الموضة الراقية تُجمل صورة باريس

لخريف وشتاء 2023 - 2024 أزياء فنية تنافست مع سحر الأمكنة

بدا عرض «شانيل» مزيجاً بين الأناقة واللامبالاة وكأنه نزهة على نهر السين  (شانيل)
بدا عرض «شانيل» مزيجاً بين الأناقة واللامبالاة وكأنه نزهة على نهر السين (شانيل)
TT

الموضة الراقية تُجمل صورة باريس

بدا عرض «شانيل» مزيجاً بين الأناقة واللامبالاة وكأنه نزهة على نهر السين  (شانيل)
بدا عرض «شانيل» مزيجاً بين الأناقة واللامبالاة وكأنه نزهة على نهر السين (شانيل)

في الأسبوع الماضي انقسمت باريس إلى «مدينتين». واحدة تعيش فيها فئة مسحوقة تصرخ تحت وطأة الألم والتمييز العرقي وشُح الفرص، والثانية تعيش فيها فئة تصرخ هي الأخرى لكن بحب الفن والجمال. وهذه الفئة تدعمها السلطات الحكومية بتسليمها مفاتيح معالمها ومآثرها ومتاحفها على أمل أن تُرسل صورة أكثر إيجابية عن العاصمة الفرنسية. فقد تنجح الموضة فيما لم تنجح فيه السياسة. على الأقل بأن تُغطي على ردات الفعل العنيفة التي ولّدتها سياسات التهميش على مدى عقود. فمقتل الشاب نائل مرزوقي برصاصة شرطي فرنسي لم تثر الغضب فحسب، بل فتحت جروحات قديمة وملفات عمرها أكثر من 40 عاماً من التهميش وفشل سياسات الإدماج والعدالة فيما يخص أبناء الضواحي من المهاجرين تحديداً.

منظر النيران والسيارات المكسرة جعل بعض محبي الموضة، ممن كانوا لا يغيبون عن أسبوع باريس للأزياء الراقية، يشعرون كما لو أن حرباً أهلية قد اندلعت في العاصمة الفرنسية، الأمر الذي دفعهم إلى إلغاء رحلاتهم في آخر لحظة. أما من حضروا فاكتشفوا أنهم في عالم سريالي وأن العاصمة الفرنسية انقسمت إلى عالمين. عالم يصرخ ألماً وغضباً يتمركز في الضواحي فقط، وعالم يصرخ بالفنية والجمال ويتمركز في الوسط. ومع ذلك من الخطأ اتهام عالم الموضة بالتجرد من المشاعر أو الانفصال عن الواقع. فهو صناعة كأي صناعة أخرى يجب أن تستمر حركتها في الدوران.

كانت دار «سيلين» الوحيدة التي ألغت عرضها الرجالي قبل يوم واحد من انطلاق أسبوع الـ«هوت كوتور» حيث صرّح مصممها هادي سليمان أن «إقامة عرض أزياء في وقت تشهد فيه العاصمة الفرنسية كل هذه التطورات، يبدو من وجهة نظري، غير مناسب»، فيما ألغت دار «بالنسياغا» حفلاً ضخماً كانت ستقيمه بعد عرضها. فيما عداهما، لم تتنازل باقي بيوت الأزياء عن استعراض قدراتها الإبداعية والمادية بكل ما أوتيت من إمكانات. حفلات وعروض ضخمة أقاموها في أماكن ساحرة لا يحلم الإنسان العادي بدخولها. على الأقل ليس بسهولة.

لم يضاهِ جمال قصر دو شانتيلي في عرض «فالنتينو» سوى شاعرية التصاميم (فالنتينو)

دار «فالنتينو» مثلاً نقلت ضيوفها إلى قصر «دي شانتيلي»، واحد من أشهر القصور الشاهدة على المعمار الفرنسي الكلاسيكي في القرن الـ17، هذه المرة أيضاً فتح بيير باولو جدلاً فكرياً حول علاقة الإنسان بالمكان. باختياره قصر «دو شانتيلي» مسرحاً، ومنحه هذه التشكيلة عنوان «قصر» Un chateau من دون أي تعريف أو تحديد، كان كمن يقول إن القصور يمكن أن تُفتح للجميع، تماماً مثل الـ«هوت كوتور»؛ قد لا يستطيع الكل الوصول إليها واقتناءها، لكن يمكن للجميع تذوقها والاستمتاع بها، مثل أي لوحة فنية. فالقصر بمفهوم بيير باولو تحول من مجرد مكان أو مبنى إلى فكرة تُلخص الجمال وتاريخ سكانه وأناقتهم. وطبعاً بتصميمه الهندسي وحدائقه الغناء كان يُمثِل أيضاً الحرفية والدقة التي جسدها المصمم في كل قطعة تم عرضها على خلفيته ساعة غروب الشمس.

