الجواهري... جغرافية الكتابة وأثرها على تحولاته الشعرية

محمد مهدي الجواهري
محمد مهدي الجواهري
TT

الجواهري... جغرافية الكتابة وأثرها على تحولاته الشعرية

محمد مهدي الجواهري
محمد مهدي الجواهري

يُروى أن الشاعر علي بن الجهم، وهو شاعر تمتعت لغته بفصاحة عالية، قدم إلى بغداد أيام «المتوكل»، حيث ازدهار بغداد، وحيث الحياة الناعمة المختلفة تماماً عن حياة البداوة. وكعادة الشعراء، توجه ليمدح الخليفة، فبدأ بقصيدته التي مطلعها:
أنت كالكلب في حفاظك للود
وكالتيس في قراع الخطوبِ
أنت كالدلو لا عدمناك دلــواً
من كبار الدلا كثير الذنـوبِ
فاستغرب جلاس الخليفة ونداماه من هذه الخشونة التي تطغى على خطاب الشاعر ذي اللهجة البدوية، ولكن الخليفة كان أعرف بطبيعة البيئة وأثرها على النتاج الأدبي، فأمر له بدارٍ حسنة على شاطئ دجلة، فيها بستان حسن، والجسر قريب منه، وأمر بالغذاء اللطيف، وكان يرى حركة الناس، ولطافة الحضر، فأقام ستة أشهر على ذلك، والأدباء يتعاهدون مجالسته، حتى استدعاه الخليفة، فأنشد بين يديه قصيدته الشهيرة:
عيون المها بين الرصافة والجسر
جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري
فقال المتوكل قولته الشهيرة في علي بن الجهم: «لقد خشيت عليه أنْ يذوب رقة ولطافة».
أسوق هذه المقدمة لأتحدث عن نموذج شعري عراقي ملأ الدنيا المعاصرة، وشغل الناس جدلاً وحواراً، ذلك هو الشاعر الكبير «محمد مهدي الجواهري»، بوصفه المثال والنموذج الأكثر التصاقاً بالمكان وبجغرافيته، حتى لتبدو شقوق الأرض طافحة في نصوصه، أو خضرة المكان متفشية في نصوص أخرى، مما جعله نموذجاً شعرياً لتجسد الأمكنة، وحلولها في نصوصه، وكأنه ملتصقٌ بروحه وجسده في المكان، ومعبرٌ عنه بنصوصه التي يُشم منها عطرُ الأمكنة التي عاشها وألفها.
وبسبب من مرجعياته الثقافية التي كونت شخصيته الثقافية، وهي مرجعيات تراثية ودينية أسهمت ببناء شخصيته الشعرية، كان السائد في شعر «الجواهري» هو غلبة اللغة والروح التراثية، ويصل الحال في نصوص كثيرة إلى الوعورة في اللفظ، مما استدعى محققي ديوانه في بغداد في سبعينات القرن الماضي أنْ يضعوا تحت كل قصيدة من قصائده معاني للكلمات، وتحديداً في بداياته الشعرية، والجواهري نفسه يوصي المبدعين ويقول لهم: «لا بد لكم أنْ تختزنوا من مفردات اللغة الجميلة كنزاً دفيناً يمدُ إليكم نفسه بنفسه عند الضرورة الماسة قبل أنْ تمدوا أيديكم إليه».
وفعلاً، فالجواهري أحد أهم الشعراء الذين تلبس الموروث شعرهم، ولكنْ في الواقع هناك زوايا نظر مختلفة تفحص شعر الجواهري، وأهم هذه الزوايا - كما أظن - هي المكان، ولا أقصد به ذلك البعد الفلسفي للمكان، إنما المكان بجغرافيته، وبيئته، وبأشجاره، ووحشته، أو بلطفه ومائه وثلجه، بالقرية التي فيه وبالمدينة، وهنا سأتوقف في هذا البحث عند محور «الجغرافية المكانية»، لأن التراث أخذ حصته من الدراسة في شعر الجواهري.
