«السوشي»... شارة اجتماعية أم أكلة محبوبة؟

اتساع جمهوره في مصر من المطاعم الفخمة إلى العربات المتنقلة

«السوشي»... شارة اجتماعية أم أكلة محبوبة؟
TT

«السوشي»... شارة اجتماعية أم أكلة محبوبة؟

«السوشي»... شارة اجتماعية أم أكلة محبوبة؟

«جربت السوشي؟»... سؤال يبدو عادياً، لكن الإجابة عنه قد تحمل دلالات اجتماعية أكثر منها تفضيلات شخصية لطبق آسيوي عابر من ثقافات بعيدة. وأمام اتساع جمهوره وتنوعه من المطاعم الفخمة إلى العربات المتنقلة، تزايدت الأسئلة بشأن ما إذا كانت شهرة هذا النوع من الطعام ناتجة عن رغبة حقيقية أم أنها للتباهي فقط.

لم يكن السوشي معروفاً على نطاق واسع في مصر حتى العقود الأخيرة، غير أن شهرته بدأت تتسلل في أواخر التسعينات ومطلع الألفية، على خلفية زيادة انتشار المطاعم اليابانية في مصر، ومع تصاعد استخدام مواقع التواصل الاجتماعي ذاع صيته بدافع المغامرة وتجربة غير التقليدي.

تعود جذور السوشي إلى مناطق متعددة من آسيا، خصوصاً في اليابان، وحسب كتاب «قصة السوشي» الصادر عام 2007 للكاتب تريفور كورسون، لم يكن السوشي طبقاً يؤكل، ولكن كان مجرد عملية تعتمد على الأرز المخمر لحفظ الأسماك، نشأت تحديداً في القرن الرابع الميلادي، وكانت تعرف بـ«ناريزوشي».

مع مرور الوقت، طوّر اليابانيون طريقة الحفظ وأضافوا بعض التغييرات مثل تقليل مدة تخمير الأرز حتى أصبح يُؤكل مع السمك. ثم مرّ بعدّة مراحل للتطوير.

وحسب كورسون، كان النصف الثاني من القرن العشرين هو بداية عبور السوشي خارج حدود الثقافة الآسيوية، حيث بدأ ينتشر في الولايات المتحدة الأميركية، ومنها إلى العالم الذي احتضنه وصنّفه كطبق فاخر يعكس الانفتاح الثقافي لعشاقه.

السوشي في مصر

يرى مدير تسويق شركة «موري إنترناشيونال» المالكة لمطعم «موري سوشي»، أحد أقدم مطاعم السوشي في مصر، محمود سعيد، أن هذا الصنف ارتبط في البداية «بطبقات اجتماعية معينة، وهم المصريون العائدون من الخارج، الذين يتوقون إلى تجربة أكلات تنتمي لثقافات بعيدة».

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «هذه الرغبة قد تزول بعد الزيارة الأولى للمطعم، أمام الحرص على تناول هذا الصنف؛ واستمرارية مطعمنا في العمل خلال السنوات الماضية تعكس أن السوشي طبق مميز ذو مذاق جذاب».

وافتتح مطعم «موري سوشي» أبوابه للجمهور عام 2007 بعد تجارب محدودة لتقديم الطبق الآسيوي.

وتطرق سعيد إلى اتساع جمهور الراغبين في السوشي، بـ«ظهور العربات المتنقلة لبيعه في الميادين الرئيسية»، وهذا يدل، حسب رأيه، على أنه «بات طبقاً محبوباً من قبل شرائح مصرية عديدة؛ متجاوزاً بذلك ثقافة (الترند)».

طريقة التحضير

السوشي يُحضَّر بطرق متنوعة تضم السمك النيئ ومضافاً إليه مجموعة من الصلصات، وهناك بعض الأطباق المدخنة والمقلية والمطهوة على البخار، كل طريقة لها مجموعة من الصلصات المميزة لها وشهرتها تتنوع حسب المذاق الشخصي.

من بين الأطباق المميزة في قائمة طعام السوشي أطباق النيغيري النيئة، ولفائف الـ«ماكي» المكونة من مزيج الأرز وورق نوري (نوع من الطحالب البحرية)، أما عشاق السوشي المطهوّ بطريقة القلي فربما يفضلون طبق تمبورا رول المكون من لفائف الجمبري المقلي.

أكثر ما يميز أطباق السوشي هي توليفة الصلصات مثل الواسابي، وهي صلصة تشبه المعجون ذات مذاق حار مجهزة من جذور نبات الواسابي القريب في المذاق من الفجل، أيضاً الصويا الصوص الأساسي الذي يُقدّم مع معظم أنواع السوشي، عبارة عن صوص مالح مصنوع من فول الصويا المخمر، بالإضافة إلى صلصة ترياكي المجهزة من الصويا والسكر والزنجبيل.

