حالة الموضة لعام 2024... تشجيع على الرأسمالية وتنديد بالفكر الاستعماري

مؤتمر «Bof Voices» لعام 2023 يفتح ملفات صعبة بحثا عن حلول مستدامة

كيف يمكن أن تبنى الموضة عالماً مستداماً وإنسانياً من المواضيع التي ركز عليها المؤتمر (بي أو إف)
كيف يمكن أن تبنى الموضة عالماً مستداماً وإنسانياً من المواضيع التي ركز عليها المؤتمر (بي أو إف)
TT

حالة الموضة لعام 2024... تشجيع على الرأسمالية وتنديد بالفكر الاستعماري

كيف يمكن أن تبنى الموضة عالماً مستداماً وإنسانياً من المواضيع التي ركز عليها المؤتمر (بي أو إف)
كيف يمكن أن تبنى الموضة عالماً مستداماً وإنسانياً من المواضيع التي ركز عليها المؤتمر (بي أو إف)

هل الإبداع في أزمة؟ وهل مفهوم الاستدامة يعاني من فكر استعماري هو المسؤول عن عرقلة تنفيذه بشكل جيد؟ وهل يُشكِل الذكاء الاصطناعي خطراً على الحرفية واليد العاملة؟ وكيف يمكن تحويل الشدائد إلى انتصارات، والسلبيات إلى إيجابيات؟ هذه ومواضيع أخرى كثيرة كانت جزءاً من نقاشات ملهمة جرت مع مُبدعين ومؤثرين في مجالاتهم خلال مؤتمر «بي أو إف فويسز 2023» BoF VOICES 2023. ثلاثة أيام و40 شخصية من كل أنحاء العالم، اجتمعوا كعادتهم كل سنة في «سوهو هاوس» بأكسفوردشاير لشحذ طاقتهم الإبداعية والبحث عن حلول لمشاكل العالم.

عمران أميد يفتتح حصة عن حالة الموضة حالياً ومستقبلاً (بي أو إف)

ما تجدر الإشارة إليه أن المؤتمر ليس عن الموضة كأزياء وإكسسوارات فحسب، بل يشمل كل جوانب الحياة، لأن الموضة بحسب المؤسس عمران أميد لا تعيش في بُرج عاجي بعيد عن الأحداث العالمية، بل هي جزء منها ومرآة تعكس كل جوانبها. وهذا تحديداً ما يجذب صناع الموضة وأصحاب قرارات، من رؤساء تنفيذيين ومصممين وعلماء ونشطاء سياسيين واجتماعيين من كل صوب وحدب.

من ضمن ضيوف هذا العام، نذكر برونيلو كوتيشينيللي وماثيو بلايزي، مصمم دار «بوتيغا فينيتا» والمصمم جوناثان أندرسون ودايان فون فورتنسبورع والفنانة ريتا أورا وبيلي بورتر والمصور ميسان هاريمان ولينا ناير الرئيس التنفيذي لدار «شانيل» وريتشارد ديكسون، رئيس مجموعة «غاب» التنفيذي، إضافة إلى نشطاء في مجالات البيئة وخبراء في الذكاء الاصطناعي أدلوا بدلوهم في تحليل الأسباب والبحث عن حلول. كلهم يُمسكون بأياديهم خيوط التغيير الإيجابي ويريدون أن ينسجوا منها مستقبلاً أفضل.

عمران أميد ولقطة طريفة تجمعه ببرونيللو كوتشينيللي (بي أو إف)

في اليوم الأول تحدَث المخضرم برونيللو كوتشينيللي، عن الحرفية والمبادئ الإنسانية التي يتبعها وكانت وراء نجاحه التجاري، الذي تحسده عليه العديد من الشركات. فرغم اجتياح مفهوم الربح معظم بيوت الأزياء العالمية، ظل في المقابل وفياً لاستراتيجيات إنسانية عضوية. في حديثه مع عمران أميد، مؤسس موقع BOF، أشار كوتشينيللي أنه لا يمكن أن يستغني عن الحرفية كقيمة إنسانية وفنية، كما لا يمكن أن يُنكر أنه كأي دار أزياء، يحتاج إلى تحقيق نتائج سنوية مهمة حتى يستمر. أطلق على مفهومه هذا «الرأسمالية الجديدة»، وهي رأسمالية قائمة وفق قوله «على تحقيق التوازن بين الربح ورد المعروف للمجتمع. فهذا من شأنه أن يرفع المعنويات ويعيد الأمور إلى نصابها». وحتى يضمن استمرار هذه الثقافة التي أرساها، كشف أنه وضع ملكية شركته في صندوق ائتمان عائلي، وعيَن مديرين تنفيذيين لدعم أعماله «حتى تستمر شركتي لمائة عام أخرى، في يد أشخاص يؤمنون بهذا النوع من الرأسمالية المعاصرة».

