حالة الموضة لعام 2024... تشجيع على الرأسمالية وتنديد بالفكر الاستعماري

مؤتمر «Bof Voices» لعام 2023 يفتح ملفات صعبة بحثا عن حلول مستدامة

كيف يمكن أن تبنى الموضة عالماً مستداماً وإنسانياً من المواضيع التي ركز عليها المؤتمر (بي أو إف)
كيف يمكن أن تبنى الموضة عالماً مستداماً وإنسانياً من المواضيع التي ركز عليها المؤتمر (بي أو إف)
TT

حالة الموضة لعام 2024... تشجيع على الرأسمالية وتنديد بالفكر الاستعماري

كيف يمكن أن تبنى الموضة عالماً مستداماً وإنسانياً من المواضيع التي ركز عليها المؤتمر (بي أو إف)
كيف يمكن أن تبنى الموضة عالماً مستداماً وإنسانياً من المواضيع التي ركز عليها المؤتمر (بي أو إف)

هل الإبداع في أزمة؟ وهل مفهوم الاستدامة يعاني من فكر استعماري هو المسؤول عن عرقلة تنفيذه بشكل جيد؟ وهل يُشكِل الذكاء الاصطناعي خطراً على الحرفية واليد العاملة؟ وكيف يمكن تحويل الشدائد إلى انتصارات، والسلبيات إلى إيجابيات؟ هذه ومواضيع أخرى كثيرة كانت جزءاً من نقاشات ملهمة جرت مع مُبدعين ومؤثرين في مجالاتهم خلال مؤتمر «بي أو إف فويسز 2023» BoF VOICES 2023. ثلاثة أيام و40 شخصية من كل أنحاء العالم، اجتمعوا كعادتهم كل سنة في «سوهو هاوس» بأكسفوردشاير لشحذ طاقتهم الإبداعية والبحث عن حلول لمشاكل العالم.

عمران أميد يفتتح حصة عن حالة الموضة حالياً ومستقبلاً (بي أو إف)

ما تجدر الإشارة إليه أن المؤتمر ليس عن الموضة كأزياء وإكسسوارات فحسب، بل يشمل كل جوانب الحياة، لأن الموضة بحسب المؤسس عمران أميد لا تعيش في بُرج عاجي بعيد عن الأحداث العالمية، بل هي جزء منها ومرآة تعكس كل جوانبها. وهذا تحديداً ما يجذب صناع الموضة وأصحاب قرارات، من رؤساء تنفيذيين ومصممين وعلماء ونشطاء سياسيين واجتماعيين من كل صوب وحدب.

من ضمن ضيوف هذا العام، نذكر برونيلو كوتيشينيللي وماثيو بلايزي، مصمم دار «بوتيغا فينيتا» والمصمم جوناثان أندرسون ودايان فون فورتنسبورع والفنانة ريتا أورا وبيلي بورتر والمصور ميسان هاريمان ولينا ناير الرئيس التنفيذي لدار «شانيل» وريتشارد ديكسون، رئيس مجموعة «غاب» التنفيذي، إضافة إلى نشطاء في مجالات البيئة وخبراء في الذكاء الاصطناعي أدلوا بدلوهم في تحليل الأسباب والبحث عن حلول. كلهم يُمسكون بأياديهم خيوط التغيير الإيجابي ويريدون أن ينسجوا منها مستقبلاً أفضل.

عمران أميد ولقطة طريفة تجمعه ببرونيللو كوتشينيللي (بي أو إف)

