الجواهري... جغرافية الكتابة وأثرها على تحولاته الشعرية

محمد مهدي الجواهري
محمد مهدي الجواهري
TT

الجواهري... جغرافية الكتابة وأثرها على تحولاته الشعرية

محمد مهدي الجواهري
محمد مهدي الجواهري

يُروى أن الشاعر علي بن الجهم، وهو شاعر تمتعت لغته بفصاحة عالية، قدم إلى بغداد أيام «المتوكل»، حيث ازدهار بغداد، وحيث الحياة الناعمة المختلفة تماماً عن حياة البداوة. وكعادة الشعراء، توجه ليمدح الخليفة، فبدأ بقصيدته التي مطلعها:
أنت كالكلب في حفاظك للود
وكالتيس في قراع الخطوبِ
أنت كالدلو لا عدمناك دلــواً
من كبار الدلا كثير الذنـوبِ
فاستغرب جلاس الخليفة ونداماه من هذه الخشونة التي تطغى على خطاب الشاعر ذي اللهجة البدوية، ولكن الخليفة كان أعرف بطبيعة البيئة وأثرها على النتاج الأدبي، فأمر له بدارٍ حسنة على شاطئ دجلة، فيها بستان حسن، والجسر قريب منه، وأمر بالغذاء اللطيف، وكان يرى حركة الناس، ولطافة الحضر، فأقام ستة أشهر على ذلك، والأدباء يتعاهدون مجالسته، حتى استدعاه الخليفة، فأنشد بين يديه قصيدته الشهيرة:
عيون المها بين الرصافة والجسر
جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري
فقال المتوكل قولته الشهيرة في علي بن الجهم: «لقد خشيت عليه أنْ يذوب رقة ولطافة».
أسوق هذه المقدمة لأتحدث عن نموذج شعري عراقي ملأ الدنيا المعاصرة، وشغل الناس جدلاً وحواراً، ذلك هو الشاعر الكبير «محمد مهدي الجواهري»، بوصفه المثال والنموذج الأكثر التصاقاً بالمكان وبجغرافيته، حتى لتبدو شقوق الأرض طافحة في نصوصه، أو خضرة المكان متفشية في نصوص أخرى، مما جعله نموذجاً شعرياً لتجسد الأمكنة، وحلولها في نصوصه، وكأنه ملتصقٌ بروحه وجسده في المكان، ومعبرٌ عنه بنصوصه التي يُشم منها عطرُ الأمكنة التي عاشها وألفها.
وبسبب من مرجعياته الثقافية التي كونت شخصيته الثقافية، وهي مرجعيات تراثية ودينية أسهمت ببناء شخصيته الشعرية، كان السائد في شعر «الجواهري» هو غلبة اللغة والروح التراثية، ويصل الحال في نصوص كثيرة إلى الوعورة في اللفظ، مما استدعى محققي ديوانه في بغداد في سبعينات القرن الماضي أنْ يضعوا تحت كل قصيدة من قصائده معاني للكلمات، وتحديداً في بداياته الشعرية، والجواهري نفسه يوصي المبدعين ويقول لهم: «لا بد لكم أنْ تختزنوا من مفردات اللغة الجميلة كنزاً دفيناً يمدُ إليكم نفسه بنفسه عند الضرورة الماسة قبل أنْ تمدوا أيديكم إليه».
وفعلاً، فالجواهري أحد أهم الشعراء الذين تلبس الموروث شعرهم، ولكنْ في الواقع هناك زوايا نظر مختلفة تفحص شعر الجواهري، وأهم هذه الزوايا - كما أظن - هي المكان، ولا أقصد به ذلك البعد الفلسفي للمكان، إنما المكان بجغرافيته، وبيئته، وبأشجاره، ووحشته، أو بلطفه ومائه وثلجه، بالقرية التي فيه وبالمدينة، وهنا سأتوقف في هذا البحث عند محور «الجغرافية المكانية»، لأن التراث أخذ حصته من الدراسة في شعر الجواهري.
