تاريخ المطبخ التيبتي وقصة وصوله إلى الهند

من أشهر أطباقه «مومو» متعدد طرق التحضير

الطبق الأشهر في التبت ويشبه الـ«دامبلينغ» الآسيوي (شاترستوك)
الطبق الأشهر في التبت ويشبه الـ«دامبلينغ» الآسيوي (شاترستوك)
TT

تاريخ المطبخ التيبتي وقصة وصوله إلى الهند

الطبق الأشهر في التبت ويشبه الـ«دامبلينغ» الآسيوي (شاترستوك)
الطبق الأشهر في التبت ويشبه الـ«دامبلينغ» الآسيوي (شاترستوك)

الهند عبارة عن بوتقة لمختلف الثقافات. والمطبخ الهندي عبارة عن مزيج جميل من الثقافات والمأكولات المحلية لأولئك الذين لجأوا إلى الحياة في الهند.

هنا، نحن نتحدث عن طعام أهل التيبت.

«مومو» من أشهر الأطباق في التبت (شاترستوك)

بصرف النظر عن الموسم، يبقى المطبخ التيبتي المفضل لدى الجميع. إنه مزيج لذيذ من النكهات والقوام التي تسحب براعم التذوق لديك في مغامرة عبر جبال ووديان التيبت.

كيف وصل المطبخ التيبتي إلى الهند؟

للمطبخ التيبتي قصة مثيرة للاهتمام عن كيفية مجيئه إلى الهند. في عام 1959، عندما هاجم الصينيون المنطقة، اضطر الدلاي لاما إلى مغادرة التيبت والسفر إلى الهند بحثاً عن ملاذ آمن. جلب الأشخاص الذين رافقوه، بمن فيهم معلموه، وأعضاء مجلس الحكم في التيبت خلال حكم أسرة «تشينغ» وفترة ما بعد تشينغ حتى الخمسينات، وأفراد أسرته تقاليدهم في الطهي إلى البر الهندي الرئيسي، وواصلوا تقديم أطباقهم الأصلية مثل «مومو»، و«توكبا»، و«تشيكو»، و«لابينغ»، وغيرها من الأصناف بين الهنود.

تشير نظرية أخرى إلى أن تجار النيوار (النيوار أو النيباميون، هم السكان التاريخيون لوادي كاثماندو والمناطق المحيطة به في نيبال وصناع تراثها التاريخي وحضارتها) في كاثماندو هم الذين جلبوا طعام أهل التيبت إلى الهند خلال رحلاتهم على طول طريق الحرير. ثم توزعت شعبيتهم إلى أجزاء أخرى من البلاد، وصارت في النهاية الطعام الروحي المحبوب لدى الكثير من الهنود.

يقول كمال راتنا تولدهار، مؤلف كتاب «قافلة إلى لاسا: تاجر من كاثماندو في التيبت التقليدية»: «عاش تجار النيوار في التيبت لسنوات في كل مرة، وتعلموا إعداد الأطعمة المحلية، سواء بدافع الاهتمام أو الضرورة (أي الاختيار المحدود للمكونات). وعندما عادوا إلى نيبال، لقنوا أفراد أسرهم كيفية صنع الأطعمة. ومن ثم، تحول الأمر إلى مجرد قفزة أخرى نحو الشوارع».

«مومو» مقلي (شاترستوك)

تعتبر (مستوطنة) «مانجو كا تيلا» في شمال دلهي واحدة من أفضل الأماكن ليس فقط لتجربة الثقافة التيبتية والحصول على طعام جيد للغاية، وإنما هو مكان نابض بالحياة ويغلب عليه الطابع التيبتي.

مشهد الطعام قوي للغاية هنا بحيث إن الكثير من الناس، حتى من الزوايا البعيدة للمدينة، يفدون إلى (المستوطنة) من أجل الطعام. وحتى «المومو» المبيع على جانب الشارع، و«لابينغ»، وصحون «توكبا» المُبخرة المبيعة في الأكشاك لها جمهورها الخاص من المعجبين.

المومو: (نوع من الزلابية المطهوة بالبخار تعود أصولها إلى منطقة الهيمالايا وتحظى بشعبية في التيبت وبوتان ونيبال والهند).

أصل المومو غامض بدرجة ما. بيد أن معظم الناس يتفقون على أنه من أصول تبتية في المقام الأول.

أصبح مومو غذاء أساسياً في شوارع الهند. وفي عام 1928، أشار تشارلز ألفريد بيل، سفير الهند البريطانية لدى التيبت وأحد أوائل «علماء التيبت»، إلى أن السكان المحليين كانوا يتناولون «10 أو 15 زلابية صغيرة من اللحوم» في الغداء.

يوصف معنى المومو في قاموس أكسفورد بأنه طبق تبتي مطهو على البخار، والذي يُعد بخلط اللحوم والخضراوات معاً.

سواء كان الشخص نباتياً أم لا، فإن هوس الناس من كل الأعمار بوجبة المومو أمر يستحق المشاهدة. هذا هو الطبق الذي تجده في كل مكان، ليس فقط لدى الباعة الجائلين، وإنما أيضاً في الأسواق، والمكاتب، والمتاجر المزدحمة. وباعتباره من أطعمة الشوارع، فإن محبة الأطفال والشباب وكبار السن للمومو لها وضع آخر.

سواء كنت في المدرسة أو الكلية أو المكتب أو المركز التجاري، سوف ترى بالتأكيد أكشاك المومو حول هذه الأماكن. سواء كان ذلك في الصيف أو الشتاء، فإن حماس الناس للمومو لا يتغير في كل موسم.

يُعتقد أن السيدة «دولما تسيرينغ»، وهي من أهالي التيبت، بدأت أول كشك لبيع المومو في حي «لاجبات ناجار» التجاري بجنوب شرقي دلهي عام 1994. عندما وصلت دولما لأول مرة إلى دلهي في التسعينات، لم يكن هناك أي حائل للحوم بين السكان المحليين لأنهم ظنوا أن الطبق كان «كاتشا» (نيء) بالمقارنة مع أطعمة الشوارع الأخرى.

في الهند، كانت لدينا فرصة لتكييف أفضل الأطعمة مع أذواقنا. ليس من المستغرب، إذن، أن نتمكن الآن من العثور على المومو بالعديد من الأصناف المتغيرة التي صنعت حشوات مختلفة.