في اليوم الأول تحدَث المخضرم برونيللو كوتشينيللي، عن الحرفية والمبادئ الإنسانية التي يتبعها وكانت وراء نجاحه التجاري، الذي تحسده عليه العديد من الشركات. فرغم اجتياح مفهوم الربح معظم بيوت الأزياء العالمية، ظل في المقابل وفياً لاستراتيجيات إنسانية عضوية. في حديثه مع عمران أميد، مؤسس موقع BOF، أشار كوتشينيللي أنه لا يمكن أن يستغني عن الحرفية كقيمة إنسانية وفنية، كما لا يمكن أن يُنكر أنه كأي دار أزياء، يحتاج إلى تحقيق نتائج سنوية مهمة حتى يستمر. أطلق على مفهومه هذا «الرأسمالية الجديدة»، وهي رأسمالية قائمة وفق قوله «على تحقيق التوازن بين الربح ورد المعروف للمجتمع. فهذا من شأنه أن يرفع المعنويات ويعيد الأمور إلى نصابها». وحتى يضمن استمرار هذه الثقافة التي أرساها، كشف أنه وضع ملكية شركته في صندوق ائتمان عائلي، وعيَن مديرين تنفيذيين لدعم أعماله «حتى تستمر شركتي لمائة عام أخرى، في يد أشخاص يؤمنون بهذا النوع من الرأسمالية المعاصرة».

وعما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيؤثر على الحرفية اليدوية وحياة الحرفيين وسبل عيشهم، ردّ كوتشينيللي بكل ثقة أنه لا مفر من استعمال التكنولوجيا «فهي ضرورية ومفيدة. والمطمئن في الذكاء الاصطناعي تحديداً أنه ولحد الآن يفتقد للعواطف، وهذا بحد ذاته أمر سيساعد على إعادة اكتشاف قيمة البشر وقيمة الحرفية اليدوية وبالتالي بحثنا عن عقول بشرية خلاقة تتمتع بفكر ومشاعر».

محرر الموضة تيم بلانكس في حديثه مع ماثيو بلايزي، مصمم دار «بوتيغا فينيتا» (بي أو إف)

مصمم دار «بوتيغا فينيتا» ماثيو بلايزي، كانت له أيضاً حصة مشوقة تحدث فيها عن تجربته في دار تحترم الحرف اليدوية ورغبته في الدفع بالماكينة الإبداعية إلى الأمام، بدمج تقنيات جديدة في تصاميمه. لا يختلف اثنان على أن بلايزي، ورغم أنه لم تمر سوى سنتين فقط على التحاقه بالدار الإيطالية مديراً فنياً، نجح في وضع لمساته عليها من دون إلغاء ماضيها، أو بالأحرى ما أرساه مصمموها من قبله. وصفة نجاحه بسيطة لكن فعالة، أخذ فيها قطعاً أساسية وعادية مثل الجينز والقميص الكلاسيكي وأدخل عليها خامات جديدة نقلتها إلى مرحلة غير مسبوقة من الأناقة والابتكار. استدل على هذا بقميص «أوكسفورد» الكلاسيكي، وكيف صنعه من الجلد الناعم الأمر الذي ارتقى بها إلى مستوى راق. يعترف للصحافي تيم بلانكس أنه مهووس بفكرة تحويل قطع عادية، وربما مملة، إلى مترفة ومرغوب فيها بتوظيف تقنيات جديدة وإضافة التفاصيل قائلاً: «عندما تضيف طبقات متعددة، فإنك تُضيف مفردات تساهم في التعبير عن قصص مشوقة وعواطف تُلهب الخيال».

ريتشارد ديكسون وحديث عن مسيرته المهنية كرئيس تنفيذي واستراتيجيته لإنعاش «غاب» (غيتي لـ«بي أو إف»)

وفيما تحدَثت المصممة البلجيكية الأصل دايان فورنتسبورغ عن البدايات وكيف حوَلت السلبيات إلى إيجابيات والشدائد إلى إنجازات، تحدّث الرئيس التنفيذي لشركة «غاب» الأميركية، ريتشارد ديكسون عن استراتيجيته لإعادة المجموعة إلى الصدارة. كان للحديث معه نكهة مختلفة. شرح فيه كيف ينوي إنعاش صورة اسم «غاب»، الذي فقد بريقه وشريحة كبيرة من زبائنه في السنوات الأخيرة، بالعودة إلى الجذور عندما كانت الشركة الوجهة المفضلة لبنطلونات الجينز. كانت مفعمة بالديناميكية وروح الشباب، وهو ما تشهد عليه حملاتها الإعلانية في التسعينات. الخطأ الذي وقعت فيها أنها استكانت إلى نجاحها ولم تتجدد أو تواكب التغيرات الثقافية، مما جعلها تفقد نصيبها ومكانتها في السوق. الأمر لا يبدو صعباً على ريتشارد ديكسون، لأنه له سوابق في مجال إنعاش الماركات الخاملة. فهو الذي نفض الغبار عن صورة «باربي» مثلاً بعد أن فقدت أهميتها الثقافية بسبب حملات الـ«مي-تو» وغيرها.