إن الذي دعاني أنْ أخصص الجغرافية في نصوص الجواهري هو ذلك التنوع الهائل الذي يحصل على النصوص من خلال تجواله المستمر، مما يعني أن مرجعيته التراثية لم تكن هي المرجعية الأقوى لديه، فاللغة التي أجهد نفسه في حفظ مفرداتها، والغوص بمكنوناتها، لم تكن هي الأساس الوحيد لصناعة الجواهري الشعرية، بل إن هذه اللغة التي يمتلكها تتحول وتتبدل بتبدل الأماكن والمناخات، فهي «كالماء الجاري وهو يمر على الحصى والحجر والطين وكل شيء فيؤثر فيه ويتأثر به».
بهذا المنظور، نحاول مقاربة هذه الفكرة التي تقول إن المكان هو الموجه الأكثر أثراً على الجواهري في إنتاج القصيدة، على خلاف ما هو متعارف عليه، من أن الموروث له سطوة كبيرة على شعر الجواهري، وأن مغذياته الكبرى تنبع من اللغة وموروثها، ذلك أن الأماكن جميعاً (مدناً وقرى، وعواصم أوروبية وعربية وشرقية، تلك التي عاش فيها) تُعدُ نبعاً، ومغذياً حياً ينشر ظلاله في نصوصه المختلفة، ذلك أن شعر الجواهري في النجف هو غير شعره في بغداد، وهو غيره في «علي الغربي»، وغيره في طهران، وغيره في بيروت ودمشق، وهو يكاد يكون شخصاً آخر وشاعراً آخر في براغ.
إن هذه التحولات التي تحدث للجواهري، بوصفه نصاً شعرياً متنقلاً، وهو ذاته من تحدث عنها في مذكراته أيضاً من خلال تأثير الأماكن على وعيه وثقافته، وبالتالي على نصه الشعري - هذه التحولات في لغة القصيدة، ومعجمها بالتحديد، وفي صورها، وزاوية النظر، أي في شكل الخطاب بشكل عام وفي مزاج القصيدة - إذا صحت هذه التسمية - حين تكون بمزاج جيد.
إذن هي تحولات رُصِدت من خلال متابعة رحلات الجواهري، وما كتبه في تلك المدن: شاباً في النجف، أو مهاجراً لبغداد، أو منفياً ومزارعاً في قرى «علي الغربي» في جنوب العراق، أو لاجئاً في دمشق، أو مسافراً في أصفهان وطهران، أو منفياً ومقيماً في براغ.
- جواهري النجف
فمن النجف التي ولد فيها ونشأ ودرس وكتب أولى حروفه، نجد تضافراً ين البيئة والنص الذي كتبه في تلك المدة، فضلاً عن أثر الموروث المهم، ولكن جغرافية النجف الوعرة كان لها أثرٌ واضحٌ في نصه أيام شبابه، هذه المدينة التي يقول عنها في أول سطر في مذكراته: «ولدتُ فوق أرض ملحية عطشى، رغم أنها على مقربة ميل أو ميلين من مياه الفرات»، ثم يستمر الجواهري بسرد مشاهد عن هذه المدينة التي يضيق فيها، حيث كان يقول: «بين آونة وأخرى، تضيق عيناي بمشهد الصحراء الجافة اللانهائية». إذن، ما الذي يمكن أنْ تتركه مشاهد هذه المدينة في قلب الصبي الشاعر وذاكرته؟ وهي المدينة التي يقول إنها «كانت مدينة بلا شجر، ولا عشب، وبما يشبه الشحة في المياه أيضاً، عدا مياه الآبار. فقد زحف الملح من البحر اليابس إلى أرضها، وغطت رياح السموم كل ما فيها بلون التراب الرمادي». وضمن هذا السياق الذي يلف المدينة، ما الذي يمكن أنْ يُنتجه الشاعر الذي تشكل البيئة جزءاً أساسياً في نصه الشعري، وتحديداً المكان الذي يحيط به؟ منطلقين من الرؤية التي ترى أن المكان قد «يفرض لغته على النص، وقد يشكل هذا جزءاً من وعي لغة المكان»، نستعير سؤال الناقد ياسين النصير حول الربط بين المكان والنتاج الأدبي، فهل يحمل المكان كروموسومات وراثية ليفرضها على سكنته، بحيث تفرز من خلال نتاج أبنائه خصوصية سلوكية وإبداعية؟ ومن ثم يعود ياسين النصير ويرى أن تساؤله افتراضي، وربما غير مشروع، لكنه يستحث هذا التساؤل ما هو بيولوجي لأنْ يستوعب ما هو ثقافي، وضمن هذا الفهم يتشكل ما يشبه الاندماج الكلي بين الشخص وجسده المكاني.
