الأسود... ظاهرة الموسم

صناع الموضة يبايعونه والمرأة تدين له بالولاء

أرسل بيير باولو بيكيولي 63 قطعة اختلفت تصاميمها وبقي لونها واحداً (فالنتينو)
أرسل بيير باولو بيكيولي 63 قطعة اختلفت تصاميمها وبقي لونها واحداً (فالنتينو)
TT

الأسود... ظاهرة الموسم

أرسل بيير باولو بيكيولي 63 قطعة اختلفت تصاميمها وبقي لونها واحداً (فالنتينو)
أرسل بيير باولو بيكيولي 63 قطعة اختلفت تصاميمها وبقي لونها واحداً (فالنتينو)

«فالنتينو»، «هيرميس»، «ماكسمارا»، «كلوي»، وطبعاً «شانيل» التي تعده لونها الخاص، وباقة من اليابانيين وغيرهم، اتفقوا هذا العام على عودة الأسود إلى الصدارة. شمل قرارهم هذا تشكيلات الخريف والشتاء والربيع والصيف، على حد سواء.

بيدَ أن قصة تربُّع الأسود على عرش الموضة ليست وليدة هذا الموسم أو ذاك، فهي تعود إلى عام 1926، عندما قدمت مصممة شابة اسمها كوكو شانيل للعالم فستاناً أسود ناعماً. أثار حينها ضجة وجدلاً في كل الأوساط، ليس لأنه كان أقصر مما كانت المرأة تألفه والأعراف تتفق عليه فحسب؛ بل لأنه كان قبل ذلك لون الحزن والحداد.

كانت مجلة «فوغ» الأميركية، من بين من لفتهم الفستان وتوقعوا نجاحه، حين كتبتْ معلِّقة عليه، أنه «سيكون القطعة التي ستلبسها كل نساء العالم». لم يخب توقعها. كان ثورة في زمانه، ولا يزال يتمتع بالوهج والإثارة نفسيهما، لدرجة تدفعنا للتساؤل: كيف لم ينتبه لجماله وإمكاناته أحد قبل الآنسة شانيل؟

الأسود والأبيض ماركة «شانيل» المسجلة تستعملهما في كل جزئية من تصاميمها (شانيل)

لم يتبيَّن حتى الآن ما إذا كانت كوكو شانيل سوداوية الطبع أم لا؛ لكن المؤكد أنها آمنت بتأثيره وإثارته إلى حد أنها كررت في كثير من المناسبات أنها لن تتخلى عنه، حتى تجد ما هو أكثر قتامة منه: «حتى ذلك الحين، سأكتفي بارتداء الأسود». بعد 1926، أثبت نفسه؛ حيث كان من الممكن أن ينضم إلى قائمة الألوان الأنيقة الأخرى؛ لكنه تسلطن وتربَّع في خزانة المرأة. لم يتزعزع منها حتى عندما حصلت هجمة «الإنستغرام» وبقية وسائل التواصل الاجتماعي المتعطشة لألوان صارخة ونقشات متضاربة من أجل الحصول على صور أكثر وضوحاً وتأثيراً.

عمليات التجميل التي يظل خاضعاً لها على يد مصممين جُدد تساهم في ضخِّه بالشباب والكاريزما. ومع الوقت نسي الجميع أنه لون الحِداد. دخل مناسبات المساء والسهرة والأفراح. الراحل عز الدين علايا –مثلاً- قال: «إنه لون يثير الفرح في نفسه».

من عرض «كلوي» الأخير حيث دمجت المصممة الأسلوب البوهيمي المنطلق بتصاميم مفصلة وراقية (كلوي)

هذا لا يعني أنه لا يتوارى أو تتراجع أهميته أحياناً لصالح موجة أو لون جديد؛ لكن دائماً لفترة قصيرة يعود بعدها أقوى. وهذا ما حصل مؤخراً. عروض الأزياء للخريف والشتاء والربيع والصيف، على حد سواء، أكدت أن واقع الموضة الجديد ولسنوات مقبلة سيتلون به. يمكن القول إن ظهوره المكثف في معظم العروض حوَّله من مجرد موجة موسمية إلى ظاهرة.