بعد أن نفض الغبار عن «باربي» يشرح ريتشارد ديكسون رئيس «غاب» التنفيذي كيف ينوي إعادة البريق إليها (بي أو إف)

يقول ديكسون: «ليس من الضروري أن نلبي أذواق الجميع لكن ما نحتاجه كأي علامة تجارية أن تكون لنا هوية قوية ووجهة نظر فنية واضحة». الأمر بالنسبة لديكسون لا يزال في أوله. فهو لم يتسلم زمام الأمور سوى من مدة قصيرة، لكن كان واضحاً أن خلق جدل ثقافي وفكري في حملات الشركة لاستقطاب شريحة الشباب من أولوياته.

جلسة عن التأثيرات السياسية على صناعة الأزياء المستدامة ومدى تأثيرها على بلدان العالم الثالث تحديداً (بي أو إف)

ولأن المؤتمر ليس عن صناعة الأزياء والإكسسوارات وحدها، ويشمل أيضاً المشاكل التي تنتج عن هذه الصناعة سواء كانت على البيئة أو العاملين فيها، لم يكن غريباً أن تتطرق النقاشات لمفهوم الاستدامة. الجديد في هذه النقاشات أنها تطرقت إليها أنها من وجهات نظر جريئة وغير تقليدية، منها تسليط الضوء على التأثيرات السياسية، ودورها في تعطيل أي خطوات عملية وجادة في هذا المجال. ذهب البعض من المشاركين إلى القول إن «العامل الاستعماري لا يزال المُحرِك في إدارة هذه الصناعة، ومن ثم عرقلة عملية تطبيق قوانين تنص على الحد من أضرارها بشكل فعلي».

وهذا ما أشارت إليه عائشة بارنبلات، الرئيس التنفيذي لمنظمة ريميك للدفاع عن سلسلة التوريد قائلة إن أغلب القوانين تأتي من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وليس من المنبع. أي من دون أخذ رأي أصحاب الشأن من المصنعين والعمال في الدول الفقيرة التي يتم فيها إنتاج الموضة. فهؤلاء المصنعون المحليون أكثر من يفهم هذه المشاكل، حسب قول سامي أوتانغ من غانا، الذي استدل على رأيه بمشكلة النفايات أو فائض الملابس التي يتم التخلص منها في البلدان الفقيرة مثل غانا، الأمر الذي يُؤدي إلى اختناق المجاري والسواحل.

أنكا مارولا من مجموعة «إل في إم إتش» تتكلم عن الذكاء الاصطناعي وكيف يمكن توظيفه لتسهيل عمليات الإنتاج (بي أو إف)

لحسن الحظ، أنه ليس كل ما تطرق إليه المؤتمر يستدعي القلق، فهناك ما كان يمنح الأمل ويعد بمستقبل أفضل. الذكاء الاصطناعي مثلاً، رغم كل ما يثيره من استياء ومخاوف لدى العاملين في مجالات الإبداع، يمكن توظيفه لتسهيل عمليات الإنتاج من دون أن يتضارب مع الحرفية والأعمال اليدوية حسب قول أنكا مارولا، التي تعمل في «إل في إم إتش» أكبر مجموعة عالمية. تقول إن حقيبة من «فندي» تتطلب قص وربط عشرات الأجزاء لتنفيذها بشكل دقيق، وبالتالي قد تستنفد الكثير من الجهد والوقت من حرفي أولى به أن يُركِز على الجانب الإبداعي والحرفي. تقرير «ماكنزي» السنوي لعام 2024 هو الآخر مُطمئن من ناحية توصله إلى أن وعي المستهلك وسلوكياته الشرائية تجلى بشكل إيجابي في الشطر الثاني من عام 2023 وسيزيد في العام المقبل، إذ يتوقع أن تنخفض مصاريف مشترياته بنسبة 16في المائة في العام المقبل. أما بالنسبة لصناع الموضة، فإن التقرير يُطمئنهم أن انتعاش السفر يصُب في صالحهم، لأن شهية الشراء تكون مفتوحة خلال السفر، وكذلك الرغبة في التعرف على ماركات جديدة.