أما نحن الباحثين عن هذا الربط بين البيئة والقصيدة، فليس لنا إلا الإجراء الواقعي، أي فحص القصائد، وكأننا في مختبر تحليلي لفحص دم القصيدة، أو البحث عن dna»» القصيدة، وبهذا نقول إن هذا النص عائدٌ للمدينة الفلانية دون تلك المدينة، وما سهل عملية هذا الفحص السريري للنصوص هو الجهد العظيم الذي قام به محققو ديوان الجواهري، وهم من كبار علماء العربية (مهدي المخزومي، وعلي جواد الطاهر، ورشيد بكتاش، وإبراهيم السامرائي)، حيث وضعوا تحت كل قصيدة تاريخ كتابتها، والمكان الذي كُتبت فيه ومناسبته، وبهذا قد قدموا خدمة كبيرة للباحثين الذين سيعيدون النصوص إلى مدنها التي كتبت فيها، حيث التحول في اللغة والصورة وزاوية النظر.
فها هو «الجواهري» في بداية كتاباته في النجف يقول في أوائل قصائده 1921:
هو العزم لا ما تدعي السمْر والقضْبُ
وذو الجــــد حتــــى كل ما دونه لعبُ
ومن أخلفته في المعــــالي قضيــــــة
تكفل في إنتاجها الصارم العضْـــــبُ
ومن يتطلب مصعبــــــاتِ مســـــالكٍ
فأيسرُ شيءٍ عنده المركـــب الصعبُ
- التراث والمكان
يتبين من خلال هذه الأبيات، وهي جزء من نص طويل، أن الشاعر الذي يتحدث في النص منشطر على نصفين: التراث والمكان، حيث الشجاعة التي تبعث أمصالها في اللغة وبلاغتها، وحيث البيئة التي تصفق لمثل هذه الأفكار المكررة، فوعورة اللغة، واللجوء إلى مفردات مثل «السمر، والقضب، والجد، والصارم، والعضب، ومصعبات، والصعب»، كل هذا المفردات الخشنة في ثلاثة أبيات، وهي تُشبه خشونة المدينة التي يصفها الجواهري لحظة فتح عينيه على ملوحتها وسورها القديم، علماً بأن النص يشتمل معظمه على هذه اللغة التي ألجأت محققي الديوان إلى وضع معانٍ للكلمات، وكأن الشاعر - في هذه النصوص - ينتمي للعصر الجاهلي، لهذا فاللغة هي ليست لغة الجواهري، قدر ما هي اللغة التقليدية التي تشربها، والبيئة النجفية التي غرق فيها، وتأثر بمناخها وخشونتها، فأنتج نصاً مطابقاً للمدينة التي كان يعيش فيها الجواهري ذو العشرين عاماً، وللمكان الذي لم يرَ غيره في تلك المدة، فلا يستطيع الانفلات من الواقع إلا بهذا النص الذي يشبه مدينته الصحراوية.
لقد بقي الجواهري - كما أزعم - متأثراً بالبيئة أكثر من الموروث اللغوي، رغم سطوة الموروث وهيمنته، إلا أن البيئة بقيت محرضاً رئيساً في الكتابة، فهو حتى حين كتب عن ثورة العشرين، فإن الناقد علي جواد الطاهر، في مقدمة ديوان الجواهري، يرى أن المكان هو سبب هذه الكتابات «لقد انصرم عام 1920 أو كاد... ولتكن بقايا الثورة العراقية أول موضوعات النشر، كأنه لا يريد أن يخرج عن النجف وعلى النجف، بما ترسخ فيها من مفهوم الشعر وموضوعاته حتى كاد يأسن» (11). لهذا فالبيئة تشكلُ عاملاً مهماً لدى «الجواهري» في بناء نصوصه الشعرية، وحتى في طريقة المعالجة، وزاوية النظر، فضلاً عن العامل الأهم، وهو تغير معجمه الشعري، تبعاً لتغير المكان الذي يسكنه ويعيش فيه، ليصل حد التسرب بمساماته.
- من محاضرة ألقيت في مؤتمر نقدي نظمته مؤسسة «سلطان بن علي العويس الثقافية» في دبي احتفاء بمنجز الجواهري الشعري