كانت أوبرا غارنييه مسرحاً رائعاً لتشكيلة ستيفان رولان المستوحاة من ماريا كالاس (ستيفان رولان)

«شانيل» أيضاً قدمت عرضاً مثيراً على ضفاف نهر السين، لأن النهر حسب قول المصممة فيرجيني فيار «يرمز للطاقة الإبداعية التي تتدفق عبر باريس. فهو رومانسي وصاخب، ومنفتح على العالم». المصمم ستيفان رولان في المقابل اختار «أوبرا غارنييه» لتقديم تشكيلة استوحاها من نجمة الأوبرا ماريا كالاس، فيما عادت «ديور» إلى «رودان» متحفها المفضل. الطريف أن دار «لويس فويتون» استغلت الأسبوع لتُغري ضيوفه لحضور حفل في متحف أورسي بعد كشفها الستار عن ساعة جديدة. استولت على المتحف لليلة كاملة لتُمكِنهم من التجول بين ردهاته وقاعاته بحرية، في إشارة واضحة أن أي عرض يحتاج إلى قصة تبدأ في مكان ما لكي تُلهب الخيال.

وهكذا بعيداً عن صور الشغب التي بثتها شاشات التلفزيونات وأسهبت في تحليلها الصحف المحلية والعالمية على حد سواء، أثبتت الموضة أنها بقدر ما تُقدم خيارات بعيدة كل البعد عما يمكن أن يتخيله سُكان الضواحي، فهي مثلهم ترفض أن يُسلب حقها في التعبير عن نفسها، ولا سيما أن السؤال الأزلي عن مدى جدوى الـ«هوت كوتور» في عصرنا هذا عاد إلى الواجهة ليستفز صناعها وعشاقها على حد سواء.

كانت كل إطلالة في عرض «سكاباريللي» تحية لفنان (سكاباريللي)

هؤلاء يردون أن هذا الخط الذي يتوجه إلى زبونات قليلات جداً قد يكون بالنسبة لبعض بيوت الأزياء مجرد وسيلة لبيع العطور ومستحضرات التجميل، بينما تستعمله أخرى لتلميع صورتها، على أمل استقطاب زبائن جدد من كل أنحاء العالم. لكنه بالنسبة للمصممين يُمثِل فرصة لكي يحلقوا بخيالهم إلى أبعد مستوى. ففيه يختبرون أفكاراً جديدة وجريئة في الوقت ذاته، ويغرفون من الفنون من دون قيد أو شرط. وهذا ما نراه في تشكيلات مصممين من أمثال الثنائي «فكيتور أند رولف» وإيريس فان هيربن وغيرهما ممن يشطحون بخيالهم ويقدمون ابتكارات تحتاج إلى بعض الشرح أحياناً. في الجهة المقابلة، هناك مصممون يعرفون أن هذه التصاميم مهما كانت نسبة الإبداع الذي يصبونه فيها، يجب أن تجد طريقها إلى خزانة امرأة مقتدرة وتُقدِر الجمال والفنية، الأمر الذي يُحتِم عليهم تقديم تصاميم تُخفي بين طيات فنيتها الجامحة وتفاصيلها المعقدة عملية وأناقة مريحة. وهذا بحد ذاته معادلة صعبة لا ينجح فيها إلا الكبار والمتمرسون في الحرفة.

وراء البساطة التي غلبت على عرض «ديور» كانت هناك أناقة رفيعة وتفصيل محسوب (أ.ف.ب)

عروض كل من إيلي صعب و«شانيل» و«ديور» و«فالنتينو» وستيفان رولان والسعودي محمد آشي نجحت في تحقيق هذه المعادلة إلى حد ما. لم تطغ الفنية على العملية بل تلازم الاثنان معاً في صورة مثيرة لمست وجدان المرأة وأيقظت عنصر الحلم الذي تقوم عليه الموضة بالأساس.