مقالات ذات صلة

«فاشن تراست أرابيا»: تشكيل جيل جديد من المصممين العرب

لمسات الموضة من أعمال السعودي زياد بوعينين (فاشن تراست أرابيا)

«فاشن تراست أرابيا»: تشكيل جيل جديد من المصممين العرب

من أبرز التحديات التي تواجه المصممين الناشئين صعوبة اختراق الأسواق العالمية، وهذا ما تحاول مبادرة «فاشن تراست أرابيا» تحقيقه بشراكتها مع متجر «هارودز».

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة تستهدف المنصة جذب أنظار العالم إلى المصممين البريطانيين الشباب (مجلس الأزياء البريطاني)

هل تنقذ باريس الموضة البريطانية من تداعيات الأزمة الاقتصادية؟

لا يختلف اثنان أن لندن تواجه تحديات متزايدة في الحفاظ على زخمها التجاري في مرحلة ما بعد «بريكسيت» وعدم استقرار الاقتصاد العالمي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة حذاء شاكيرا الرياضي يكتب فصلاً جديداً في أناقة المستطيل الأخضر

سر حذاء شاكيرا الضخم في افتتاح مونديال 2026

حذاء شاكيرا الرياضي ذو المنصة المرتفعة بمونديال مكسيكو سيتي يقلب موازين أزياء الملاعب، مازجاً بين تمرد «الغرانج» وأناقة العصر بلمسة كولومبية ذكية.

كوثر وكيل (لندن)
لمسات الموضة ياسين بونو وعبد الصمد الزلزولي وأزياء بتوقيع دار «بيغناتيلي» الإيطالية (.أ.ف.ب)

كأس العالم 2026 «تلعب» باحترافية على علاقة الموضة بكرة القدم

في التسعينات كانت القوة الإعلانية للعارضات «السوبر» تبعهم النجوم وفي المرحلة الحالية يبدو أنهم سلموا المشعل لنجوم كرة القدم.

جميلة حلفيشي (لندن)

«فاشن تراست أرابيا»: تشكيل جيل جديد من المصممين العرب

من أعمال السعودي زياد بوعينين (فاشن تراست أرابيا)
من أعمال السعودي زياد بوعينين (فاشن تراست أرابيا)
TT

«فاشن تراست أرابيا»: تشكيل جيل جديد من المصممين العرب

من أعمال السعودي زياد بوعينين (فاشن تراست أرابيا)
من أعمال السعودي زياد بوعينين (فاشن تراست أرابيا)

وصل الفائزون بجائزة «فاشن تراست أرابيا» لعام 2025 إلى لندن مؤخراً. جاؤوا من بلدانهم يحملون معهم أحلامهم الكبيرة وطموحات تتجاوز حدودها المحلية. لكن لندن هنا ليست مجرد محطة احتفالية عابرة، بل جزء من خُطَّة استراتيجية تسعى إلى ربط المواهب الناشئة في المنطقة العربية وصناعة الأزياء العالمية عبر مزيج من الإرشاد المهني، وفرص البيع بالتجزئة والانخراط المباشر مع شبكة الفاعلين في القطاع.

