الجواهري... جغرافية الكتابة وأثرها على تحولاته الشعرية

محمد مهدي الجواهري
محمد مهدي الجواهري
TT

الجواهري... جغرافية الكتابة وأثرها على تحولاته الشعرية

محمد مهدي الجواهري
محمد مهدي الجواهري

يُروى أن الشاعر علي بن الجهم، وهو شاعر تمتعت لغته بفصاحة عالية، قدم إلى بغداد أيام «المتوكل»، حيث ازدهار بغداد، وحيث الحياة الناعمة المختلفة تماماً عن حياة البداوة. وكعادة الشعراء، توجه ليمدح الخليفة، فبدأ بقصيدته التي مطلعها:
أنت كالكلب في حفاظك للود
وكالتيس في قراع الخطوبِ
أنت كالدلو لا عدمناك دلــواً
من كبار الدلا كثير الذنـوبِ
فاستغرب جلاس الخليفة ونداماه من هذه الخشونة التي تطغى على خطاب الشاعر ذي اللهجة البدوية، ولكن الخليفة كان أعرف بطبيعة البيئة وأثرها على النتاج الأدبي، فأمر له بدارٍ حسنة على شاطئ دجلة، فيها بستان حسن، والجسر قريب منه، وأمر بالغذاء اللطيف، وكان يرى حركة الناس، ولطافة الحضر، فأقام ستة أشهر على ذلك، والأدباء يتعاهدون مجالسته، حتى استدعاه الخليفة، فأنشد بين يديه قصيدته الشهيرة:
عيون المها بين الرصافة والجسر
جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري
فقال المتوكل قولته الشهيرة في علي بن الجهم: «لقد خشيت عليه أنْ يذوب رقة ولطافة».
أسوق هذه المقدمة لأتحدث عن نموذج شعري عراقي ملأ الدنيا المعاصرة، وشغل الناس جدلاً وحواراً، ذلك هو الشاعر الكبير «محمد مهدي الجواهري»، بوصفه المثال والنموذج الأكثر التصاقاً بالمكان وبجغرافيته، حتى لتبدو شقوق الأرض طافحة في نصوصه، أو خضرة المكان متفشية في نصوص أخرى، مما جعله نموذجاً شعرياً لتجسد الأمكنة، وحلولها في نصوصه، وكأنه ملتصقٌ بروحه وجسده في المكان، ومعبرٌ عنه بنصوصه التي يُشم منها عطرُ الأمكنة التي عاشها وألفها.
وبسبب من مرجعياته الثقافية التي كونت شخصيته الثقافية، وهي مرجعيات تراثية ودينية أسهمت ببناء شخصيته الشعرية، كان السائد في شعر «الجواهري» هو غلبة اللغة والروح التراثية، ويصل الحال في نصوص كثيرة إلى الوعورة في اللفظ، مما استدعى محققي ديوانه في بغداد في سبعينات القرن الماضي أنْ يضعوا تحت كل قصيدة من قصائده معاني للكلمات، وتحديداً في بداياته الشعرية، والجواهري نفسه يوصي المبدعين ويقول لهم: «لا بد لكم أنْ تختزنوا من مفردات اللغة الجميلة كنزاً دفيناً يمدُ إليكم نفسه بنفسه عند الضرورة الماسة قبل أنْ تمدوا أيديكم إليه».
وفعلاً، فالجواهري أحد أهم الشعراء الذين تلبس الموروث شعرهم، ولكنْ في الواقع هناك زوايا نظر مختلفة تفحص شعر الجواهري، وأهم هذه الزوايا - كما أظن - هي المكان، ولا أقصد به ذلك البعد الفلسفي للمكان، إنما المكان بجغرافيته، وبيئته، وبأشجاره، ووحشته، أو بلطفه ومائه وثلجه، بالقرية التي فيه وبالمدينة، وهنا سأتوقف في هذا البحث عند محور «الجغرافية المكانية»، لأن التراث أخذ حصته من الدراسة في شعر الجواهري.