مومو الدجاج

مع حشوة الدجاج اللذيذة، لا شك أن المومو هي إحدى وصفات الوجبات الخفيفة السهلة التي يمكنكم صنعها في البيت. يمكن الاستماع بمومو الدجاج بصورة أفضل مع صلصة الفلفل الحار والثوم. كما يمكنكم أيضاً إضافة أي نوع من اللحوم المفرومة بحسب اختيارك، وحتى تحضير صلصات التغميس التقليدية المصنوعة من خليط من الأعشاب والتوابل الطازجة.

المومو المقلي

تحصل هذه المومو المقرمشة على قوامها الجميل لأنها مملوءة بالخضراوات المطبوخة، ثم تُقلى جيداً حتى تتحول إلى اللون البني الذهبي اللامع. ثم اغمسها في بعض مايونيز بالثوم، وسيكون لديك بركان من النكهات اللذيذة ينفجر في فمك!

مومو التاندوري

هذه هي النسخة الهندية من المومو المشهورة للغاية والمحبوبة لدى الجميع تقريباً! وإلا فكيف يمكنك إثبات «هنديتك» إذا كنت لا تأكل كل شيء مغطى بالصلصة، بما في ذلك المومو! من المؤكد أن النكهة الغنية لمومو التاندوري تغري براعم التذوق لديك.

تباع الأطباق التقليدية في شوارع كاثماندو (شاترستوك)

المومو البخاري

تُحشى هذه المومو الملفوفة السميكة حتى القلب بقطع من جبن البانير والخضراوات وفول الصويا. والصحن المملوء من هذه المومو المُبخر هو الطعام المثالي والكامل للأمسيات الشتوية الباردة.

المومو بالجبن القريش

لقد خمنت ذلك جيداً، هذه المومو مليئة بالجبن القريش اللذيذ الممزوج بالأعشاب والتوابل، والمثالية للأيام التي تتوق فيها إلى تناول الجبن. امزج بعض المايونيز الصلصة بالنعناع لعمل «تغميسة» غنية لمومو الخاص بك!

توبكا (حساء النودلز التيبتي)

يُعتقد أن منشأ توكبا، حساء المعكرونة التقليدي، يرجع إلى شرق التيبت. الكلمة تترجم إلى «حساء من اليخني مع الشعرية». هناك العديد من أنواع التوكبا، والأكثر شعبية منها هي «جياثوك»، و«باثونغ»، و«دريثوغ»، و«باخثو»، و«ثينثوك».

يحب الهنود تناول وجبات المومو اللذيذة مع بعض التوكبا الدافئة.

يقول تسيرينغ ناربو، الذي يدير مشروع «مطبخ كاراكورام» للطهي التيبتي المنزلي في غوروغرام بضواحي العاصمة دلهي: «تحتاج التوكبا إلى القليل من الوقود وبالكاد إلى أي مكونات. إنها تحتوي على ثلاثة مكونات فقط - الكربوهيدرات من الشعرية، والألياف من الخضراوات، والبروتين من اللحوم - وهي وجبة كاملة في حد ذاتها». بالنسبة إلى النكهات، تكفي رشة من الفلفل الأسود المطحون الطازج. تحتوي التوكبا التيبتية الكلاسيكية أيضاً على «تشوربي» (جبن الياك الصلب أو جبن الماعز) الذي يمنحها نكهة خاصة للغاية.

بحسب ناربو، برغم أن معظم الخضراوات الشتوية مثل الجزر والبازلاء تدخل في صناعة التوكبا، فإن الفجل لا بديل عنه. في هذه الأيام، هناك أصناف من «بوك تشوي: الملفوف الصيني» والبصل الأخضر أيضاً. برغم أن التوكبا مع الشعرية الصينية الطويلة هي الأكثر شعبية، فإن التوكبا التيبتية التقليدية، والمعروفة باسم «ثينثوك»، لديها قطع مستطيلة من الشعرية التي تُسحب يدوياً. هناك أيضاً نسخة باردة من التوكبا تُعرف باسم «لاماي»، كما يقول ناربو، التي تحتوي على الشعرية المسطحة المغطاة بالخضراوات واللحوم المفرومة. يحتاج المرء إلى تقليب الخضراوات واللحوم قليلاً للاستمتاع بنكهة إضافية.

يقول براشانت سينغ، رئيس العمليات في مطعم «ييتي» في دلهي المعروف بالأطعمة النيبالية والتيبتية: «سر التوكبا الجيدة يكمن في المخزون». إذ تُغلي جميع الخضراوات واللحوم في المرق ثم تُضاف النكهة بالأعشاب. ويقول سينغ إنه في مطعم «ييتي» تُضاف الأعشاب النيبالية مثل الجندروك. ويضيف: «نستمد عشباً آخر اسمه (جيمبو) من التيبت، وهذا يدخل في المخزون أيضاً». والطريقة المُثلى لاستخلاص النكهة الغنية من أي عشبة هي إضافتها قبل دقائق قليلة من رفع الطبق من على النار. إلى جانب التذوق، فسوف تجذبك الروائح بشدة.

ثينثوك هو أيضاً حساء تبتي شائع آخر مصنوع من عجينة دقيق القمح وقطع من الخضراوات واللحوم. ولإعداد هذا الطبق، يُعد الحساء بالخضراوات واللحوم أولاً. ثم تسطيح العجينة، وتقطيعها إلى أشكال، وإضافتها إلى الحساء المغلي في اللحظة الأخيرة. ويُقدم هذا الطبق على العشاء والغداء.

لابينغطبق تبتي أصيل سوف يدفعك بالتأكيد إلى تناول المزيد. إنه طبق من معكرونة فول الصويا الباردة اللاذعة الذي يُقدم في كل زاوية من مستوطنة «ماجنو كا تيلا». وكلمة «لابينغ» تعني حرفياً «الشعرية الباردة»، وهو طبق شائع في العديد من البلدان المجاورة بما في ذلك نيبال والتيبت. إنه طبق بارد ولاذع، ويعتبر طعاماً صيفياً منعشاً. إن قوام لابينغ الناعم الأشبه بالهلام سوف يملك عليك فؤادك.

تينغمو

تينغمو هو كعكة بسيطة ورقيقة تُطهى على البخار، في شكل زهرة تذوب في فمك. كما أن تينغمو مريحة رؤيته للعيون أيضاً حيث يُدار أو يُلف في أشكال مُعقدة، ويُقدم جنباً إلى جنب مع الصلصات الحارة أو اليخني، ويمكن أن يكون مذاقه رائعاً.