انطلقت الفعاليات بحفل استقبال جمع الفائزين بعدد من الأسماء المبدعة والمؤثرة في مجالات الأزياء والتصميم والثقافة، مثل إميليا ويسكتيد وديفيد كوما وغيرهم من المصممين. لقاء لم يكن مجرد مناسبة اجتماعية، بل مساحة عمل ممتدة، كون هذا الحفل الافتتاحي فقط تمهيداً لثلاثة أيام من الجلسات المهنية ركَزت على بناء العلامة التجارية لكل واحد منهم، من خلال فهم استراتيجيات التجزئة والقيادة والتواصل وريادة الأعمال. فالنجاح حالياً لا يقتصر على التطوير الإبداعي، وبالتالي لا تكتفي «فاشن تراست أرابيا» منذ تأسيسها في عام 2018 بدعم هذا الجانب وحده ولا على تسليط الضوء على المواهب العربية، بل تسعى لتوفير أدوات عملية ولوجستية تساعدهم على تطوير مشاريع قابلة للاستمرار والنمو، ومع الوقت بناء علامات تتحول إلى حضور عالمي يتنافس مع الكبار.

وهذا ما تؤكده تانيا فارس، الشريكة المؤسسة لـ«فاشن تراست أرابيا» قائلةً: «إن دعم المواهب العربية لا يقتصر على الظهور الإعلامي والمظاهر الاحتفالية، بل يقوم على توفير أدوات فعالة تُمكِّنهم من تطوير مشاريع مستدامة»، مشيرةً إلى أهمية الجمع بين الإرشاد وخلق الفرص التجارية ضمن بيئة واحدة.

فمن أبرز التحديات التي تواجه المصممين في بداياتهم القدرة على اختراق منافذ تسويقية تؤمن بموهبتهم وتمنحهم مساحة للعرض. هنا تلعب المبادرات الداعمة دوراً حاسماً، عبر إدخال المواهب الناشئة مبكراً في شبكة من العلاقات المهنية. بالنسبة إلى «فاشن تراست أرابيا» نجحت في ربط شراكة مع متجر «هارودز» بلندن، عمرها قبل أربع سنوات.

بموجب هذه الشراكة، توفِّر «هارودز» منصة عرض ثابتة للفائزين، بشكل حصري سواء داخل المتجر أو عبر المنصة الرقمية الخاصة به، إضافةً إلى الترويج لهم عبر باقي قنواته التسويقية. الآن وأكثر من أي وقت مضى تزيد أهمية هذه الشراكة بالنظر إلى الوضع الاقتصادي العالمي غير المستقر نسبياً، حيث أصبحت فرص الظهور الدولي للمصممين الناشئين مرتبطة بالشراكات الكبيرة وبدور الأزياء العالمية، فيما يعاني المصممون المستقلون والشباب من شُح الفرص.

إلى جانب البُعد الذي توفره الشراكات مع متاجر مثل «هارودز»، فإن تأثير «فاشن تراست أرابيا» لا يقتصر على فتح أبواب العرض أو خلق فرص للبيع فحسب، بل يمتد إلى كشف المهارات التي تتوفر في المنطقة العربية من خلال مصممين يتمتعون بخيال خصب ورغبة في التفوق. وكالعادة، عكس الفائزون في دورة 2025، تبايناً في أساليبهم ومدارسهم الإبداعية. القاسم المشترك بينهم كان التشبث بالهوية. في أعمال المصرية فرح رضوان، مؤسِّسة علامة «RYR» ظهر جلياً تعاملها مع المجوهرات كمساحة للذاكرة أكثر من كونها امتداداً للتراث. ورغم استلهامها من تقاليد الصاغة في مصر القديمة، فإنها لا تُقدِّمها بترجمة حرفية أو بنزعة حنين إلى الماضي بل كإعادة صياغة داخل سياق معاصر يجمع روح باريس والقاهرة. هذا التداخل الجغرافي في عملية الإنتاج، والجمع في القطعة الواحدة بين الحرفة اليدوية والمواد الحديثة مثل الفضة الإسترليني والذهب عيار 18 قيراطاً والجلود والأحجار المختارة، هو ما يمنح أعمالها طبقة من التميز.