إن الذي دعاني أنْ أخصص الجغرافية في نصوص الجواهري هو ذلك التنوع الهائل الذي يحصل على النصوص من خلال تجواله المستمر، مما يعني أن مرجعيته التراثية لم تكن هي المرجعية الأقوى لديه، فاللغة التي أجهد نفسه في حفظ مفرداتها، والغوص بمكنوناتها، لم تكن هي الأساس الوحيد لصناعة الجواهري الشعرية، بل إن هذه اللغة التي يمتلكها تتحول وتتبدل بتبدل الأماكن والمناخات، فهي «كالماء الجاري وهو يمر على الحصى والحجر والطين وكل شيء فيؤثر فيه ويتأثر به».
بهذا المنظور، نحاول مقاربة هذه الفكرة التي تقول إن المكان هو الموجه الأكثر أثراً على الجواهري في إنتاج القصيدة، على خلاف ما هو متعارف عليه، من أن الموروث له سطوة كبيرة على شعر الجواهري، وأن مغذياته الكبرى تنبع من اللغة وموروثها، ذلك أن الأماكن جميعاً (مدناً وقرى، وعواصم أوروبية وعربية وشرقية، تلك التي عاش فيها) تُعدُ نبعاً، ومغذياً حياً ينشر ظلاله في نصوصه المختلفة، ذلك أن شعر الجواهري في النجف هو غير شعره في بغداد، وهو غيره في «علي الغربي»، وغيره في طهران، وغيره في بيروت ودمشق، وهو يكاد يكون شخصاً آخر وشاعراً آخر في براغ.
إن هذه التحولات التي تحدث للجواهري، بوصفه نصاً شعرياً متنقلاً، وهو ذاته من تحدث عنها في مذكراته أيضاً من خلال تأثير الأماكن على وعيه وثقافته، وبالتالي على نصه الشعري - هذه التحولات في لغة القصيدة، ومعجمها بالتحديد، وفي صورها، وزاوية النظر، أي في شكل الخطاب بشكل عام وفي مزاج القصيدة - إذا صحت هذه التسمية - حين تكون بمزاج جيد.
إذن هي تحولات رُصِدت من خلال متابعة رحلات الجواهري، وما كتبه في تلك المدن: شاباً في النجف، أو مهاجراً لبغداد، أو منفياً ومزارعاً في قرى «علي الغربي» في جنوب العراق، أو لاجئاً في دمشق، أو مسافراً في أصفهان وطهران، أو منفياً ومقيماً في براغ.
- جواهري النجف
فمن النجف التي ولد فيها ونشأ ودرس وكتب أولى حروفه، نجد تضافراً ين البيئة والنص الذي كتبه في تلك المدة، فضلاً عن أثر الموروث المهم، ولكن جغرافية النجف الوعرة كان لها أثرٌ واضحٌ في نصه أيام شبابه، هذه المدينة التي يقول عنها في أول سطر في مذكراته: «ولدتُ فوق أرض ملحية عطشى، رغم أنها على مقربة ميل أو ميلين من مياه الفرات»، ثم يستمر الجواهري بسرد مشاهد عن هذه المدينة التي يضيق فيها، حيث كان يقول: «بين آونة وأخرى، تضيق عيناي بمشهد الصحراء الجافة اللانهائية». إذن، ما الذي يمكن أنْ تتركه مشاهد هذه المدينة في قلب الصبي الشاعر وذاكرته؟ وهي المدينة التي يقول إنها «كانت مدينة بلا شجر، ولا عشب، وبما يشبه الشحة في المياه أيضاً، عدا مياه الآبار. فقد زحف الملح من البحر اليابس إلى أرضها، وغطت رياح السموم كل ما فيها بلون التراب الرمادي». وضمن هذا السياق الذي يلف المدينة، ما الذي يمكن أنْ يُنتجه الشاعر الذي تشكل البيئة جزءاً أساسياً في نصه الشعري، وتحديداً المكان الذي يحيط به؟ منطلقين من الرؤية التي ترى أن المكان قد «يفرض لغته على النص، وقد يشكل هذا جزءاً من وعي لغة المكان»، نستعير سؤال الناقد ياسين النصير حول الربط بين المكان والنتاج الأدبي، فهل يحمل المكان كروموسومات وراثية ليفرضها على سكنته، بحيث تفرز من خلال نتاج أبنائه خصوصية سلوكية وإبداعية؟ ومن ثم يعود ياسين النصير ويرى أن تساؤله افتراضي، وربما غير مشروع، لكنه يستحث هذا التساؤل ما هو بيولوجي لأنْ يستوعب ما هو ثقافي، وضمن هذا الفهم يتشكل ما يشبه الاندماج الكلي بين الشخص وجسده المكاني.