يُعد تينغمو، المصنوع من الخميرة والدقيق والماء، خبزاً طرياً ومثالياً للغمس في الصلصات الغنية واللذيذة. وبخلاف المومو، التي هي عبارة عن تينغمو مملوءة باللحم، يكون تينغمو العادي بسيطاً أو متبلاً بدرجة قليلة، وهو المرافق المثالي للطعام اللذيذ لشبه القارة الهندية والمنطقة المحيطة بها.

شاي الزبدة

شاي الزبدة التيبتية معروف أيضاً باسم «بو تشا»، وهو من أكثر وصفات الشاي الفريدة من نوعها. وهو شاي مملح، يُصنع بغلي الشاي مع صودا الخبز والملح، ثم يُضاف إليه مكعب كبير من الزبدة. تُصنع هذا الزبدة بطريقة خاصة في آلة خشبية يُسمى «تشاندونغ»، والحليب المستخدم فيها عادة ما يكون حليب الياك. ويُعتقد أن الجمع بين حليب الياك والزبدة يساعد على مقاومة البرد القارس في مرتفعات الهيمالايا، كما له فوائد علاجية كذلك.

لكن في الهند، يُستخدم الحليب والزبدة الطبيعيان في المعتاد برغم أن شاي الزبدة التيبتي يُصنع باستخدام زبدة الياك.

ويعتقد الطب التيبتي أن الجمع بين الزبدة والشاي يوفر توازناً أكبر بين العقل والجسم مقارنة بالوقت الذي يُتناول فيه هذان العنصران بشكل منفصل.

شافالي: (طبق تبتي من الخبز المحشو باللحم المتبل والملفوف)

شافالي هي معجنات شهية محشوة باللحوم والخضراوات الحريفة، وهي مقلية جداً للطهي. ومجهزة على نحو مماثل كمثل السمبوسة الهندية أو الزلابية الصينية. شافالي هي وجبة خفيفة مثالية يمكن الاستمتاع بها في أي وقت من اليوم. وهي مقرمشة من الخارج ولينة من الداخل، وأفضل طريقة لتقديمها مع صلصة الفلفل الأحمر الحار.

«شابتا» هو طبق من اللحوم المقلية مع الخضراوات والصلصة الطرية. ويعني الاسم «شابتا» الشرائح الرقيقة في التيبت، في إشارة إلى شرائح اللحم الرقيقة المستعملة في الطبق. ويُقدم عادة مع الأرز المطبوخ على البخار أو نخالة «تينغمو» الخبز التيبتي، ويُعد عنصراً أساسياً في الأسر التيبتية.


مقالات ذات صلة

«كبدة البرنس»... نكهاته تنسيك طابور الانتظار

مذاقات ناصر البرنس يلتقط صورة مع أسرة (صفحة ناصر البرنس)

«كبدة البرنس»... نكهاته تنسيك طابور الانتظار

يحتاج زائر «كبدة البرنس» إلى إضافة ما بين ساعة إلى ساعتين لإيجاد مكان شاغر وموقف لسيارته، والانتظار في طابور طويل للحصول على طاولة.

منى أبو النصر (القاهرة)
مذاقات سمك على الطريقة الأذربيجانية (أفضل 50 مطعماً)

ما أشهر أطباق أذربيجان؟

إذا كان هناك مكان جدير بحمل لقب «أرض المتناقضات»، فسوف يكون بالتأكيد أذربيجان. إنه بلد يحتك فيه الطموح نحو المستقبل بالتقاليد الضاربة بجذورها في الأرض.

«الشرق الأوسط» (لندن)
مذاقات سيدريك غروليه... يستخدم منصات التواصل ليصبح أشهر صانع حلوى

سيدريك غروليه... يستخدم منصات التواصل ليصبح أشهر صانع حلوى

لم يُطلب مني قط توقيع اتفاقية عدم إفصاح مقابل قطعة حلوى؛ ومع ذلك، عادةً ما يحدث هذا عند التفاوض مع نجوم مثل سيدريك غروليه.

جوليا موسكين (نيويورك)
مذاقات عمل الشيف الحايز على نجوم ميشلان في القصر الملكي البريطاني مع تشالرز وديانا وعائلة بوش الأميركية في البيت الأبيض (تصوير نايف العتيبي)

إنريكو ديرفلينغير: المطبخان السعودي والإيطالي يتشابهان في البساطة

من سفوح قريةٍ هادئةٍ تطل على بحيرة كومو الإيطالية، خرج إنريكو ديرفلينغير حاملاً إرث عائلته في الطهي، قبل أن يشق طريقه نحو واحدة من أرقى المسيرات المهنية

عبد الهادي حبتور (الرياض)
مذاقات خبز باغيت بالثوم فيسبوك)

وصفات حلوة ومالحة تبدأ بها عامك الجديد

تشكّل الأطباق التي تجمع بين النكهات الحلوة والمالحة مساحة لاكتشاف أطعمة متداخلة ومختلفة. إذ تعتمد بعض ربّات المنازل هذا الأسلوب للخروج عن المألوف،

فيفيان حداد (بيروت)

«كبدة البرنس»... نكهاته تنسيك طابور الانتظار

ناصر البرنس يلتقط صورة مع أسرة (صفحة ناصر البرنس)
ناصر البرنس يلتقط صورة مع أسرة (صفحة ناصر البرنس)
TT

«كبدة البرنس»... نكهاته تنسيك طابور الانتظار

ناصر البرنس يلتقط صورة مع أسرة (صفحة ناصر البرنس)
ناصر البرنس يلتقط صورة مع أسرة (صفحة ناصر البرنس)

يحتاج زائر «كبدة البرنس» إلى إضافة ما بين ساعة إلى ساعتين لإيجاد مكان شاغر وموقف لسيارته، والانتظار في طابور طويل للحصول على طاولة؛ مما يجعل العابرين من أمام المطعم الذي تنبعث منه الروائح الشهية يتساءلون في دهشة: «هل يُقدَّم الطعام في الداخل مجاناً؟».

مطعم «كبدة البرنس» هو عبارة عن مساحة مفتوحة تعد زائريها بتناول طعام شهي ينسيك الانتظار الطويل، ليتحوّل إلى مشهد اجتماعي مكتمل الأركان، تتجاور فيه الرغبة والصبر، فيبدو الانتظار ذاته جزءاً من تجربة الطعام، لا مقدمة عابرة لها.