وعما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيؤثر على الحرفية اليدوية وحياة الحرفيين وسبل عيشهم، ردّ كوتشينيللي بكل ثقة أنه لا مفر من استعمال التكنولوجيا «فهي ضرورية ومفيدة. والمطمئن في الذكاء الاصطناعي تحديداً أنه ولحد الآن يفتقد للعواطف، وهذا بحد ذاته أمر سيساعد على إعادة اكتشاف قيمة البشر وقيمة الحرفية اليدوية وبالتالي بحثنا عن عقول بشرية خلاقة تتمتع بفكر ومشاعر».

محرر الموضة تيم بلانكس في حديثه مع ماثيو بلايزي، مصمم دار «بوتيغا فينيتا» (بي أو إف)

مصمم دار «بوتيغا فينيتا» ماثيو بلايزي، كانت له أيضاً حصة مشوقة تحدث فيها عن تجربته في دار تحترم الحرف اليدوية ورغبته في الدفع بالماكينة الإبداعية إلى الأمام، بدمج تقنيات جديدة في تصاميمه. لا يختلف اثنان على أن بلايزي، ورغم أنه لم تمر سوى سنتين فقط على التحاقه بالدار الإيطالية مديراً فنياً، نجح في وضع لمساته عليها من دون إلغاء ماضيها، أو بالأحرى ما أرساه مصمموها من قبله. وصفة نجاحه بسيطة لكن فعالة، أخذ فيها قطعاً أساسية وعادية مثل الجينز والقميص الكلاسيكي وأدخل عليها خامات جديدة نقلتها إلى مرحلة غير مسبوقة من الأناقة والابتكار. استدل على هذا بقميص «أوكسفورد» الكلاسيكي، وكيف صنعه من الجلد الناعم الأمر الذي ارتقى بها إلى مستوى راق. يعترف للصحافي تيم بلانكس أنه مهووس بفكرة تحويل قطع عادية، وربما مملة، إلى مترفة ومرغوب فيها بتوظيف تقنيات جديدة وإضافة التفاصيل قائلاً: «عندما تضيف طبقات متعددة، فإنك تُضيف مفردات تساهم في التعبير عن قصص مشوقة وعواطف تُلهب الخيال».

ريتشارد ديكسون وحديث عن مسيرته المهنية كرئيس تنفيذي واستراتيجيته لإنعاش «غاب» (غيتي لـ«بي أو إف»)

وفيما تحدَثت المصممة البلجيكية الأصل دايان فورنتسبورغ عن البدايات وكيف حوَلت السلبيات إلى إيجابيات والشدائد إلى إنجازات، تحدّث الرئيس التنفيذي لشركة «غاب» الأميركية، ريتشارد ديكسون عن استراتيجيته لإعادة المجموعة إلى الصدارة. كان للحديث معه نكهة مختلفة. شرح فيه كيف ينوي إنعاش صورة اسم «غاب»، الذي فقد بريقه وشريحة كبيرة من زبائنه في السنوات الأخيرة، بالعودة إلى الجذور عندما كانت الشركة الوجهة المفضلة لبنطلونات الجينز. كانت مفعمة بالديناميكية وروح الشباب، وهو ما تشهد عليه حملاتها الإعلانية في التسعينات. الخطأ الذي وقعت فيها أنها استكانت إلى نجاحها ولم تتجدد أو تواكب التغيرات الثقافية، مما جعلها تفقد نصيبها ومكانتها في السوق. الأمر لا يبدو صعباً على ريتشارد ديكسون، لأنه له سوابق في مجال إنعاش الماركات الخاملة. فهو الذي نفض الغبار عن صورة «باربي» مثلاً بعد أن فقدت أهميتها الثقافية بسبب حملات الـ«مي-تو» وغيرها.