في عرض «فالنتينو» مثلاً، لوَّن مصممها السابق بيير باولو بيكيولي كل التشكيلة (63 قطعة) به. لم يستثنِ إطلالة واحدة منه، وهو الذي تعوَّد إتحافنا بألوان شهية، فضلاً عن عروض كل من «برادا» و«ماكسمارا» و«شانيل» و«كلوي» و«هيرميس» وهلمَّ جراً. بالنسبة للمصمم بيكيولي، فهمنا فيما بعد أن الدافع وراء هذه السوداوية قد يكون شخصياً. فبعد فترة قصيرة من العرض، أُعلن خبر استغناء دار «فالنتينو» عنه، أو خروجه منها بعد 25 عاماً من العطاء والتفاني. ولأن الأرجح أنه كان على علم بهذا القرار من قبل، فإن الشكوك تدور حول أنه اختار الأسود رمزاً لنهاية فصل مهم من مشواره المهني. وليس ببعيد أنه فصَّل العرض حداداً على ربع قرن من عمره.

ساد الأسود في تشكيلة «ماكسمارا» مُكسِّراً الصورة التي ارتبطت في الأذهان بألوان الكاراميل والعسل والشوكولاتة (ماكسمارا)

عرض «ماكسمارا» في المقابل كان بكل سواده احتفالياً. فالدار الإيطالية التي ارتبط اسمها في الأذهان بألوان تتباين عادة بين درجات العسل والكاراميل والبسكويت والسكر، مع نفحات من الرمادي والأزرق، فاجأت في تشكيلتها لخريف وشتاء 2024- 2025 الجميع، بإسناد دور البطولة للأسود.

وكما هي الحال في كل القصص السردية التي باتت ترافق عروض الأزياء -مثلها مثل الموسيقى والإضاءة- صرَّح مصممها البريطاني إيان غريفيث، بأن السبب يعود إلى الكاتبة والصحافية والممثلة الفرنسية كوليت: «كانت تلبس هذا اللون ولا تتخلى عنه، حتى أنه أصبح لونها الرسمي، وهذا ما أبهرني وأنا أتطلَّع إلى صورها». اكتشف أيضاً المساحات الكبيرة التي يتيحها للإبداع: «هذه المساحات تساعد على إبراز صورة ظلية أنيقة بخطوط سلسة» وفق قوله.

كانت كوليت الكاتبة والصحافية بتمردها على الأعراف وجرأتها ملهمة المصمم إيان غريفيث (ماكسمارا)

تغيير توجه الدار بهذه الدرجة كان جريئاً بالنسبة لدار أزياء، تكمن قوتها في معاطفها ذات الألوان الشهية؛ لكنه تغيير محسوب، تشعر فيه بأن الأسود هنا يحتفل بعلاقته المثيرة بالمرأة والممتدة على مدى قرن، وتحديداً تلك العلاقة الجريئة التي زرعتها فيه كوكو شانيل وتميَّزت بها كوليت. امرأتان خضَّتا المتعارف عليه في عصرهما، بذكائهما وثقافتهما الواسعة، وتعدد مواهبهما. كانت كوليت صحافية وكاتبة سيناريو، وفي بعض الأحيان خبيرة تجميل، وموسيقية. كانت أيضاً متمرِّدة لا تتقيد بإملاءات المجتمع والتقاليد، كما صرَّح غريفيث: «كانت تتمتع بروح متوثبة ومشاعر إنسانية تلامس القلب، وهذا ما أطمح إلى تحقيقه في (ماكسمارا) بوصفي مصمماً».