تقديم الملوخية له طابع لدى ناصر البرنس (صفحة المطعم)

وتكتمل مفارقات هذا المشهد الاجتماعي حين يكتشف الزائر وجود قاعة كبيرة مجهّزة، موازية للمطعم المفتوح، تعلو مدخلها عبارة «VIP»، وتصطفّ أمامها سيارات فارهة. وبسؤال أحد منظّمي الدخول أمام المطعم عن طبيعة هذه القاعة، يجيب في عبارة مقتضبة وسط تدافع الزبائن للحصول على رقم انتظار لدخول المطعم: «هذه قاعة مخصصة لضيوف ناصر البرنس، من فنانين ولاعبي كرة قدم ومشاهير»، كما يقول لـ«الشرق الأوسط».

أعلن البرنس عن افتتاح مطعمه الجديد في مدينة الشيخ زايد (غرب القاهرة)، ولم يكن الانتقال جغرافياً فحسب من قلب حي «إمبابة» الشعبي إلى منطقة الشيخ زايد «الراقية»، بقدر ما كان انتقالاً للصيت والشعبية الجارفة للمطعم على مدار سنوات طويلة. هي شعبية تأسست على تقديم الكبدة بوصفة صارت «علامة» مسجلة باسمه، بالإضافة لقائمة طعام حافظت على بساطتها وانحيازها الواضح للمطبخ الشعبي، مما جعل اسمه يتجاوز حدود الحي، ويتحوّل إلى ظاهرة يتقاطع عندها أبناء الطبقات المختلفة، كلٌّ يبحث عن نصيبه من التجربة ذاتها.

يحمل المنتظرون أمام المطعم، وهم يمسكون أرقام الانتظار كما في المصالح الحكومية أو البنوك، تجاربَ مختلفة؛ فبينهم زبائن ارتبطوا بالمكان منذ أيامه الأولى في إمبابة، وبينهم من جاء بدافع الفضول لاكتشاف سرّ هذا الصيت الواسع الذي يسبق اسم كبدة البرنس. من بين هؤلاء المهندس محمد صادق، الذي ينتظر مع أسرته المكوّنة من أربعة أفراد طاولة شاغرة، قائلاً: «ارتبط اسم كبدة البرنس لديّ منذ بداياته بمكانه الأول في إمبابة، وذهبت إليه أكثر من مرة. في كل زيارة، كان التفاعل المباشر بين البائع وزبونه أحد أهم عناصر الجذب في المكان. اعتدنا تناول الكبدة الإسكندراني وورقة اللحم والملوخية، واليوم أصطحب أسرتي لأول مرة بعد افتتاحه هنا، أتمنى فقط ألا يتأثر طابعه الشعبي بعد انتقاله إلى منطقة أكثر رُقياً؛ لأن تميّزه الحقيقي كان دائماً في الأكل الشعبي، وفي تلك الألفة البسيطة التي صنعت التجربة»، كما يقول لـ«الشرق الأوسط». على طريقة البرنس تحرص قائمة الطعام على إبراز معلومة: «ليس للمطعم فروع أخرى»، قبل أن تترك زبائنها أمام خيارات تبدو متنوّعة، لكنها في جوهرها منسجمة مع هوية واحدة واضحة؛ في مقدّمتها اللحم المحمّر، والسجق، والكفتة الضاني على الفحم، إلى جانب «ورقة اللحم على طريقة البرنس»، التي يصفها أحد الطُهاة بالمطعم، الشيف محمود السيد، بأنها: «يُطبخ فيها اللحم ببطء مع مرق غني من البصل والثوم والطماطم، وتعتمد على تسوية سريعة على نار عالية، مع تتبيلة بسيطة تبرز طعم اللحم نفسه من دون أن تطغى عليه، مع توازن دقيق بين الدهن والتسوية، بحيث تخرج طرية من الداخل ومحمّرة من الخارج»، حسبما يقول لـ«الشرق الأوسط».

رواد المطعن في انتظار تناول كبدة البرنس (الشرق الأوسط)

ومن أبرز خيارات الطعام كذلك الكبدة الكندوز والكبدة الجملي، حيث يتم تقطيعها إلى شرائح رقيقة وتتبيلها بخلطة بهارات تقليدية تضم الكمون والثوم والفلفل الأسود، ثم تُقلى في سمن بلدي حتى تصل إلى درجة من النضج تمنحها طراوةً ومذاقاً غنياً.

كما يستقطب اللحم المحمر والسجق والكفتة الضاني على الفحم الأنظار؛ إذ تُشوى الكفتة من لحم الضأن المفروم مع بصل وبهارات مختارة على جمر ساخن، مما يمنحها نكهة دخانية مميزة. علاوة على «الملوخية» التي يتم تقديمها للزبائن بطريقة «استعراضية»؛ حيث تُسكب الملوخية من الوعاء إلى الأطباق مباشرة، فتفوح منها رائحة «التقلية» التقليدية المكوّنة من الثوم والكزبرة المذابين في السمن البلدي. ويبدو اختيار الطواجن من أبرز خيارات الزبائن على الطاولات، ففي طاجن العكاوي بالبصل، تنضج العكاوي مع حلقات البصل في مرق خفيف تُثريه توابل مصرية. أما طاجن البامية باللحم فيجمع بين حبات البامية الطريّة وقطع اللحم المتبلة، بينما طاجن الكوارع يُقدّم في حساء غني بالعظم والنكهة، وطاجن المكرونة باللحم المفروم والموزة الضاني مما يمنحها دسماً أكبر.

ويبدو كذلك أن أجواء الشتاء الباردة جعلت طاولات الزبائن تتكدس بأنواع الشوربة، وتحديداً شوربة الكوارع التي يقول عنها الشيف محمود السيد إنها «تطهى لساعات مع البهارات العطرية وأعواد القرفة

والقرنفل، مما يمنحها قواماً ثقيلاً وطعماً مميزاً».

تبدو أسعار «كبدة البرنس»، قياساً إلى تصنيفها الشعبي، مرتفعة نسبياً، رغم الزحام الذي يوحيصبأن معظم زائريه لا يزالون في طور اكتشاف «سر» كبدة البرنس، الذي يبدو بدوره مكلفاً نسبياً؛ إذ يصل سعر نصف لو الكبدة الكندوز إلى نحو 550 جنيهاً مصرياً (الدولار يساوي 47.7 جنيه)، فيما يبلغ سعر ورقة اللحم على طريقة البرنس مع الأرز والبطاطس نحو 700 جنيه، ويصل سعر طاجن العكاوي بالبصل إلى 500 جنيه.

كما تلفت قائمة الطعام نظر الزبائن إلى أن إضافة أي نوع من السلطات تُحتسب بسعرٍ إضافي، سواء كانت السلطة الخضراء (البلدي)، أو الطحينة، أو الباذنجان (بابا غنوج)، وهي اختيارات تلائم المزاج الشعبي المصري لأطباق البرنس.