قمع المرور البرتقالي وموسيقى القرب... تقاليد اسكوتلندية تسحر سكان بوسطن

أسرت حشود جيش الترتان الذين يعزفون على المزمار ويرتدون التنورة الاسكوتلندية قلوب سكان بوسطن منذ وصولهم إلى كأس العالم (رويترز)
أسرت حشود جيش الترتان الذين يعزفون على المزمار ويرتدون التنورة الاسكوتلندية قلوب سكان بوسطن منذ وصولهم إلى كأس العالم (رويترز)
TT

قمع المرور البرتقالي وموسيقى القرب... تقاليد اسكوتلندية تسحر سكان بوسطن

أسرت حشود جيش الترتان الذين يعزفون على المزمار ويرتدون التنورة الاسكوتلندية قلوب سكان بوسطن منذ وصولهم إلى كأس العالم (رويترز)
أسرت حشود جيش الترتان الذين يعزفون على المزمار ويرتدون التنورة الاسكوتلندية قلوب سكان بوسطن منذ وصولهم إلى كأس العالم (رويترز)

من أحداث كأس العالم لكرة القدم 2026 تخرج حكاية لطيفة عن قصة حب بين مدينة أميركية ومشجعي فريق كرة قدم زائر. هي حكاية مدينة بوسطن مع زوارها من اسكوتلندا الذين حلوا على المدينة بلباسهم المميز وموسيقى القرب واحتفالاتهم الصاخبة.

أسرت حشود جيش الترتان الذين يعزفون على المزمار ويرتدون التنورة الاسكوتلندية قلوب سكان بوسطن منذ وصولهم إلى كأس العالم (رويترز)

امتلأت وسائل التواصل الاجتماعي بالفيديوهات التي تظهر مشجعي فريق اسكوتلندا في بوسطن وهم يغنون «بدون اسكوتلندا لن تكون هناك حفلة»، التي غناها معهم مشجعو فرق أخرى مثل العراق والمغرب، ليس تحيزاً لفريق دون آخر، بل من باب الاحتفال والاستمتاع بالروح اللطيفة التي غلبت على احتفالية المشجعين الاسكوتلنديين.

من اللقطات الطريفة قيام المشجعين بوضع أقماع المرور البرتقالية على رؤوس التماثيل المختلفة في بوسطن، وهو تقليد اسكوتلندي ظهر في الثمانينات وأصبح علامة لمدينة غلاسكو.

أشار موقع «سي بي إس» الأميركي إلى اجتياح «الجيش الترتاني» (وهو اسم قاعدة المشجعين في اسكوتلندا ويأخذ اسمه من قماش الترتان الصوفي المقلم الذي تشتهر به اسكوتلندا) لبوسطن، وأنهم جلبوا معهم «إحدى تقاليد بلادهم الفريدة»، حيث لاحظ سكان بوسطن وضع أقماع المرور البرتقالية على تماثيل شهيرة في أنحاء المدينة.