إن الذي دعاني أنْ أخصص الجغرافية في نصوص الجواهري هو ذلك التنوع الهائل الذي يحصل على النصوص من خلال تجواله المستمر، مما يعني أن مرجعيته التراثية لم تكن هي المرجعية الأقوى لديه، فاللغة التي أجهد نفسه في حفظ مفرداتها، والغوص بمكنوناتها، لم تكن هي الأساس الوحيد لصناعة الجواهري الشعرية، بل إن هذه اللغة التي يمتلكها تتحول وتتبدل بتبدل الأماكن والمناخات، فهي «كالماء الجاري وهو يمر على الحصى والحجر والطين وكل شيء فيؤثر فيه ويتأثر به».
بهذا المنظور، نحاول مقاربة هذه الفكرة التي تقول إن المكان هو الموجه الأكثر أثراً على الجواهري في إنتاج القصيدة، على خلاف ما هو متعارف عليه، من أن الموروث له سطوة كبيرة على شعر الجواهري، وأن مغذياته الكبرى تنبع من اللغة وموروثها، ذلك أن الأماكن جميعاً (مدناً وقرى، وعواصم أوروبية وعربية وشرقية، تلك التي عاش فيها) تُعدُ نبعاً، ومغذياً حياً ينشر ظلاله في نصوصه المختلفة، ذلك أن شعر الجواهري في النجف هو غير شعره في بغداد، وهو غيره في «علي الغربي»، وغيره في طهران، وغيره في بيروت ودمشق، وهو يكاد يكون شخصاً آخر وشاعراً آخر في براغ.
إن هذه التحولات التي تحدث للجواهري، بوصفه نصاً شعرياً متنقلاً، وهو ذاته من تحدث عنها في مذكراته أيضاً من خلال تأثير الأماكن على وعيه وثقافته، وبالتالي على نصه الشعري - هذه التحولات في لغة القصيدة، ومعجمها بالتحديد، وفي صورها، وزاوية النظر، أي في شكل الخطاب بشكل عام وفي مزاج القصيدة - إذا صحت هذه التسمية - حين تكون بمزاج جيد.
إذن هي تحولات رُصِدت من خلال متابعة رحلات الجواهري، وما كتبه في تلك المدن: شاباً في النجف، أو مهاجراً لبغداد، أو منفياً ومزارعاً في قرى «علي الغربي» في جنوب العراق، أو لاجئاً في دمشق، أو مسافراً في أصفهان وطهران، أو منفياً ومقيماً في براغ.
- جواهري النجف
فمن النجف التي ولد فيها ونشأ ودرس وكتب أولى حروفه، نجد تضافراً ين البيئة والنص الذي كتبه في تلك المدة، فضلاً عن أثر الموروث المهم، ولكن جغرافية النجف الوعرة كان لها أثرٌ واضحٌ في نصه أيام شبابه، هذه المدينة التي يقول عنها في أول سطر في مذكراته: «ولدتُ فوق أرض ملحية عطشى، رغم أنها على مقربة ميل أو ميلين من مياه الفرات»، ثم يستمر الجواهري بسرد مشاهد عن هذه المدينة التي يضيق فيها، حيث كان يقول: «بين آونة وأخرى، تضيق عيناي بمشهد الصحراء الجافة اللانهائية». إذن، ما الذي يمكن أنْ تتركه مشاهد هذه المدينة في قلب الصبي الشاعر وذاكرته؟ وهي المدينة التي يقول إنها «كانت مدينة بلا شجر، ولا عشب، وبما يشبه الشحة في المياه أيضاً، عدا مياه الآبار. فقد زحف الملح من البحر اليابس إلى أرضها، وغطت رياح السموم كل ما فيها بلون التراب الرمادي». وضمن هذا السياق الذي يلف المدينة، ما الذي يمكن أنْ يُنتجه الشاعر الذي تشكل البيئة جزءاً أساسياً في نصه الشعري، وتحديداً المكان الذي يحيط به؟ منطلقين من الرؤية التي ترى أن المكان قد «يفرض لغته على النص، وقد يشكل هذا جزءاً من وعي لغة المكان»، نستعير سؤال الناقد ياسين النصير حول الربط بين المكان والنتاج الأدبي، فهل يحمل المكان كروموسومات وراثية ليفرضها على سكنته، بحيث تفرز من خلال نتاج أبنائه خصوصية سلوكية وإبداعية؟ ومن ثم يعود ياسين النصير ويرى أن تساؤله افتراضي، وربما غير مشروع، لكنه يستحث هذا التساؤل ما هو بيولوجي لأنْ يستوعب ما هو ثقافي، وضمن هذا الفهم يتشكل ما يشبه الاندماج الكلي بين الشخص وجسده المكاني.