أما نحن الباحثين عن هذا الربط بين البيئة والقصيدة، فليس لنا إلا الإجراء الواقعي، أي فحص القصائد، وكأننا في مختبر تحليلي لفحص دم القصيدة، أو البحث عن dna»» القصيدة، وبهذا نقول إن هذا النص عائدٌ للمدينة الفلانية دون تلك المدينة، وما سهل عملية هذا الفحص السريري للنصوص هو الجهد العظيم الذي قام به محققو ديوان الجواهري، وهم من كبار علماء العربية (مهدي المخزومي، وعلي جواد الطاهر، ورشيد بكتاش، وإبراهيم السامرائي)، حيث وضعوا تحت كل قصيدة تاريخ كتابتها، والمكان الذي كُتبت فيه ومناسبته، وبهذا قد قدموا خدمة كبيرة للباحثين الذين سيعيدون النصوص إلى مدنها التي كتبت فيها، حيث التحول في اللغة والصورة وزاوية النظر.
فها هو «الجواهري» في بداية كتاباته في النجف يقول في أوائل قصائده 1921:
هو العزم لا ما تدعي السمْر والقضْبُ
وذو الجــــد حتــــى كل ما دونه لعبُ
ومن أخلفته في المعــــالي قضيــــــة
تكفل في إنتاجها الصارم العضْـــــبُ
ومن يتطلب مصعبــــــاتِ مســـــالكٍ
فأيسرُ شيءٍ عنده المركـــب الصعبُ
- التراث والمكان
يتبين من خلال هذه الأبيات، وهي جزء من نص طويل، أن الشاعر الذي يتحدث في النص منشطر على نصفين: التراث والمكان، حيث الشجاعة التي تبعث أمصالها في اللغة وبلاغتها، وحيث البيئة التي تصفق لمثل هذه الأفكار المكررة، فوعورة اللغة، واللجوء إلى مفردات مثل «السمر، والقضب، والجد، والصارم، والعضب، ومصعبات، والصعب»، كل هذا المفردات الخشنة في ثلاثة أبيات، وهي تُشبه خشونة المدينة التي يصفها الجواهري لحظة فتح عينيه على ملوحتها وسورها القديم، علماً بأن النص يشتمل معظمه على هذه اللغة التي ألجأت محققي الديوان إلى وضع معانٍ للكلمات، وكأن الشاعر - في هذه النصوص - ينتمي للعصر الجاهلي، لهذا فاللغة هي ليست لغة الجواهري، قدر ما هي اللغة التقليدية التي تشربها، والبيئة النجفية التي غرق فيها، وتأثر بمناخها وخشونتها، فأنتج نصاً مطابقاً للمدينة التي كان يعيش فيها الجواهري ذو العشرين عاماً، وللمكان الذي لم يرَ غيره في تلك المدة، فلا يستطيع الانفلات من الواقع إلا بهذا النص الذي يشبه مدينته الصحراوية.
لقد بقي الجواهري - كما أزعم - متأثراً بالبيئة أكثر من الموروث اللغوي، رغم سطوة الموروث وهيمنته، إلا أن البيئة بقيت محرضاً رئيساً في الكتابة، فهو حتى حين كتب عن ثورة العشرين، فإن الناقد علي جواد الطاهر، في مقدمة ديوان الجواهري، يرى أن المكان هو سبب هذه الكتابات «لقد انصرم عام 1920 أو كاد... ولتكن بقايا الثورة العراقية أول موضوعات النشر، كأنه لا يريد أن يخرج عن النجف وعلى النجف، بما ترسخ فيها من مفهوم الشعر وموضوعاته حتى كاد يأسن» (11). لهذا فالبيئة تشكلُ عاملاً مهماً لدى «الجواهري» في بناء نصوصه الشعرية، وحتى في طريقة المعالجة، وزاوية النظر، فضلاً عن العامل الأهم، وهو تغير معجمه الشعري، تبعاً لتغير المكان الذي يسكنه ويعيش فيه، ليصل حد التسرب بمساماته.
- من محاضرة ألقيت في مؤتمر نقدي نظمته مؤسسة «سلطان بن علي العويس الثقافية» في دبي احتفاء بمنجز الجواهري الشعري