ليس أدل على هذا من بيير باولو بكيولي، مصمم دار «فالنتينو»، الذي تقمص في تشكيلته لخريف وشتاء 2023 - 2024 دور رسام وشاعر في آن واحد. قدم تشكيلة بعنوان «Un Chateau» أي «قصر» واختزل فيها كل معاني الابتكار والاختبار من دون أن ينسى جانب التسويق، بدءاً من حرفيتها إلى كونها مفعمة بالأنوثة والشاعرية. لم يكن هو الوحيد المدفوع بهذه الرغبة المحمومة في الابتكار والإبداع، فأغلب المصممين إما غرفوا من أعمال فنانين، أو تقمصوا هذا الدور بشكل أو بآخر.

كانت كل إطلالة في عرض «سكاباريللي» تحية لفنان (سكاباريللي)

كان هذا واضحاً منذ اليوم الأول من الأسبوع، الذي افتُتح بعرض «سكاباريللي» الساعة الـ10 صباحاً في «لوبوتي باليه»، أي «القصر الصغير»، رغم أن هذا الاسم لا يُعبِر عنه أبداً بالنظر إلى كونه قد استوعب حوالي 500 ضيف.

كانت الأجواء خارج قاعة العرض تلتهب ببريق الإكسسوارات الذهبية ذات الأحجام الكبيرة التي تشتهر بها الدار. كان واضحاً استمتاع الضيوف، رجالاً ونساءً، باستعراضها، سواء أكانت بروشات أو أحزمة أو أقراط أذن، كادت تسرق الأضواء من الأزياء نفسها. كان المنظر سريالياً بعض الشيء، لكنه كان يتماشى مع أسلوب الدار التي كوّنت شخصيتها منذ تأسيسها في القرن الماضي على أسس فنية. لهذا لم يكن غريباً أن يكون التركيز في هذه التشكيلة على باقة من الفنانين، الذين تعاملت معهم المؤسسة إلسا سكاباريللي في العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي، أو فنانين معاصرين. مصمم الدار الحالي دانييل روزبيري صرّح أنه تعمّد أن تأتي الأساسيات «بأسلوب سريالي يختزل بين جوانبه صراعاً بين الحرية والعصيان وشعور تختلط فيه العفوية بالجموح».

أما كيف ترجم روزبيري هذه الرؤية الفنية، فبالعودة إلى تلك العلاقة التي ربطت إلسا سكياباريلي بفنانين من عصرها «جرأتهم، ألوانهم، أسلوب عملهم» حسب قوله. ومن هذا المنظور، كانت كل قطعة تقريباً تحمل طابعاً مستقى من فنان ما. من أعمال لوسيان فرويد، مثلاً ولدت قطع حريرية تتميز بباييت تتلألأ، ومن فسيفساء النحات جاك ويتن استوحت تنورة وسترة كأنها مرآة متكسرة، ومن الفنانة سارة لوكاس، استلهمت تنورة على شكل كرة. غني عن القول إن اللون الأزرق الذي ظهر في عدة قطع استلهم من أزرق إيف كلاين، إضافة إلى كثير من الأشكال السريالية من سالفادور دالي، هذا عدا عن لوحات ماتيس ومنحوتات جياكوميتي.

في اليوم نفسه ظُهراً، قدمت «ديور» اقتراحاتها لخريف وشتاء 2023 - 2024. قالت إنها استوحته من روما الكلاسيكية، مسقط رأس مصممتها ماريا غراتزيا تشيوري. في متحف «رودان» قدّمت عرضاً مختلفاً عما قدمته في المواسم الماضية، إذ قللت من استخدام الطبقات المتعددة والتول والـ«تي-شيرتات». في المقابل، أبدعت قطعاً تبدو من بعيد بسيطة، لكنه السهل الممتنع بكل ما يعنيه هذا الوصف من كلمة. فساتين طويلة ومعاطف رشيقة بألوان ودرجات محايدة، بعضها بلمسات ذهبية وفضية هادئة بحياكة دقيقة تُخفيها بليسيهات أو طيات.