المغربية ليلي روكني، في المقابل، وهي مؤسسة «TALEL»، تتحرك في اتجاه مختلف. فهي تميل إلى خضِّ الهدوء البصري ولا تؤمن بإعادة تفسيره. عملية التصميم بالنسبة إليها تقوم على إدخال عناصر غير متوقعة في البنية الشكلية، سواء عبر النسب أو المواد أو العلاقة بين الأجزاء، بحيث تُصبح الحقيبة كتلة معمارية صغيرة مستلهَمة أحياناً من الفن المغربي وأحياناً من المدرسة الفرنسية. مشاركتها في مسابقة «فاشن تراست أرابيا» كانت لهدف واضح: «أتوق إلى تنمية علامتي عالمياً وتعزيز الجانب التجاري، وفي الوقت ذاته أتوق إلى اختبار أفكار جديدة ومبتكرة».

في جانب الأزياء الجاهزة، لا يختلف المغربي يوسف إدريسي، مؤسِّس علامة «لات فور وورك Late for Work»، كثيراً عن ليلى في رغبته في خض المتعارف عليه وخلق مقاربة تستند إلى تفكيك التصاميم التقليدية وإعادة تركيبها من الداخل. فالعلامة، وفق تصريحه، تنطلق من حس نقدي تتحول فيه التناقضات، بل حتى ما يعدّه البعض «عيوباً»، إلى جزء من اللغة التصميمية. يُوظِّف القصَّات غير المكتملة، والخطوط غير المتوازنة كعناصر تفاعلية مع الجسد. حسب قوله: «إنها نوع من العبثية المقصودة والبنية المدروسة».

في المقابل، ينتمي السعودي زياد بوعينين، الفائز بجائزة أفضل مصمم لأزياء المساء والسهرة، إلى مدرسة مختلفة تميل إلى التصاميم الكلاسيكية بلغة معاصرة بدل تفكيكها. يستمد خبرته وأفكاره من تنقلاته بين الخُبر وطوكيو ونيويورك وميلانو ولندن، وهو ما يمنح تصاميمه نكهة عالمية. يقول إنه عندما أطلق علامته بشكل رسمي عام 2021، انطلق من فكرة دمج الفن والثقافة بمرونة وانسيابية، مع مراعاة مفهوم الاستدامة كجزء أساسي من عملية التصميم المعاصر. ويؤكد بوعينين أن الاستدامة لا تتعارض مع الفخامة، بل هي جزء لا يتجزأ من خط الـ«هوت كوتور» بحكم أنه قائم على الحرفية العالية كما على عنصر توارث الأجيال للقطعة. رغم ما حققه من نجاح يتمثل في لائحة مهمة من الزبونات المهمات، فإن فوزه بجائزة أفضل مصمم في مسابقة «فاشن تراست أرابيا» هذا العام، فتح له أبواباً جديدة «من العلاقات مع صناع موضة ومؤثرين لهم وزن». فكلما توسَعت دائرة المعارف زادت المعرفة، وفق رأيه.


هل تنقذ باريس الموضة البريطانية من تداعيات الأزمة الاقتصادية؟

تستهدف المنصة جذب أنظار العالم إلى المصممين البريطانيين الشباب (مجلس الأزياء البريطاني)
تستهدف المنصة جذب أنظار العالم إلى المصممين البريطانيين الشباب (مجلس الأزياء البريطاني)
TT

هل تنقذ باريس الموضة البريطانية من تداعيات الأزمة الاقتصادية؟

تستهدف المنصة جذب أنظار العالم إلى المصممين البريطانيين الشباب (مجلس الأزياء البريطاني)
تستهدف المنصة جذب أنظار العالم إلى المصممين البريطانيين الشباب (مجلس الأزياء البريطاني)