ترمب ينشر فيديو بالذكاء الاصطناعي وهو يصارع نمراً تسبب في مقتل رجل بريطاني

الرئيس الأميركي دونالد ترمب كما ظهر في مقطع الفيديو
الرئيس الأميركي دونالد ترمب كما ظهر في مقطع الفيديو
TT

ترمب ينشر فيديو بالذكاء الاصطناعي وهو يصارع نمراً تسبب في مقتل رجل بريطاني

الرئيس الأميركي دونالد ترمب كما ظهر في مقطع الفيديو
الرئيس الأميركي دونالد ترمب كما ظهر في مقطع الفيديو

شارك الرئيس الأميركي دونالد ترمب مقطع فيديو مُنشأً بواسطة الذكاء الاصطناعي، يظهر فيه وهو يصارع النمر الذي تسبب في مقتل رجل بريطاني في حديقة حيوان بجنوب يوركشاير.

وفي المقطع، يظهر الرئيس الأميركي مرتدياً بدلة وربطة عنق وهو يطارد النمر ويطرحه أرضاً، قبل أن يبدأ الاثنان في التعانق. وتحاكي بداية مقطع الفيديو -الذي تبلغ مدته 23 ثانية- لقطات حقيقية للحظات الأخيرة في حياة ويليام تشابمان، قبل أن يلقى حتفه إثر هجوم النمر عليه يوم السبت.

وفي مقطع الذكاء الاصطناعي الذي نُشر أمس (الثلاثاء) على منصة «تروث سوشيال» (Truth Social) التابعة للرئيس، يظهر ترمب جالساً على الأرض محاولاً صدّ «ألتاي»، وهو نمر سيبيري يزن 440 رطلاً (نحو 200 كيلوغرام)، بينما يقوم الحيوان بتوجيه ضربات بمخلبه.

ويظهر ترمب في الفيديو المُعدّل وهو يقفز ويركض خلف السنور الكبير، وقد أُرفق الفيديو بأغنية «The Lion Sleeps Tonight» لفرقة «The Tokens».

وشارك الرئيس الأميركي اللقطات الحقيقية للهجوم عبر منصته «Truth Social»، حيث أظهرت اللقطات اللحظات التي سبقت مقتل «تشابمان» إثر تعرضه لهجوم وحشي من النمر في حديقة «يوركشاير» للحياة البرية خلال عطلة نهاية الأسبوع.

بعد دقيقة واحدة من نشر لقطات الهجوم الحقيقية، نشر ترمب مقطع فيديو مُجمّعاً لحيوانات مفترسة كبيرة تهاجم البشر. وتضمن الفيديو مقطعاً مُولّداً بالذكاء الاصطناعي لأسد يحطم زجاج قفصه لمهاجمة حارس حديقة حيوانات.

وطلبت شرطة جنوب يوركشاير من الجمهور عدم مشاركة «لقطات مؤلمة» لوفاة تشابمان.

تم استدعاء خدمات الطوارئ بعد الساعة 1:30 ظهراً بقليل يوم 10 أكتوبر (تشرين الأول)، بعد أن تسلق تشابمان إلى قفص النمر وتعرض للهجوم. وأُعلن عن وفاته في مكان الحادث بعد ذلك بوقت قصير.

نعت عائلة تشابمان فقيدها مساء أمس (الثلاثاء)، واصفةً إياه بأنه «ذكي، وودود، وجذاب». وفي بيانٍ لها، قالت العائلة إنه كان يعاني من «مرض نفسي حاد» لسنوات عديدة، وكان يتناول «أدوية قوية». وتابع البيان: «إن العائلة مفجوعة تماماً بفقدانه، وتكافح لاستيعاب ما حدث». وأعرب والدا تشابمان عن أملهما في أن «تبذل السلطات المختصة قصارى جهدها لكشف ملابسات ما فعله ابننا الرائع».

كان تشابمان قد نشر مقطع فيديو على صفحته في «إنستغرام» من داخل حظيرة الحيوان قبل لحظات من الهجوم، حيث صوّر نفسه وهو يقترب ببطء من السنور الضخم، وكان يُسمع صوت تنفسه الثقيل بوضوح.