أما نحن الباحثين عن هذا الربط بين البيئة والقصيدة، فليس لنا إلا الإجراء الواقعي، أي فحص القصائد، وكأننا في مختبر تحليلي لفحص دم القصيدة، أو البحث عن dna»» القصيدة، وبهذا نقول إن هذا النص عائدٌ للمدينة الفلانية دون تلك المدينة، وما سهل عملية هذا الفحص السريري للنصوص هو الجهد العظيم الذي قام به محققو ديوان الجواهري، وهم من كبار علماء العربية (مهدي المخزومي، وعلي جواد الطاهر، ورشيد بكتاش، وإبراهيم السامرائي)، حيث وضعوا تحت كل قصيدة تاريخ كتابتها، والمكان الذي كُتبت فيه ومناسبته، وبهذا قد قدموا خدمة كبيرة للباحثين الذين سيعيدون النصوص إلى مدنها التي كتبت فيها، حيث التحول في اللغة والصورة وزاوية النظر.
فها هو «الجواهري» في بداية كتاباته في النجف يقول في أوائل قصائده 1921:
هو العزم لا ما تدعي السمْر والقضْبُ
وذو الجــــد حتــــى كل ما دونه لعبُ
ومن أخلفته في المعــــالي قضيــــــة
تكفل في إنتاجها الصارم العضْـــــبُ
ومن يتطلب مصعبــــــاتِ مســـــالكٍ
فأيسرُ شيءٍ عنده المركـــب الصعبُ
- التراث والمكان
يتبين من خلال هذه الأبيات، وهي جزء من نص طويل، أن الشاعر الذي يتحدث في النص منشطر على نصفين: التراث والمكان، حيث الشجاعة التي تبعث أمصالها في اللغة وبلاغتها، وحيث البيئة التي تصفق لمثل هذه الأفكار المكررة، فوعورة اللغة، واللجوء إلى مفردات مثل «السمر، والقضب، والجد، والصارم، والعضب، ومصعبات، والصعب»، كل هذا المفردات الخشنة في ثلاثة أبيات، وهي تُشبه خشونة المدينة التي يصفها الجواهري لحظة فتح عينيه على ملوحتها وسورها القديم، علماً بأن النص يشتمل معظمه على هذه اللغة التي ألجأت محققي الديوان إلى وضع معانٍ للكلمات، وكأن الشاعر - في هذه النصوص - ينتمي للعصر الجاهلي، لهذا فاللغة هي ليست لغة الجواهري، قدر ما هي اللغة التقليدية التي تشربها، والبيئة النجفية التي غرق فيها، وتأثر بمناخها وخشونتها، فأنتج نصاً مطابقاً للمدينة التي كان يعيش فيها الجواهري ذو العشرين عاماً، وللمكان الذي لم يرَ غيره في تلك المدة، فلا يستطيع الانفلات من الواقع إلا بهذا النص الذي يشبه مدينته الصحراوية.
لقد بقي الجواهري - كما أزعم - متأثراً بالبيئة أكثر من الموروث اللغوي، رغم سطوة الموروث وهيمنته، إلا أن البيئة بقيت محرضاً رئيساً في الكتابة، فهو حتى حين كتب عن ثورة العشرين، فإن الناقد علي جواد الطاهر، في مقدمة ديوان الجواهري، يرى أن المكان هو سبب هذه الكتابات «لقد انصرم عام 1920 أو كاد... ولتكن بقايا الثورة العراقية أول موضوعات النشر، كأنه لا يريد أن يخرج عن النجف وعلى النجف، بما ترسخ فيها من مفهوم الشعر وموضوعاته حتى كاد يأسن» (11). لهذا فالبيئة تشكلُ عاملاً مهماً لدى «الجواهري» في بناء نصوصه الشعرية، وحتى في طريقة المعالجة، وزاوية النظر، فضلاً عن العامل الأهم، وهو تغير معجمه الشعري، تبعاً لتغير المكان الذي يسكنه ويعيش فيه، ليصل حد التسرب بمساماته.
- من محاضرة ألقيت في مؤتمر نقدي نظمته مؤسسة «سلطان بن علي العويس الثقافية» في دبي احتفاء بمنجز الجواهري الشعري