ظهر في المعاطف كما في القطع المنفصلة وفساتين السهرة والمساء (ماكسمارا)

لم يكن تبنِّي كوليت الأسود لوناً رسمياً هو وحده ما يُميِّزها. كانت أيضاً تميل إلى الملابس ذات اللمسات الذكورية، وهذا ما ترجمه المصمم في معاطف مستوحاة من التصاميم العسكرية وأخرى بأحجام سخية، كما في بنطلونات واسعة بخصور عالية. ربما يكون الماكياج وظهورها بأزياء محددة في بعض الأحيان ما يُذكِّرنا بأنوثتها. أمر ترجمه غريفيث من خلال تنورات بأطوال مختلفة، وقطع منفصلة أخرى أضفى عليها حداثة وعملية باعتماده أسلوب الطبقات المتعددة.

تبقى «شانيل» وفية لمؤسستها في كل المواسم بحضور اللون الأسود بشكله الأنيق في كل تشكيلاتها (شانيل)

غني عن القول، إن الأسود هو الحاضر الدائم في عروض «شانيل». مثله مثل الأبيض، لصيق بها. تستعملهما الدار في ديكورات محالِّها، وفي تغليف مستحضراتها، كما في أزيائها وإكسسواراتها. هما الآن ماركتها المسجلة، مثلما اللون البرتقالي لدار «هيرميس»، والأحمر الغامق لـ«كارتييه»، والفيروزي لـ«تيفاني أند كو»، والرمادي لـ«ديور». كانت القطع التي تلوَّنت به هذا الموسم لافتة وراقية كما العادة. استعملت فيها المصممة فيرجيني فيارد خامات متنوعة، تم تنسيق بعضها مع بعض، ليتحول الممتنع إلى سهل، والتضارب إلى تناغم.

لم يغِبْ أيضاً في عرض «برادا». برز في كنزات بياقات عالية وتنورات مستقيمة تغطي الركبة، وتايورات مستوحاة من بدلات رجالية مصنوعة من الصوف من الأمام، ومن الحرير والدانتيل من الخلف. قالت ميوتشا إنها «بمثابة عودة إلى الرومانسية التي ربما أصبحت من التابوهات». الفرق في عرض «برادا» أنه كان الأرضية التي أسندت ألواناً أخرى، وتناغمت معها لتخلق بالنتيجة صورة متنوعة تخاطب كل الأذواق.

الحركة اليابانية

هذه الموجة القوية للأسود، تعود بنا إلى حقبة الثمانينات، مع استقواء حركة يابانية قادها كل من إيسي مياكي، وراي كاواكوبو، مصممة «كوم دي غارسون»، ويوجي ياماموتو، وآخرون. هذه الحركة حوَّلته من مجرد لون تُقبل عليه المرأة للحصول على أنوثة ونحافة، إلى مفهوم قائم بذاته وأسلوب حياة. يكفي بخطوطه البسيطة الخالية من أي بهرجة للارتقاء بإطلالة أي امرأة، لا سيما في حقبة كانت تتسم بالمبالغات والبهرجة التي فرضها أسلوب «الماكسيماليزم»، مثل الأكتاف العريضة والعالية وألوان النيون والألوان المعدنية والزخرفات، وغيرها. كانت الحركة اليابانية مضادة، لعب فيها الأسود دوراً حيوياً.

لم يغب عن عرض دار «هيرميس» التي طرحته من الجلد وخامات ناعمة أخرى (هيرميس)

المصمم ياماموتو وصفه حينذاك باللون «المتواضع والمتغطرس، الكسول والسهل. إنه غامض؛ لكن قبل كل شيء هو لون يقول: أنا لا أزعجك فلا تزعجني». هذا القول تُرجم في أرض الواقع بأنه مضمون لا يثير الجدل السلبي أياً كان تصميمه، وبالتالي وظَّفه كل مصمم برؤيته الخاصة لرسم اللوحة التي يريد بيعها لنا.

جوليان دوسينا، مصمم دار «باكو رابانا» عبَّر عن هذه الرؤية قائلاً: «عندما أشاهد شخصاً يرتدي اللون الأسود في الشارع، أشعر وكأنني أرى لوحة من الفن التجريدي. تجعلني أركز أكثر على الحركة والشخصية».