تجارب المصريين

تقول المصرية خلود عمر (35 عاماً) من سكان القاهرة الجديدة (حي راقٍ في شرق القاهرة)، وهي من عشاق السوشي، إن التجربة الأولى لها مع الطبق الياباني الشهير كانت بدافع ركوب موجة الـ«ترند»، وتضيف لـ«الشرق الأوسط» أنها في أول مرة تناولت بها السوشي «لم ينل إعجابها»، متابعة: «غير أني كررت التجربة مع صديقة كانت تعيش في الخارج وعلى دراية بأطباق السوشي، وتناولت وقتها ترشيحاتها التي كانت تميل إلى الأنواع المطهوّة سواء بالقلي أو البخار، منذ هذا الوقت وبات طبقي المفضل».

بيد أن خلود لا تعشق السوشي بالدرجة نفسها مثل صديقتها فرح فؤاد، التي تقطن في مجمع سكني راقٍ في القاهرة الجديدة أيضاً، والتي قالت لـ«الشرق الأوسط»: «منذ 10 سنوات وأنا أجرّب جميع مطاعم السوشي في مصر، فهو ليس طبقاً عادياً بينما تجربة غنية تشعرك بأنك تجلس على المحيط بصحبة أصدقاء آسيويين». وأضافت: «عشقي للسوشي دفعني لتشجيع أصدقائي على تجربته، ولذلك أقمت العام الماضي حفل عشاء خاص في منزلي وكانت الطاولة بالكامل من أصناف السوشي، وقام الطاهي المتخصص بتحضير أطباق السوشي أمام المدعوين، التجربة كانت ممتعة والمذاق ساحراً».

الأسعار

أسعار أطباق السوشي متفاوتة حسب المطعم، غير أنه ينتمي لقائمة الأطباق الغالية، مثلاً طبق مكون من 40 قطعة صغيرة سعره يتجاوز 1200 جنيه مصري (الدولار يساوي 48.4 جنيه) داخل مطعم متوسط، ويرتفع السعر كلما ارتفعت جودة المكان.

تضيف خلود عن الأسعار: «لا أعدّ السوشي طبقاً باهظ الثمن لأن الأسماك بشكل عام أسعارها مرتفعة، فبجانب أنه طبق ذو مذاق طيب يُعد حالة من الترفيه والمتعة».

ويرى محمد عبد العليم، مدير مطاعم في «فورسيزونز» أن السوشي وجبة مفضّلة لدى جيل الشباب، أما الجيل الأكبر سناً ربما لم يلقَ السوشي لديه القبول عينه، وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «لا يمكن تصنيف السوشي في مصر كشارة على طبقة اجتماعية تميل إلى الترف، بينما هو طعام له عشّاقه ومحبوه، والدليل أنه إذا كانت المسألة تتعلق بالوجاهة الاجتماعية، فهناك بالتأكيد أطعمة أغلى وأرفع شأناً منه».

ويتابع عبد العليم قوله: «في مصر نميل لتفضيل السوشي المقلي، أكثر من السوشي النيئ، كما أن الزبون المصري يفضل اللفائف التي تحتوي على الجمبري المقلي أو الجبن».


مقالات ذات صلة

«تاكو آل باستور»... حين أصبحت الشاورما مكسيكية

مذاقات «تاكو آل باستور»... حين أصبحت الشاورما مكسيكية

«تاكو آل باستور»... حين أصبحت الشاورما مكسيكية

لطالما كان الطعام أكثر من مجرد وسيلة لسدّ الجوع، فهو لغة تتجاوز الحدود، وتحمل في مكوناتها وطرق إعدادها قصص الشعوب وحكايات تواصلها عبر العصور.

جوسلين إيليا (لندن)
مذاقات كيف حافظ المطبخ اليمني على أسرار نكهته بين الحجر والنار؟

كيف حافظ المطبخ اليمني على أسرار نكهته بين الحجر والنار؟

في زمن تتسارع فيه تقنيات الطهي وتتغير فيه أساليب إعداد الطعام، يحتفظ المطبخ اليمني بمكانته بوصفه أحد المطابخ العربية التي لا تزال متمسكة بجذورها وطرق تحضيرها

محمد عجم (القاهرة)
مذاقات لماذا أصبحت بودروم عاصمة المطاعم الفاخرة على بحر المتوسط؟

لماذا أصبحت بودروم عاصمة المطاعم الفاخرة على بحر المتوسط؟

لم تعد بودروم مجرد مدينة ساحلية تركية تشتهر بشواطئها الفيروزية وحياتها الليلية، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى واحدة من أبرز الوجهات لعشاق فنون الطهي الفاخرة

جوسلين إيليا (لندن)
مذاقات اللحم المفروم... الطريق الأفضل لوجبات مقلية ألذ

اللحم المفروم... الطريق الأفضل لوجبات مقلية ألذ

عندما يتعلق الأمر بأطباق القلي السريع على طريقة «ستير فراي»، فإن العمل الحقيقي والجهد الأكبر يحدثان قبل حتى أن تسخن المقلاة.