مصر: انتقاد الفنانين القدامى يثير تباينات حول حرية الرأي

الفنان رشدي أباظة في فيلم «الزوجة 13» (يوتيوب)
الفنان رشدي أباظة في فيلم «الزوجة 13» (يوتيوب)
TT

مصر: انتقاد الفنانين القدامى يثير تباينات حول حرية الرأي

الفنان رشدي أباظة في فيلم «الزوجة 13» (يوتيوب)
الفنان رشدي أباظة في فيلم «الزوجة 13» (يوتيوب)

أثار تكرار وقائع انتقاد الفنانين القدامى تباينات حول حرية التعبير في مصر، متى تدخل التصريحات في إطارها... ومتى تتجاوزها لتصبح «إساءة». وكانت أحدث الوقائع جرت أخيراً حين وجَّه الممثل المصري الشاب أحمد عبد الله محمود تصريحات عدّتها أسرة الفنان الراحل، رشدي أباظة، وجمهوره تحمل «إساءة» لـ«دنجوان السينما المصرية».

وحضر أحمد عبد الله محمود جلسة تحقيق بنقابة المهن التمثيلية المصرية؛ بسبب الأزمة التي أثارتها تصريحاته التلفزيونية الأخيرة حول الفنان الراحل رشدي أباظة، والتي عدّها متابعون وأسرته تحمل «إساءة» للفنان الراحل.

وتصدَّر اسم رشدي أباظة قوائم البحث على «غوغل» بمصر، الثلاثاء، مع نشر تصريحات الفنان الشاب بشكل موسَّع حول أسطورة السينما المصرية، الراحل رشدي أباظة. وخلال التحقيقات أكد الفنان الشاب تقديره للفنان الكبير الراحل، ووصفه بأنه «أحد أعمدة الفن العربي»، وشدَّد على أنَّ ما بدر منه لم يكن بقصد الإساءة لتاريخ «الدنجوان»، وفق وسائل إعلام محلية.

وأبدى محمود اعتذاره لأسرة الفنان الراحل، وأكد احترامه الكامل لهم، كما قدَّم اعتذاره للأسرة الفنية، ونقابة المهن التمثيلية.

وسبقت هذه الواقعة وقائع عدة تعرَّض فيها ممثلون شباب لفنانين راحلين، ما عدَّه متابعون إساءةً للفنانين الراحلين، ومن ذلك توجيه الاتهام للفنانَين عمر متولي وزميله الفنان أحمد فتحي بإهانة الفنان الراحل شكري سرحان، ووقتها تقدَّم نقيب الممثلين الدكتور أشرف زكي باعتذار لأسرة الفنان الراحل.

وقبل أسابيع واجه الفنان أحمد ماهر أزمةً مشابهةً خلال حديثه عفوياً عن المخرج الراحل جلال توفيق، والد الفنانَين ياسر ورامز جلال، ما عدّه الفنانان إساءة لوالدهما، وأصدرا بياناً يرفضان فيه هذه التصريحات، وقدَّم لهما ماهر اعتذاراً بعد تدخل نقابة المهن التمثيلية في الأمر، واعتذار الفنان أشرف زكي أيضاً للفنانَين.