تحوله إلى ظاهرة هذا الموسم يجعلنا نتوقف ونتساءل عند أسباب أخرى، حسب رأي أندرو بولتون، أمين قسم الأزياء في «متحف متروبوليتان للفنون» بنيويورك، قائلاً إن «عودته بهذه القوة يمكن أن تُعزى إلى الاضطرابات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي نعيشها حالياً». فهو لون قوي يضمن الجاذبية، كما يمنح الثقة في كل الظروف.


مقالات ذات صلة

«فاشن تراست أرابيا»: تشكيل جيل جديد من المصممين العرب

لمسات الموضة من أعمال السعودي زياد بوعينين (فاشن تراست أرابيا)

«فاشن تراست أرابيا»: تشكيل جيل جديد من المصممين العرب

من أبرز التحديات التي تواجه المصممين الناشئين صعوبة اختراق الأسواق العالمية، وهذا ما تحاول مبادرة «فاشن تراست أرابيا» تحقيقه بشراكتها مع متجر «هارودز».

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة تستهدف المنصة جذب أنظار العالم إلى المصممين البريطانيين الشباب (مجلس الأزياء البريطاني)

هل تنقذ باريس الموضة البريطانية من تداعيات الأزمة الاقتصادية؟

لا يختلف اثنان أن لندن تواجه تحديات متزايدة في الحفاظ على زخمها التجاري في مرحلة ما بعد «بريكسيت» وعدم استقرار الاقتصاد العالمي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة حذاء شاكيرا الرياضي يكتب فصلاً جديداً في أناقة المستطيل الأخضر

سر حذاء شاكيرا الضخم في افتتاح مونديال 2026

حذاء شاكيرا الرياضي ذو المنصة المرتفعة بمونديال مكسيكو سيتي يقلب موازين أزياء الملاعب، مازجاً بين تمرد «الغرانج» وأناقة العصر بلمسة كولومبية ذكية.

كوثر وكيل (لندن)
لمسات الموضة ياسين بونو وعبد الصمد الزلزولي وأزياء بتوقيع دار «بيغناتيلي» الإيطالية (.أ.ف.ب)

كأس العالم 2026 «تلعب» باحترافية على علاقة الموضة بكرة القدم

في التسعينات كانت القوة الإعلانية للعارضات «السوبر» تبعهم النجوم وفي المرحلة الحالية يبدو أنهم سلموا المشعل لنجوم كرة القدم.

جميلة حلفيشي (لندن)

«فاشن تراست أرابيا»: تشكيل جيل جديد من المصممين العرب

من أعمال السعودي زياد بوعينين (فاشن تراست أرابيا)
من أعمال السعودي زياد بوعينين (فاشن تراست أرابيا)
TT

«فاشن تراست أرابيا»: تشكيل جيل جديد من المصممين العرب

من أعمال السعودي زياد بوعينين (فاشن تراست أرابيا)
من أعمال السعودي زياد بوعينين (فاشن تراست أرابيا)

وصل الفائزون بجائزة «فاشن تراست أرابيا» لعام 2025 إلى لندن مؤخراً. جاؤوا من بلدانهم يحملون معهم أحلامهم الكبيرة وطموحات تتجاوز حدودها المحلية. لكن لندن هنا ليست مجرد محطة احتفالية عابرة، بل جزء من خُطَّة استراتيجية تسعى إلى ربط المواهب الناشئة في المنطقة العربية وصناعة الأزياء العالمية عبر مزيج من الإرشاد المهني، وفرص البيع بالتجزئة والانخراط المباشر مع شبكة الفاعلين في القطاع.