لا يختلف اثنان أن لندن تواجه تحديات متزايدة في الحفاظ على زخمها التجاري في مرحلة ما بعد «بريكسيت» وعدم استقرار الاقتصاد العالمي. صناعة الموضة لم تسلم من تبعات هذه المرحلة لكنها لم تستسلم لها، وتعمل على إيجاد حلول مستدامة. تاريخها يشهد لها بقدرتها على الصمود ومواجهة التحديات. كانت دائما الحلقة الأضعف بين العواصم العالمية: نيويورك، ميلانو، باريس، إلا أنها كانت تتفوق عليهم بخصوبتها في إنجاب مُبدعين شباب. جعلت من دمائهم الفائرة وجموحهم المجنون للابتكار ورقتها الرابحة دائماً، بحيث كانت تُصدِرهم لهذه العواصم لإنعاش ما يمكن إنعاشه من بيوت أزياء عريقة، وليس أدل على هذا من جون غاليانو في «ديور» سابقاً وألكسندر ماكوين في «جيفنشي» وفيبي فيلو في «سيلين» وستيلا ماكارتني في «كلوي» و«لويز تروتر» حالياً في دار «بوتيغا فينيتا»، وهلم جراً، من الأسماء التي تركت بصماتها في باريس وميلانو.

من عرض علامة «لابروم» (موقع لابروم)

فهذه الدماء الشابة جعلت من أسبوع لندن في فترة من الفترات أقوى من ميلانو ونيويورك من ناحية الابتكار. لكن شتان بين الأمس واليوم. فالأوضاع الاقتصادية في بريطانيا عموماً ووضع صناعة الموضة في لندن خصوصاً، ليسا في أفضل حالاتهما هذه الأيام. صحيح أن لندن لم تفقد روحها الإبداعية، إلا أن محاولات ترويض هذا الإبداع لإرضاء الجانب التجاري باتت ملموسة. ثم جاءت الأزمة الاقتصادية العالمية، وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ثم الحروب المتتالية، لتزيد الوضع تعقيداً. لهذا كان لا بد من البحث عن منفذ يفتح أماما مصمميها أبواب الأسواق العالمية بشكل مستدام. وهنا أعلن المجلس البريطاني للأزياء التزامه بتعزيز منصة «London Show Rooms» التي تقام خلال أسبوع الموضة الرجالي في باريس بين 25 و30 يونيو (حزيران) الحالي، وذلك لأربع سنوات قادمة، في محاولة لتوفير مساحة أكثر تركيزاً خلال واحدة من أكثر الفترات أهمية في روزنامة الموضة العالمية: أسبوع الموضة الرجالية.

من تصاميم «بالمر هاردينغ» (موقع مجلس الأزياء)

شرحت لورا وير، الرئيسة التنفيذية للمجلس الفكرة قائلة إن البرنامج «يهدف إلى تعميق حضورنا في الأسواق العالمية الرئيسية عبر توفير فرص مستدامة لنمو أعمال المصممين البريطانيين وتعزيز مرونتهم التجارية، وباريس تُمثّل محوراً أساسياً في هذه الرؤية. فهي بوابة مهمة للتوسع الدولي وتمكين المصممين من الوصول إلى جماهير جديدة وشراكات وفرص عالمية».

اختار المجلس للمشاركة في هذا المعرض عدداً من الأسماء الواعدة مثل كليو بيبيات، يودون تشوي، لابروم لندن، نيكولاس دايلي، بالمر أند هاردينغ، توندولو، وآخرين.

أغلب المشاركين في المعرض من خريجي برامج داعمة للشباب الواعدين (موقع مجلس الأزياء)

أغلبهم استفادوا من برامج دعم المواهب التابع للمجلس البريطاني للأزياء «نيو جين» و«فاشن إيست» ويأتي هذا التوسع ضمن برنامج «بي.إف.سي إنترناشيونال» أحد المحاور الرئيسية لاستراتيجية المجلس «BFC 2030: Access, Creativity, Growth» التي تركز على تعزيز فرص الوصول إلى الأسواق الدولية ودعم الإبداع وتحقيق نمو مستدام للمصممين البريطانيين الشباب. وبحسب المجلس، فإن الخطوة تُمثّل مرحلة جديدة لتطوير معرضها الباريسي كمنصة تستقبل حضوراً عالمياً أوسع، مع خطط مستقبلية لإطلاق صيغ عرض جديدة وشراكات وأنشطة تسويقية تهدف إلى ربط المصممين البريطانيين بأسواق وفرصة دولية إضافية.


