الموضة الراقية تُجمل صورة باريس

لخريف وشتاء 2023 - 2024 أزياء فنية تنافست مع سحر الأمكنة

بدا عرض «شانيل» مزيجاً بين الأناقة واللامبالاة وكأنه نزهة على نهر السين  (شانيل)
بدا عرض «شانيل» مزيجاً بين الأناقة واللامبالاة وكأنه نزهة على نهر السين (شانيل)
TT

الموضة الراقية تُجمل صورة باريس

بدا عرض «شانيل» مزيجاً بين الأناقة واللامبالاة وكأنه نزهة على نهر السين  (شانيل)
بدا عرض «شانيل» مزيجاً بين الأناقة واللامبالاة وكأنه نزهة على نهر السين (شانيل)

في الأسبوع الماضي انقسمت باريس إلى «مدينتين». واحدة تعيش فيها فئة مسحوقة تصرخ تحت وطأة الألم والتمييز العرقي وشُح الفرص، والثانية تعيش فيها فئة تصرخ هي الأخرى لكن بحب الفن والجمال. وهذه الفئة تدعمها السلطات الحكومية بتسليمها مفاتيح معالمها ومآثرها ومتاحفها على أمل أن تُرسل صورة أكثر إيجابية عن العاصمة الفرنسية. فقد تنجح الموضة فيما لم تنجح فيه السياسة. على الأقل بأن تُغطي على ردات الفعل العنيفة التي ولّدتها سياسات التهميش على مدى عقود. فمقتل الشاب نائل مرزوقي برصاصة شرطي فرنسي لم تثر الغضب فحسب، بل فتحت جروحات قديمة وملفات عمرها أكثر من 40 عاماً من التهميش وفشل سياسات الإدماج والعدالة فيما يخص أبناء الضواحي من المهاجرين تحديداً.

منظر النيران والسيارات المكسرة جعل بعض محبي الموضة، ممن كانوا لا يغيبون عن أسبوع باريس للأزياء الراقية، يشعرون كما لو أن حرباً أهلية قد اندلعت في العاصمة الفرنسية، الأمر الذي دفعهم إلى إلغاء رحلاتهم في آخر لحظة. أما من حضروا فاكتشفوا أنهم في عالم سريالي وأن العاصمة الفرنسية انقسمت إلى عالمين. عالم يصرخ ألماً وغضباً يتمركز في الضواحي فقط، وعالم يصرخ بالفنية والجمال ويتمركز في الوسط. ومع ذلك من الخطأ اتهام عالم الموضة بالتجرد من المشاعر أو الانفصال عن الواقع. فهو صناعة كأي صناعة أخرى يجب أن تستمر حركتها في الدوران.

كانت دار «سيلين» الوحيدة التي ألغت عرضها الرجالي قبل يوم واحد من انطلاق أسبوع الـ«هوت كوتور» حيث صرّح مصممها هادي سليمان أن «إقامة عرض أزياء في وقت تشهد فيه العاصمة الفرنسية كل هذه التطورات، يبدو من وجهة نظري، غير مناسب»، فيما ألغت دار «بالنسياغا» حفلاً ضخماً كانت ستقيمه بعد عرضها. فيما عداهما، لم تتنازل باقي بيوت الأزياء عن استعراض قدراتها الإبداعية والمادية بكل ما أوتيت من إمكانات. حفلات وعروض ضخمة أقاموها في أماكن ساحرة لا يحلم الإنسان العادي بدخولها. على الأقل ليس بسهولة.

لم يضاهِ جمال قصر دو شانتيلي في عرض «فالنتينو» سوى شاعرية التصاميم (فالنتينو)

دار «فالنتينو» مثلاً نقلت ضيوفها إلى قصر «دي شانتيلي»، واحد من أشهر القصور الشاهدة على المعمار الفرنسي الكلاسيكي في القرن الـ17، هذه المرة أيضاً فتح بيير باولو جدلاً فكرياً حول علاقة الإنسان بالمكان. باختياره قصر «دو شانتيلي» مسرحاً، ومنحه هذه التشكيلة عنوان «قصر» Un chateau من دون أي تعريف أو تحديد، كان كمن يقول إن القصور يمكن أن تُفتح للجميع، تماماً مثل الـ«هوت كوتور»؛ قد لا يستطيع الكل الوصول إليها واقتناءها، لكن يمكن للجميع تذوقها والاستمتاع بها، مثل أي لوحة فنية. فالقصر بمفهوم بيير باولو تحول من مجرد مكان أو مبنى إلى فكرة تُلخص الجمال وتاريخ سكانه وأناقتهم. وطبعاً بتصميمه الهندسي وحدائقه الغناء كان يُمثِل أيضاً الحرفية والدقة التي جسدها المصمم في كل قطعة تم عرضها على خلفيته ساعة غروب الشمس.

كانت أوبرا غارنييه مسرحاً رائعاً لتشكيلة ستيفان رولان المستوحاة من ماريا كالاس (ستيفان رولان)

«شانيل» أيضاً قدمت عرضاً مثيراً على ضفاف نهر السين، لأن النهر حسب قول المصممة فيرجيني فيار «يرمز للطاقة الإبداعية التي تتدفق عبر باريس. فهو رومانسي وصاخب، ومنفتح على العالم». المصمم ستيفان رولان في المقابل اختار «أوبرا غارنييه» لتقديم تشكيلة استوحاها من نجمة الأوبرا ماريا كالاس، فيما عادت «ديور» إلى «رودان» متحفها المفضل. الطريف أن دار «لويس فويتون» استغلت الأسبوع لتُغري ضيوفه لحضور حفل في متحف أورسي بعد كشفها الستار عن ساعة جديدة. استولت على المتحف لليلة كاملة لتُمكِنهم من التجول بين ردهاته وقاعاته بحرية، في إشارة واضحة أن أي عرض يحتاج إلى قصة تبدأ في مكان ما لكي تُلهب الخيال.

وهكذا بعيداً عن صور الشغب التي بثتها شاشات التلفزيونات وأسهبت في تحليلها الصحف المحلية والعالمية على حد سواء، أثبتت الموضة أنها بقدر ما تُقدم خيارات بعيدة كل البعد عما يمكن أن يتخيله سُكان الضواحي، فهي مثلهم ترفض أن يُسلب حقها في التعبير عن نفسها، ولا سيما أن السؤال الأزلي عن مدى جدوى الـ«هوت كوتور» في عصرنا هذا عاد إلى الواجهة ليستفز صناعها وعشاقها على حد سواء.