انطلقت الفعاليات بحفل استقبال جمع الفائزين بعدد من الأسماء المبدعة والمؤثرة في مجالات الأزياء والتصميم والثقافة، مثل إميليا ويسكتيد وديفيد كوما وغيرهم من المصممين. لقاء لم يكن مجرد مناسبة اجتماعية، بل مساحة عمل ممتدة، كون هذا الحفل الافتتاحي فقط تمهيداً لثلاثة أيام من الجلسات المهنية ركَزت على بناء العلامة التجارية لكل واحد منهم، من خلال فهم استراتيجيات التجزئة والقيادة والتواصل وريادة الأعمال. فالنجاح حالياً لا يقتصر على التطوير الإبداعي، وبالتالي لا تكتفي «فاشن تراست أرابيا» منذ تأسيسها في عام 2018 بدعم هذا الجانب وحده ولا على تسليط الضوء على المواهب العربية، بل تسعى لتوفير أدوات عملية ولوجستية تساعدهم على تطوير مشاريع قابلة للاستمرار والنمو، ومع الوقت بناء علامات تتحول إلى حضور عالمي يتنافس مع الكبار.

وهذا ما تؤكده تانيا فارس، الشريكة المؤسسة لـ«فاشن تراست أرابيا» قائلةً: «إن دعم المواهب العربية لا يقتصر على الظهور الإعلامي والمظاهر الاحتفالية، بل يقوم على توفير أدوات فعالة تُمكِّنهم من تطوير مشاريع مستدامة»، مشيرةً إلى أهمية الجمع بين الإرشاد وخلق الفرص التجارية ضمن بيئة واحدة.

فمن أبرز التحديات التي تواجه المصممين في بداياتهم القدرة على اختراق منافذ تسويقية تؤمن بموهبتهم وتمنحهم مساحة للعرض. هنا تلعب المبادرات الداعمة دوراً حاسماً، عبر إدخال المواهب الناشئة مبكراً في شبكة من العلاقات المهنية. بالنسبة إلى «فاشن تراست أرابيا» نجحت في ربط شراكة مع متجر «هارودز» بلندن، عمرها قبل أربع سنوات.

بموجب هذه الشراكة، توفِّر «هارودز» منصة عرض ثابتة للفائزين، بشكل حصري سواء داخل المتجر أو عبر المنصة الرقمية الخاصة به، إضافةً إلى الترويج لهم عبر باقي قنواته التسويقية. الآن وأكثر من أي وقت مضى تزيد أهمية هذه الشراكة بالنظر إلى الوضع الاقتصادي العالمي غير المستقر نسبياً، حيث أصبحت فرص الظهور الدولي للمصممين الناشئين مرتبطة بالشراكات الكبيرة وبدور الأزياء العالمية، فيما يعاني المصممون المستقلون والشباب من شُح الفرص.

إلى جانب البُعد الذي توفره الشراكات مع متاجر مثل «هارودز»، فإن تأثير «فاشن تراست أرابيا» لا يقتصر على فتح أبواب العرض أو خلق فرص للبيع فحسب، بل يمتد إلى كشف المهارات التي تتوفر في المنطقة العربية من خلال مصممين يتمتعون بخيال خصب ورغبة في التفوق. وكالعادة، عكس الفائزون في دورة 2025، تبايناً في أساليبهم ومدارسهم الإبداعية. القاسم المشترك بينهم كان التشبث بالهوية. في أعمال المصرية فرح رضوان، مؤسِّسة علامة «RYR» ظهر جلياً تعاملها مع المجوهرات كمساحة للذاكرة أكثر من كونها امتداداً للتراث. ورغم استلهامها من تقاليد الصاغة في مصر القديمة، فإنها لا تُقدِّمها بترجمة حرفية أو بنزعة حنين إلى الماضي بل كإعادة صياغة داخل سياق معاصر يجمع روح باريس والقاهرة. هذا التداخل الجغرافي في عملية الإنتاج، والجمع في القطعة الواحدة بين الحرفة اليدوية والمواد الحديثة مثل الفضة الإسترليني والذهب عيار 18 قيراطاً والجلود والأحجار المختارة، هو ما يمنح أعمالها طبقة من التميز.