غير أن المفارقة لا تكمن في الأسعار وحدها، بل في زمن انتظار طاولة شاغرة؛ إذ تتطلّب قائمة الانتظار قدراً من «التفرّغ» حتى ينتهي الجالسون على موائد البرنس من تناول أطباقهم «الدسمة»، فيما يُطمئن منظّم الطوابير المنتظرين بألا يفقدوا الأمل في تناول العشاء، حيث المطعم لا يُغلق أبوابه إلا في الرابعة صباحاً.


ما أشهر أطباق أذربيجان؟

سمك على الطريقة الأذربيجانية (أفضل 50 مطعماً)
سمك على الطريقة الأذربيجانية (أفضل 50 مطعماً)
TT

ما أشهر أطباق أذربيجان؟

سمك على الطريقة الأذربيجانية (أفضل 50 مطعماً)
سمك على الطريقة الأذربيجانية (أفضل 50 مطعماً)

إذا كان هناك مكان جدير بحمل لقب «أرض المتناقضات»، فسوف يكون بالتأكيد أذربيجان. إنه بلد يحتك فيه الطموح نحو المستقبل بالتقاليد الضاربة بجذورها في الأرض كل يوم تقريباً، سواء كان ذلك خلال استضافة قمم تناقش الذكاء الاصطناعي في الجيل المقبل أو المناخ العالمي أو الحفاظ على تقاليد الرعي البدوية.

فيما يتعلق بثقافة الطعام بالبلاد، ما زالت تمثل العادات القديمة والمكونات المزروعة محلياً العمود الفقري لها، فهناك لحوم تُشوى على السيخ، وأطباق أرز منقوعة في البهارات، وخبز مسطح بالأعشاب، وتين ورمان. كذلك يوجد الزعفران الأذربيجاني، الذي يحظى بشهرة عالمية، حيث الأطباق المتأثرة بطرق التجارة التي تمر عبر طريق الحرير. ويتمتع البلد بتنوع كبير وشغف عميق بين المزارعين وخبراء الطعام المحليين، الذين حققوا نجاحاً باهراً في رحلة الخمسين مطعماً الأفضل مع الطاهي ويليام هيل، الذي حصل مطعمه الذي يحمل اسمه في مدينة أوستند ببلجيكا، على المركز 62 على القائمة الممتدة لأفضل 50 مطعماً حول العالم لعام 2025، مع تصويره لفيلم وثائقي عن مجال الطهي بالبلاد.

الشيف ويليام هيل (أفضل 50 مطعماً)

إن ذلك الشغف، إلى جانب الإرث الذي تتمتع به البلاد من إجادة للطهي وحب للطعام الجيد والمجموعة الثرية من النكهات، مصدر إلهام خصوصاً لطاهٍ عالمي. وقد أوضح قائلاً: «تمثل أذربيجان حُسن الضيافة الصافي. وتتمتع نفوس أهلها بقوة كبيرة، كذلك تعدّ طريقة تواصلهم مع بعضهم بعضاً متميزة جداً. إن التقاليد والحرفية من الأمور التي على العالم اكتشافها هنا». من العاصمة باكو إلى قرية باسكال القديمة ووصولاً إلى مدينة لانكران في الجنوب، هناك الأطباق التي تمثل هوية المطبخ الأذربيجاني الغني بالجانب الحسي، الذي يعتمد على طريقة الطهي البطيء.

أرز بالزعفران الأذربيجاني (أفضل 50 مطعماً)

بز «الغوتاب»ستجد على طول ممرات إيشيري شهر، وهي مدينة باكو القديمة، بائعي خبز «الغوتاب» الذين يعدّون هذا النوع من الخبز المسطح في دقيقة. إنه عمل سريع، حيث يفردون العجين ويحشونه بالخضرة المقطّعة جيداً أو القرع أو الجبن أو اللحم قبل طيّه على هيئة قطعة تتخذ شكل هلال وخبزه على صينية خبز تتخذ شكل القبة تُعرف باسم «صاج». وقال هيل، وهو يفرد كرات العجين على إحدى عربات بيع الخبز في الشارع، إن «هذا العدد الكبير من الوصفات التي يمكن إعدادها من الدقيق والملح والماء مذهل حقاً. إنه مالح وطازج وحمضي وحلو في الوقت ذاته». يُفضل تناول هذا الخبز ساخناً مع الزبادي أو السماق، بوصف ذلك وجبة خفيفة بين الوجبات الرئيسية.

الشيف ويليام هيل (أفضل 50 مطعماً)

كعك «الهالفا» في باسكال

لطالما مثّل كعك «الهالفا»، وهو بالأساس لوح سميك أخضر اللون، غذاءً رئيسياً لسكان باسكال، بمنطقة أذربيجان الوسطى، على مدى قرون. إنه معدّ مسبقاً من القمح النابت، الذي يتم تحميصه بعد ذلك لمدة ثماني ساعات، وطحنه ليصبح مسحوقاً. ويتم إضافة لب الجوز مع الشمر والقرنفل والكركم المطحون لعمل عجين هش سهل التفتت، ثم يُخلط بالعسل الأبيض أو العسل الأسود. لا يكذب السكان المحليون حين يقولون إن كعكة واحدة قادرة على تزويدك بالطاقة طوال اليوم.

تعتمد أذربيجان على المكونات المزروعة محلياً (أفضل 50 مطعماً)

«دوشبارا»

يساعد هذا الطبق على تهيئة المعدة لاستقبال الأطباق المحببة التي تتكون منها أي وجبة أذربيجانية تقليدية. «الدوشبارا»، الذي يُقدم في مرقة عظم منظّفة، هي فطائر صغيرة محشوة بلحم الضأن، تشبه على نحو ما «الونتون» (الزلابية الصينية التقليدية)، أو «التورتليني» (معكرونة إيطالية محشوة). إن الواحدة منها ليست أكبر من فص ثوم، لكن تناول ست أو سبع منها يكفي لفتح الشهية. «الدولمة»

كن الدولمة، نوع من أوراق العنب المحشوة، طبق يحظى باعتراف وتقدير منظمة «اليونيسكو»، بوصفه رمزاً للتراث الثقافي المعنوي، حيث يعود أصل اسم الطبق إلى كلمة «دولدورماق» في اللغة الأذربيجانية التي تعني «المحشو». ويتم حشو أوراق العنب أو شجر النير أو الكرنب، باللحم المفروم والأرز والأعشاب، قبل طهيها على نار هادئة حتى تنضج تماماً، وتضيف كل منطقة مزيجها الخاص من النكهات إلى الطبق.