رشدي أباظة (موقع السينما دوت كوم)

ويرى الناقد الفني المصري، أحمد سعد الدين، أن أي فنان من حقه أن يقول رأيه في فنان آخر، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن إبداء الرأي بمحبة أو كراهية فنان معين يدخل في إطار حرية الرأي، «لكن المشكلة أننا أصبحت لدينا عصبية غير طبيعية في التعامل مع الأسماء الراحلة»، مشيراً إلى الضجة التي أُثيرت حول عمر مصطفى متولي حين قال عن شكري سرحان إنه أخذ أكثر من حقه، ووصفها بأنه «رأي شخصي، لكنه خرج من جلسة أصحاب على (البودكاست) إلى العلن فأصبح قضية».

وكان الفنان أحمد عبد الله محمود قد أشار للفنان رشدي أباظة بأنه لو كان حياً لحصل على نصف أجره بالأعمال الفنية «سيدات»، الأمر الذي تسبَّب في حالة غضب ورفض لهذه التصريحات من قبل أسرة الفنان وجمهوره، إلى أن تدخلت نقابة المهن التمثيلية للتحقيق في هذا الأمر.

وإن كان سعد الدين يرفض ما يسميه «التجاوز ضد الفنانين الراحلين والتباسط في الحديث عنهم»، فإنه في الوقت نفسه يتساءل عن «السبب في تدخل نقابة المهن التمثيلية في كل موضوع، وإجراء تحقيق، وفي النهاية ينتهي بالتصالح».

وأكد أن الفنانين الشباب الموجودين حالياً «يجب أن يعرفوا أنه لا يصح الكلام عن الجيل الأقدم من الرواد بشكل مسيء في الإعلام، خصوصاً في عالم (السوشيال ميديا)، الذي لم يعد يترك شاردة أو واردة».

ويرى الناقد والمؤرخ الفني المصري، محمد شوقي، أن «الآونة الأخيرة شهدت بالفعل تصريحات مستفزة عن رموزنا الفنية بشكل غير لائق، كما حدث من الفنان محمد ممدوح الذي صرَّح بأنه لا يحب الاستماع لأم كلثوم، والفنان أحمد فتحي من قبل حين قال إن شكري سرحان لا يستحق النجومية التي حصل عليها، وهناك أكثر من شخص تحدَّثوا عن إسماعيل ياسين وأنه لا يمثل ظاهرةً في الكوميديا، وهناك تصريحات نالت من فاتن حمامة تنكر عليها لقب (سيدة الشاشة العربية)».

ويفرِّق شوقي بين حرية الرأي في الفنانين وبين الإساءة لهم قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «التصريحات الأخيرة التي أطلقها الفنان أحمد عبد الله محمود، ابن الممثل الكبير الراحل عبد الله محمود، لا تليق أبداً، خصوصاً مع اللفظ الذي أطلقه وأزعج أسرته وجمهوره والنساء أيضاً».

وأشار المؤرخ الفني إلى أنَّ «رشدي أباظة كان يمثل نموذجاً لابن البلد الخلوق الذي يعرف الأصول ويعتني بكل مَن حوله، ولم يكن يحصل على أجره حتى يطمئن أن عمال موقع التصوير حصلوا على أجورهم، وله كثير من المواقف التي تشير إلى شخصيته الاستثنائية، حتى إنه في مرضه الأخير جاءه عرض سخي من الرئيس السادات لعلاجه على نفقة الدولة فقال (أنا أتعالج على نفقة الجماهير) في إشارة إلى أمواله التي هي من عائد التذاكر عن أعماله السينمائية». وعدَّ شوقي أنَّ «التطاول على الرموز الفنية مرفوض تماماً».

ويعد الفنان رشدي أباظة (1926 - 1980) من أبرز نجوم السينما المصرية وعُرف بألقاب مثل «الدنجوان»، و«فتى الشاشة»، وقدم كثيراً من الأفلام السينمائية الناجحة مثل «تمر حنة»، و«الرجل الثاني»، و«الزوجة رقم 13»، و«وا إسلاماه»، و«صغيرة على الحب»، و«كلمة شرف».