المغربية ليلي روكني، في المقابل، وهي مؤسسة «TALEL»، تتحرك في اتجاه مختلف. فهي تميل إلى خضِّ الهدوء البصري ولا تؤمن بإعادة تفسيره. عملية التصميم بالنسبة إليها تقوم على إدخال عناصر غير متوقعة في البنية الشكلية، سواء عبر النسب أو المواد أو العلاقة بين الأجزاء، بحيث تُصبح الحقيبة كتلة معمارية صغيرة مستلهَمة أحياناً من الفن المغربي وأحياناً من المدرسة الفرنسية. مشاركتها في مسابقة «فاشن تراست أرابيا» كانت لهدف واضح: «أتوق إلى تنمية علامتي عالمياً وتعزيز الجانب التجاري، وفي الوقت ذاته أتوق إلى اختبار أفكار جديدة ومبتكرة».

في جانب الأزياء الجاهزة، لا يختلف المغربي يوسف إدريسي، مؤسِّس علامة «لات فور وورك Late for Work»، كثيراً عن ليلى في رغبته في خض المتعارف عليه وخلق مقاربة تستند إلى تفكيك التصاميم التقليدية وإعادة تركيبها من الداخل. فالعلامة، وفق تصريحه، تنطلق من حس نقدي تتحول فيه التناقضات، بل حتى ما يعدّه البعض «عيوباً»، إلى جزء من اللغة التصميمية. يُوظِّف القصَّات غير المكتملة، والخطوط غير المتوازنة كعناصر تفاعلية مع الجسد. حسب قوله: «إنها نوع من العبثية المقصودة والبنية المدروسة».

في المقابل، ينتمي السعودي زياد بوعينين، الفائز بجائزة أفضل مصمم لأزياء المساء والسهرة، إلى مدرسة مختلفة تميل إلى التصاميم الكلاسيكية بلغة معاصرة بدل تفكيكها. يستمد خبرته وأفكاره من تنقلاته بين الخُبر وطوكيو ونيويورك وميلانو ولندن، وهو ما يمنح تصاميمه نكهة عالمية. يقول إنه عندما أطلق علامته بشكل رسمي عام 2021، انطلق من فكرة دمج الفن والثقافة بمرونة وانسيابية، مع مراعاة مفهوم الاستدامة كجزء أساسي من عملية التصميم المعاصر. ويؤكد بوعينين أن الاستدامة لا تتعارض مع الفخامة، بل هي جزء لا يتجزأ من خط الـ«هوت كوتور» بحكم أنه قائم على الحرفية العالية كما على عنصر توارث الأجيال للقطعة. رغم ما حققه من نجاح يتمثل في لائحة مهمة من الزبونات المهمات، فإن فوزه بجائزة أفضل مصمم في مسابقة «فاشن تراست أرابيا» هذا العام، فتح له أبواباً جديدة «من العلاقات مع صناع موضة ومؤثرين لهم وزن». فكلما توسَعت دائرة المعارف زادت المعرفة، وفق رأيه.


هل تنقذ باريس الموضة البريطانية من تداعيات الأزمة الاقتصادية؟

تستهدف المنصة جذب أنظار العالم إلى المصممين البريطانيين الشباب (مجلس الأزياء البريطاني)
تستهدف المنصة جذب أنظار العالم إلى المصممين البريطانيين الشباب (مجلس الأزياء البريطاني)
TT

هل تنقذ باريس الموضة البريطانية من تداعيات الأزمة الاقتصادية؟

تستهدف المنصة جذب أنظار العالم إلى المصممين البريطانيين الشباب (مجلس الأزياء البريطاني)
تستهدف المنصة جذب أنظار العالم إلى المصممين البريطانيين الشباب (مجلس الأزياء البريطاني)