وتشير المعلومات التي حصلت عليها صحيفة «التلغراف» إلى أن تشابمان كان ممثلاً طفلاً سابقاً، وقد درس في «مدرسة جاكي بالمر للمسرح» (Jackie Palmer Stage School) في منطقة «هاي ويكومب» بمقاطعة باكينغهامشير.


مسرحية «بعدك»... لماذا ننتظر الفقدان كي نتصارح؟

في أداء متناغم... يقدّم معتوق ويمنى بو حنّا عملاً إنسانياً (رالف معتوق)
في أداء متناغم... يقدّم معتوق ويمنى بو حنّا عملاً إنسانياً (رالف معتوق)
TT

مسرحية «بعدك»... لماذا ننتظر الفقدان كي نتصارح؟

في أداء متناغم... يقدّم معتوق ويمنى بو حنّا عملاً إنسانياً (رالف معتوق)
في أداء متناغم... يقدّم معتوق ويمنى بو حنّا عملاً إنسانياً (رالف معتوق)

الحبّ في مسرحية «بعدك» لرالف معتوق ليس مجرّد قصة رومانسية عابرة. فالمخرج يذهب إلى ما هو أعمق من معنى الحبّ، ويؤكد أنّ الحبّ وحده لا يكفي، وأنّ العلاقة السليمة بين الشريكين ترتكز على المصارحة. من هذا المنطلق، ينسج معتوق، كاتب العمل ومنتجه وبطله أيضاً، نصّاً إنسانياً مؤثّراً يضيء على موضوعات تشكّل الظلّ الذي يرافق أيّ علاقة بين اثنين. فكما تنطبق تعقيدات الحبّ على العلاقات بين الأم والأب والابن والأخ، تنسحب على العلاقة بين الشريكين والحبيبين أيضاً. ومن خلال معالجة هذه الموضوعات، يفتح العمل نافذة على علاقات تتصدّع لأسباب مختلفة، وعلى تجارب انفصال تتعدّد وجوهها، ويبقى الموت أقساها.

تتقلّب أحداث المسرحية بين تفاصيل صغيرة ومحطّات أساسية في حياة زوجين، اختار أحدهما الرحيل بقرار ذاتي. فنحن أمام قصة يُغلّفها الحبّ، بينما تختبئ تحت طبقاتها مشاعر الألم والصراع والهواجس والعُقَد. وبأسلوب مباشر، يأخذنا معتوق إلى موضوع أساسي هو الصحة النفسية، ويطرح تساؤلات عن قدرتنا على مواجهة ما يؤلمنا والتعبير عمّا يدور في داخلنا. فلماذا ننتظر الفقدان كي نتصارح ونعترف ونضع النقاط على الحروف، في محاولة لإنقاذ علاقة ما؟ أليس الأجدى أن نلجأ إلى المصارحة والحوار والاعتراف، لنرتقي بمشاعرنا إلى فضاء أكثر وعياً ونضجاً؟

«بعدك»... تجربة مسرحية مختلفة (رالف معتوق)

تستضيف خشبة مسرح «ديستريكت 7» في بيروت هذا العمل، من بطولة رالف معتوق ويمنى بو حنّا. ويجسّد الاثنان، بأداء متناغم ونبض شبابي، قصة حبّ رومانسية تحمل في طيّاتها خلفيات وأبعاداً طالما غضضنا النظر عنها.

وتدور أحداث العمل حول يمنى التي تعاني فقدان زوجها عاصي. فقد عاشا معاً 7 سنوات قبل أن يقرّر وضع حدّ لحياته بين عشية وضحاها. وبعد مرور 3 سنوات على رحيله، تقرّر العودة إلى الغناء، وهي هواية رغبت في ممارستها إلى جانب مهنتها الأساسية مهندسةً داخلية. لكنّ التوتر والقلق يسكنانها؛ فهي لم تعتلِ الخشبة منذ غيابه، وكانت تحتاج إلى دعمه الدائم. فتستحضره في حوار يميل إلى البوح والفضفضة، ويستعيدان معاً شريط حياتهما، طارحين أسئلة لطالما شغلت تفكيرهما، لكنّ أياً منهما لم يتجرّأ على تناولها، لاعتقادهما أنّ كلاً منهما يعرف الآخر. ومع تقدّم الأحداث، نكتشف معهما عُقَداً رافقت زواجهما، وأسراراً كبتاها في أعماقهما، ولو تمكّنا معاً من فتح صفحاتها، لربما استطاعا إنقاذ علاقتهما من الفقدان.