كانت كل إطلالة في عرض «سكاباريللي» تحية لفنان (سكاباريللي)

هؤلاء يردون أن هذا الخط الذي يتوجه إلى زبونات قليلات جداً قد يكون بالنسبة لبعض بيوت الأزياء مجرد وسيلة لبيع العطور ومستحضرات التجميل، بينما تستعمله أخرى لتلميع صورتها، على أمل استقطاب زبائن جدد من كل أنحاء العالم. لكنه بالنسبة للمصممين يُمثِل فرصة لكي يحلقوا بخيالهم إلى أبعد مستوى. ففيه يختبرون أفكاراً جديدة وجريئة في الوقت ذاته، ويغرفون من الفنون من دون قيد أو شرط. وهذا ما نراه في تشكيلات مصممين من أمثال الثنائي «فكيتور أند رولف» وإيريس فان هيربن وغيرهما ممن يشطحون بخيالهم ويقدمون ابتكارات تحتاج إلى بعض الشرح أحياناً. في الجهة المقابلة، هناك مصممون يعرفون أن هذه التصاميم مهما كانت نسبة الإبداع الذي يصبونه فيها، يجب أن تجد طريقها إلى خزانة امرأة مقتدرة وتُقدِر الجمال والفنية، الأمر الذي يُحتِم عليهم تقديم تصاميم تُخفي بين طيات فنيتها الجامحة وتفاصيلها المعقدة عملية وأناقة مريحة. وهذا بحد ذاته معادلة صعبة لا ينجح فيها إلا الكبار والمتمرسون في الحرفة.

وراء البساطة التي غلبت على عرض «ديور» كانت هناك أناقة رفيعة وتفصيل محسوب (أ.ف.ب)

عروض كل من إيلي صعب و«شانيل» و«ديور» و«فالنتينو» وستيفان رولان والسعودي محمد آشي نجحت في تحقيق هذه المعادلة إلى حد ما. لم تطغ الفنية على العملية بل تلازم الاثنان معاً في صورة مثيرة لمست وجدان المرأة وأيقظت عنصر الحلم الذي تقوم عليه الموضة بالأساس.

ليس أدل على هذا من بيير باولو بكيولي، مصمم دار «فالنتينو»، الذي تقمص في تشكيلته لخريف وشتاء 2023 - 2024 دور رسام وشاعر في آن واحد. قدم تشكيلة بعنوان «Un Chateau» أي «قصر» واختزل فيها كل معاني الابتكار والاختبار من دون أن ينسى جانب التسويق، بدءاً من حرفيتها إلى كونها مفعمة بالأنوثة والشاعرية. لم يكن هو الوحيد المدفوع بهذه الرغبة المحمومة في الابتكار والإبداع، فأغلب المصممين إما غرفوا من أعمال فنانين، أو تقمصوا هذا الدور بشكل أو بآخر.

كانت كل إطلالة في عرض «سكاباريللي» تحية لفنان (سكاباريللي)

كان هذا واضحاً منذ اليوم الأول من الأسبوع، الذي افتُتح بعرض «سكاباريللي» الساعة الـ10 صباحاً في «لوبوتي باليه»، أي «القصر الصغير»، رغم أن هذا الاسم لا يُعبِر عنه أبداً بالنظر إلى كونه قد استوعب حوالي 500 ضيف.

كانت الأجواء خارج قاعة العرض تلتهب ببريق الإكسسوارات الذهبية ذات الأحجام الكبيرة التي تشتهر بها الدار. كان واضحاً استمتاع الضيوف، رجالاً ونساءً، باستعراضها، سواء أكانت بروشات أو أحزمة أو أقراط أذن، كادت تسرق الأضواء من الأزياء نفسها. كان المنظر سريالياً بعض الشيء، لكنه كان يتماشى مع أسلوب الدار التي كوّنت شخصيتها منذ تأسيسها في القرن الماضي على أسس فنية. لهذا لم يكن غريباً أن يكون التركيز في هذه التشكيلة على باقة من الفنانين، الذين تعاملت معهم المؤسسة إلسا سكاباريللي في العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي، أو فنانين معاصرين. مصمم الدار الحالي دانييل روزبيري صرّح أنه تعمّد أن تأتي الأساسيات «بأسلوب سريالي يختزل بين جوانبه صراعاً بين الحرية والعصيان وشعور تختلط فيه العفوية بالجموح».

أما كيف ترجم روزبيري هذه الرؤية الفنية، فبالعودة إلى تلك العلاقة التي ربطت إلسا سكياباريلي بفنانين من عصرها «جرأتهم، ألوانهم، أسلوب عملهم» حسب قوله. ومن هذا المنظور، كانت كل قطعة تقريباً تحمل طابعاً مستقى من فنان ما. من أعمال لوسيان فرويد، مثلاً ولدت قطع حريرية تتميز بباييت تتلألأ، ومن فسيفساء النحات جاك ويتن استوحت تنورة وسترة كأنها مرآة متكسرة، ومن الفنانة سارة لوكاس، استلهمت تنورة على شكل كرة. غني عن القول إن اللون الأزرق الذي ظهر في عدة قطع استلهم من أزرق إيف كلاين، إضافة إلى كثير من الأشكال السريالية من سالفادور دالي، هذا عدا عن لوحات ماتيس ومنحوتات جياكوميتي.

في اليوم نفسه ظُهراً، قدمت «ديور» اقتراحاتها لخريف وشتاء 2023 - 2024. قالت إنها استوحته من روما الكلاسيكية، مسقط رأس مصممتها ماريا غراتزيا تشيوري. في متحف «رودان» قدّمت عرضاً مختلفاً عما قدمته في المواسم الماضية، إذ قللت من استخدام الطبقات المتعددة والتول والـ«تي-شيرتات». في المقابل، أبدعت قطعاً تبدو من بعيد بسيطة، لكنه السهل الممتنع بكل ما يعنيه هذا الوصف من كلمة. فساتين طويلة ومعاطف رشيقة بألوان ودرجات محايدة، بعضها بلمسات ذهبية وفضية هادئة بحياكة دقيقة تُخفيها بليسيهات أو طيات.

تقول المصممة إنها استوحتها من أنماط تُذكرها بالعصور الكلاسيكية القديمة التي فتحت عليها عيونها منذ نعومة أظافرها في روما. كان كل شيء من حولها يضج بمعالم ومنحوتات فنية، جسّدتها هنا في فساتين محددة عن الخصر، تنسدل على الجسم بهندسية محسوبة. لم تكن هناك تطريزات كثيرة، لمسات بسيطة فقط من اللؤلؤ والخيوط المعدنية أضافت فخامة على أقمشة مترفة بالأساس.