الشيف ويليام هيل في أحد مطاعم أذربيجان (أفضل 50 مطعماً)

«الكباب»

إن الكباب من أصناف الطعام المألوفة لكثيرين، فهي أسياخ من لحم الضأن أو اللحم البقري أو الدجاج توضع على الفحم الساخن. ولا يُستخدم في إعداد هذا الطبق توابل كثيرة، حيث يُنقع في ملح وفلفل فقط، في أكثر الأحوال في أذربيجان. ويقول هيل: «أهم ما في الطبق هو نكهة اللحم الخالصة» مشيراً إلى سلالة الحملان الأصيلة ذات الذيل السمين التي تشتهر بها منطقة قره باغ. ولا يحتاج الأمر سوى إلى لفّ اللحم في خبز «اللافاش» الرقيق والسماح لجودة اللحم بالظهور والإعلان عن نفسها.

ربما يكون هذا الطبق هو أهم طبق أذربيجاني. وتختلف أشكاله المتنوعة اليوم باختلاف المنطقة، لكن المكونات الرئيسية له، هي الأرز البسمتي المنقوع في الزعفران والمطهو بالبخار، والمضاف إلى طبقات من المشمش والبرقوق المجفف والكستناء، مع لحم الضأن أو اللحم البقري أو السمك المشوي على نار هادئة. في بعض المناطق يتم لفّ الخبز المسطح حول الأرز وحشوه لعمل طبقة مقرمشة بعد خبزه، في حين تتم إضافة الزبادي والزبد والبيض إلى الطبق من أجل عمل طبقة مطاطية تشبه البودنغ مع طهي الطبق على البخار. ويوضح هيل، بينما يجرب النوع الذي يُعرف باسم «شاه بلوف»: «هناك توازن بين المذاق الحلو للزبيب والمذاق المالح للأرز. إنه طعام يغذي الروح حقاً، خصوصاً مع نكهة العجين المخبوز على الفحم».

من الأطباق الشهيرة في أذربيجان (أفضل 50 مطعماً)

«الشاكي بيتي»

إن هذا الطبق المعدّ من لحم الضأن من الأطباق المميزة في المطبخ الأذربيجاني أيضاً. توضع كل قطعة في إناء فخاري صغير أسطواني الشكل يعرف باسم «دوبو»، وهو مكوّن من لحم الضأن والبازلاء والكستناء والبرقوق، ويوضع فوقه بصل مقطّع ومرقة منقوعة في الزعفران، قبل خبزه داخل فرن الطوب لمدة تصل إلى ست ساعات. وعادة ما يؤكل هذا الطبق على مرحلتين. تشمل الأولى صبّ المرقة من كل إناء وتناولها مع الخبز، قبل تناول باقي المكونات الطرية بشكل منفصل، أحياناً مع السماق. بالنسبة إلى هيل هناك قوة في تلك البساطة، حيث يقول: «إنك تتذوق بالفعل جودة اللحم مع إضافة بعض المكونات البسيطة. تحوّل طريقة الطهي البطيئة المكونات إلى طبق جميل رائع».

نادراً ما يرى المرء في جميع أنحاء أذربيجان وجبة دون وجود خبز على المائدة. يتم ضغط تلك الأقراص من العجين، المعترف بها من «اليونيسكو» في تعبير عن إرث ثقافي معنوي، على جدران فرن عميق من الفخار يُعرف باسم «التندر»، حيث يلتصق ويصنع فقاعات ويتم إخراجه قبيل احتراقه. تكون النتيجة هي خبز مقرمش من الخارج يتم تناوله مع كل الأطعمة، سواء كانت أنواع الجبن المحلية أو الكمبوت المماثل للمربى. ويتم تقطيعه وهو دافئ، أو تناوله مع «البيتي»، أو لفّه حول قطع لحم الضأن الطري.

«اللافانغي»

إن طبق «اللافانغي» من الأطباق المميزة لجنوب أذربيجان، حيث يتم حشو الدجاج أو السمك أو الباذنجان بخليط من الجوز المطحون ومعجون البرقوق والبصل والملح والفلفل، ثم خبزه ببطء في فرن «التندر» لعدة ساعات. وهناك مجموعة كبيرة متنوعة من النكهات ودرجات القوام في الطبق الواحد، من الطبقة المدخّنة والمكسرات التي تطهى على الفحم إلى الحشوة ذات المذاقين الحلو والمالح. ويقدم كل هذا مذاقاً خاصاً عند تناوله مع السمك المشوي، وهو انطباع تكوّن لدى هيل بعد مشاهدته لطريقة إعداد الطبق. وأوضح قائلاً: «يحمل الطبق مذاق الأومامي (المذاق الخامس) اللذيذ مع درجة قرمشة كبيرة. كأن الحشو شيء لم أصنعه يوماً، حيث منح الجوز والمذاق الحمضي لمعجون البرقوق الطبق الحياة حقاً».


سيدريك غروليه... يستخدم منصات التواصل ليصبح أشهر صانع حلوى

أحد متاجر سيدريك غروليه (نيويورك تايمز)
أحد متاجر سيدريك غروليه (نيويورك تايمز)
TT

سيدريك غروليه... يستخدم منصات التواصل ليصبح أشهر صانع حلوى

أحد متاجر سيدريك غروليه (نيويورك تايمز)
أحد متاجر سيدريك غروليه (نيويورك تايمز)

لم يُطلب مني قط توقيع اتفاقية عدم إفصاح مقابل قطعة حلوى؛ ومع ذلك، عادةً ما يحدث هذا عند التفاوض مع نجوم مثل سيدريك غروليه، الذي يعد أشهر طهاة الحلويات ليس عبر الإنترنت فحسب، بل وكذلك في العالم الواقعي.

جدير بالذكر أن نحو 13 مليون شخص يتابعون غروليه على «إنستغرام»، ما يفوق متابعي مارثا ستيوارت (5.8 مليون)، وإينا غارتن (4.8 مليون)، وبوبي فلاي (مليونان) مجتمعين. وتكشف فيديوهاته المتقنة والآسرة عن براعته في صنع فطائر الزهور الشهيرة، وكعكات رقائق الشوكولاته، وحلوياته التي تُوهم الناظر بأنها تفاح وليمون.