ميليسا كلارك (نيويورك)
مذاقات تصميم حديقة «هارت غاردنز» في ميفير (الشرق الأوسط)

مطعم جديد في لندن يفتح باباً للنحاتين لتصميم وعرض أعمالهم في حديقته

في قلب منطقة ميفير، في خطوة جديدة من نوعها، يتيح مطعم جديد في منطقة ميفير بلندن فرصة أمام النحاتين لعرض أعمالهم في أحد المواقع البارزة في قلب العاصمة البريطانية


«تاكو آل باستور»... حين أصبحت الشاورما مكسيكية

تاكو ال باستور (غيتي)
تاكو ال باستور (غيتي)
TT

«تاكو آل باستور»... حين أصبحت الشاورما مكسيكية

تاكو ال باستور (غيتي)
تاكو ال باستور (غيتي)

لطالما كان الطعام أكثر من مجرد وسيلة لسدّ الجوع، فهو لغة تتجاوز الحدود، وتحمل في مكوناتها وطرق إعدادها قصص الشعوب وحكايات تواصلها عبر العصور. فمن خلال طرق التجارة والهجرات والرحلات والحروب، انتقلت التوابل والحبوب وطرق الطهي بين البلدان، لتصل أطباق من ثقافة إلى أخرى وتكتسب مع مرور الزمن نكهات جديدة وهوية مختلفة.

ولعلّ ما نأكله اليوم هو نتيجة قرون طويلة من هذا التبادل الثقافي، فمكونات كانت غريبة عن بعض الشعوب أصبحت جزءاً أساسياً من مطابخها، وأطباق انتقلت من موطنها الأصلي تطورت لتأخذ طابعاً محلياً جديداً. وبين المطابخ: العربي، والهندي، والمتوسطي، والآسيوي، والأوروبي، تكشف رحلة الطعام كيف استطاعت الموائد أن تجمع الشعوب، وتحول الاختلاف الثقافي إلى تجربة مشتركة تتذوقها الأجيال جيلاً بعد جيل.

والدليل على ذلك هو طبق «تاكو آل باستور» الذي يعتبر من أشهر الأطباق المكسيكية، واللافت في قصته صلته بالمطبخ اللبناني، والهجرة والتبادل الثقافي.

القصة بدأت مع موجات الهجرة القادمة من بلاد الشام إلى المكسيك في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. ومع انهيار الدولة العثمانية، غادر كثير من أبناء المنطقة، وبينهم لبنانيون وسوريون، موطنهم بحثاً عن حياة جديدة في الأميركتين. واستقر عدد كبير منهم في المكسيك، ولا سيما في مدينة بويبلا، حاملين معهم عاداتهم ولغتهم ومأكولاتهم.

كان من أهم ما انتقل مع هؤلاء المهاجرين أسلوب طهي اللحم على سيخ عمودي دوّار، وهو الأسلوب الذي يشبه الطريقة المستخدمة في الشاورما والدونر في المشرق.

في المكسيك، بدأ هذا الأسلوب يأخذ شكلاً جديداً. فبدلاً من لحم الخروف المستخدم في النسخ الشامية التقليدية، استُخدم في البداية لحم الخنزير، وبدأ اللحم يُتبّل بخليط مكسيكي من الفلفل الحار والتوابل والخل، ثم يُرص في طبقات على سيخ عمودي يعرف باسم «ترومبو».

"ترومبو" المستوحى من الشاورما الشامية (غيتي)

وهنا بدأت عملية التحول: لم تعد الوصفة شاورما كما كانت في بلاد الشام، ولم تكن في الوقت نفسه طبقاً مكسيكياً تقليدياً بالمعنى القديم؛ بل أصبحت شيئاً جديداً نشأ من لقاء ثقافتين.

تُشير روايات تاريخية وغذائية إلى أن البدايات المهمة لهذا الطبق كانت في ولاية بويبلا، حيث استقر مهاجرون من بلاد الشام وبدأوا في تقديم نسخ مكسيكية من اللحم المشوي على السيخ.