بعد أن نفض الغبار عن «باربي» يشرح ريتشارد ديكسون رئيس «غاب» التنفيذي كيف ينوي إعادة البريق إليها (بي أو إف)

يقول ديكسون: «ليس من الضروري أن نلبي أذواق الجميع لكن ما نحتاجه كأي علامة تجارية أن تكون لنا هوية قوية ووجهة نظر فنية واضحة». الأمر بالنسبة لديكسون لا يزال في أوله. فهو لم يتسلم زمام الأمور سوى من مدة قصيرة، لكن كان واضحاً أن خلق جدل ثقافي وفكري في حملات الشركة لاستقطاب شريحة الشباب من أولوياته.

جلسة عن التأثيرات السياسية على صناعة الأزياء المستدامة ومدى تأثيرها على بلدان العالم الثالث تحديداً (بي أو إف)

ولأن المؤتمر ليس عن صناعة الأزياء والإكسسوارات وحدها، ويشمل أيضاً المشاكل التي تنتج عن هذه الصناعة سواء كانت على البيئة أو العاملين فيها، لم يكن غريباً أن تتطرق النقاشات لمفهوم الاستدامة. الجديد في هذه النقاشات أنها تطرقت إليها أنها من وجهات نظر جريئة وغير تقليدية، منها تسليط الضوء على التأثيرات السياسية، ودورها في تعطيل أي خطوات عملية وجادة في هذا المجال. ذهب البعض من المشاركين إلى القول إن «العامل الاستعماري لا يزال المُحرِك في إدارة هذه الصناعة، ومن ثم عرقلة عملية تطبيق قوانين تنص على الحد من أضرارها بشكل فعلي».

وهذا ما أشارت إليه عائشة بارنبلات، الرئيس التنفيذي لمنظمة ريميك للدفاع عن سلسلة التوريد قائلة إن أغلب القوانين تأتي من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وليس من المنبع. أي من دون أخذ رأي أصحاب الشأن من المصنعين والعمال في الدول الفقيرة التي يتم فيها إنتاج الموضة. فهؤلاء المصنعون المحليون أكثر من يفهم هذه المشاكل، حسب قول سامي أوتانغ من غانا، الذي استدل على رأيه بمشكلة النفايات أو فائض الملابس التي يتم التخلص منها في البلدان الفقيرة مثل غانا، الأمر الذي يُؤدي إلى اختناق المجاري والسواحل.

أنكا مارولا من مجموعة «إل في إم إتش» تتكلم عن الذكاء الاصطناعي وكيف يمكن توظيفه لتسهيل عمليات الإنتاج (بي أو إف)

لحسن الحظ، أنه ليس كل ما تطرق إليه المؤتمر يستدعي القلق، فهناك ما كان يمنح الأمل ويعد بمستقبل أفضل. الذكاء الاصطناعي مثلاً، رغم كل ما يثيره من استياء ومخاوف لدى العاملين في مجالات الإبداع، يمكن توظيفه لتسهيل عمليات الإنتاج من دون أن يتضارب مع الحرفية والأعمال اليدوية حسب قول أنكا مارولا، التي تعمل في «إل في إم إتش» أكبر مجموعة عالمية. تقول إن حقيبة من «فندي» تتطلب قص وربط عشرات الأجزاء لتنفيذها بشكل دقيق، وبالتالي قد تستنفد الكثير من الجهد والوقت من حرفي أولى به أن يُركِز على الجانب الإبداعي والحرفي. تقرير «ماكنزي» السنوي لعام 2024 هو الآخر مُطمئن من ناحية توصله إلى أن وعي المستهلك وسلوكياته الشرائية تجلى بشكل إيجابي في الشطر الثاني من عام 2023 وسيزيد في العام المقبل، إذ يتوقع أن تنخفض مصاريف مشترياته بنسبة 16في المائة في العام المقبل. أما بالنسبة لصناع الموضة، فإن التقرير يُطمئنهم أن انتعاش السفر يصُب في صالحهم، لأن شهية الشراء تكون مفتوحة خلال السفر، وكذلك الرغبة في التعرف على ماركات جديدة.