إبداع في تصنيع الشوكولاتة عززته وسائل التواصل الاجتماعي (نيويورك تايمز)

واجتذبت هذه الفيديوهات زبائن من جميع أنحاء العالم إلى متاجره في باريس، حيث تجري الاستعانة بحواجز مخملية وحراس أمن لتنظيم الحشود. ومنذ عام 2022، افتتح كذلك متاجر في لندن، وسان تروبيه، وموناكو، وسنغافورة، ومنتجع فال ديزير الفاخر للتزلج في جبال الألب. وبفضل استغلاله لقوة وسائل التواصل الاجتماعي، تمكن غروليه، 40 عاماً، في غضون خمس سنوات فقط، من بناء إمبراطورية استغرق بناء مثيلاتها من أجيال سابقة من طهاة الحلويات عقوداً طويلة.

ديكور المحل مصنوع من الشوكولاتة (نيويورك تايمز)

وفي مقابلة أجريت باللغتين الفرنسية والإنجليزية، قال غروليه إنه بدأ تدريباً مكثفاً في فنون الحلويات منذ سن الرابعة عشرة، في مسقط رأسه، فيرميني، بمنطقة لوار. وكان هدفه إرضاء «زبائن النخبة»، الذين يشكلون نسبة قليلة جداً من سكان العالم القادرين على الاستمتاع بفنون الحلويات الراقية. ومع ذلك، أدرك فجأة عام 2013، عندما شجعه مساعد طاهٍ شاب على استخدام «إنستغرام»، أن هناك جمهوراً أوسع لأعماله على الإنترنت. وعلق على ذلك، بقوله: «لقد نجحت الفكرة».

شوكولاتة بنكهات مختلفة (نيويورك تايمز)

وكشف غروليه النقاب، عن أول متجر شوكولاته له، «سيدريك إيه لا شوكولاتيري»، وهو مشروع أشبه بعالم «ويلي ونكا» (عبقري صناعة الشوكولاته ومالك مصنع شوكولاته سحري وسري، من كتاب الأطفال الكلاسيكي «تشارلي ومصنع الشوكولاته» للكاتب روالد دال)، استغرق إعداد المتجر ثلاث سنوات. وفي قلب المتجر، يوجد شلال من الشوكولاته الذائبة تفوح منه رائحة زكية، يمكن رؤيته من الشارع، ويتدفق دونما انقطاع على جدار مصنوع خصيصاً من الفولاذ المقاوم للصدأ. (يحتوي النظام على 330 رطلاً من الشوكولاته، ممزوجة بالزيت لتسهيل انسيابيتها).

لوحات فنية مصنوعة من الشوكولاتة (نيويورك تايمز)

كما تصطف مربعات الشوكولاته على الجدران؛ وتثير الحواف المُسنّنة للطاولات ذات اللون البني الفاتح، في الأذهان صورة بسكويت الزبدة الفرنسي الكلاسيكي «LU»؛ وتتدلى من السقف منحوتات عملاقة لامعة من الفول السوداني الكامل، وقرون الكاكاو، والفستق.

في وقت سابق من هذا الشهر، عندما أُزيل الورق الذي يُغطي النوافذ بصورة مؤقتة، احتشد جمع غفير على الرصيف، وألصقوا هواتفهم بالزجاج، بينما شرعوا في التلويح بحماس لجذب انتباه غروليه.

يصطف المارة في الطريقة لرؤية الشوكولاتة في متجر سيدريك غروليه (نيويورك تايمز)

في الواقع، يبدو هذا الحماس المُصاحب لافتتاح متجر حلويات منطقياً هنا في فرنسا، حيث يشكل احترام المهارة والإبداع في فنون الطهي جزءاً من صميم الثقافة. (بيير إيرميه، سلف غروليه نجم عالم الحلوى في فرنسا، هو من نشر حلوى الماكرون عالمياً في العقد الأول من الألفية الثانية، وحصل على لقب فارس تقديراً لإسهاماته).

من جهتها، قالت ألكسندرا كرابانزانو، مؤلفة كتاب «شوكولاته»، الذي يُصوّر عالم الشوكولاته الفاخرة في باريس: «عندما يُطلق طاهي حلويات شهير منتجاً جديداً، يُذاع الخبر في نشرات الأخبار المسائية، وفي الصحف، وفي البرامج الحوارية التي تحظى بالمشاهدة في جميع أنحاء البلاد».

شوكلاتة بنكهات مختلفة (نيويورك تايمز)

وداخل أرقى أحياء المدينة، تُعرض قطع البونبون وتُضاء كقطع المجوهرات في واجهات المتاجر. وفي جميع أنحاء البلاد، تشتد المنافسة لإنتاج أرقى الهدايا وأكثر أعشاش بيض عيد الفصح وكيك عيد الميلاد «بوش دو نويل» جاذبية. وبجوار متجر غروليه الجديد مباشرةً، تعكف صانعة الشوكولاته جايد جينين، على ملء أهرامات الشوكولاته الصغيرة بنكهات مثل الليمون والكمون والهيل الأسود المدخن، بينما تقف عشرات من متاجر الشوكولاته الفاخرة الأخرى على بُعد خطوات فقط.

من جهته، قال دومينيك أنسل، طاهي الحلويات الفرنسي صاحب ابتكار «الكرونوت»، إن سر غروليه يكمن في بساطته، وهي سرّ تأثير أعماله وشعبيتها، بغض النظر عن وسائل التواصل الاجتماعي. وأضاف: «إنها تخاطب شريحة أوسع من الناس بالتأكيد. بصفتي طاهياً، أُقدّر رقائق التويل والديكورات والزخارف على الطبق، لكن أي شخص يُمكنه الاستمتاع بفراولة بطعم الفراولة الأصيلة».

من حلويات غروليه على شكل فاكهة (نيويورك تايمز)

ومع ذلك، لا يُرحب الجميع بتأثير منصات مثل «إنستغرام» و«تيك توك»، التي جلبت صوراً لحيوانات مصنوعة من الشوكولاته، وكرواسون عملاق، إلى عامة الناس.

في هذا الصدد، أشارت كرابانزانو، التي أجرت مقابلات مع عشرات من طهاة الحلويات من أجل كتابها، إلى أن هناك استياءً واسعاً بين الطهاة المخضرمين من تأثير وسائل التواصل الاجتماعي. والسبب أنه لم يعد كسب احترام الناس الذين يتذوقون أعمالهم ببطء كافياً، بينما ليس من السهل إتقان لغة الإنترنت الجديدة.

