احتضنت باريس مؤخراً أسبوع الـ«هوت كوتور». تزامن الحدث مع خبر زواج المغنية تايلور سويفت في حفل لم تتسرّب منه أي صورة لحد الآن. بقيت تفاصيل فستانها محاطة بالسرية والتكتم. كل ما تم الكشف عنه أن من صمّمه هو جوناثان أندرسون، المدير الإبداعي لدار «ديور».
قبل ذلك بأسابيع قليلة كان زواج الفنانة دوا ليبا، والذي كشفت فيه عن صور فستان صمَمه لها خصيصاً ماثيو بلازي، وجسّد فيه كل ما تتمتع به دار «شانيل» من حرفية وسحر. فقد صُنع يدوياً في 31 شارع كامبون في باريس بمساهمة دورها الفنية المتخصصة، مثل لوساج ولوماريه ومونتيكس وغيرهم.
وهكذا بين فستان لم نره بعد، وفستان ألهب مواقع التواصل الاجتماعي، لم يتضح لنا المعنى الحقيقي للحرفية التي ترتبط بموسم الـ«هوت كوتور» وتنتج عنها قطعاً تُجسد قصة صاحبتها فحسب، بل ذكرنا أيضاً بأن فيه تتحوّل الأحلام إلى واقع، وتتعايش الأذواق والثقافات على اختلافها. فالمعروف عن تايلور سويفت أنها كلاسيكية في اختيارات أزيائها، وبالتالي كان متوقعاً أن يكون فستان زفافها بتصميم أميري، بينما يميل المصمم جوناثان أندرسون إلى الأسلوب التجريبي أكثر. هذا التباين بينهما زاد من الفضول والتكهنات حول الفستان، وأكَّد مرة أخرى أن هذا الخط الراقي تلتقي فيه الأذواق عند نقطة واحدة، وهي تقدير الحرفية والرغبة في التفرد.
من العرض إلى التنفيذ

بيد أن قصة الـ«هوت كوتور» مع الأفراح والمناسبات المهمة لا تقتصر على النجمات فحسب، بل على كل امرأة تبحث عن فستان يُخلّد ليلة العمر في الذاكرة وألبوم الصور. مع هذه المرأة، تبدأ الرحلة الحقيقية.
فبعد انتهاء العروض ومغادرة العارضات المنصات وانتهاء العمال من تفكيك الديكورات الضخمة، يبدأ العمل على ترجمة ما تم عرضه إلى واقع.

داخل صالونات الخياطة التابعة للدور الكبرى، تبدأ اللقاءات الخاصة مع المصممين ورؤساء أقسام التصميم، تحجز خلالها الزبونات ما راق لهن من الفساتين. يضعن عليها لمساتهن الخاصة، سواء باختيار الأقمشة والألوان أو بإجراء تعديلات خفيفة عليها، مثل تطويل الأكمام أو تقصيرها أو رفع الياقة أو فتحها، حسب متطلبات بيئة كل واحدة منهن. بعدها تُؤخذ القياسات الأولى، وتبدأ عملية التنفيذ التي قد تستغرق أسابيع قبل وصول التصميم النهائي إلى صاحبته.
بعد هذه المرحلة مباشرة، تنكبّ الأنامل الماهرة على تنفيذ القطع في سباق مع الزمن، لتكون جاهزة مع انطلاق موسم الأعراس والمناسبات الاجتماعية.

ضيفات العروس لهن نصيب
من التقاليد المتّبعة في عروض الـ«هوت كوتور» أن يختتم كل مصمم عرضه بمجموعة من فساتين السهرة تبلغ ذروتها بفستان زفاف أميري. هذا التركيز على فساتين السهرة وفستان العروس يشير إلى أن الاهتمام لا ينصب على العروس وحدها. فزبونة الـ«الهوت كوتور» لا تبحث عادة عن فستان واحد، بل عن خزانة متكاملة لكل أفراد عائلة العروس.
من هذا المنطلق، لم يكن غريباً أن يقدم الثنائي اللبناني جورج قزي وأسعد أسطا مؤسسا «عزي أند أسطا» تشكيلة مكونة من 16 تصميماً موجهة كلها لضيفات العروس، والمصمم ستيفان رولان 33 قطعة تتلون غالبيتها بدرجات الأبيض. كل قطعة يمكن أن تناسب عروساً أو وصيفتها أو والدتها، فكلها قابلة للتطويع حسب رغبة كل واحدة. ولا يتعلق الأمر هنا باللون فحسب، بل أيضاً بأقمشتها، من الكريب والغزار والموسلين إلى الأورغانزا والساتان، مما يضفي عليها خفة تبدو فيها الأحجام وكأنها تتأرجح بين القوة والنعومة. يشير المصمم إلى أن تطريزها بالعقيق والبلور وعرق اللؤلؤ والخزف لم يكن للزينة فحسب، بل لتعبئة القطعة بالمشاعر، واحتراماً لفكرة أن الأزياء الراقية كانت ولا تزال قائمة على المناسبات الاجتماعية الكبيرة.