في اليوم الثاني من الأسبوع، قدمت دار «شانيل» عرضين. الأول الساعة الـ10 صباحاً، والثاني الساعة الـ12 ظهراً، لكي تستوعب عدد ضيوفها. كعادتها جعلت المناسبة تتعدى مجرد عرض أزياء إلى تجربة يعيشها الحضور بكل تفاصيلها. على طول الطريق، إلى مكان العرض، تراصت أكشاك تُقدم تذكارات على شكل صور ملونة، وأخرى بالأبيض والأسود. وطبعاً مع إمكانية التقاط صور خاصة تُشعل مواقع التواصل الاجتماعي.

كانت أوبرا غارنييه مسرحاً رائعاً لتشكيلة ستيفان رولان المستوحاة من ماريا كالاس (ستيفان رولان)

بدأ العرض وظهرت سفيرة «شانيل» كارولين دو ميغريه بمعطف أزرق كحلي طويل، بعدها ظهر سرب من العارضات يمشين بثقة على الأحجار المرصوفة بفضل أحذية بكعوب متوسطة. كان السيناريو المكتوب أن تعطي العارضات الانطباع بأنهن يتجولن على ضفاف النهر بشكل عادي. فها هي واحدة تحمل كلبها المدلل، وأخرى تحمل سلّة من الزهور، وأخريات تتشابك أياديهن وهن تتبادلن الأحاديث والابتسامات كأي صديقات يقضين يوماً ممتعاً معاً، فيما بدا برج إيفل ومراكب سياحية في خلفية المشهد. المديرة الفنية لـ«شانيل» فيرجيني فيار شرحت فكرتها قائلة: «هذه المرة نحن في باريس نفسها، حيث الأرصفة والشوارع والحجارة المرصوفة الملوّنة بكل ما توحيه من رقي وبساطة». وتتابع: «يلعب العرض على الأضداد والتناقضات؛ الأناقة وعدم التكلف والقوة والرقة، وهو ما نسميه في (شانيل) بالجاذبية».

ولتعزيز فكرتها، جعلت الأزياء هي الأخرى مزيجاً من الأناقة واللامبالاة، زاوجت فيها معاطف مستلهمة من خزانة الرجل وتايورات كلاسيكية بجاكيتات ذات أطوال مختلفة، نسقتها مع تنورات تصل إلى ما تحت الركبة، وتصاميم أخرى ذات طابع بوهيمي تجلى في قمصان فضفاضة وأوشحة غطت الشعر وأضفت على الإطلالات مبالاة وفي الوقت ذاته أناقة عصرية. وطبعاً لم يغب التويد الناعم في هذه التشكيلة، إلى جانب القطن الحريري والأورغانزا والدانتيل المرصع بأنماط نباتية وغرافيكية. فرموز الدار يجب أن تحضر دائماً لتوطد علاقة الحب والسحر التي تربطها بزبائنها والحالمين بها.

في اليوم الأخير، وبعد 3 أيام مُكثفة من العروض، كان كل من عرضي محمد آشي الساعة الـ10 صباحاً، و«فندي» الساعة 2:30 ظهراً، مسك الختام.

محمد آشي لعب على الأحجام والتفاصيل الفنية بشكل يراعي الـ«هوت كوتور» وأسلوبه الخاص (أ.ف.ب)

بالنسبة لمحمد آشي، كان هذا أول عرض له منذ التحاقه بالبرنامج الرسمي للفيدرالية الفرنسية للـ«هوت كوتور» كأول سعودي. ليس من المبالغة القول إنه محطة مفصلية في مسيرته. ظل لسنوات وجهاً مألوفاً في باريس، واشتهر بأسلوب فني أكسبه شعبية واسعة في الوطن العربي وخارجه. فآشي الذي بدأ مسيرته منذ حوالي 10 سنوات لم يتنازل في تشكيلته لخريف وشتاء 2023 - 2024 عن استعمال طيات الأوريغامي والفخامة في التفاصيل والمواد. لم يُغير أسلوبه بقدر ما طوّره ليتناسب ومتطلبات العصر.


مقالات ذات صلة

شورت البيرمودا… منافس الجينز في صيف 2026

لمسات الموضة في معرض «بيتي أومو» الذي يقام سنوياً في فلورنسا حضر التصميم بقوة (هوكرتي)

شورت البيرمودا… منافس الجينز في صيف 2026

إضافة إلى بساطته ومرونته، يحمل من البنطلون الرسمي حضوره الأنيق، ومن الشورت خفته وعمليته

جميلة حلفيشي (لندن)
رياضة عالمية جورجينا عارضة أزياء ووجه إعلاني لعلامات تجارية عالمية (أ.ف.ب)

5 أمور ينبغي معرفتها عن كريستيانو رونالدو وجورجينا

بعد علاقة دامت نحو 10 سنوات، تزوّج النجم البرتغالي كريستيانو رونالدو وجورجينا رودريغيس، عارضة الأزياء الإسبانية من أصول أرجنتينية، الثلاثاء في كاشكايش.

«الشرق الأوسط» (مدريد)
الرياضة صورة من حساب نجم كرة القدم البرازيلي فينيسيوس جونيور (يسار) بعد التجميل على (فيسبوك)، بمعية الممثل والمذيع الأميركي تيري كروز (يمين)

أسرار لجوء نجوم كرة القدم إلى جراحات التجميل

من فينيسيوس إلى ريبيري... صراع الهوية والوسامة الرقمية تحت أضواء الملاعب الخضراء وعالم المستديرة.