تقول المصممة إنها استوحتها من أنماط تُذكرها بالعصور الكلاسيكية القديمة التي فتحت عليها عيونها منذ نعومة أظافرها في روما. كان كل شيء من حولها يضج بمعالم ومنحوتات فنية، جسّدتها هنا في فساتين محددة عن الخصر، تنسدل على الجسم بهندسية محسوبة. لم تكن هناك تطريزات كثيرة، لمسات بسيطة فقط من اللؤلؤ والخيوط المعدنية أضافت فخامة على أقمشة مترفة بالأساس.

في اليوم الثاني من الأسبوع، قدمت دار «شانيل» عرضين. الأول الساعة الـ10 صباحاً، والثاني الساعة الـ12 ظهراً، لكي تستوعب عدد ضيوفها. كعادتها جعلت المناسبة تتعدى مجرد عرض أزياء إلى تجربة يعيشها الحضور بكل تفاصيلها. على طول الطريق، إلى مكان العرض، تراصت أكشاك تُقدم تذكارات على شكل صور ملونة، وأخرى بالأبيض والأسود. وطبعاً مع إمكانية التقاط صور خاصة تُشعل مواقع التواصل الاجتماعي.

كانت أوبرا غارنييه مسرحاً رائعاً لتشكيلة ستيفان رولان المستوحاة من ماريا كالاس (ستيفان رولان)

بدأ العرض وظهرت سفيرة «شانيل» كارولين دو ميغريه بمعطف أزرق كحلي طويل، بعدها ظهر سرب من العارضات يمشين بثقة على الأحجار المرصوفة بفضل أحذية بكعوب متوسطة. كان السيناريو المكتوب أن تعطي العارضات الانطباع بأنهن يتجولن على ضفاف النهر بشكل عادي. فها هي واحدة تحمل كلبها المدلل، وأخرى تحمل سلّة من الزهور، وأخريات تتشابك أياديهن وهن تتبادلن الأحاديث والابتسامات كأي صديقات يقضين يوماً ممتعاً معاً، فيما بدا برج إيفل ومراكب سياحية في خلفية المشهد. المديرة الفنية لـ«شانيل» فيرجيني فيار شرحت فكرتها قائلة: «هذه المرة نحن في باريس نفسها، حيث الأرصفة والشوارع والحجارة المرصوفة الملوّنة بكل ما توحيه من رقي وبساطة». وتتابع: «يلعب العرض على الأضداد والتناقضات؛ الأناقة وعدم التكلف والقوة والرقة، وهو ما نسميه في (شانيل) بالجاذبية».

ولتعزيز فكرتها، جعلت الأزياء هي الأخرى مزيجاً من الأناقة واللامبالاة، زاوجت فيها معاطف مستلهمة من خزانة الرجل وتايورات كلاسيكية بجاكيتات ذات أطوال مختلفة، نسقتها مع تنورات تصل إلى ما تحت الركبة، وتصاميم أخرى ذات طابع بوهيمي تجلى في قمصان فضفاضة وأوشحة غطت الشعر وأضفت على الإطلالات مبالاة وفي الوقت ذاته أناقة عصرية. وطبعاً لم يغب التويد الناعم في هذه التشكيلة، إلى جانب القطن الحريري والأورغانزا والدانتيل المرصع بأنماط نباتية وغرافيكية. فرموز الدار يجب أن تحضر دائماً لتوطد علاقة الحب والسحر التي تربطها بزبائنها والحالمين بها.

في اليوم الأخير، وبعد 3 أيام مُكثفة من العروض، كان كل من عرضي محمد آشي الساعة الـ10 صباحاً، و«فندي» الساعة 2:30 ظهراً، مسك الختام.

محمد آشي لعب على الأحجام والتفاصيل الفنية بشكل يراعي الـ«هوت كوتور» وأسلوبه الخاص (أ.ف.ب)

بالنسبة لمحمد آشي، كان هذا أول عرض له منذ التحاقه بالبرنامج الرسمي للفيدرالية الفرنسية للـ«هوت كوتور» كأول سعودي. ليس من المبالغة القول إنه محطة مفصلية في مسيرته. ظل لسنوات وجهاً مألوفاً في باريس، واشتهر بأسلوب فني أكسبه شعبية واسعة في الوطن العربي وخارجه. فآشي الذي بدأ مسيرته منذ حوالي 10 سنوات لم يتنازل في تشكيلته لخريف وشتاء 2023 - 2024 عن استعمال طيات الأوريغامي والفخامة في التفاصيل والمواد. لم يُغير أسلوبه بقدر ما طوّره ليتناسب ومتطلبات العصر.