يقول المخرج وكاتب العمل رالف معتوق إنّ فكرة المسرحية وُلدت من أسئلة كان يطرحها على نفسه كلّما سمع بخبر فقدان أحد الشريكين للآخر. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أتخيّل لقاءهما، وعمّا يمكن أن يتحدّثا، وما الذي قد يعترف به كلّ منهما للآخر. فالناس عادةً ما تتناول هذه المواضيع من باب النميمة وتأليف الأخبار، لكنها لا تغوص في العمق، ولا تبحث عمّا وراء كلّ قصة فقدان ووحدة».

تخيّل معتوق الموقف برمّته انطلاقاً من تصوّره الشخصي له، وكتبه بقلم تسيل منه المشاعر قبل الحبر. وكان هدفه أن يلامس الناس بصدق، ويدفعهم إلى الاهتمام بالحبّ قولاً وفعلاً. واختار أن يعالج العلاقة الثنائية، مشدّداً على أهمية الصحة النفسية، وفاتحاً الباب أمام تفاصيل صغيرة قد لا يعيرها المرء اهتماماً.

ويطلّ على موضوعات اجتماعية وعائلية، متوقّفاً بصورة رئيسية عند الطفولة، إذ إنّ ما نحمله من تعقيدات ومخاوف وصراعات يبدأ في تلك المرحلة. فالزوج الراحل في المسرحية كان يعاني ترسّبات نفسية، وخضع لجلسات علاج نفسي، لكنه توقّف عنها، ممّا أعاده إلى حالة من الصراع مع الذات.

وانطلق معتوق في قصته من واقع يعيشه اللبنانيون، إذ إنّ 65 في المائة منهم يعانون اضطراباً نفسياً، وإنّ شخصاً واحداً يُقدم على الانتحار كلّ يومين. وهي أرقام موثّقة، وفق النص، من جمعية «إمبرايس» (Embrace)، التي تهدف إلى تقديم الدعم النفسي والوقاية من الانتحار. وقد استند إليها معتوق في كتابة نصّ العمل.

يضيف مسرح «ديستريكت 7» بُعداً حميمياً إلى القصة. فمساحته التي لا تتجاوز 4 أمتار تولّد تفاعلاً لا شعورياً بين الممثلين والحضور، وهو ما شجّع معتوق على اختياره، لأنه يناسب قصة من هذا النوع، وكذلك تفادياً لتشتّت انتباه المشاهد. ويوضح: «اختياري (ديستريكت 7) لم يأتِ مصادفة. فالقرب من الجمهور، ومن مسافة مختصرة جداً، يزيد من متابعة العمل بدقّة».

تحضر يمنى بو حنّا في المسرحية بمواهب متعدّدة من بينها الغناء (رالف معتوق)

وتترك المسرحية أثرها في مشاهديها، إذ توقظ لديهم وعياً بأهمية العلاقات الإنسانية عموماً. وهو ما يؤكده معتوق، قائلاً: «سعدتُ بهذه النتيجة، إذ تلقّيت ردود فعل مباشرة من الحضور. فقد أكّدت لي إحدى السيدات أنها، ما إن تصل إلى بيتها بعد العرض، حتى تذهب لتقبيل أطفالها النائمين، كي لا يفوتها التعبير عن حبّها لهم. واعترفت سيدة أخرى بأنّها لن تؤجّل بعد اليوم احتضان أخيها وشقيقتها ومعانقتهما. فالحبّ يكون بالقول والفعل، ويأتي قبل الخبز أحياناً». أمّا عن أهمية المسرحية من الناحية المهنية في مشوار رالف معتوق، فيوجزها: «لا تشبه أيّ عمل آخر سبق أن كتبته أو أخرجته. انطلقتُ من موضوع حميم ودافئ، ليشكّل العمل تجربة خاصة لكلّ مَن يشاهده».