مقالات ذات صلة

«غُرّة الانفصال»... لماذا تقصّ المرأة شَعرها بعد انكسار قلبها؟

يوميات الشرق بين الانفصال العاطفي وقَصّ الشعر علاقة وثيقة لدى النساء (بكسلز) p-circle 01:15

«غُرّة الانفصال»... لماذا تقصّ المرأة شَعرها بعد انكسار قلبها؟

يُجمع المعالجون النفسيون ومزيّنو الشعر على أنّ النساء غالباً ما يلجأن إلى قصّ شعرهنّ بعد انفصالٍ، أو خيبة عاطفية.

كريستين حبيب (بيروت)
لمسات الموضة جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

في عالم الموضة اليوم، يمدّ الحاضر يده للأمس. من أزياء وإكسسوارات مستلهمة من التسعينيات والخمسينيات وغيرها من الحقب السابقة، إلى تنظيم معارض تُسلِط الأضواء على…

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)

زيندايا بين السجادة الحمراء والأزياء الرياضية

لكل زمن نجومه، ويبدو أننا حالياً في زمن زيندايا؛ فهي في كل مكان، ولا يمر أي ظهور لها مرور الكرام.

لمسات الموضة جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)

جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

خلال ثماني سنوات تغيَرت أمور كثيرة في حياة ميغان ماركل، إلا تعاملها مع إطلالاتها وأزيائها كرسائل مبطنة

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)

درجات التراب والرمل تُلوِّن خزانة الرجل هذا الموسم

درجات التراب والرمل والذهب، لها سحر خاص، لأنها ليست لوناً واحداً، بل عشرات الاحتمالات، يتغيَّر كل واحد منها حسب النسيج والكثافة وطريقة الانسدال وانعكاسات الضوء

جميلة حلفيشي (لندن)

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
TT

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)

في عالم الموضة اليوم، يمدّ الحاضر يده للأمس. من أزياء وإكسسوارات مستلهمة من التسعينيات والخمسينيات وغيرها من الحقب السابقة، إلى تنظيم معارض تُسلِط الأضواء على مُصممين غيَّبهم الموت ولم تُغيِّب ما خلَّفوه من إبداع. هذه المعارض باتت تفتح أبوابها لذكراهم بشكل منتظم، بهدف عرض أعمالهم من جهة، ومنح الأجيال الجديدة فرصة لاكتشاف إرثهم وكيف لا يزال يُؤثر على خياراتهم لحد الآن من جهة أخرى.

أسس لمدرسة كل ما فيها مبالغ في زخرفاته وألوانه (فيرساتشي)

فمنذ أسابيع احتضن متحف «فيكتوريا آند ألبرت» معرضاً شاملاً عن إلسا سكياباريللي، وفي متحف «مو مو» ببلجيكا انطلق أول معرض يُكرم أعمال مصمَمي «إنتوورب الستة». وفي متحف مايول بباريس، سيجد عشاق تاريخ الموضة في الأسبوع الأول من شهر يونيو (حزيران) المقبل، فرصة للتعرف على جياني فيرساتشي. وربَما يكون هذا الحدث الأكثر جذباً لما تتمتع به الدار من قاعدة جماهيرية واسعة، ولتزامنه مع مرحلة مهمة في تاريخها، بعد تنحِي شقيقته دوناتيلا فيرساتشي عن منصبها كمدير إبداعي في مارس (آذار) الماضي، مسلِمة المشعل لداريو فيتالي لفترة وجيزة، إذ لم تمر سوى ثمانية أشهر حتى غادرها، في وقت استعداد الدار للانضمام إلى مجموعة «برادا» في صفقة قدِرت بـ1.25 مليار يورو.

في فبراير (شباط) أُعلن عن تعيين بيتر مولير مديراً إبداعياً جديداً ليتولى مهامه ابتداءً من شهر يوليو (تموز) المقبل. بالنسبة لعشاق مدرسة جياني فيرساتشي، يمثِل هذا التحول نهاية مرحلة مهمة بدأت في عام 1987 مع مصمم شاب جريء في رؤيته، كما في حياته وأسلوبه. روَّضت أخته بعضاً من جموحه «الغرائزي» بعد وفاته، لكن في كتب الموضة، سيبقى اسمه مرتبطاً بالإثارة في التصميم كما في التسويق.

