعد داخل الأوساط الفنية.

وشدَّد الفنانون على أن استنساخ الأصوات بات ظاهرة متكررة، مؤكدين أن القلق يزداد مع كل أسبوع جديد، في ظل منافسة تكنولوجية شرسة قد تغيّر شكل المهنة نفسها. وأشاروا أيضاً إلى أن الفنانين الأقل شهرة هم الأكثر هشاشة، إذ قد تدفعهم ضغوط العمل أحياناً إلى التنازل عن حقوقهم، رغم ما قد يحمله ذلك من مخاطر على سمعتهم ومسارهم المهني.

وطالب الموقِّعون بوضع إطار قانوني واضح ينظِّم استخدام الذكاء الاصطناعي في المجال الفني، بما يضمن تحقيق توازن حقيقي بين الابتكار التقني وحماية حقوق التأليف والحقوق المجاورة.

ويأتي هذا التحرُّك ضمن موجة متصاعدة من المبادرات الفنية في مواجهة تأثير الذكاء الاصطناعي، إذ شهدت باريس مؤخراً وقفة احتجاجية شارك فيها عدد من الفنانين والممثلين.

وفي تطور أثار ضجة واسعة، اتهمت استوديوهات هوليوودية كبرى مؤخراً برمجية صينية تُدعى «سيدانس 2.0» بانتهاك حقوق التأليف، بعد انتشار فيديو مولَّد بالذكاء الاصطناعي جمع بين توم كروز وبراد بِت وحقق انتشاراً كبيراً على مواقع التواصل.

وبين وعود التكنولوجيا ومخاوف الفنانين، تبدو معركة السينما مع الذكاء الاصطناعي قد بدأت فعلياً، معركة قد تُعيد رسم حدود الإبداع وحدود المهنة في السنوات المقبلة.