مقالات ذات صلة

جون غاليانو و«زارا»: هل ستنتقل عبقرية المسرح إلى شارع الموضة؟

لمسات الموضة المصمم و«زارا» سيجمعان عالمين مختلفين في لغة الخطاب والأدوات الفنية (موقع زارا - أ.ف.ب)

جون غاليانو و«زارا»: هل ستنتقل عبقرية المسرح إلى شارع الموضة؟

في خطوة غير متوقعة، أعلنت «زارا» عن شراكة تمتد لعامين مع المصمم البريطاني جون غاليانو. بموجبها سيُصمم مجموعات موسمية تصل إلى المستهلك في شهر سبتمبر (أيلول)…

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة جيسي باكلي وفستان من «شانيل» (أ.ف.ب)

الموضة الكلاسيكية تفوز في أوسكار 2026

لم يكن ظهور النجمات في فساتين فخمة خلال حفل توزيع جوائز الأوسكار مجرد استعراض أو منافسة على الأضواء والعقود مع دور الأزياء والمجوهرات الكبيرة.

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة 6 نساء مؤثرات وفاعلات من بنات مدينة طنجة تميزن عن العارضات المحترفات بمصداقيتهن وقربهن من الواقع (نيو طنجير)

المصممة كنزة بناني تستعين بنساء طنجة المغربية لإعادة توجيه البوصلة

في لقطات تحاكي تكونيات اللوحات الاستشراقية، تظهر فيها المرأة عنصراً مركزياً في النسيجين الاجتماعي والثقافي بعيداً عن التصورات المفروضة أو المتخيلة

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة آن هاثاواي وعقد من «بولغاري» (رويترز)

مجوهرات تتعدى القطعة منها 35 مليون دولار

في ليلة الأوسكار منحت المجوهرات جرعة من البريق والأمل في أن الإبداع لا يزال قادراً على التحدي حتى في أكثر اللحظات اضطراباً.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة خلال السنوات الأربع التي قضاها في الدار تولى الجانب الإبداعي في كل المجالات (إيترو)

«إيترو» تنهي تعاونها مع مديرها الإبداعي ماركو دي فينتشنزو

بعد نحو 4 سنوات من قيادة الدار الإيطالية «إيترو» (ETRO)، تنتهي مرحلة ماركو دي فينتشنزو فيها باتفاق متبادل بين الطرفين، وفق ما جاء في البيان الصحافي. كان دي…

«الشرق الأوسط» (لندن)

جون غاليانو و«زارا»: هل ستنتقل عبقرية المسرح إلى شارع الموضة؟

المصمم و«زارا» سيجمعان عالمين مختلفين في لغة الخطاب والأدوات الفنية (موقع زارا - أ.ف.ب)
المصمم و«زارا» سيجمعان عالمين مختلفين في لغة الخطاب والأدوات الفنية (موقع زارا - أ.ف.ب)
TT

جون غاليانو و«زارا»: هل ستنتقل عبقرية المسرح إلى شارع الموضة؟

المصمم و«زارا» سيجمعان عالمين مختلفين في لغة الخطاب والأدوات الفنية (موقع زارا - أ.ف.ب)
المصمم و«زارا» سيجمعان عالمين مختلفين في لغة الخطاب والأدوات الفنية (موقع زارا - أ.ف.ب)

في خطوة غير متوقعة، أعلنت «زارا» عن شراكة تمتد لعامين مع المصمم البريطاني جون غاليانو. بموجبها سيُصمم مجموعات موسمية تصل إلى المستهلك في شهر سبتمبر (أيلول) المقبل. الكل يتوقع وينتظر كيف سيُترجم مصمم عبقري معجون ومسكون بالإبداع أرشيف محلات شعبية غيّرت ثقافة الموضة في العقود الأخيرة. فأقل ما يمكن أن يقال عن هذه الخطوة إنها تمثل لقاء بين عالم «هوت كوتور»، بكل ما يعنيه من تصاميم وأسعار خيالية، وموضة سريعة تخاطب العامة بأسعار معقولة.