لم يكن يعترف بالحلول الوسطى في الألوان أو النقشات أو التصاميم المثيرة (فيرساتشي)

ومع ذلك لا تُلغي هذه التحوُّلات تاريخ جياني الغني. فقد أسَّس مدرسة خاصة به، ربما لا تروق للجميع لأن الخيط بين ما كان يراه إثارة أنثوية، وما كان آخرون يرونه ميلاً إلى الابتذال كان رفيعاً. لكنها في المقابل حققت نجاحات تجارية، بل وفنية أيضاً، إذا أخذنا بعين الاعتبار نقوشاته المستقاة من فنون كلاسيكية، واستقطابه شخصيات بارزة، مثل الأميرة ديانا وليز هيرلي وغيرهما. والأهم أن بصمته لا تزال حاضرة حتى اليوم.

باريس: عاصمة الـ«هوت كوتور»

ويأتي اهتمام باريس به من خلال هذا المعرض اعترافاً بمكانته وإرثه، وبأنه لم يُنكر يوماً أهميتها كمنصة وعاصمة عالمية للموضة. هذا بالرغم من اعتزازه بـ«إيطاليته» ومساهمته في نهاية السبعينيات في منح ميلانو الزخم الذي كانت تحتاجه لتتحوّل إلى مركز قوة، إلى جانب أبناء جيله من المصممين الذين نجحوا في فرضها على الإعلام والمشاهير وعشاق الأزياء الجاهزة.

جياني فيرساتشي في مكتبه (فيرساتشي)

في المقابل، كان يُدرك أنه، عندما يتعلق الأمر بالـ«هوت كوتور» فلا أحد يضاهي باريس مكانة وأهمية. لذلك أطلق خطه «أتيلييه فيرساتشي» في عام 1989، لتُصبح عروضه في فندق الريتز الأيقوني مسرحاً لها. في هذا المكان، قدَّم عروضاً باذخة، وفيه أيضا ظهر للمرة الأخيرة محاطاً بالعارضات السوبر، قبل وفاته المأساوية في ميامي عام 1997.

المعرض وهو بعنوان «جياني فيرساتشي: استعراض شامل» يضم نحو 450 قطعة استثنائية، تشمل الأزياء والإكسسوارات والرسومات والصور إلى جانب مقابلات نادرة مصوَّرة مع المصمم الراحل.

يبدأ المسار من نشأته في كالابريا وتأثره بالمذهب الكاثوليكي، مروراً باهتمامه بالنحت اليوناني، والأوبرا الإيطالية وعصر الباروك بكل ما يحمله من فخامة وبذخ. كما يستعرض السياق الاجتماعي لعصره، بما في ذلك دوره في صعود ظاهرة العارضات السوبر، وتأثيرات فن البوب، من خلال تعاونه مع أسماء مثل مادونا، وبرينس وجورج مايكل، إلى جانب دخول بعض أعماله في حوارات بصرية مع بوتشيلي، وكانوفا، وبيكاسو وأندي وورهول.

قطعة يظهر فيها تأثير أندي وورهول عليه (فيرساتشي)

ويستحضر المعرض كيف نجح جياني في تجسيد كل هذه التأثيرات في أعمال خلّدتها عدسات مصوري موضة كبار، مثل ريتشارد أفيدون، إرفينغ بن، وهيلمون نيوتن، وباتريك دمارشلييه وماريو تيتستينو، ممَن ساهموا في ترسيخ صورة مثيرة وجريئة لعلامة «فيرساتشي» في عهده، وفي وقت ظهرت فيه مدرسة مضادة بألوانها الهادئة وتصاميمها الكلاسيكية المعاصرة يقودها ابن بلده وابن جيله جيورجيو أرماني.