«دموع الفرح»...ما هي؟ وما فوائدها النفسية؟

البكاء يحفّز الجسم على إفراز هرمونات تساعد في تحسين المزاج (بيكسلز)
البكاء يحفّز الجسم على إفراز هرمونات تساعد في تحسين المزاج (بيكسلز)
TT

«دموع الفرح»...ما هي؟ وما فوائدها النفسية؟

البكاء يحفّز الجسم على إفراز هرمونات تساعد في تحسين المزاج (بيكسلز)
البكاء يحفّز الجسم على إفراز هرمونات تساعد في تحسين المزاج (بيكسلز)

أحياناً، يغمرنا شعور بالفرح أو الحزن لدرجة تجعلنا نبكي. عادةً ما نربط الدموع بالحزن أو الألم؛ لذا قد يبدو غريباً أن يبكي الإنسان وهو سعيد. ومع ذلك، للبكاء آثار إيجابية على صحتنا النفسية، ويمكن أن يساعدنا على التحكم بمشاعرنا وتنظيمها، وفقاً لموقع «ويب ميد».

ما دموع «الفرح»؟

لا يُعرف بالضبط سبب ذرفنا دموع السعادة أو الفرح، أو كيف تختلف عن دموع الحزن أو الغضب. لكن بشكل عام، عندما نبكي نتيجة شعور إيجابي أو تجربة ممتعة، يُطلق على هذه الدموع «دموع الفرح».

الدموع ليست مجرد علامة على الحزن، بل يمكن تصنيفها إلى ثلاثة أنواع رئيسية حسب سبب ظهورها:

الدموع القاعدية: تبقى هذه الدموع في العين طوال اليوم، وتعمل كمرطب ومطهر. تحتوي على الماء والملح، إضافة إلى مخاط وزيت يحميان الدموع من التبخر.

الدموع النفسية أو العاطفية: تُذرف استجابةً لأحداث عاطفية، وتحتوي على هرمونات التوتر، وتساعد الجسم على التعامل مع المشاعر المكبوتة.

الدموع المُهيّجة: تنهمر عند دخول جسم غريب للعين أو التعرض لمهيجات، مثل الدموع الناتجة عن تقطيع البصل.

فوائد البكاء

يحفّز البكاء الجسم على إفراز هرمونات تساعد في تحسين المزاج، مثل الأوكسيتوسين والإندورفين. وعادةً ما يؤدي البكاء إلى شعور بالراحة النفسية وتحسن المزاج لاحقاً. لكن محاولة كبت الدموع أو الشعور بالخجل عند البكاء قد يكون له أثر معاكس، ويؤدي إلى تدهور الحالة المزاجية. كما تلعب الثقافة دوراً في تجربة البكاء؛ فالأشخاص في الدول الغنية غالباً ما يشعرون بالراحة والتفاؤل بعد البكاء.

أنواع دموع السعادة

أظهرت دراسة حديثة وجود أربعة أنواع رئيسية من الدموع الإيجابية:

دموع التسلية: تظهر عند الضحك الشديد، أو عندما تستمتع بشيء مسلٍّ إلى درجة لا تستطيع معها كبح دموعك.

دموع المودة: تنهمر عند شعور مفاجئ بالدفء والامتنان، مثل حضور حفل زفاف أو التفاعل العاطفي مع شخص عزيز.

دموع الجمال: تحدث عند الانبهار بمشهد طبيعي ساحر أو موسيقى مؤثرة، فتغمرنا الدهشة والجمال.

دموع الإنجاز: تظهر عند تحقيق هدف مهم أو التغلب على تحدٍّ، لتعكس شعوراً بالفخر والانتصار.

كيف تؤثر دموع الفرح على الصحة؟

تلعب دموع الفرح دوراً مهماً في الحفاظ على التوازن العاطفي. فالأشخاص الذين يبكون فرحاً عند شعورهم بالإرهاق العاطفي قد يتعافون بسرعة أكبر من المشاعر التي دفعتهم للبكاء. كما يمكن أن يشعر الإنسان بعاطفتين متضادتين في آن واحد استجابةً لموقف واحد، وهو ما يُعرف بالتعبير المزدوج. ويساعد هذا النوع من التعبير العاطفي على تنظيم المشاعر ومنعها من السيطرة على سلوك الفرد.