لا يختلف اثنان أن لندن تواجه تحديات متزايدة في الحفاظ على زخمها التجاري في مرحلة ما بعد «بريكسيت» وعدم استقرار الاقتصاد العالمي. صناعة الموضة لم تسلم من تبعات هذه المرحلة لكنها لم تستسلم لها، وتعمل على إيجاد حلول مستدامة. تاريخها يشهد لها بقدرتها على الصمود ومواجهة التحديات. كانت دائما الحلقة الأضعف بين العواصم العالمية: نيويورك، ميلانو، باريس، إلا أنها كانت تتفوق عليهم بخصوبتها في إنجاب مُبدعين شباب. جعلت من دمائهم الفائرة وجموحهم المجنون للابتكار ورقتها الرابحة دائماً، بحيث كانت تُصدِرهم لهذه العواصم لإنعاش ما يمكن إنعاشه من بيوت أزياء عريقة، وليس أدل على هذا من جون غاليانو في «ديور» سابقاً وألكسندر ماكوين في «جيفنشي» وفيبي فيلو في «سيلين» وستيلا ماكارتني في «كلوي» و«لويز تروتر» حالياً في دار «بوتيغا فينيتا»، وهلم جراً، من الأسماء التي تركت بصماتها في باريس وميلانو.

من عرض علامة «لابروم» (موقع لابروم)

فهذه الدماء الشابة جعلت من أسبوع لندن في فترة من الفترات أقوى من ميلانو ونيويورك من ناحية الابتكار. لكن شتان بين الأمس واليوم. فالأوضاع الاقتصادية في بريطانيا عموماً ووضع صناعة الموضة في لندن خصوصاً، ليسا في أفضل حالاتهما هذه الأيام. صحيح أن لندن لم تفقد روحها الإبداعية، إلا أن محاولات ترويض هذا الإبداع لإرضاء الجانب التجاري باتت ملموسة. ثم جاءت الأزمة الاقتصادية العالمية، وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ثم الحروب المتتالية، لتزيد الوضع تعقيداً. لهذا كان لا بد من البحث عن منفذ يفتح أماما مصمميها أبواب الأسواق العالمية بشكل مستدام. وهنا أعلن المجلس البريطاني للأزياء التزامه بتعزيز منصة «London Show Rooms» التي تقام خلال أسبوع الموضة الرجالي في باريس بين 25 و30 يونيو (حزيران) الحالي، وذلك لأربع سنوات قادمة، في محاولة لتوفير مساحة أكثر تركيزاً خلال واحدة من أكثر الفترات أهمية في روزنامة الموضة العالمية: أسبوع الموضة الرجالية.

من تصاميم «بالمر هاردينغ» (موقع مجلس الأزياء)

شرحت لورا وير، الرئيسة التنفيذية للمجلس الفكرة قائلة إن البرنامج «يهدف إلى تعميق حضورنا في الأسواق العالمية الرئيسية عبر توفير فرص مستدامة لنمو أعمال المصممين البريطانيين وتعزيز مرونتهم التجارية، وباريس تُمثّل محوراً أساسياً في هذه الرؤية. فهي بوابة مهمة للتوسع الدولي وتمكين المصممين من الوصول إلى جماهير جديدة وشراكات وفرص عالمية».

اختار المجلس للمشاركة في هذا المعرض عدداً من الأسماء الواعدة مثل كليو بيبيات، يودون تشوي، لابروم لندن، نيكولاس دايلي، بالمر أند هاردينغ، توندولو، وآخرين.

أغلب المشاركين في المعرض من خريجي برامج داعمة للشباب الواعدين (موقع مجلس الأزياء)

أغلبهم استفادوا من برامج دعم المواهب التابع للمجلس البريطاني للأزياء «نيو جين» و«فاشن إيست» ويأتي هذا التوسع ضمن برنامج «بي.إف.سي إنترناشيونال» أحد المحاور الرئيسية لاستراتيجية المجلس «BFC 2030: Access, Creativity, Growth» التي تركز على تعزيز فرص الوصول إلى الأسواق الدولية ودعم الإبداع وتحقيق نمو مستدام للمصممين البريطانيين الشباب. وبحسب المجلس، فإن الخطوة تُمثّل مرحلة جديدة لتطوير معرضها الباريسي كمنصة تستقبل حضوراً عالمياً أوسع، مع خطط مستقبلية لإطلاق صيغ عرض جديدة وشراكات وأنشطة تسويقية تهدف إلى ربط المصممين البريطانيين بأسواق وفرصة دولية إضافية.