تستخدم في تصنيع الشوكولاتة لدى سيدريك غروليه تقنيات عالية (نيويورك تايمز)

ومع ذلك، كان لدى غروليه رؤية ثاقبة لنقل حقيقة المجهود الشاق الذي يبذله طهاة الحلويات، الذين لطالما عملوا بجد خلف الكواليس، إلى الملايين. وبمهارةٍ فائقة، يعمل غروليه في صمتٍ تام، مستخدماً أوعيةً ضخمةً من الغاناش، وشرائحَ من عجينة الباف بايستري، وحفناتٍ من حبوب الفانيليا التي تملأ الشاشة، ما يوحي لجمهوره بأن العمل أهم منه. وبدلاً من زيّ الطهاة الأبيض التقليدي، وقبعة الطاهي الطويلة، وحقيبة الحلويات، يظهر غروليه مرتدياً قميصاً ومئزراً، وهو يغمس ذراعه في وعاءٍ من التوت.

وبطبيعة الحال، مع النجاح، تعلو أصوات النقد. يُصوّر المؤثرون في مجال الطعام من جميع أنحاء العالم أنفسهم وهم ينتظرون في طوابير طويلة أمام متاجره، تمتد أحياناً لساعات، ليحظوا بشرف شراء كعكة غروليه، ثم يُعبّرون عن خيبة أملهم في فيديوهاتٍ تحمل عناوين مثل «مراجعتي الصادقة» أو «هل يرقى هذا المخبز إلى مستوى الضجة المثارة حوله؟». وفي تعليقات على «إنستغرام» ومنشورات «ريديت»، يتساءل البعض حول ما إذا كان كرواسون غروليه، البالغ سعره 5 يوروهات، أفضل حقاً من كرواسون ميزون كايزر، سلسلة المخابز الوطنية الراقية، البالغ سعره 1.40 يورو، وما إذا كانت معجناته مصممةً في حقيقة الأمر كي تبهر الآخرين بشكلها، وليس مذاقها.

في الواقع، تتماشى أسعار غروليه مع أسعار غيره في عالم الحلويات الراقية. وكما الحال في عالم الأزياء الراقية، لا يتيح غروليه سهولة الوصول. والمثير أن تفاحة غروليه، وهي عبارة عن قشرة رقيقة من الشوكولاته محشوة بمربى التفاح والتفاح الطازج وغناش التفاح وكعكة القرفة، لا تشبه فطيرة التفاح العادية بقدر ما يشبه فستان «شانيل».

وكما توضح شخصية ميريل ستريب في فيلم «الشيطان يرتدي برادا» في مونولوجها الشهير بالسترة الزرقاء، فإن العمل الإبداعي الذي يحطم الحدود في عالم الرفاهية هو ما يفرض تغييراً حقيقياً في السوق الجماهيرية.

يذكر أنه عام 2015، ابتكر غروليه مكعب روبيك صالحاً للأكل، عندما كان مساعد رئيس الطهاة في فندق «لو موريس»، الفندق الباريسي الفاخر الذي عمل فيه طوال 10 سنوات ولا يزال يدير قسم الحلويات فيه. وكانت هذه أول حلوى له تُحقق نجاحاً باهراً، وتتكون من 27 مكعباً صغيراً لامعاً من الكيك، مفصولة بألواح رقيقة من الشوكولاته، ومُزودة بعجلات بلاستيكية صغيرة لتدويرها.

وفي هذا الإطار، أوضح غروليه أنه في المطاعم الراقية، يكون من المتوقع أن تبهر الحلويات الأنظار ببنيتها وألوانها وملمسها وإضاءتها. وقد تتضمن حلوى الليمون موس، وميرينغ، وماكرون، وغيرها، جميعها مُرتبة بدقة هندسية تُبرز الجهد المبذول فيها، وتُقنع الزبائن بأن السعر مُبرر.

الحلوى التي أكسبته شهرة واسعة، «لو سيترون» - ليمونة مُتقنة الصنع بتقنية الخداع البصري، مُزينة بورقة ليمون حقيقية - أثارت في البداية استياء إدارة «لو موريس»، الذين كانوا على يقين من أن الزبائن لن يدفعوا 25 يورو مقابل قطعة واحدة على طبق أبيض.

منذ افتتاح متجره المستقل الأول عام 2018، واصل غروليه تحدي تقاليد صناعة الحلويات الراقية، عبر الاستعانة بمكونات أميركية مثل الجوز الأميركي والفول السوداني، ويُقدم كعكات رقائق الشوكولاته العملاقة في علب البيتزا. ويتعاون مع علامات تجارية مثل «لا بريري» و«هاي سنوبايتي»، ومع مؤثرين مثل عارضة الأزياء نيجين ميرصالحي ومؤثر السيارات جورج مارون كيكانو، المعروف باسم «جي إم كيه».

الحقيقة كل من ظن أن غروليه مجرد مؤثر، فقد ثبت خطؤه منذ فترة طويلة. تجدر الإشارة إلى أن شركته توظف 600 شخص حول العالم، ويُعدّ دخوله عالم الشوكولاته قراراً تجارياً مدروساً؛ فالمعجنات الهشة، مثل معجنات غروليه، يكاد يكون من المستحيل شحنها، لذا لا يمكن تركيز الإنتاج؛ فلكلٍّ من متاجره الثمانية للمعجنات طاقم عمل مدرب تدريباً عالياً، وهو أمر مكلف بالتأكيد.

وفي وقت سابق من هذا الشهر، في منطقة صناعية عادية بضاحية نانتير، فتح غروليه أبواب غرف تبريد متعددة، مُكدّسة من الأرض إلى السقف بصناديق الشوكولاته الجاهزة للنقل إلى متجره في باريس، ومن ثمّ إلى جميع أنحاء العالم. وعمل الموظفون، مرتدين أغطية الشعر والأحذية الواقية، على خط تجميع لتشكيل وتبريد وتزيين وتسوية وإغلاق قطع الشوكولاته على شكل بندق، المحشوة بعجينة البندق المحمص والمملح بشكل مثالي

وتتميز المنتجات الجديدة الـ134 التي ابتكرها ببساطته المعهودة بحلوى البونبون على شكل مانغو محشوة بالمانغو؛ وعصا الشوكولاته الطويلة والرفيعة المنقوشة بحبة فانيليا، تحتوي على غاناش الشوكولاته البيضاء المرصع ببذور الفانيليا السوداء. (كانت الحلويات التي جربتها لذيذة كالعادة).

واليوم، يرى غروليه، بعد وقت طويل، أن الحلويات التي كان يُعدّها سابقاً كانت تبدو مبالغاً فيها ومُفتعلة، بل وحتى مبتذلة. وقال: «كانت تعكس مُبالغة في التزيين»، على حد قوله.

* خدمة «نيويورك تايمز»