ومن هذه البيئة ظهر ما يعرف باسم تاكو أرابيس، الذي يُعد مرحلة مهمة في الطريق نحو «تاكو آل باستور». ومع مرور الوقت، استُبدلت الخبزة أو الخبز المسطح وحل محله التورتيلا المكسيكية.

ثم انتقلت الفكرة إلى مكسيكو سيتي، حيث تطورت أكثر، وأصبح اللحم يُتبّل بالأدوبو المكسيكي، ويُقدّم داخل تورتيلا الذرة الصغيرة. أما الأناناس الذي أصبح اليوم علامة مميزة للطبق، فيوضع عادة فوق السيخ، ويقطع الطاهي منه قطعة صغيرة فوق التاكو إلى جانب اللحم، مع البصل والكزبرة والليمون.

لماذا يسمى «آل باستور»؟

تعني عبارة Al Pastor بالإسبانية «على طريقة الراعي». وهناك تفسيرات مرتبطة بالمرحلة المبكرة التي كان فيها لحم الخروف أو الضأن جزءاً من هذا التقليد، ولا توجد رواية تاريخية واحدة تحسم كل تفاصيل نشأة الطبق، قد يختلف البعض حول السنة التي ظهر فيها التاكو آل باستور في المكسيك، ولكن ما لا يختلف عليه اثنان، هي الصلة بين تقنيات الشواء التي جاء بها مهاجرو بلاد الشام وبين تطور هذا الطبق في المكسيك.

وتشير بعض الروايات إلى أن أبناء المهاجرين اللبنانيين كانوا من الذين ساهموا في إعطاء الطبق هويته المكسيكية خلال منتصف القرن العشرين، وأنه انتشر على نطاق واسع في الستينيات.

ربما تكمن روعة «تاكو آل باستور» في أنه لا ينتمي بالكامل إلى طرف واحد.

تقنية الشواء على السيخ العمودي (الشاورما) تحمل إرثاً شرق أوسطي، بينما التتبيلة والتورتيلا والأناناس والكزبرة والبصل والليمون تنتمي إلى عالم المطبخ المكسيكي.وهكذا تحولت وصفة حملها مهاجرون لبنانيون وسوريون معهم عبر المحيط إلى طبق أصبح اليوم أحد رموز المطبخ المكسيكي، وخصوصاً ثقافة الطعام الشعبي في العاصمة.

أين تأكل أفضل «تاكو آل باستور»؟

في وسط مكسيكو سيتي يمكنك تناوله في «تاكو إل هيكيت» وهو محل يعود إلى عام 1959 ويُعد من المؤسسات التاريخية المرتبطة بالـ«تاكو آل باستور».

أما من يريد تجربة أكثر ارتباطاً بفكرة «الترومبو» والطريقة الشعبية الحديثة، فيمكنه زيارة «إل فيلسيتو»، وهو من الأسماء التي تحظى بشهرة كبيرة بين محبي التاكو في العاصمة.

وهناك أيضاً «إل تيزونسيتو كريادوريس دل تاكو آل باستور» في كونديسا، وهو مطعم ينسب إلى نفسه ابتكار النسخة الحديثة من «تاكو آل باستور» عام 1966، وهي دعوى تاريخية محل نقاش، لكنها جعلت المكان جزءاً من قصة الطبق.

وإذا كان الزائر يريد تجربة مختلفة، فإن «تاكيريا أورينوكو» في روما تقدم نسخة معروفة من التاكو، وإن كانت أكثر حداثة وأقل ارتباطاً بالطابع الشعبي القديم.

أما في لبنان فيمكن تناوله في كل من «لوكاس تاكيريا» الواقع في العاصمة بيروت وهو مطعم متخصص بالتاكو. وإل كاميون وكاتريناس بيروت.

أما في مدينة جبيل فمن الممكن تذوق التاكو التقليدي في مطعم إل مولينو والذي يعود تاريخ افتتاحه لعام 1992.

وهناك أيضاً مطعم في الجميزة يحمل اسم «إل باستور» ومتخصص هو أيضاً في تقديم الطبق.

والمفارقة الجميلة أن اللبناني يستطيع اليوم أن يأكل في بيروت طبقاً مكسيكياً تطورت فكرته جزئياً من تقنية الشاورما التي حملها مهاجرون من بلاد الشام إلى المكسيك. أي أن الطبق، بعد رحلة استمرت أكثر من قرن، عاد إلى المنطقة التي خرج منها أحد جذوره.