تأثيره على الموضة:

كانت الإثارة الحسية واحدة من السمات التي اشتهر بها (فيرساتشي)

لم يقتصر تأثير جياني فرساتشي على الموضة من خلال الألوان الصارخة والنقشات المتضاربة المستوحاة من الأساطير القديمة وفنون البوب الحديثة، بل امتد أيضاً إلى علاقاته الشخصية مع مشاهير ظلوا أوفياء له حتى بعد رحيله. الأميرة الراحلة ديانا مثلاً كانت من المقربات له وحضرت جنازته في سابقة من نوعها. كما لا يمكن إغفال علاقته بالعارضة والممثلة إليزابيث هيرلي، التي ساهمت الدار في شهرتها من خلال «ذلك» الفستان الأسود الشهير، المُثبَّت بدبابيس ذهبية ضخمة، والذي دخل تاريخ الموضة. كما ارتبط اسمه بعارضات بارزات مثل كارلا بروني، وناعومي كامبل، وسيندي كروفورد، وكارين مولدر، وليندا إيفانجيلستا وكريستي تورلينغتون. صورتهن الجماعية في أحد عروضه، كانت ثورية بكل المقاييس، سرعان ما تحوّلت إلى صورة أيقونية ساهمت في ارتقائهن من مجرد عارضات أزياء إلى مصاف النجمات.

من المعروضات التي سيحتضنها متحف مايول الباريسي (فرساتشي)

في امتداد لهذه الروح الاستعراضية التي ميَّزت عروضه، يأتي تصميم المعرض في متحف مايول مستنداً إلى مفهوم المدرج، حيث يمتد عبر معظم فضاءاته ليُحوِل تجربة المشاهدة إلى رحلة حيَّة في عالم جياني فيرساتشي، من بداياته إلى إرثه الخالد في الموضة والثقافة العالمية. بعد نجاحه في لندن وبرلين ومالقة، سيفتح المعرض أبوابه في باريس من الخامس من شهر يونيو إلى شهر سبتمبر (أيلول) المقبل في لحظة رمزية تواكب عشية الذكرى الثلاثين لوفاته وما كان سيكون احتفالاً بعيد ميلاده الثمانين.


زيندايا بين السجادة الحمراء والأزياء الرياضية

في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
TT

زيندايا بين السجادة الحمراء والأزياء الرياضية

في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)

لكل زمن نجومه، ويبدو أننا حالياً في زمن زيندايا؛ فهي في كل مكان، ولا يمر أي ظهور لها مرور الكرام. تستطيع بمجرد قبعة، مهما كانت بسيطة أو مبالغاً فيها، أن تخطف الأضواء، وبفستان أن تعيد تسليط الضوء على مبدعه حتى وإن غاب عن الساحة لسنوات أو كان مغموراً.

لهذا ليس غريباً أن يتودّد لها صناع الموضة ويتمنون رضاها. بالنسبة لهم، هي تتمتع بسحر نجمات هوليوود وثقة بنات جيل زد. أما صورها فتقول إن كل شيء فيها، من إيماءاتها ونظراتها إلى ملامحها، يصرخ بثقة، بما لا يترك أدنى شك في أن النجومية تحتاج إلى حضور. ليس كافياً أن تكون موهوباً أو مدفوعاً برغبة جامحة للتألق فحسب، فالكاريزما أولاً ثم إدارة الصورة بعناية عنصران حاسمان. وبينما الكاريزما ملكيتها الخاصة، فإن إدارة الصورة واختيار الإطلالات يتولاهما خبير الأزياء، لو روتش، منذ بداياتها وهي في سن المراهقة.

علاقة عمل ناجحة

في فستان من خط الـ«هوت كوتور» من تصميم دانيال روزبيري (سكياباريلي)

لقد قطعت زيندايا شوطاً طويلاً منذ أن وقفت أمام الكاميرات أول مرة بوصفها نجمة ديزني. لم تكن مجرد مراهقة عادية بعينين لامعتين تتطلّعان للسماء، كانت ذكية، أدركت منذ البداية أن الموضة سلاح لا يخيب. علاقتها بخبير الأزياء لو روتش تُعد حالياً من أنجح العلاقات في عالم الموضة والسينما على حد سواء. . شكّلا منذ البداية ثنائياً ناجحاً، حيث نجح روتش في «هندسة» صورتها من أميرة ديزني حالمة إلى رائدة لبنات جيلها، رغم أنها لم تكن معروفة حينها. بادلته هي الوفاء نفسه؛ إذ تُدخله في أي مشروع يُقترح عليها.