لوحة لفان غوخ تطلّ بعد 60 عاماً... و180 مليون دولار في انتظارها

شجرة كستناء تُزهر على حافة العمر الأخير لفان غوخ (رويترز)
شجرة كستناء تُزهر على حافة العمر الأخير لفان غوخ (رويترز)
TT

لوحة لفان غوخ تطلّ بعد 60 عاماً... و180 مليون دولار في انتظارها

شجرة كستناء تُزهر على حافة العمر الأخير لفان غوخ (رويترز)
شجرة كستناء تُزهر على حافة العمر الأخير لفان غوخ (رويترز)

تزاحم المئات في هونغ كونغ، الثلاثاء، لمشاهدة لوحة لفنسنت فان غوخ لم تُعرض على الجمهور منذ أكثر من 6 عقود، وذلك قبيل بيعها في مزاد تنظّمه دار «سوذبيز» في نيويورك، إذ يُتوقّع أن تُحقّق نحو 180 مليون دولار.

ووفق «رويترز»، من المقرّر أن يختبر المزاد، الذي سيُنظّم في 18 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، متانة سوق الفنّ الراقية، التي ظلّ فيها هواة الاقتناء يتنافسون على الأعمال النادرة المرموقة، من دون أن تثنيهم حالة عدم اليقين الاقتصادي السائدة.

وتُعدّ لوحة «شاتينييه إن فلور» أو «أشجار الكستناء المزهرة»، التي رُسمت في مايو (أيار) 1890، من أبرز أعمال الفنان الهولندي في أيامه الأخيرة في قرية أوفير سور واز الفرنسية، التي لفظ فيها أنفاسه بعد نحو شهرين، وهو في الـ37 من عمره.

واللوحة على وشك تسجيل رقم قياسي جديد في المزادات لأعمال فان غوخ، وفق سكوت نيشيل من قسم الفنّ الحديث والمعاصر في دار «سوذبيز» بنيويورك.

في اللوحة ربيعٌ لا يشبه خريف صاحبها (رويترز)

وقال: «هذا عمل يتجلّى فيه تفاؤل استثنائي وطاقة محمومة وحماسة وشغف وألوان زاخرة في مسيرة الفنان الإبداعية».

واللوحات التي أنجزها فان غوخ في مرحلة «أوفير سور واز» الأخيرة، بُعيد خروجه من مصحّة للأمراض النفسية في «سان ريمي دو بروفانس»، نادراً ما تُطرح في المزادات، وسيستقطب هذا الحدث اهتمام هواة الاقتناء والمتاحف والمستثمرين.

وقالت عاشقة الفن البالغة من العمر 50 عاماً، لي شانشان، التي قطعت نحو ساعتين ونصف الساعة قادمةً من مدينة شنتشن الجنوبية لمشاهدة اللوحة: «لم أسمع بهذه اللوحة من قبل، فأردت أن أراها بعيني».

وستُباع اللوحة، التي تُصوّر شجرة كستناء ضخمة مزهرة بتاجٍ من الأزهار يهيمن على التكوين بأسره، ضمن مجموعة من 12 لوحة طال غيابها عن الأنظار، تضمّ أعمالاً لبول سيزان وكلود مونيه.

وشملت الأعمال الخمسة التي كُشف عنها في دار «سوذبيز» بلندن أواخر سبتمبر (أيلول) الماضي لوحة «هارلكين» للفنان سيزان، ولوحة «حديقة التويلري» للفنان مونيه.

وبعد رحيل فان غوخ في يوليو (تموز) 1890، انتقلت لوحة «شاتينييه إن فلور» إلى شقيقه ثيو، ثم إلى أرملة الأخير يوهانا فان غوخ بونغر وابنهما فنسنت ويليم.

ثم آلت ملكيتها إلى الناشر الألماني صامويل فيشر، مؤسّس دار «إس فيشر فيرلاغ»، قبل أن تنتقل إلى مجموعة جورج «بادي» ديسيلفا، كاتب الأغنيات الأميركي ومنتج الأفلام والمؤسِّس المشارك لشركة «كابيتول ريكوردز».

وعام 1953، اقتنت اللوحة جامعة الأعمال الفنية هارييت هاريس جوناس، التي كانت مجموعتها تحظى بأهمية دفعت متحف متروبوليتان للفنون في نيويورك إلى تنظيم زيارات لرعاته لمشاهدة أعمالها في شقتها على جادة فيفث أفينيو.

وعام 1975، انتقلت اللوحة إلى عائلة بلاكييه، التي اقتنتها من تاجر الفن وايلدنشتاين.