كوثر وكيل (لندن)
لمسات الموضة لامين يامال خلال احتفالات منتخب إسبانيا في ساحة سيبيليس بمدريد بعد التتويج بكأس العالم (أ.ب)

لامين يامال... من نجم كروي إلى أيقونة موضة

وصل لامين يامال إلى كأس العالم وهو يُعدُّ أحد أبرز المواهب الصاعدة في كرة القدم. وغادر البطولة وقد أصبح بالنسبة لكثيرين أكثر لاعبيها جاذبية من الناحية التسويقية

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة جون غاليانو وآنا وينتور في حفل توزيع جوائز الموضة البريطانية عام 2021 (غيتي)

هل انتصرت قوة الفن أخيراً... كيف أعادت آنا وينتور جون غاليانو لدائرة الضوء ؟

يتطرق المعرض إلى فكرة أن الإنجاز الفني لا يُلغي المسؤولية الأخلاقية، كما لا يمحو أثر الموهبة في تاريخ الموضة

جميلة حلفيشي (لندن)

شورت البيرمودا… منافس الجينز في صيف 2026

في معرض «بيتي أومو» الذي يقام سنوياً في فلورنسا حضر التصميم بقوة (هوكرتي)
في معرض «بيتي أومو» الذي يقام سنوياً في فلورنسا حضر التصميم بقوة (هوكرتي)
TT

شورت البيرمودا… منافس الجينز في صيف 2026

في معرض «بيتي أومو» الذي يقام سنوياً في فلورنسا حضر التصميم بقوة (هوكرتي)
في معرض «بيتي أومو» الذي يقام سنوياً في فلورنسا حضر التصميم بقوة (هوكرتي)

نادراً ما تتحول قطعة ملابس إلى موضوع نقاش يتجاوز حدود الموضة إلا عندما تتقاطع الأزياء مع اعتبارات ثقافية أو اجتماعية. لكن هذا ما حدث مع شورت البيرمودا في اليابان هذا الصيف. بدأ الجدل بعد أن شجعت حكومة طوكيو موظفيها، على ارتداء ملابس أخف بما فيها شورت البيرمودا، ضمن حملة أطلقت عليها «طوكيو كول بيز» Tokyo Cool Biz. تستهدف الحملة مواجهة موجات الحر الشديدة المرتفعة وتقليل استهلاك أجهزة التكييف في ظل ارتفاع تكاليف الطاقة. في مجتمع يتميز بالأزياء المحافظة، كان من الطبيعي أن تنقسم ردود الفعل بين مؤيد ومعارض.

في آسيا أصبح ملاذاً من الحر يقبل عليه الكل سواء بهدف الأناقة أو فقط الانتعاش (د.ب.أ)

المؤيدون رأوا أن الشورت يقدم حلاً عملياً يساعد الموظفين على تحمل درجات الحرارة المرتفعة، بينما اعتبره المعارضون تعدياً على قواعد الأناقة الرسمية في أماكن العمل، ويمنح انطباعاً بعدم الاحترافية.

وبينما انشغلت اليابان بهذا الجدل ومدى ملاءمة هذه القطعة لبيئة العمل، كانت عواصم الموضة الأوربية قد حسمت موقفها عملياً.

«هوكرتي» تقترحه للرجل والمرأة على حد سواء مفصلاً على المقاس (هوكرتي)

في معرض «بيتي أومو» الذي تستضيفه إيطاليا سنوياً، والمعروف بأناقته الدانداية، ونزعته للاستعراض، فرض هذا الشورت نفسه واحداً من أبرز صيحات الموسم. عروض الأزياء، الرجالية والنسائية في كل من ميلانو وباريس، أيضاً أكدت حضوره كقطعة أساسية تتجاوز وقتها الصيفي التقليدي.

فقد خرج من خانة الرياضي أو خزانة عشاق الرحلات والسافاري والمخيمات الصيفية، إلى المدن، لأنه بتصاميمه الحالية لم يأتِ كمجرد نسخة أطول من «الشورت» القصير، بل كبديل أكثر نضجاً ورُقِيّاً، إلى درجة أنه بات ينافس بنطلون الجينز، بل ويحل محله كخيار آخر.

ما يدعو إلى المقارنة بين القطعتين أن كليهما لا يمكن اختزاله في تصميم أو لون واحد. كما هو الحال مع الجينز، يأتي البيرمودا، بتصاميم تمتد من الطابع الرياضي، أو السبور، إلى القصات الكلاسيكية المعاصرة. أيضاً يمكن تنسيقه بسهولة مع سترة مفصلة لإطلالة راقية، أو مع قميص من الكتان أو «تي-شيرت» قطني لإطلالة أكثر عفوية واسترخاء على يخت.

حتى الرجل الخمسيني وما فوق يمكن اعتماده بثقة (هوكرتي)

صحيح أن الرجل الخمسيني من العمر وما فوق، قد يحتاج إلى شيء من الجرأة والثقة لتبنِي هذه الصيحة، لكنه لن يبدو نشازاً إذا اختار قصَة مناسبة ونسقها مع إكسسوارات ملائمة. الأمر نفسه ينطبق على المرأة، فكلما تقدّمت في العمر، يُفضَل أن تختار بيرمودا يصل إلى الركبة أو يتجاوزها إلى نصف الساق. أما الشابات، فالاقتراحات متنوعة تتيح لهن مساحة أوسع للتجريب. الاستثناء الوحيد هو تجنّب أي طول قصير جدا.

ما هو شورت البيرمودا؟

ليست كل السراويل القصيرة تنتمي إلى هذه الفئة. فالبيرمودا يتميز بطول يصل عادة إلى حدود الركبة أو يقترب منها، مع قصة مريحة مفصلة عند الخصر بعناية. فغالباً ما يستعير تفاصيله من عالم الخياطة الكلاسيكية، مثل الثنيات الأمامية، والطيَّات الصغيرة وحلقات الحزام، وهي عناصر تمنحه مظهراً أقرب إلى البنطلون المفصل منه إلى الشورت التقليدي.

عندما يكون الجينز فهو عملي خاص بالإجازات أكثر (موقع زارا)

وهنا تكمن جاذبيته في تحقيقه التوازن بين الراحة والأناقة. ففي أيام الصيف الحارة، يمنح مساحة أكبر للحركة والتهوية إذا كان واسعاً بينما تضيف قصته المستقيمة لمسة من الخفة والانسيابية يمكن أن تُدخله مناسبة غداء مع الأصدقاء. طريقة تفصيله هي التي تُجنِّبه الطابع الرياضي وتدخله أجواء العمل والمناسبات الخاصة، علماً أن جاذبيته لا تقتصر على الصيف فحسب. حتى في الشتاء يمكن اعتماده بخامات دافئة وتنسيقه مع أحذية عالية الساق، بالنسبة للمرأة تحديداً.

تأثير التسعينيات

أما لماذا اكتسب «البيرمودا» قوته هذا الموسم، فيعود في المقام الأول إلى رغبة الشباب في التحرر من القيود، وثانياً إلى حنين الموضة في العامين الأخيرين إلى تسعينيات القرن الماضي.