فمنذ نشأتها، وهي تعيش في قلب هذه المناسبات، من حفلات الأوبرا والحفلات التنكرية والمواسم الأرستقراطية، إلى مناسبات السجاد الأحمر، حيث بدأت النجمات الظهور بفساتين بيضاء، بل وحتى من الدانتيل تستحضر صورة عروس من دون أن تبدو إطلالاتهن نشازاً أو متنافية مع الأعراف.
والفضل يعود إلى التحوّلات الاجتماعية والثقافية وحتى الاقتصادية التي انعكست على فساتين الفرح. فنسبة عالية من العرائس حالياً لا يردن إنفاق مبالغ طائلة على فستان فخم وضخم لا يرتدينه سوى في ليلة واحدة ثم يُركن بعدها في الخزانة. بدلاً من ذلك يُفضلن تصميماً يمكنهن الاستفادة منه في مناسبات أخرى. وهكذا بدأ الأبيض الثلجي يتراجع لصالح درجات أخرى مثل السكري الذهبي والوردي الخفيف، بل وحتى الرمادي الماسي، بينما تخفَّفت التصاميم الهندسية من صلابتها وصرامتها لتصبح أكثر انسيابية وراحة. ومع الوقت بدأت فساتين الزفاف تقترب من فساتين السهرة، حتى غدا الفاصل بينهما أقل وضوحاً، وصارت فساتين السهرة خياراً مشروعاً للعرائس اللواتي لا يرغبن في الالتزام بالقالب التقليدي.

أعراس الوجهات
فلا «الهوت كوتور» تخلّت عن فستان الزفاف التقليدي تماماً ولا المرأة نبذته، لكن مفهوم المناسبة نفسها تغيَر مع تغيَر أماكن إقامة حفلات الزفاف نفسها. فالأعراس التي تقام في المنازل والقصور وقاعات الفنادق والنوادي الاجتماعية، قد تُتيح ارتداء فساتين فخمة تزخر بالتطريزات والتنورات الواسعة والذيول التي تمتد لعشرات الأمتار. لكن، ومع توجه نسبة متزايدة من العرسان لجعل ليلة العمر تجربة متكاملة تتجاوز الاحتفال التقليدي، أصبحت الوجهات الحالمة والمناظر الطبيعية الساحرة، جزءاً من التجربة، لتفرض على التصاميم خامات أخف، وقصّات أكثر انسيابية، وأحذية أكثر عملية، من دون التفريط بالأناقة والتفرد.

بدأ هذا التحول في الغرب في أواخر التسعينيات وبداية الألفية مع صعود ما بات يعرف بـ«زفاف الوجهة»، حيث يسافر الضيوف إلى مدينة أو جزيرة أو منتجع اختاره العروسان خصيصاً للمناسبة. ثم جاءت وسائل التواصل الاجتماعي لتسرّع هذا التحول بوتيرة هائلة، إذ لم تعد أهمية الزفاف تقتصر على الحدث نفسه، بل امتدت إلى الصورة التي سيُخلّفها، والتي تجعل المكان في أهمية الفستان.
لم يختلف الأمر في العالم العربي، فرغم أن فنادق خمس نجوم والقاعات الكبرى لم تفقد مكانتها التقليدية في استضافة حفلات الزفاف، فإن ذلك لم يمنع بروز وجهات جديدة، مثل الشواطئ في دبي، والمنتجعات الساحلية في عُمان، والجونة والساحل الشمالي في مصر. وكان من الطبيعي أن يُصبح الفستان والإكسسوارات أكثر انسجاماً مع المكان بقدر انسجامه مع المناسبة. لم ينسَ المصممون الباريسيون أيضاً أن زبونة المنطقة العربية أكثر من تُسند الـ«هوت كوتور» منذ السبعينيات وبالتالي عليهم أخذها بعين الاعتبار، بالاقتراب أكثر من احتياجاتها، مثل الفرنسي أليكسي مابيل، الذي قدّم إطلالات محتشمة لا تحتاج إلى تعديلات كبيرة لتناسب المرأة العربية، سواء كانت عروساً أو من المدعوات. غطى شعر العارضات وجعل الفستان جاهزاً للتكيف مع متطلبات ثقافة مختلفة.