مشجعون اسكوتلنديون يمرون بجانب تمثال الثوري جون غلوفر المزين بشكل فكاهي بمخروط مروري في حديقة بمدينة بوسطن بولاية ماساتشوستس (أ.ب)

قصة أقماع المرور وغلاسكو

حسب «بي بي سي»، فقد دأب سكان غلاسكو على وضع مخروط مروري فوق تمثال دوق ويلينغتون أمام معرض الفن الحديث اتباعاً لتقليد بدأه مجموعة من المحتفلين في ليلة من عام 1980 واستمر بعد ذلك.

وأصبح موضوع الإبقاء على المخروط في مكانه معركة مستمرة بين السكان المحليين والمجلس البلدي، لكن أي محاولة لإزالة المخروط البلاستيكي عن التمثال كانت تُحبط سريعاً، ويُعاد وضعه في غضون أيام.

وبهذا أصبح القمع البرتقالي معلماً محلياً معترفاً به حتى إن معرض الفن الحديث وضع لافتة ترحيبية بزواره تقول: «لمن لا يعلم، فإن المخروط الموجود على رأس التمثال في الخارج مُغطى به باستمرار منذ ما يزيد عن 40 عاماً»، والآن، تُستخدم صور التمثال المُغطى بالمخروط للترويج لغلاسكو، وتظهر على الملصقات وقواعد الأكواب وسلاسل المفاتيح وعده الدليل السياحي «لونلي بلانت» من المواقع التي ينصح بزيارتها أثناء الوجود في غلاسكو.

وحصل القمع الشهير على ختم الموافقة من بانكسي الذي قال إنه كان السبب الذي دفعه لإقامة معرضه الأول في معرض الفن الحديث بالمدينة بعد غياب طويل.

وعبر السنوات حاول مجلس المدينة الوصول لحل للمشكلة بذريعة أن ذلك التقليد يفسد صورة المدينة في الخارج، ولكن ذلك كان يقابل بمعارضة شديدة من السكان وبعض السياسيين. وفي عام 2000 أزال المجلس القمع لتصوير حملة إعلانية سياحية، ولكن اضطر لإعادة القمع مرة أخرى على رأس التمثال بعد موجة من الاعتراضات. وأصبح القمع مشهداً أساسياً في فضاء المدينة، بل وحتى واكب بعض الأحداث السياسية فقد وضع قمع بألوان علم الاتحاد الأوروبي في عام 2020 يوم خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وحمل ألوان علم أوكرانيا في عام 2022.

شعبية «الجيش الترتاني»

بالعودة إلى مدينة بوسطن، أصبح لـ«الجيش الترتاني» شعبية كبيرة لدرجة أن البعض يتساءل إن كان من الممكن استضافتهم للأبد. ويصفهم تقرير لصحيفة «نيويورك تايمز» بـ«الزوار الودودين الذين يرتدون التنانير الاسكوتلندية التقليدية... يملؤون شوارع هذه المدينة العريقة الضيقة، وعربات مترو الأنفاق، والمطاعم، ويملؤون الأجواء بأصوات المزامير الاسكوتلندية.. لقد أصبحوا نجوماً على مواقع التواصل الاجتماعي، وهم يمزحون بلطف مع مضيفيهم برمي مخاريط المرور على التماثيل. في مدينة يُعرف سكانها ببساطتهم وفخرهم بفن التذمر، سُحر السكان المحليون تماماً بهذا الوجود الاسكوتلندي البهيج. السؤال الذي يتردد على ألسنة الكثيرين: كيف نجعل الاسكوتلنديين يبقون؟».