في أي مناسبة وأي إطلالة تتألق كأيقونة موضة (ميسيكا)

والحقيقة أن مهمة روتش انتقلت من الصعب إلى السهل بسلاسة. نعم كانت صعبة في البداية بحكم أنها كانت صغيرة سنّاً ومغمورة فنياً، إلا أنها لم تأخذ وقتاً طويلاً لتتحوّل إلى أيقونة متحركة، ينطبق عليها المثل القائل: «الجميل جميل ولو ارتدى خيشاً». بحضورها ورشاقتها وثقتها في التعامل مع الكاميرا، سهّلت عليه الكثير؛ فحتى حين يقترح عليها أزياء عادية، وأحياناً غريبة، تنجح في أن تُضفي عليها من سحرها الكثير.

من الأدوار السينمائية إلى التعاونات

كان من الطبيعي ألا يبقى هذا الحضور محصوراً في الشاشة أو في مناسبات السجادة الحمراء، وأن يمتدّ إلى شراكات تجارية مُجزية لكل الأطراف. تعاونت مؤخراً مع علامة ON «أون» السويسرية، وطرحت مجموعة ملابس وأحذية رياضية، تعكس شخصيتها وروحها المنطلقة، وفي الوقت ذاته خبرة «أون» في تصميم قطع رياضية توازن بين الأداء والأناقة. كل ما فيها يقول إنها تستهدف جيل زد المتابع لها.

تم تصويرها في قلب هذه الحملة لتضفي عليها من سحرها الكثير (أون)

ولأنه كان لا بد من الاستفادة الكاملة من «كاريزما» زيندايا، تم تصويرها في قلب هذه المجموعة من خلال حملة على شكل فيلم ترويجي بعنوان: Shape of Dreams. لم تكن حملة عادية، فهي من إخراج سبايك جونز، المخرج الحائز على جائزة أوسكار، وبالتالي تحمل طابع فيلم سينمائي، تدور أحداثه داخل عالم زيندايا التخيلي. عالم تتطور فيه القصّات وتتغير الخامات وتصقل الأفكار. ومع تقدّم الفيلم، تأخذ العملية طابعاً سريالياً؛ إذ تتمدد الملابس وتنكمش وتتبدّل حتى تصل إلى شكلها النهائي.

لقطة مصورة للمجموعة التي صممتها مع لو روتش وشركة «أون» الرياضية (أون)

غني عن القول إن لو روتش أسهم في عملية التصميم. تقول زيندايا عن هذه التجربة: «كان العمل مع لو وفريق (أون) ممتعاً للغاية. أردنا ابتكار تصاميم متعددة الاستخدام وسهلة الارتداء، بحيث تتحرك مع صاحبها عبر لحظات مختلفة من اليوم». وأضافت: «أما العمل مع سبايك جونز، فكان رائعاً؛ لأنه منح رؤيتنا بعداً آخر تماماً».


جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
TT

جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)

ثماني سنوات مرَت على أوَل زيارة قامت بها دوقة ساسيكس ميغان ماركل وزوجها الأمير هاري إلى أستراليا، وكأن الزمن توقَّف عند تلك اللحظة من ناحية الصورة وليس الأحداث. فهذه حملت تحوَّلات كبيرة غيَّرت وجه المؤسسة الملكية إلى حد ما، لكن الصور الأولى لتلك الزيارة بقيت حاضرة بوصفها مرجعاً يقارن به الماضي بالحاضر. فرغم ما رافق الزيارة الحالية من انتقادات وجدل بعد الإعلان عنها رسمياً قبل نحو شهر تقريباً، فإن الصور المتداولة بمجرد أن حطّت بهما الطائرة، تُخلّف الانطباع أن الثنائي لا يبدو منشغلاً بضجيج التعليقات على السوشيال ميديا. فقد بدت ميغان أكثر تألقاً ببشرة نضرة وماكياج ناجح أضفى عليها ألقاً. وطبعاً، كان من الصعب فصل الحدث عن تفاصيل إطلالاتها.

8 سنوات مرت على الزيارة الأولى تغيَّرت فيها أشياء كثيرة ولم تتغيَّر المصممة (أ.ف.ب + موقع كارين جي)

كانت لافتة عودتها إلى المصممة الأسترالية كارين جي التي سبق أن ظهرت بأحد تصاميمها خلال زيارة عام 2018: فستان أبيض بتصميم مستقيم. أجمل ما كان فيه بساطته وأناقته الهادئة.