حذاء شاكيرا الرياضي يكتب فصلاً جديداً في أناقة المستطيل الأخضر

حذاء شاكيرا الرياضي يكتب فصلاً جديداً في أناقة المستطيل الأخضر
TT

حذاء شاكيرا الرياضي يكتب فصلاً جديداً في أناقة المستطيل الأخضر

حذاء شاكيرا الرياضي يكتب فصلاً جديداً في أناقة المستطيل الأخضر

في العاصمة المكسيكية مكسيكو سيتي، حيث تتمازج حرارة المدرجات بشغف الساحرة المستديرة، لم تكتفِ النجمة الكولومبية شاكيرا بإشعال الحماس عبر أغنية المونديال الرسمية «داي داي»، بل خطفت الأضواء بـ«ضربة معلم» في عالم الموضة الرياضية.

تحول حذاء النجمة على العشب الأخضر من مجرد تفصيل متمم للإطلالة إلى بيان فني صاخب يعيد تعريف أزياء الملاعب، ويمزج بكبرياء بين التمرد الأنثوي ومتطلبات الأداء الحركي الفائق في افتتاح كأس العالم 2026.

شاكيرا تألقت في تقديم الحفل الموسيقي (رويترز)

هندسة الجاذبية على المستطيل الأخضر

في وقت كان العالم يترقب فيه دوران الكرة، اختارت شاكيرا أن تؤسس لمنطقها الخاص في الحركة، حيث اعتلت المسرح بحذاء رياضي ضخم ذي منصة مرتفعة (Platform) من العلامة النيويوركية المتمردة R13.

الحذاء، الذي ينتمي إلى طراز «Riot High-Top» والمصنوع من الجلد الأبيض الناصع، جاء بكعب شاهق يصل إلى 4.45 سنتيمتر مدعوماً بقاعدة سميكة بارتفاع 3.8 سنتيمتر.

هذا الخيار الاستثنائي شكّل تحدياً صارخاً للقواعد التقليدية لملابس الملاعب، مانحاً النجمة قامة ممشوقة وثباتاً راسخاً تناغم بدقة مع لوحات فرقتها الراقصة.

من ثورة «الحفاء» إلى صخب الـ «غرانج» (Grunge) النيويوركي

شاكيرا تقدمت الفنانين في حفل افتتاح كأس العالم 2026 (رويترز)

تاريخياً، ارتبطت هوية شاكيرا المونديالية بالتحرر، ففي نسخة جنوب أفريقيا 2010 وأغنيتها الشهيرة «واكا واكا»، آثرت الغناء حافية القدمين لتكريس اتصالها العضوي بالأرض.

أما في مكسيكو سيتي، فقد عكس الحذاء الرياضي المستوحى من كلاسيكيات كرة السلة تحولاً جذرياً نحو جماليات الـ«Grunge» المعاصرة.

لقد كان هذا التصميم بمثابة درع ذكي، أمن لركبتيها وكاحليها الحماية القصوى أثناء أداء رقصاتها المعقدة والسريعة، لتثبت للعالم أن الأناقة الرفيعة لا تقصي الكفاءة البدنية.

فلسفة اللون وتناغم الإيقاع البصري

لم يكن اختيار الحذاء الأبيض معزولاً عن سياقه الفني، بل جاء بتنسيق مبتكر صممته دار Off-White بالتعاون مع منسق أزيائها نيكولاس برو. وتمثلت اللمسة الذكية في استبدال الأربطة التقليدية بأخرى ذات لون أصفر فوسفوري مشع تحاكي روح العلم الكولومبي وتتناغم مع بدلتها الرياضية، بينما أضفت نظارات بالنسياغا Balenciaga المستقبلية هالة من الغموض الثوري. هذا المزيج المدروس يعكس كيف تحول الرموز الفنية «المستطيل الأخضر» إلى منصة عرض أزياء عالمية تحاكي جيل الحداثة.