أقماع المرور البرتقالية لمحة فكاهة من اسكوتلندا في شوارع بوسطن (إ.ب.أ)

من جانبها علقت عمدة مدينة بوسطن ميشيل وو قائلة: «لقد جعل الغزو السلمي لـ(جيش الترتان) من بوسطن المدينةَ الأفضل لاستضافة كأس العالم، لا يمكنك الذهاب إلى أي مكان في المدينة الآن دون أن ترى شخصاً يرتدي التنورة الاسكوتلندية. لقد كان الأمر ممتعاً للغاية».


رهان دبلوماسي أميركي – أسترالي يثير أجواء المونديال في الرياض

القائمة بأعمال السفارة الأميركية أليسون ديلوورث راهنت السفير الأسترالي مايلز أرميتاج على نتيجة المباراة (السفارة الأميركية)
القائمة بأعمال السفارة الأميركية أليسون ديلوورث راهنت السفير الأسترالي مايلز أرميتاج على نتيجة المباراة (السفارة الأميركية)
TT

رهان دبلوماسي أميركي – أسترالي يثير أجواء المونديال في الرياض

القائمة بأعمال السفارة الأميركية أليسون ديلوورث راهنت السفير الأسترالي مايلز أرميتاج على نتيجة المباراة (السفارة الأميركية)
القائمة بأعمال السفارة الأميركية أليسون ديلوورث راهنت السفير الأسترالي مايلز أرميتاج على نتيجة المباراة (السفارة الأميركية)

في أجواءٍ بعيدة عن البروتوكولات الرسمية، شهدت العاصمة السعودية، مساء الجمعة، تنافساً ودياً بين القائمة بأعمال السفارة الأميركية أليسون ديلوورث، التي راهنت السفير الأسترالي مايلز أرميتاج على نتيجة المباراة التي تجمع منتخبي بلديهما في بطولة كأس العالم لكرة القدم 2026.

انطلق التنافس بمنشور للدبلوماسية الأميركية عبر حسابها على منصة «إنستغرام» للتواصل الاجتماعي، عكس ثقافة القهوة في الولايات المتحدة وأستراليا، معلنة أن خاسر المباراة سيتكفّل بشراء القهوة للفائز، وقالت: «الرهان لا يتجاوز خياراً بسيطاً: أميركانو أم فلات وايت».

وخلال حفل أقامته السفارة الأميركية قبيل انطلاق المباراة، أقرَّت ديلوورث بتميُّز الأستراليين في إعداد القهوة، لكنها أبدت ثقتها بفوز منتخب بلادها، قائلة: «السفير أرميتاج زميل لطيف ويتمتع بروح رياضية، وأنا على ثقة تامة بأنه سيكون من يشتري لي قهوة أميركانو».

صورة تذكارية خلال الحفل الذي سبق انطلاق المباراة (السفارة)

ويُجسِّد هذا التنافس الودي جانباً من قدرة كرة القدم على التقريب بين الشعوب والثقافات المختلفة، إذ جمعت أميركيين وأستراليين وسعوديين ودبلوماسيين من مختلف أنحاء العالم أمام شاشة واحدة في الرياض لمتابعة المباراة بشغف واحد.

وفي جدة (غرب السعودية)، نظّمت القنصلية العامة الأميركية فعالية مماثلة حضرها نحو 100 شخص من الأميركيين وأصدقائهم السعوديين، وقال القنصل العام رفيق منصور: «لقد جمعنا أصدقاء من مختلف الأوساط الدبلوماسية والثقافية والتعليمية».

وأضاف منصور: «هذا في رأيي هو المعنى الحقيقي للرياضة. ففي النهاية، نحن جميعاً مشجعون نتوحَّد خلف شغف يتجاوز حدودنا الفردية»، متابعاً: «الليلة، بالطبع، نقف خلف الولايات المتحدة، لكننا نرحب بأي مشجعين أستراليين بيننا، ونعدهم بأن نتحلى بالروح الرياضية».