كيف حافظ المطبخ اليمني على أسرار نكهته بين الحجر والنار؟

المندي الأصلي يعتمد على نضج اللحم في بيئة حرارية طبيعية
المندي الأصلي يعتمد على نضج اللحم في بيئة حرارية طبيعية
TT

كيف حافظ المطبخ اليمني على أسرار نكهته بين الحجر والنار؟

المندي الأصلي يعتمد على نضج اللحم في بيئة حرارية طبيعية
المندي الأصلي يعتمد على نضج اللحم في بيئة حرارية طبيعية

في زمن تتسارع فيه تقنيات الطهي وتتغير فيه أساليب إعداد الطعام، يحتفظ المطبخ اليمني بمكانته بوصفه أحد المطابخ العربية التي لا تزال متمسكة بجذورها وطرق تحضيرها التقليدية. فالأطباق اليمنية لا تعتمد على المكونات وحدها لصناعة مذاقها، بل تمنح طريقة الطهي نفسها دوراً أساسياً في تشكيل النكهة، من الأفران الحجرية إلى الحفر الأرضية والأحجار الساخنة.

ويتميز المطبخ اليمني بتنوع كبير يرتبط بتنوع البيئات والمناطق، إذ تحمل كل منطقة تقاليدها الخاصة في إعداد الطعام، كما تختلف طرق تحضير الطبق الواحد من مكان إلى آخر. وتظهر هذه الخصوصية بوضوح في أطباق مثل المندي والمظبي والسلتة والفحسة، إلى جانب المزموم والمخمود وأنواع الأرز اليمني.

المندي

يعد المندي من أشهر الأطباق اليمنية وأكثرها انتشاراً، وترتبط أصوله بمنطقة حضرموت. وتكمن خصوصيته في طريقة الطهي أكثر من اعتماده على كثرة التوابل؛ إذ يُطهى اللحم أو الدجاج في بيئة حرارية محكومة داخل حفرة، بحيث ينضج ببطء ويحتفظ بعصارته ونكهته الطبيعية.وتمنح هذه الطريقة اللحم قواماً طرياً يصل إلى درجة عالية من النضج، بينما تتداخل معه النكهات الناتجة عن الحرارة والحجر. ولهذا يختلف المندي التقليدي عن بعض طرق الطهي المشابهة، مثل المدفون، الذي يعتمد بدرجة أكبر على التتبيل المكثف وتغليف اللحم قبل طهيه.

وتكشف هذه المقارنة عن فلسفة مهمة في المطبخ اليمني: فالتتبيلة ليست دائماً العنصر الأهم، بل قد تكون طريقة تعريض المكونات للحرارة هي التي تمنح الطبق شخصيته الأساسية.

ديكورات مطعم "سبأ" تتضمن تفاصيل تصميمية لتعكس الهوية اليمنية

المظبي

من طرق الطهي اليمنية المعروفة أيضاً المظبي، الذي يعتمد على وضع قطع اللحم أو الدجاج فوق أحجار طبيعية محماة. وتعمل الأحجار هنا كوسيط حراري يمنح اللحم حرارة مباشرة، مع التخلص من جزء من الرطوبة، ليقترب الناتج النهائي من مذاق الشواء مع لمسة مدخنة مميزة. وتعكس هذه الطريقة علاقة المطبخ اليمني بالمواد الطبيعية ووسائل الطهي التقليدية، حيث تتحول النار والحجر إلى جزء أساسي من الوصفة، وليس مجرد أدوات لإتمام عملية النضج.المزموم والمخمود

تظهر براعة الطهي اليمني كذلك في طرق تعتمد على إحاطة اللحم بالحرارة والنكهات لفترة طويلة. ففي المزموم، يُلف اللحم بعد تتبيله يدوياً بورق الزبدة والقصدير، ثم يوضع داخل الفرن التقليدي حتى ينضج ببطء وتتداخل النكهات مع عصارته.

أما المخمود، فيعتمد على وضع اللحم بين الأحجار الساخنة، ما يمنحه مزيجاً من النعومة الناتجة عن احتباس الحرارة والنكهة القوية التي يضيفها الطهي المباشر بالحجر.

السلتة والفحسة

ولا تقتصر خصوصية المطبخ اليمني على اللحوم والأرز، إذ تحضر السلتة والفحسة بوصفهما من أبرز الأطباق الشعبية التي ارتبطت بالمائدة اليمنية.

السلتة طبق غني ومتعدد المكونات، ويمكن أن تُجمع فيه اللحوم والخضراوات والتوابل في قوام متماسك، وتقدم عادة في آنية حجرية تساعد على الاحتفاظ بحرارتها. وتختلف مكوناتها وفقاً للمنطقة والموسم وطريقة التحضير.