ماري بينيت... إعادة الإعتبار لشخصية من عالم جين أوستن

من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)
من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)
TT

ماري بينيت... إعادة الإعتبار لشخصية من عالم جين أوستن

من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)
من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)

لماذا لا يكتفي الناس بما تركته الروائية الإنجليزية جين أوستن من كتب؟ لماذا لا تنتهي المعالجات الأدبية والفنية لرواياتها؟ لا يبدو ذلك ممكناً، فهناك حالة من التعطش الدائم للبقاء في ذلك العالم الذي خلقته المؤلفة، وتصويرها للحياة في عصر «الريجنسي» (أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر «1787– 1817» والمعروف بعصر الوصاية على العرش «Regency era») وبطلاتها اللواتي تحولن لأيقونات تغالب الزمن، من إليزابيث بينيت في «كبرياء وتحامل» إلى إيما وودهاوس في «إيما» وألينور وماري آن داشوود في «العقل والعاطفة»، وفاني برايس في «مانسفيلد بارك»، وصولاً لآخر وأنضج بطلاتها آن إليوت في «إقناع».

وقع القراء في حب بطلات أوستن، وافتتنت السينما والتلفزيون بهن، فتوالت الأفلام والمسلسلات والكتب المستوحاة من الروايات، ولا يكاد يمر وقت طويل حتى يعلَن عن معالجة درامية جديدة للروايات الشهيرة (لم تنجح أغلب المحاولات، ولكن ذلك لم يوقف الكتاب وصناع الأفلام والمسلسلات عن الدخول لمعترك إعادة روايات تلك الكاتبة للحياة مرات ومرات).

الأخوات بينيت في «الكبرياء والتحامل» عام 2005 (آي إم دي بي)

ميس أوستن

لم تتوقف المعالجات عند الدراما والسينما؛ بل تجاوزت ذلك لتتوالى الروايات الحديثة التي استلهمت موضوعاتها من الروايات «الأوستنية»، ولتتحول بعد ذلك بدورها لمعالجات درامية، لتظل الساحة مشبَّعة بشخصيات جين أوستن؛ سواء تلك التي كتبتها فعلاً، أو بالشخصيات المتخيَّلة التي نُسجت من القماشة ذاتها، وإن كانت النتائج ليست دائمة مقنعة ولا ذات مستوى يرقى لعبقرية جين أوستن.

ملصق مسلسل «ميس أوستن»

ودأب التلفزيون البريطاني على إنتاج الروايات درامياً بشكل مستمر. ومن بعد الروايات الأصلية لأوستن، انطلقت المعالجات الدرامية لوريثاتها. الأحدث في هذه السلسلة التي لا تنتهي كان مسلسل «ميس أوستن» من إنتاج «بي بي سي» الذي عرض قبل أشهر، وهو مأخوذ من رواية بالاسم نفسه للمؤلفة جيل هورنبي، صدرت عام 2020. الكتاب عن كاساندرا أخت جين أوستن، والتي كانت كاتمة أسرارها والعين الساهرة على سمعة أختها الراحلة، لدرجة أنها أحرقت جزءاً كبيراً من الرسائل الشخصية التي كتبتها جين أوستن في حياتها.

الشقيقة الأخرى

وفي انتظار الإنتاج الجديد من «نتفليكس» لرواية «الكبرياء والتحامل» المتوقع صدوره هذا العام، عرضت «بي بي سي» مسلسل بعنوان «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» وهو معتمد على رواية للكاتبة جانيس هادلو صدرت في عام 2020.