أليسون ديلوورث تتوسط الدبلوماسيين والمواطنين الأميركيين الذين حضروا الحفل (السفارة)

وتأتي هذه الأجواء المثالية في وقت تواصل فيه السعودية استعداداتها لاستضافة نسخة استثنائية من بطولة كأس العالم في عام 2034، تحت شعار «أهلاً بالعالم»، وعلّقت الدبلوماسية الأميركية: «تعكس السعودية اليوم صورة واضحة للترحيب بالمجتمع الدولي واحتضانه».

واختتمت حديثها بمواصلة المزاح حول الرهان: «الآن، يمكن إرجاء الحديث عن كأس العالم 2034؛ فهناك مباراة تنتظر المشاهدة، ورهان ينتظر الحسم، وفنجان قهوة سيتحدد مصيره بحسب النتيجة».

وفازت ديلوورث برهان القهوة بعد تغلَّب المنتخب البرازيلي على نظيره الأسترالي بهدفين نظيفين، ضمن الجولة الثانية للمجموعة الرابعة من مرحلة المجموعات في البطولة التي تستضيفها حالياً المكسيك وكندا والولايات المتحدة.


الدماغ لا يغفل عبثاً... علم الأعصاب يكشف عن دور «نعمة النسيان»

النسيان أداة قوية للدماغ (بكسلز)
النسيان أداة قوية للدماغ (بكسلز)
TT

الدماغ لا يغفل عبثاً... علم الأعصاب يكشف عن دور «نعمة النسيان»

النسيان أداة قوية للدماغ (بكسلز)
النسيان أداة قوية للدماغ (بكسلز)

يتساءل كثيرون عن أسباب النسيان، غير أن علم الأعصاب الحديث يكشف أن فقدان الذكريات ليس مجرد خلل في الذاكرة، بل عملية معقدة قد تؤدي دوراً أساسياً في تنظيم الدماغ وحماية الإنسان من تراكم المعلومات غير الضرورية.

وبينما ركّزت الأبحاث لعقود طويلة على فهم آليات الذاكرة، بدأ العلماء في السنوات الأخيرة إعادة النظر في «النسيان» بوصفه عملية نشطة ومقصودة بيولوجياً، لا تقل أهمية عن التذكر نفسه في تشكيل الإدراك والسلوك.

ويستعرض تقرير نشره موقع «سيكولوجي توداي» كيف يفسر علم الأعصاب الحديث ظاهرة النسيان، ولماذا قد يكون «نسيان بعض الذكريات» عاملاً مساعداً على التكيف النفسي والعقلي.

النسيان أداة قوية

من أهم التطورات في فهم الذاكرة إدراك أنها ليست عملية تسجيل ثابتة، بل ظاهرة ديناميكية يُعيد الدماغ بناءها باستمرار، بدلاً من كونها مجرد تسجيل سلبي للأحداث.

هذا التحول في الفهم يتيح إدراك أن «النسيان» قد يؤدي وظيفة ضرورية أيضاً.

فالنسيان ليس فشلاً في الذاكرة، بل نتيجة عمليات تسمح للدماغ بتحديد المعلومات الأكثر أهمية لفهم العالم والتكيف معه.

تخيل لو أنك تتذكر كل تفاصيل يومك بالدقة نفسها: كل وجبة، كل إيصال، وكل محادثة. مثل هذا النظام لن يكون نعمة بل سيصبح عبئاً ثقيلاً. لذلك يحتاج الدماغ إلى الضغط والتلخيص والتخلص من المعلومات غير الضرورية، وهنا يصبح النسيان وسيلة لتعزيز المرونة السلوكية وإزالة المعلومات غير المهمة، تماماً كما يؤدي التخلص من الفوضى إلى تنظيم المنزل.

كيف يحدث النسيان؟

لا يمكننا أن نقرر النسيان بإرادتنا، تماماً كما لا يمكننا إجبار أنفسنا على النوم. وربما يكمن فهم النسيان في فهم كيفية التذكر نفسه.

أسرار التذكر

من بين كل ما نمر به يومياً، لا يتحول إلا جزء صغير جداً إلى ذكريات.