أما الفحسة، فتقوم على اللحم المهروس جيداً حتى يصبح متجانس القوام، وتأتي الحلبة في مقدمة العناصر التي تمنحها شخصيتها المميزة. وتُعد الحلبة من المكونات اللافتة في عدد من الأطباق اليمنية، سواء من حيث النكهة أو طريقة تقديمها.

الأرز... تنوع في التقنية قبل النكهة

يحضر الأرز بقوة على المائدة اليمنية، ومن أبرز أنواعه الكبسة والمضغوط، إلا أن الاختلاف بينهما لا يقتصر على المكونات.

في الكبسة اليمنية، يجري استخلاص نكهة اللحم أو الدجاج مع الأرز والبهارات بطريقة تحافظ على وضوح المذاق، بينما يعتمد المضغوط على دمج المكونات مع الصلصة داخل قدر الضغط، مما ينتج أرزاً أكثر غنى من حيث القوام والنكهة. وهنا أيضاً تظهر إحدى سمات المطبخ اليمني، وهي أن التقنية المستخدمة في إعداد الطبق قد تكون بنفس أهمية مكوناته.

ولا تزال محاولات نقل المطبخ اليمني إلى خارج موطنه تعتمد في جانب منها على الحفاظ على طرق الطهي التقليدية، وليس مجرد تقديم الأطباق بأسمائها. ومن هذه التجارب مطعم «سبأ» في مدينة نصر شرق القاهرة، الذي افتتح أبوابه حديثاً مستعيناً بطهاة يمنيين وأفران حجرية تقليدية لتقديم عدد من الأطباق اليمنية.

ويقول مدير المطعم، مصطفى الضوراني، إن فكرة تأسيس «سبأ» جاءت من رغبة مؤسسيه في نقل الهوية اليمنية إلى مصر، مشيراً إلى أن اختيار القاهرة جاء باعتبارها مدينة عالمية قادرة على احتضان ثقافات متعددة. ويضيف أن الهدف لم يكن مجرد إقامة مشروع تجاري، وإنما تقديم الطعم اليمني الأصيل كما يقدم في صنعاء وعدن وغيرها، وأن يكون المطعم بمثابة جسر ثقافي بين بلدين يمتلكان حضارتين عريقتين.ويشير الضوراني إلى أن الحفاظ على أصالة المطبخ اليمني يتطلب الاستعانة بأصحاب الخبرة، موضحاً أن المطعم جمع طهاة مختصين من مناطق مختلفة في اليمن، ممن توارثوا مهنة الطهي عن أجدادهم، لأن لكل طبق أصله وبيئته وطريقته الخاصة في التحضير. ويضرب مثالاً بالمندي الذي تعد حضرموت موطنه الأصلي، مؤكداً أهمية الحفاظ على هوية كل صنف كما يقدم في منطقته.

ومن أجل الحفاظ على طرق الطهي التقليدية، يوضح أن المطبخ جرى تقسيمه إلى أقسام متخصصة، بحيث يكون لكل صنف رئيسي مساحته ومعداته، إلى جانب أفران تقليدية بنيت من أحجار الغرانيت لمحاكاة الطريقة المستخدمة في البيئة اليمنية. ويؤكد الضوراني أن «الصنعة» الحقيقية في المندي لا تكمن في كثرة البهارات، وإنما في تقنية التسوية نفسها، موضحاً أن المندي الأصلي يعتمد على نضج اللحم في بيئة حرارية طبيعية ومحكومة داخل الحفرة، حتى يصل إلى درجة من النضج تمنحه قواماً شديد الطراوة، مع احتفاظه بنكهته الطبيعية.

ويفرّق كذلك بين المندي والمدفون، مشيراً إلى أن المدفون يعتمد بصورة أكبر على تتبيلة مكثفة وتغليف اللحم قبل وضعه في الحفرة، بينما يحافظ المندي على نكهة اللحم الطبيعية، مستفيداً من طريقة تعرضه للحرارة والحجر.

أما المزموم، فيصفه بأنه من الطرق التي تساعد على الحفاظ على عصارة اللحم؛ إذ يُلف اللحم بعد نضجه يدوياً بورق الزبدة والقصدير مع خلطة من البهارات، ثم يوضع في الفرن التقليدي حتى يتشرب النكهات. بينما يشبه المخمود المزموم من حيث دقة التتبيل، لكنه يوضع بين الأحجار الساخنة ليستفيد من حرارتها المباشرة، وهو ما يمنحه، بحسب وصفه، مزيجاً بين نعومة الطهي بالبخار وقوة الطهي بالحجر.