حذاء شاكيرا الرياضي يكتب فصلاً جديداً في أناقة المستطيل الأخضر

حذاء شاكيرا الرياضي يكتب فصلاً جديداً في أناقة المستطيل الأخضر
TT

حذاء شاكيرا الرياضي يكتب فصلاً جديداً في أناقة المستطيل الأخضر

حذاء شاكيرا الرياضي يكتب فصلاً جديداً في أناقة المستطيل الأخضر

في العاصمة المكسيكية مكسيكو سيتي، حيث تتمازج حرارة المدرجات بشغف الساحرة المستديرة، لم تكتفِ النجمة الكولومبية شاكيرا بإشعال الحماس عبر أغنية المونديال الرسمية «داي داي»، بل خطفت الأضواء بـ«ضربة معلم» في عالم الموضة الرياضية.

تحول حذاء النجمة على العشب الأخضر من مجرد تفصيل متمم للإطلالة إلى بيان فني صاخب يعيد تعريف أزياء الملاعب، ويمزج بكبرياء بين التمرد الأنثوي ومتطلبات الأداء الحركي الفائق في افتتاح كأس العالم 2026.

شاكيرا تألقت في تقديم الحفل الموسيقي (رويترز)

هندسة الجاذبية على المستطيل الأخضر

في وقت كان العالم يترقب فيه دوران الكرة، اختارت شاكيرا أن تؤسس لمنطقها الخاص في الحركة، حيث اعتلت المسرح بحذاء رياضي ضخم ذي منصة مرتفعة (Platform) من العلامة النيويوركية المتمردة R13.

الحذاء، الذي ينتمي إلى طراز «Riot High-Top» والمصنوع من الجلد الأبيض الناصع، جاء بكعب شاهق يصل إلى 4.45 سنتيمتر مدعوماً بقاعدة سميكة بارتفاع 3.8 سنتيمتر.

هذا الخيار الاستثنائي شكّل تحدياً صارخاً للقواعد التقليدية لملابس الملاعب، مانحاً النجمة قامة ممشوقة وثباتاً راسخاً تناغم بدقة مع لوحات فرقتها الراقصة.

من ثورة «الحفاء» إلى صخب الـ «غرانج» (Grunge) النيويوركي

شاكيرا تقدمت الفنانين في حفل افتتاح كأس العالم 2026 (رويترز)

تاريخياً، ارتبطت هوية شاكيرا المونديالية بالتحرر، ففي نسخة جنوب أفريقيا 2010 وأغنيتها الشهيرة «واكا واكا»، آثرت الغناء حافية القدمين لتكريس اتصالها العضوي بالأرض.

أما في مكسيكو سيتي، فقد عكس الحذاء الرياضي المستوحى من كلاسيكيات كرة السلة تحولاً جذرياً نحو جماليات الـ«Grunge» المعاصرة.

لقد كان هذا التصميم بمثابة درع ذكي، أمن لركبتيها وكاحليها الحماية القصوى أثناء أداء رقصاتها المعقدة والسريعة، لتثبت للعالم أن الأناقة الرفيعة لا تقصي الكفاءة البدنية.

فلسفة اللون وتناغم الإيقاع البصري

لم يكن اختيار الحذاء الأبيض معزولاً عن سياقه الفني، بل جاء بتنسيق مبتكر صممته دار Off-White بالتعاون مع منسق أزيائها نيكولاس برو. وتمثلت اللمسة الذكية في استبدال الأربطة التقليدية بأخرى ذات لون أصفر فوسفوري مشع تحاكي روح العلم الكولومبي وتتناغم مع بدلتها الرياضية، بينما أضفت نظارات بالنسياغا Balenciaga المستقبلية هالة من الغموض الثوري. هذا المزيج المدروس يعكس كيف تحول الرموز الفنية «المستطيل الأخضر» إلى منصة عرض أزياء عالمية تحاكي جيل الحداثة.