المصمم توم براون يقترحه منذ سنوات بأشكال تتباين بين الجرأة والتفصيل (رويترز)

كان هناك شبه اتفاق بين المصممين على العودة إلى هذه الحقبة للاستلهام منها قصات بخطوط بسيطة وألوان هادئة تتماهى مع ألوان البحر والشمس والرمال، وأقمشة مترفة ترتقي به. عودتهم إلى التسعينيات تشمل هذه القطعة بكل بساطتها، كما تشمل فستان سهرة فخم أو فستان زفاف يستحضر كارولين بيسيت كينيدي، أيقونة هذه الحقبة.

فـ«البيرمودا» كان أحد التصاميم التي تألقت حينها، وارتدتها أسماء أصبحت مرجعاً في الأناقة غير المتكلفة، مثل الأميرة دايانا، وجوليا روبرتس، ولورا ديرن. هذه الأخيرة ظهرت به في فيلم «جوراسيك بارك»، ولم يكن مثيراً أو ملهماً من الناحية الجمالية، غير أنه كان حاضراً بشكل وظيفي مقبول.

يمكن أن يناسب رحلة على يخت أو أماكن العمل بفضل تفصيله (هوكرتي)

الملاحظ في التسعينيات، أن حضور شورت البيرمودا لم يكن لافتاً مثل حاله هذا الموسم. كان أكثر اتساعاً وطولاً يخاطب الجنسين، ولم يكن الإقبال عليه من باب مواكبة الموضة بالضرورة، بل فقط انجذاب نحو بساطته ومرونته، فهو يحمل من البنطلون الرسمي حضوره المنظم، ومن الشورت خفته وعمليته.

كما ظهر في عرض «ماكسمارا» لصيف 2026 (ماكسمارا)

ولا يختلف اثنان أن صورته في المواسم الماضية اكتسبت جمالاً وخفة، مما جعل تطوَره هذا الصيف أكثر ديناميكية بفضل قصاته وخاماته. فقد عوَض المرأة عن التنورة عندما يأتي واسعاً، والرجل عن بنطلون الجينز. وكان لظهور نجمات مثل زيندايا به في عدة مناسبات أثر كبير على ارتقاء صورته وإدخاله مناسبات المساء والسهرة أيضاً. ثم زادت جاذبيته، بعد أن أعادت دور الأزياء الكبيرة قراءته من جديد. قدمته دار «بوتيغا فينيتا» و«توتيم» و«ماكس مارا» و«هوكرتي» و«برونيلا كوتشينيلي» وغيرهم بصياغات معاصرة تعتمد على القصات «النظيفة» والأقمشة الصيفية والإطلالات الكلاسيكية.

إطلالة منطلقة لم تتنازل عن الأناقة (برونيلو كوتشينيلي)

علامة «برونيلو كوتشينيلي» التي يرتبط اسمها بالفخامة الهادئة، طرحته بالشامواه والكتان للنهار والحرير والبروكار الذهبي للمساء والسهرات. ومن حيث التصاميم، جاءت كلها بانسيابية مستلهمة من الماء، ونسب هندسية تُضفي على كل تصميم طابعاً لا يُقاوَم «حيث تتناسب الخطوط مع الأحجام، وتلتقي نفحات الـ«هوت كوتور» مع لمسات معاصرة» وفق ما قالته الدار.

من جهته، يُقدِمه المصمم توم براون منذ سنوات عديدة في عروضه، بأطوال متنوعة، وأشكال غريبة أحياناً. لكنها كانت دائماً تثير الإعجاب، إن لم يكن لجُرأته، فلقدرته على تطويعه للرجل رغم أن اتساعه، الذي كان يجعله يبدو على شكل تنورة أحياناً. عندما التقط الفكرة باقي المصممين، ترجموها بأساليب أكثر واقعية.

من الشامواه وبقميص بنفس اللون والخامة يتحول إلى قطعة راقية بكل المقاييس (برونيلو كوتشينيلي)

فالتحول الذي تشهده الموضة حالياً لا يعني دائماً البحث عن إحداث الصدمة أو ابتكار ما لم يتم ابتكاره من قبل، بقدر ما يعني إعادة صياغة قطع قديمة وتقديمها لجيل جديد بروح عصرية تلائم إيقاع حياته. وهذا ما ظهر بوضوح في الاتجاهات الأخيرة التي تركز على ما يُعرف بالخياطة الناعمة، حيث لم تعد الأزياء الرسمية جامدة بقصات صارمة تتقيد بتقاليد الماضي أو جريئة تخاطب جيلاً وتستفز آخر، بل اكتسبت مرونة تجعل أكثر القطع صرامة خفيفة ومنعشة. ومن هنا يجد الـ«بيرمودا» مكانه ضمن مجموعة من القطع التي كانت شريحة الشباب تنظر إليها بريبة لارتباطها بالأجداد. الآن هم يحتضنونها عن طيب خاطر، بل ووجدوا فيها ضالتهم في دمج الكلاسيكي بالمعاصر، لا سيما بعد أن ابتعد فيها المصممون عن المبالغة والاستعراض.

يسمح بمساحة كبيرة للعب به والحصول على إطلالات حسب المناسبات (برونيلو كوتيشينيلي)

هذا التنوع الوظيفي يجعلها أيضاً تتجاوز كونها مجرد صيحة مؤقتة، ويُفسِر الإقبال عليها بغض النظر عن التحولات الاجتماعية أو الثقافية أو المناخية. فتطوَرها من القرن الماضي إلى اليوم، يذكرنا بأن الموضة لا تقتصر على الأحلام وحدها، بل تحتاج إلى أزياء تخدم الإنسان وتُسعده أيضاً. من هذا المنظور، جاء البيرمودا لا ليُقدِم أسلوباً جديداً فحسب، بل ليستجيب لإيقاع الحياة الذي تغيَّر بأن أصبحت فيه الراحة والأناقة وجهَين لعملة واحدة.

كيف يمكن تنسيقه؟

ما هو التصميم المناسب لك؟ لا يتعلق الأمر بتصميم واحد بقدر ما يتعلق بحسن الاختيار واعتبار مقاييسك الشخصية. فجميع التصاميم يمكن أن تبدو أنيقة إذا اختيرت بخامة جيدة وقصة متقنة ومقاس يراعي شكل الجسم ونسبه.

عوَّض المرأة عن التنورة ومنحها إطلالات ديناميكية أكثر (موقع زارا)

فقوة البيرمودا تكمن في مرونته وأيضاً في الخيارات المتنوعة التي يوفرها حسب تنسيقه. يمكن مثلاً تنسيقه مع قميص أبيض واسع أو قميص من الكتان للحصول على إطلالة بسيطة، كما يمكن ارتداؤه مع سترة خفيفة أو «بليزر» غير مبطن لمنحه طابعاً أكثر رسمية. إذا كنت تفضل الإطلالات الكلاسيكية، فتصميم مستقيم بطول يلامس الركبة أو يغطيها قليلاً مع ثنيات أمامية وقماش من الكتان أو الصوف الصيفي.