وفي النهاية، فإن سر المطبخ اليمني لا يكمن في طبق واحد أو خلطة توابل بعينها، وإنما في منظومة متكاملة تجمع بين المكونات المحلية، والتوابل، والصبر، والنار، والحجر، وطرق الطهي التي انتقلت عبر الأجيال.


لماذا أصبحت بودروم عاصمة المطاعم الفاخرة على بحر المتوسط؟

تشهتر مطاعم بودروم بإطلالات رائعة على البحر (الشرق الأوسط)
تشهتر مطاعم بودروم بإطلالات رائعة على البحر (الشرق الأوسط)
TT

لماذا أصبحت بودروم عاصمة المطاعم الفاخرة على بحر المتوسط؟

تشهتر مطاعم بودروم بإطلالات رائعة على البحر (الشرق الأوسط)
تشهتر مطاعم بودروم بإطلالات رائعة على البحر (الشرق الأوسط)

لم تعد بودروم مجرد مدينة ساحلية تركية تشتهر بشواطئها الفيروزية وحياتها الليلية، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى واحدة من أبرز الوجهات العالمية لعشاق فنون الطهي الفاخرة. فبينما كانت المدن المتوسطية الكبرى مثل سان تروبيه، كابري وميكونوس تهيمن على مشهد المطاعم العالمية، بدأت بودروم تفرض حضورها بقوة من خلال استقطاب أشهر الطهاة والعلامات العالمية في عالم الضيافة.

اليوم، أصبح تناول العشاء في بودروم تجربة تتجاوز الطعام نفسه؛ فهو لقاء بين الموقع الساحر على بحر إيجة، والتصميم والديكورات اللافتة، والخدمة الجيدة، والأطباق التي تحمل توقيع أسماء طهاة عالميين. من المطاعم التي تعتمد على النار والجمر مثل «لينيا باي داني غارسيا»، إلى المطبخ الياباني المعاصر في «زوما»، والتجربة الإيطالية الأنيقة في «جيجي ريغولاتو»، والمطبخ العالمي الذي يقدمه الشيف «وولفغانغ باك» في «سباغو»، وصولاً إلى الفخامة الكلاسيكية في «كافيار كاسبيا»، أصبحت بودروم اليوم خريطة مصغرة لأهم اتجاهات الطهي العالمي.

مطاعم جميلة على الواجهة البحرية (الشرق الأوسط)

هذا التحول لم يأت عن طريق الصدفة، فقد أسهمت الاستثمارات الكبرى في قطاع الفنادق والمنتجعات في خلق بيئة مثالية لجذب هذه العلامات. كما أن طبيعة المنطقة نفسها، بما توفره من مأكولات بحرية طازجة، وزيت زيتون عالي الجودة، وأعشاب متوسطية، ومنتجات محلية مميزة، منحت الطهاة فرصة لدمج الهوية الإيجية مع الرؤية العالمية.

قد يكون السبب الأهم هو موقع بودروم وطبيعتها الساحلية الجميلة، ونوعية الزبائن الدوليين الذين يأتونها من جميع أنحاء الدول الباحثين عن تجارب استثنائية. فمع تطور قطاع الضيافة وافتتاح منتجعات عالمية المستوى، وجدت العلامات الفاخرة في المدينة البيئة المثالية لتقديم مفاهيمها الطهوية. كما أن ثراء المنطقة بالمكونات المحلية، من المأكولات البحرية الطازجة وزيت الزيتون والأعشاب المتوسطية، منح الطهاة فرصة لدمج النكهات المحلية مع رؤيتهم العالمية. واليوم، لم تعد بودروم مجرد وجهة صيفية، بل أصبحت محطة يقصدها عشاق الطعام خصيصاً لتجربة مطعم يحمل توقيع شيف عالمي أو تذوق طبق أصبح جزءاً من هوية علامة شهيرة، مما جعلها تنافس أبرز وجهات الطعام الفاخر في البحر الأبيض المتوسط.

إليك أبرز المطاعم التي تستحق الزيارة، وأشهر الأطباق التي تميز كل منها:

الستيك في مطعم لينيا باي داني غارسيا (الشرق الأوسط)

لينيا باي داني غارسيا

يقع داخل منتجع ماكس رويال، ويعد من أحدث المطاعم العالمية في المدينة. يقدم الشيف الإسباني داني غارسيا رؤية عصرية لمطاعم الستيك، حيث يعتمد على الطهي على النار، مع اهتمام كبير بجودة اللحوم وتقنيات الشواء. أشهر أطباقه:

• الأفوكادو المشوي.

• برغر لينا الشهير.

• ستيك (ريب آي) معتّق يُطهى على الفحم.