تعايش الأميري بالانسيابي
توالت الاقتراحات المتنوعة طوال الأسبوع، معظمها يُشير إلى أن التحوُّل نحو الانسيابي أو المنحوت لم يُقصيا الفستان الأميري، بل وسّع خيارات العروس وضيفاتها. فما زالت عروض الـ«هوت كوتور» تراهن على أن ليلة العمر تستحق تنورات واسعة، وكورسيهات منحوتة، وتفاصيل مترفة، إلى جانب فساتين سهرة لا تقل فخامة وحرفية.

تصاميم رامي العلي مثالاً على ذلك. فالكثير منها يحمل الطابع الاحتفالي الذي يليق بقاعة فخمة أو بقصر، وفي الوقت نفسه تتمتع بخفة وانسيابية تسمح للعروس بارتدائها في حفلات تقام في الهواء الطلق أو في وجهات بعيدة.
في المقابل، حافظ إيلي صعب على بصمته الرومانسية الحالمة، بكل ما تحمله من فساتين مترفة تليق بقاعات الاحتفالات والقصور، بينما قدّم جوناثان أندرسون لـ«ديور» مجموعة من فساتين السهرة يسهل تطويعها وتغيير دورها بمجرد إضافة طرحة أو تاج. كذلك الأمر بالنسبة لماثيو بلازي وإن قدّم في عرضه لدار «شانيل» لخريف 2026 وشتاء 2027، قراءة مختلفة تماماً.

كان اللافت فيها أنه لم يختتم العرض بفستان الزفاف الأبيض المصنوع من الدانتيل، بل بفستان أسود جاء بعده مباشرة ليكون مسك الختام. اختيار بدا كأنه يختصر قصة سندريلا معاصرة مستوحاة من حياة كوكو شانيل، ورحلتها من البدايات المتواضعة إلى تأسيس واحدة من أكثر الدور تأثيراً في العالم. فالفستان الأسود الناعم ليس غريباً عن هوية الدار، بل له مكانة خاصة في أرشيفها. ومع ذلك فإن ظهوره في ختام العرض بعد فستان العروس، يحمل دلالة تتجاوز التصميم نفسه، كما لو أنه يقول إن المناسبة لم تعد تتمحور حول العروس وحدها، بل أصبحت مساحة تمنح جميع الضيفات حق التميز.
بين التقاليد والحداثة

يُسجِل هذا التحول أيضاً تراجع بعض القواعد التقليدية التي حكمت إطلالات الأعراس طويلاً. فبعد أن كان الأبيض حكراً على العروس، والأسود مرتبطاً بالسهرات الرسمية، باتت الحدود أكثر مرونة. لم يعد غريباً أن تختار المدعوات ألواناً كانت تُعد في السابق تعديا على حق العروس في التميز إذا كانت بالأبيض الثلجي خاصة، أو لا تُعبِر عن الفرح إذا كانت بالأسود. كل هذا لم يعد مطروحاً، فالنجمة جينفر لوبيز، مثلاً حضرت حفل زفاف تايلور سويفت، بفستان فخم بتوقيع دار «كارولينا هيريرا» باللون الأسود، وهذا يعني أن الأسود بدأ يعود لتصدر مشهد الموضة من جديد. أما الأهم، فإن العروس لم تعد مطالبة بارتداء الأبيض لتتميَز. فقد أصبحت درجات الباستيل بكل تدرجاتها متاحة لها، تاركة لها حرية اختيار اللون الذي يشبهها، بعيداً عن أي قواعد ثابتة.