إطلالة مفعمة بالأناقة لا تحتاج سوى إكسسوارات لتدخل مناسبة مسائية (موقع زارا)

أما إذا كنت تميل إلى الأسلوب العصري، فالتصاميم الأوسع والأقصر قليلاً تمنح الإطلالة طابعاً أكثر حيوية وعفوية. ومن أكثر التنسيقات أناقة هذا الموسم، الجمع بينه وبين الصديري المفصل. فهذا الثنائي يقدم نسخة صيفية بلمسة كلاسيكية تُحافظ على الخياطة الراقية وتُدخله أي مناسبة، لا سيما إذا تم تنسيقه مع حذاء «لوفر» أو صندل مفتوح من الجلد الفاخر. بالنسبة لبعض الشباب الأكثر جرأة، يمكن تنسيقه مع حذاء «أكسفورد» الكلاسيكي وجوارب توخيا للراحة.

أما إذا كانت النية الحصول على إطلالة منطلقة، فإن حذاء على شكل «شبشب» يبقى الخيار المفضل، خصوصاً مع تصميم ينتهي أسفل الركبة.


لامين يامال... من نجم كروي إلى أيقونة موضة

لامين يامال خلال احتفالات منتخب إسبانيا في ساحة سيبيليس بمدريد بعد التتويج بكأس العالم (أ.ب)
لامين يامال خلال احتفالات منتخب إسبانيا في ساحة سيبيليس بمدريد بعد التتويج بكأس العالم (أ.ب)
TT

لامين يامال... من نجم كروي إلى أيقونة موضة

لامين يامال خلال احتفالات منتخب إسبانيا في ساحة سيبيليس بمدريد بعد التتويج بكأس العالم (أ.ب)
لامين يامال خلال احتفالات منتخب إسبانيا في ساحة سيبيليس بمدريد بعد التتويج بكأس العالم (أ.ب)

وصل لامين يامال إلى كأس العالم وهو يُعدُّ أحد أبرز المواهب الصاعدة في كرة القدم. وغادر البطولة وقد أصبح بالنسبة لكثيرين أكثر لاعبيها جاذبية من الناحية التسويقية.

حتى قبل انطلاق البطولة، كان يامال قد أحرز على عقود رعاية ضمت «أديداس» و«ماكدونالد» و«باوررايد» و«أميركان إيغل». شركة «أميركان إيغل» بدأت تعاقدها معه كأول سفير لعلامتها التجارية على الإطلاق بعد أن توسَّمت فيه الاستمرارية والقدرة على مخاطبة أبناء جيله. قبل المونديال، أطلقت حملة بعنوان: Ready for the World، وبعد أيام من تتويج إسبانيا بلقب كأس العالم، غيَرت اسمها مؤقتا إلى «لامين إيغلز» «Lamine Eagles» احتفالاً به.

من الحملة التي نشرتها شركة «أميركان إيغل» على منصتها (موقع أميركان إيغل)

كما أطلقت إعلانات على منصات التواصل الاجتماعي يظهر فيها يامال مع كرات قدم باستخدام التكنولوجيا. جاءت هذه الصور امتداداً للحملة التي ظهرت مؤخراً على اللوحات الإعلانية في ميدان تايمز سكوير، وتستبق طرح الشركة لأول مجموعة أزياء حصرية تحمل توقيع «يامين يامال» على مستوى العالم. فقد تجاوز التعاون بينهما حدود الحملات الإعلانية ليصل إلى إطلاق مجموعة تحمل توقيعه. استلهمت المجموعة الجديدة من أسلوبه الخاص خارج الملعب، حيث تضم سراويل جينز واسعة، وشورتات بيرمودا بقصات فضفاضة وسراويل كارغو، وسترات بقبعات وقمصان جينز إلى جانب قطع أساسية أخرى. القاسم المشترك بينها كلها طابعها المريح المستلهم من ثقافة الشارع وتأثرها بموسيقيي الهيب هوب والراب.

ارتفاع أسهمه

استعدادات الشركة لإطلاق المجموعة في بداية شهر سبتمبر (أيلول)، يُؤكد السرعة الهائلة التي تحوَّل بها شاب يبلغ 19 سنة من العمر إلى واحدة من أكثر الشخصيات التجارية قيمة في العالم. فانتصار إسبانيا على الأرجنتين في المباراة النهائية لم يكن مجرد تتويج لمكانته بين نخبة لاعبي كرة القدم، بل جعله قوة تسويقية لا تتكرر إلا مرة كل جيل. فمنذ عقود، شكَّل كأس العالم منصة مهمة لانطلاق أكبر نجوم كرة القدم نحو الشهرة العالمية. خرج منها كل من بيليه ومارادونا ورونالدو وزين الدين زيدان وليونيل ميسي ببطولات لا تُنسى عززت نجوميتهم.

وحتى أولئك الذين لم يرفعوا الكأس، مثل ديفيد بيكهام، وجدوا فيها منصة نقلتهم من حدود الرياضة إلى عالم الثقافة والموضة والتسويق.

أسهمه التسويقية ارتفعت بنسبة عالية بعد فوز منتخبه بكأس العالم (أ.ف.ب)

ويبدو أن لامين يامال اليوم يسير على النهج نفسه. قوَته تكمن في أنه، على عكس كثير من النجوم الذين يقتربون من نهاية مسيرتهم، يمتلك عنصراً بالغ الأهمية بالنسبة للرعاة: الصبا والشباب. ففي سن 19 فقط، أمامه عقد أو أكثر للتألق في الملاعب وحصد المزيد من الجماهيرية.

وعلى ما يبدو فإن مهارته الكروية ليست وحدها ما تجعله سفيراً مثالياً في الوقت الحالي، بل أيضاً شخصيته الدافئة وأسلوبه الخاص المطبوع بلمسة تمرَد وفي الوقت ذاته قريب جداً من أبناء جيله، إضافة إلى حضوره القوي على وسائل التواصل الاجتماعي.