فالتكرار يرسل إشارة إلى الدماغ بأن المعلومة قد تكون مهمة لاحقاً، في حين يُحدد الانتباه ما يستحق أن يُخزن في «أرشيف» الذاكرة. ومن ثم، فإن الذاكرة ليست مجرد سجل للحياة، بل هي نتيجة لما ننتبه إليه.

ولهذا يمكننا، جزئياً، التأثير على ذاكرتنا عبر التركيز على ما نريد الاحتفاظ به، ومع مرور الوقت تتلاشى المعلومات غير المستخدمة.

أما العاطفة فهي عامل حاسم أيضاً، إذ تعمل بوصفها «مُحدد أهمية» للدماغ. فبسبب القرب بين الحُصين (Hippocampus) ومركز العاطفة (اللوزة الدماغية) تُصبح الذكريات المرتبطة بالمشاعر أكثر رسوخاً.

ولهذا نتذكر بسهولة يوم زفافنا أو لحظات الفوز الكبيرة لفريقنا المفضل، في حين يصعب تذكر تفاصيل يوم عادي، مثل ما تناولناه على الغداء.

وفي تجربة على مرضى ألزهايمر، رغم فقدان القدرة على تذكر أحداث الفيلم التي شاهدوها، فإن المشاعر التي أثارها بقيت لديهم، إذ استمر التأثير العاطفي حتى دون الذاكرة نفسها.

علم الأعصاب الحديث للنسـيان

بدأ علم الأعصاب مؤخراً فقط فهم الآليات البيولوجية للنسـيان.

فبعد أن كان يُعتقد أن النسيان مجرد تلاشٍ تدريجي للذكريات، تُشير الأدلة الحديثة إلى وجود ما يُعرف بـ«النسيان النشط»، وهو عملية بيولوجية تتم على المستوى الجزيئي، وعلى مستوى الشبكات العصبية.

وتخضع الشبكات العصبية المسؤولة عن تخزين الذكريات، والمعروفة باسم «خلايا الإنغرام»، لإعادة تشكيل مستمر طوال الحياة. كما أن النوم والتجارب الجديدة والنشاط البدني وحتى تكوّن خلايا عصبية جديدة، كلها عوامل تُساعد الدماغ على تحديث الذكريات القديمة وإفساح المجال للجديدة.

وتشير دراسات أيضاً إلى أن اضطرابات مثل القلق واضطراب ما بعد الصدمة والوسواس القهري والإدمان قد ترتبط بخلل في آليات «النسيان النشط».

كيف يمكننا أن ننسى بشكل أفضل؟

لا يمكننا أن نجبر أنفسنا على النسيان، لكن يُمكننا التأثير على ما يُعززه الدماغ، وما يتخلى عنه تدريجياً.

يمكننا التركيز على ما يهمنا حقاً، عبر تكرار القيم والعلاقات والأهداف التي نرغب في الحفاظ عليها، كما يمكننا تدريب أنفسنا على التخلي عن الضغائن الصغيرة والصراعات المتكررة.

ونستطيع أيضاً تحسين جودة النوم، وممارسة الرياضة بانتظام، وفتح المجال لتجارب جديدة. والأهم من ذلك، إدراك أن النسيان ليس دائماً فشلاً، بل قد يكون شكلاً من أشكال التعافي.

فالذاكرة تمنحنا الاستمرارية، لكنها ليست سجّلاً كاملاً، بل هي انتقائية وقابلة لإعادة البناء. ونحن لا نتشكل فقط بما نتذكره، بل أيضاً بما ننساه.

النسيان... ليس فقداناً بل تحرر

الانتباه يبني «أرشيف» الذاكرة، في حين يقوم النسيان بتحرير هذا الأرشيف وتعديله.

نحن نصبح ما ننتبه إليه، لكن العكس قد يكون صحيحاً أيضاً: نحن نتشكل بما نتوقف عن الانتباه إليه.

فالنسيان لا يمحو الماضي فحسب، بل يفتح الطريق للمستقبل.