أطباق منمقة بتوقيع أهم الطهاة العالميين (الشرق الأوسط)

زوما

يُعد أحد أكثر المطاعم حيوية، ويتميز بإطلالة خلابة على بحر إيجة وأجواء عصرية. يعتمد على أسلوب إيزاكايا الياباني الذي يقوم على مشاركة الأطباق. من أشهر ما يقدمه:

• سمك القد الأسود المتبل.

• لحم الواغيو المشوي.

• السوشي والساشيمي.

• الجمبري المشوي على روباتا.

ماتشاكزي

يقع داخل فندق ماتشاكزي في توركبوكو، ويعد من أشهر مطاعم بودروم منذ سنوات، ويقصده المشاهير وأصحاب اليخوت. يعتمد على المطبخ المتوسطي باستخدام مكونات محلية عالية الجودة. من أبرز أطباقه:

• الأخطبوط المشوي.

• الأسماك الطازجة.

• السلطات التي تعتمد على المكونات المحلية بما فيها زيت الزيتون.

• أطباق البحر الأبيض المتوسط المبتكرة.

مالفا

يقع في فندق سوسونا، وهو من المطاعم التي أوصى بها دليل ميشلان لتميزه في تقديم المطبخ المحلي بأسلوب مختلف. يركز على المنتجات الموسمية القادمة من منطقة بحر إيجة، من أشهر أطباقه:

• المأكولات البحرية.

• أطباق تعتمد على زيت الزيتون والأعشاب البرية.

توتي

من أفضل المطاعم التي تقدم المطبخ التركي الحديث، ويقوده الشيف هاكان سوفه، الذي يعيد تقديم وصفات بحر إيجة التقليدية بأسلوب معاصر. من أشهر أطباقه:

• سلطة الرجلة مع التوت الأسود والصنوبر.

• كباب تشوكيرتمه بطريقة مبتكرة.

• الزلابية الإيجية التقليدية.

• حلويات تركية مثل المهلبية والـ«كازانديبي».

من أطباق هاكاسان (إنستغرام)

هاكاسان

يقع داخل منتجع ماندارين أورينتال، ويقدم المطبخ الصيني الفاخر بإطلالة رائعة على الخليج. من أشهر أطباقه:

• البط على طريقة بكين.

• سمك القد الأسود بصلصة الكمأة.

• السلطعون المشوي.

• أطباق الكافيار والمأكولات البحرية.

جيجي ريغولاتو

يجلب أجواء الريفييرا الإيطالية إلى بودروم، ويتميز بموقعه على البحر مباشرة. من أبرز أطباقه:

• باستا الكمأة.

• الريزوتو بالمأكولات البحرية.

• بيتزا إيطالية تحضر بطريقة تقليدية.

• حلوى التيراميسو.

سباغو باي وولفغانغ باك

يُعد سباغو، الذي يحمل توقيع الشيف العالمي وولفغانغ باك، أحد أشهر المطاعم الفاخرة في العالم، وقد افتتح فرعه في بودروم ليقدم تجربة تجمع بين المطبخ الكاليفورني المعاصر والنكهات المتوسطية. يشتهر باك، الحائز على العديد من الجوائز، بقدرته على دمج التأثيرات الآسيوية والأوروبية في أطباق مبتكرة تعتمد على أجود المكونات الموسمية.

من أشهر الأطباق التي ينصح بتجربتها:

• بيتزا السلمون المدخن مع الكافيار، التي أصبحت من أشهر أطباق وولفغانغ باك حول العالم.

• تارتار التونة الصفراء.

• شرائح لحم الواغيو المشوية.

• الكركند المشوي مع الزبدة والأعشاب.

• الحلويات الموسمية التي تجمع بين البساطة والإبداع.

يتميز المطعم بإطلالة بانورامية على بحر إيجة، ما يجعل تجربة الغداء أو العشاء فيه من أكثر التجارب تميزاً في بودروم.

كافيار كاسبيا في بودروم (الشرق الأوسط)

كافيار كاسبيا

يقدم واحدة من أكثر تجارب الطعام فخامة في المدينة. يشتهر المطعم بتقديم أفخر أنواع الكافيار، إلى جانب أطباق تمزج بين المطبخَين الفرنسي والروسي في أجواء أنيقة تجذب المشاهير ورواد اليخوت.

ومن أشهر أطباقه: البطاطس المشوية والمحشوة بالكافيار، وارتبط هذا الطبق الشهير باسم المطعم لعقود.

• الكافيار مع القشدة.

• سلمون مدخن.

• سلطعون.

• باستا بالكافيار.

• تشكيلة من أجود أنواع الكافيار مثل أوسيترا وكالو وبييلوغا.