يبدو واضحاً أن يامال مثل أي شاب في عمره يحب اللعب بالموضة ويستعملها كلغة شخصية (أ.ف.ب)

كما أسهمت خلفيته متعددة الثقافات في توسيع نطاق جاذبيته. فقد وُلد في إسبانيا لأب مغربي وأم من غينيا الاستوائية، وهو ما يجسد التنوع الذي باتت كثير من الشركات العالمية تبحث عنه في سفرائها. فهذه النوعية من القصص ذات البٌعد العاطفي والإنساني، تمتلك قيمة تجارية هائلة، لأنها تلامس مشاعر المستهلك المستهدف بمُنتجاتها.

ولا يمكن الحديث عن صعود لامين يامال والجانب العاطفي، دون التوقف عند تلك الصورة التي تداولتها وسائل الإعلام على نطاق واسع، والتي جمعته طفلاً بليونيل ميسي خلال جلسة تصوير خيرية لبرشلونة. صورة عابرة في وقتها، تحولت لاحقاً إلى واحدة من أكثر الصور رمزية في كرة القدم الحديثة؛ لحظة التقطت الماضي وهو يسلّم، صُدفة، المشعل لوريث المستقبل.

إطلالاته اليومية تتقاطع مع ثقافة الشارع المستلهمة من الهيب هوب وموسيقى الراب (إ.ب.أ)

البحث عن نجوم جدد

واليوم، مع اقتراب ميسي من نهاية مسيرته، وخروج كريسيتيانو رونالدو من مسرح كأس العالم، بدأت كرة القدم العالمية تبحث عن الوجوه التي ستقود المرحلة المقبلة. صحيح أن أسماء مثل كيليان مبابي وإيرلينغ هالاند وجود بيلينغهام فرضت نجوميتها، غير أن صغر سن يامال، إلى جانب تتويجه بكأس العالم، يمنحانه ميزة استثنائية. ويزداد الرهان عليه وضوحاً مع منحه القميص التاريخي رقم 10 في برشلونة، الذي ارتداه ميسي لسنوات، في دلالة تشير إلى أن النادي يراه محور مشروعه الرياضي والتسويقي على حد سواء. والدليل أن مبيعات القميص رقم 10 ارتفعت منذ ارتدائه له.

ظهوره المتكرر بنظارات شمسية مختلفة وبأساليب تجمع بين الثقة والبساطة أصبح جزءاً من الصورة التي يقدمها لجمهوره (أ.ف.ب)

ما لا يختلف عليه اثنان أن جاذبية يامال لا تقوم على مقاييس الوسامة التقليدية، إلا أن الكاريزما التي يتمتع بها، إضافة إلى الموهبة والقصة التي تجمعه بميسي، تجعله ورقة تسويقية نادرة، قادرة على تحقيق ما تعجز عنه أحياناً الحملات الإعلانية التقليدية. ففي الماضي، كانت الشركات تكتفي بوضع صورة اللاعب على إعلان أو حملة موسمية، أما اليوم فهي تسعى إلى بيع أسلوب حياته بالكامل، وتحويل ذوقه الشخصي جزءاً من هوية العلامة التجارية.


هل انتصرت قوة الفن أخيراً... كيف أعادت آنا وينتور جون غاليانو لدائرة الضوء ؟

جون غاليانو وآنا وينتور في حفل توزيع جوائز الموضة البريطانية عام 2021 (غيتي)
جون غاليانو وآنا وينتور في حفل توزيع جوائز الموضة البريطانية عام 2021 (غيتي)
TT

هل انتصرت قوة الفن أخيراً... كيف أعادت آنا وينتور جون غاليانو لدائرة الضوء ؟

جون غاليانو وآنا وينتور في حفل توزيع جوائز الموضة البريطانية عام 2021 (غيتي)
جون غاليانو وآنا وينتور في حفل توزيع جوائز الموضة البريطانية عام 2021 (غيتي)

لا يتوقف حفل المتروبوليتان السنوي عن إثارة الجدل في السنوات الأخيرة. ففي العام الماضي كان الجدل بسبب رعاية الملياردير جيف بيزوس، مؤسس شركة «أمازون»، وزوجته لورين سانشيز للحفل فيما اعتبره البعض اختراقاً للذوق الرفيع من قبل المال «الحديث». لكن ذلك الجدل يبدو الآن ناراً برداً وسلاماً مقارنة بالنار التي أشعلها إعلان متحف المتروبوليتان في نيويورك أن معرض العام المقبل سيقام تحت عنوان «جون غاليانو: آفاق».

جون غاليانو وهو في ذروة نجاحه كان يميل إلى الاستعراض (أ.ف.ب)

لا يختلف اثنان على أن المصمم البريطاني أحد أبرز المصممين، وأكثرهم تأثيراً في تاريخ الموضة المعاصرة، وهناك إجماع على عبقريته الإبداعية، إلا أن الطريقة التي أنهت مسيرته في دار «ديور» لا تزال تُلقي بظلالها عليه حتى اليوم. كان ذلك في عام 2011 حين ظهر في تسجيل مصور له في أحد مقاهي باريس وهو في حالة سكر، ويوجه إهانات معادية للسامية إلى زبائن آخرين. أدانته محكمة فرنسية لاحقاً بتهمة ارتكاب جريمة كراهية، وقضت بتغريمه، وإلزامه بدفع الرسوم القضائية. اعتذر غاليانو، مبرِّراً أنه كان يعاني آنذاك من إدمان شديد على الكحول، والمخدرات، وأنه لا يتذكر ما حدث. لكن اعتذاره لم يشفع له، وأقيل من دار «ديور». توقع كثيرون أن تكون هذه النهاية، وأن اسمه سيختفي نهائياً من مشهد الموضة.

جون غاليانو مع عارضاته في عام 2010 خلال أسبوع الموضة لـ«هوت كوتور» (غيتي)

لكن لحسن حظه أن لوبياً آخر يؤمن بعبقريته الإبداعية كان يرى أنه يستحق فرصة ثانية، من بينهم نجمات وعارضات أزياء واصلوا دعمه. العارضة البريطانية كايت موس مثلاً طلبت منه في نفس العام وفي ذروة الأزمة تصميم فستان زفافها. كما ظهرت زيندايا وكيم كارداشيان وغيرهما بتصاميمه لاحقاً في أكثر من مناسبة بما فيها حفلات الميت غالا. هذا التكرار اعتبره كثيرون مؤشراً على محاولات لإعادته لدائرة الضوء.