هذه المرة ولدى وصولها إلى ملبورن، اختارت فستاناً كحلياً يحمل اسم «بريسيلا». يتميّز بياقة دائرية تحيط بالعنق وحزام رفيع يحدد الخصر، مستوحاة بشكل غير مباشر من روح «النيولوك» لكريستيان ديور لكن بأسلوب معاصر يناسب الأيام العادية. كسّرت المصممة عمق لونه بستة أزرار ذهبية عند الصدر ألغت الحاجة إلى قلادة أو سلاسل. كل ما في الفستان يحمل السمات التي تميل إليها ميغان، وهي اللون الأحادي والخطوط الواضحة والبسيطة التي تناسب مقاييس جسدها المعقّدة. نسّقت الإطلالة بحذاء من «ديور».

ميغان ماركل والأمير هاري في ظهورهما الثاني في أستراليا (إ.ب.أ)

في الظهور الثاني لها، خلال زيارتها لمتحف الفنون الوطني للمحاربين القدامى في ملبورن، كانت أكثر جُرأة نسبياً، عبر سترة من السويد باللون الكاكي، وتنورة مستقيمة طويلة من نفس خامة ولون السترة من العلامة الأسترالية «سانت أغني» مع كنزة بلون الموكا من علامة «بي جونسون». كانت رسالة تؤكد فيها استمرار استخدام علامات أسترالية ضمن الجولة كنوع من البروتوكول الرمزي.

اختيار كارين جي للمرة الثانية نقطة تستحق التوقف. أوَّل تفسير يتبادر للذهن أن المصممة التي يوجد مقرها في سيدني، لا تُقدّم أزياء موسمية بقدر ما تركّز على ملابس عملية يمكن ارتداؤها في أكثر من مناسبة. إضافة إلى هذا، فإنها بنت سمعتها على أسلوب مضمون «يمكن الاعتماد عليه في كل زمان أو مكان» وفق وصفها، وهي فلسفة ترتكز على الاستدامة أكثر من الصرعات الموسمية العابرة، سواء من ناحية الألوان أو الخطوط البسيطة والهادئة.

صور ميغان ماركل تشير إلى استمرارية رمزية وكأن خروجها من المؤسسة الملكية لم يكن (رويترز)

هذا التوجه نحو المضمون يخدم صورة ميغان التي تزعزت في السنوات الأخيرة. وبينما كان ظهورها بالفستان الأبيض عام 2018 كفيلاً بتسليط الضوء على مصممته كارين جي عالمياً؛ نظراً لمكانتها آنذاك ضمن المنظومة الملكية، فإن عودتها إليها اليوم، يتقاطع مع ما صرّحت به في مقابلة سابقة عن وعيها بتأثير كل ظهور علني لها. قالت إنها تُدرك تماماً أن كل صغيرة وكبيرة تخضع للتمحيص والتحليل؛ الأمر الذي يدفعها لتوجيه هذا التأثير بشكل إيجابي، إما لدعم مصممين صاعدين تُؤمن بمساراتهم، أو تربطها بهم علاقات شخصية.

لا تزال ميغان تتعامل مع جولاتها وكأنها رسمية يجب أن تخضع لبروتوكولات الأناقة (أ.ب)

بيد أن هناك أيضاً عامل الاستمرارية، وكأن دوقة ساسيكس تريد أن تقول إن مكانتها محفوظة، وبأن الحاضر ما هو إلا امتداد للأمس. على الأقل من ناحية تأثيرها الذي تراه لا يزال قوِياً، حتى بعد تمرّدها على المؤسسة الملكية البريطانية وخروجها منها في 2020. حينها كانت دوقة جديدة، تتمتع بشعبية كبيرة، إلى حد أن جولتها فيها، كانت ناجحة بدرجة لافتة مقارنة ببقية أفراد العائلة المالكة، بمن فيهم كاثرين ميدلتون وزوجها الأمير ويليام. حينها كانت إطلالات ميغان تُقرأ ضمن إطار البروتوكول الملكي، واليوم يبدو أنها تعتمد الأسلوب نفسه تقريباً لفرض نفسها، أو على الأقل التذكير بمكانتها.