بدايةً، لا يمكن إغفال تأثير أسلوب جين أوستن على المؤلفة هادلو، فهي نسجت عالماً جديداً مستمد من عائلة بينيت في الرواية الأصلية. تبدأ أحداث «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» من النقطة نفسها التي انطلقت منها «الكبرياء والتحامل»؛ حيث يدور نقاش عائلي حول وصول رجل أعزب ثري للبلدة، والخطط التي تبدأ الأم في حياكتها لضمانه زوجاً لواحدة من بناتها الست. تتشابه أحداث كثيرة بين الرواية الأصلية ورواية هادلو؛ لكن المختلف في الرواية الجديدة هو أن المؤلفة أخذت شخصية ماري الشقيقة الوسطى لتنسج حولها قصة مختلفة.

في «الكبرياء والتحامل» شخصية ماري هزلية، تعاملها أوستن على أنها شخصية تحب القراءة ومطلعة بشكل كبير، ولكنها تفتقر للجاذبية والجمال اللذين كان المجتمع في ذلك الزمن يتطلبهما من أي فتاة لتصبح جديرة بإعجاب الخُطَّاب. طوال الرواية لا تثير شخصية ماري في القارئ سوى الشفقة أو النفور من تعليقاتها الجافة، وعرضها للمعلومات التي تقرأها كطريقة للتعليق المتعالي على تصرفات شقيقاتها.

رواية «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» لجانيس هادلو

ولكن جانيس هادلو قررت المغامرة بإخراج شخصية ماري من تلك الدائرة التي قبعت فيها. نجد أنفسنا أمام ماري التي تعيش مع التعليقات السلبية لوالدتها وشقيقاتها الأصغر سناً، تسمع بنفسها تعليق لوالدتها بأنها لن تستطيع الزواج بسبب افتقادها للجمال. وتقرر بينها وبين نفسها أن الكتب والقراءة وعزف البيانو هي كل ما يمكنها التميز فيه. ورغم أنها لا تستطيع -أو لا تريد- تحدي والدتها المسيطرة، فإنها تصر على ارتداء نظارة لتحسين نظرها، وهو أمر يعرضها للهجوم من والدتها، ولكن أيضاً للتشجيع من والدها.

في رواية هادلو تتزوج الشقيقات كلهن ما عدا ماري التي تعيش مع والديها، وبعد وفاة والدها تنتقل مع والدتها للعيش مع شقيقاتها؛ جين ثم إليزابيث، وفي الحالتين تجد نفسها محصورة في دور المرافقة لوالدتها المتذمرة دائماً. تحاول الهروب من وضعها لتنتقل للعيش مع عائلة خالها في لندن، وهنا ترى عالماً جديداً، وعائلة ترى فيها الميزات التي عجزت عائلتها القريبة عن رؤيتها وتقديرها. في لندن تتفتح شخصية ماري للحياة كما تتفتح الزهرة، ترى عالماً جديداً يقدِّر فيه الناس ثقافتها وميلها للقراءة، وتتعرف على شخصين يتنافسان على اهتمامها، ورغم يقينها بأن طريقها في الحياة لن يتوَّج بالزواج، فإنها تجد من يجد فيها الزوجة التي يريد.

من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)

الرواية تغامر بالدخول لعالم جين أوستن المعروف، والتقاط الشخصية الأقل تأثيراً على الأحداث، لتصنع منها بطلة، تتعمق في مشاعرها وأحاسيسها، وترينا تطور الشخصية من فتاة منزوية محبطة إلى فتاة ناضجة تتحدث بثقة عن قراءاتها وآرائها، وتدافع عن نفسها عند تطاول البعض عليها.

الرواية والمسلسل ينجحان في إضافة اسم جانيس هادلو في طابور طويل من المتأثرين والمتأثرات بأدب جين أوستن، ولكنها تدخل الطابور برواية لها أسلوب مميز، به مزيج من الفكاهة والجدية والتشويق.

ربما لن ينجح أي كاتب ولا كاتبة في إعادة أسلوب جين أوستن أو رواياتها، ولكن تبقى هناك تلك المساحة الصغيرة التي يمكن للكاتب الماهر تحويلها لملعبه الخاص، وخلق شخصيات لها طابعها الخاص، حتى لو كانت مستوحاة من روايات شهيرة.