وكانت آنا وينتور، المديرة العالمية للمحتوى في مجلات «فوغ» وعضو مجلس أمناء متحف المتروبوليتان، من أبرز الداعمين لعودته. فهي لم تُخفِ يوماً إعجابها بموهبته، وكانت ترى أنه أحد أكثر المبدعين استحقاقاً لمعرض استعادي بهذا الحجم، معتبرة أن أعماله -سواء في «جيفنشي» أو «ديور» أو «ميزون مارجيلا»، إلى جانب علامته الخاصة- تُمثّل مزيجاً بين الثقافة والإبداع.

زيندايا بفستان صممه جون غاليانو لدار «ميزون مارجيلا» في حفل متحف المتروبوليتان 2024 (أ.ف.ب)

دعم وشجاعة آنا وينتور

تصريحاتها الإيجابية تجاهه جعلت البعض يربط اسمها بعودة غاليانو للعمل لفترة مؤقتة مع «أوسكار دي لا رنتا»، ثم انتقاله لاحقاً إلى «ميزون مارجيلا».

وفي سبتمبر (أيلول) 2023 عُرض للمرة الأولى في مهرجان تيلورايد السينمائي الفيلم الوثائقي High & Low—John Galliano. كان من إخراج كيفن ماكدونالد، وإنتاج بالتعاون مع Condé Nast Entertainment. الفيلم الذي يتطرق لحياته ومسيرته الفنية بكل حلوها ومرها نجح منذ عرضه في إثارة موجة من التعاطف معه، وإرسال إشارات إلى أن هناك مساراً تدريجياً لإعادة تقديم المصمم المغضوب عليه من جهات معيّنة إلى عشاق إبداعاته. طبعاً لم يغب دور آنا وينتور هنا أيضاً، فقد تردّد أنها أمضت سنوات تسعى إلى إخراج هذا المشروع للنور، وأن أكثر من مخرج اعتذر عن توليه.

جون غاليانو وآنا وينتور في حفل توزيع جوائز الموضة البريطانية عام 2021 (غيتي)

لم يقف الأمر عند هذا الحد، ففي عام 2024 تردد أن اسمه اقتُرح ليكون محور معرض معهد الأزياء وحفل ميت غالا، إلا أن المشروع أُرجئ بسبب الحرب بين إسرائيل وغزة، وما رافقها من احتجاجات مؤيدة للفلسطينيين، الأمر الذي أعاد للذاكرة الحادثة المشؤومة التي أدّت إلى توقيفه ومحاكمته في عام 2011 بتهمة معاداة السامية. وربما كان هذا ما دفع منظمي المعرض إلى اتخاذ خطوات جادة هذه المرة لتفادي الحساسية التي تحيط باسمه قبل الإعلان الرسمي.

مباركة حاخامات للمشروع

كشف تقرير نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» أن وينتور وغاليانو وأندرو بولتون، أمين المتحف، عقدوا على مدار العام الماضي سلسلة لقاءات مع «حاخامات بارزين، وقادة في المجتمع اليهودي» بمدينة نيويورك، بهدف الاستماع إلى آرائهم بشأن التحديات التي قد يثيرها تخصيص معرض لأعمال غاليانو، وربما أيضاً للحصول على دعمهم، أو مباركتهم للمشروع.

جون غاليانو عام 1997 بعد عرضه لموسم الربيع والصيف لـ«ديور» (غيتي)

ويتضمن تقرير «نيويورك تايمز» تصريحاً للحاخام ريك جاكوبس، رئيس اتحاد اليهودية الإصلاحية في أميركا الشمالية، قال فيه: «كان هناك قلق حقيقي من أن يواجه المعرض معارضة واسعة، لا تقتصر على التشكيك، بل تمتد إلى شعور بأن إقامة هذا المعرض أمر غير صائب».

وأضاف أنه خرج بانطباع إيجابي عن غاليانو بعد اللقاءات، قائلاً: «الكلمة التي أعود إليها هي (الصدق). لقد كان منفتحاً، ينظر إلينا مباشرة، ويتحدث بوضوح، لا كما لو كان يردد عبارات أُعدت له مسبقاً».

من جانبه، قال جوناثان غرينبلات، الرئيس التنفيذي لـرابطة مكافحة التشهير (ADL)، إن الرابطة قبلت اعتذار غاليانو منذ سنوات، وإنها ترى أنه بذل جهداً حقيقياً لفهم ما حدث، وإصلاح الضرر الذي تسبب فيه، وأن تلك الجهود تستحق التقدير.

اللافت في هذه الاجتماعات والتصريحات أن تكريم غاليانو لم يكن مجرد قرار فني، بل كان أيضاً قراراً سياسياً، وأخلاقياً، لأن القضية لم تعد تتعلق بمصمم موهوب ارتكب خطأ واعتذر عنه، بل بكيفية تعامل مؤسسة ثقافية بحجم متحف المتروبوليتان مع إرث فني يرافقه ماضٍ مثير للجدل. ولهذا لم يكن كافياً الاحتفاء بعبقريته الإبداعية، بل كان لا بد أيضاً من بناء توافق، أو على الأقل تخفيف حدة الاعتراضات، قبل المضي في المشروع.

في «ميزون مارجيلا» عبّر عن الرومانسية ومفهوم الأنوثة بأسلوبه المائل إلى السريالي (ميزون مارجيلا)

جون غاليانو... آفاق

معرض «جون غاليانو: آفاق» (John Galliano: Horizons) المرتقب لعام 2027 سيحتفي بتأثير المصمم البريطاني في تاريخ الموضة، من دون أن يتجاهل الجدل الذي رافق مسيرته منذ أحداث عام 2011.

وهذا ما أكده أمين معهد الأزياء، أندرو بولتون، بقوله إن المعرض لن يتجاهل الجانب المظلم من مسيرة غاليانو، بل سيتناول أيضاً ما ترتب عليه من تأثيرات على إرثه الفني، وكيف يُنظر إليه اليوم.

الإنجاز الفني لا يُلغي المسؤولية الأخلاقية لكنه أيضاً لا يمحو أثر الموهبة في تاريخ الموضة (أ.ف.ب)

فالواضح من التصريحات واللقاءات التي سبقت اتخاذ القرار ونالت القبول أن الجهود تتمحور حول تقديم جون غاليانو باعتباره فناناً جرى «إنصافه» أخيراً بعد سنوات من الإقصاء، ومن دون تجاهل ما حدث في عام 2011. بل يمكن القول إن جعل تلك الحادثة جزءاً من سردية المعرض نفسها كان رسالة ضرورية وواضحة تفيد بأن الإنجاز الفني لا يُلغي المسؤولية الأخلاقية، لكنه أيضاً لا يمحو أثر الموهبة في تاريخ الموضة.