تعاون جون غاليانو ومحلات «زارا» يثير ضجة في أوساط الموضة (أ.ف.ب)

ومع ذلك، فإن الخبر حدّد أن غاليانو لن يُصمم أزياء من بنات أفكاره. سيُعيد فقط لقطع من أرشيف «زارا» بريقها، أو بالأحرى «تأليفها»، بمعنى أنه سيُفككها ويعيد ترتيبها، مع استخدام خامات جديدة وتفاصيل مختلفة. كل هذا لا يهم متابعو الموضة. فالقصة السردية التي سيُوفِرها أقوى من كل القصات التي ستتضمنها هذه المجموعات. ففي عالم الموضة، أصبحت القصص المحكية، بنفس أهمية التصميم أو أكثر وسط هذا الكم من التصاميم التي تُطرح في كل موسم. فالجمهور حالياً لا يشتري مجرد قطع أزياء أو إكسسوارات أنيقة، بل يريد أن يشعر بالانتماء لتجربة معينة، والإحساس بأن القطعة تحمل معاني إنسانية.

بدأت «زارا» منذ سنوات جسّ نبض كل الطبقات بطرح تصاميم بأسعار وجودة متباينة (موقع زارا)

كل هذا سيجعل تجربة غاليانو الجديدة مُشوّقة، لأنه سيُحوِل منتجاً مستنسخاً بالأصل، كون «زارا» قائمة بالأساس على محاكاة وتقليد ما يُعرض على منصات عروض الأزياء العالمية وطرحها في الأسواق بسرعة، إلى قطعة تحمل بصمته الفنية. هذا التمييز بين النسخ والإبداع يزيد من نسبة الترقب. حتى إذا لم يكن المنتج جديداً بالمعنى المبتكر، فإنه سيكتسب قيمة مستمدة من اسم المصمم.

تحاول «زارا» مخاطبة كل الأذواق مع الحفاظ على جودة مقبولة (موقع زارا)

توقيت هذه الخطوة له ما يُبرره. فغاليانو خرج من دار «ميزون مارجيلا» منذ عام تقريباً، ورغم أن اسمه تردد في كثير من المناسبات وتمنى البعض ترشيحه لبيوت أزياء كبيرة، فإنها مجرد تكهنات ظلّت في خانة التمنيات. أما بالنسبة لـ«زارا» فهي تواجه منذ فترة منافسة شرسة من قبل شركات اتبعت استراتيجياتها في محاكاة الموضة العالمية بأسعار أقل، مثل «شي إن» و«تيمو» وغيرهما. الفرق أن أسعار المنافسين أقل من أسعارها، الأمر الذي أفقدها شريحة الفتيات الصغيرات ممن وجدن في هذه الأسعار ما يُلبي رغباتهن.

«زارا» عوض أن تُخفّض أسعارها لسدّ الأبواب على منافسيها، فضّلت أن ترتقي بتصاميمها عبر تحسين الجودة، وتطوير تجربة التسوق في متاجرها، والحفاظ على أسعارها، بل رفعها باستحداث خطوط جديدة تخاطب زبائن يتوقون لقطع راقية. هذه النقلة لمخاطبة شريحة أعلى كانت تحتاج لاسم بحجم جون غاليانو. فهو يمنحها شرعية ثقافية وإبداعية، كما يجعل المنتج الجماهيري أكثر جاذبية.

مقارنة تاريخية

تحاول «زارا» أن تكسب شريحة مقتدرة من النساء من خلال هذا التعاون (موقع زارا)

الخطوة تُذكر بتجربة الراحل كارل لاغرفيلد مع محلات «أتش أند إم» عام 2004. كانت جديدة وصادمة آنذاك. لكن لاغرفيلد كان واضحاً وشجاعاً، حيث صرّح بأن الوقت حان لكي تنزل الموضة الراقية من برجها العالي وتصبح أكثر ديمقراطية. نجاح تجربته في خلق تصاميم أنيقة بأسعار محدودة وصلت إلى جمهور أوسع، جعل التعاون مع مصممين كبار و«أتش أند إم» تقليداً سنوياً احتذت به محلات أخرى مثل «يونيكلو» حتى «زارا».

الفارق هنا أن كارل لاغرفيلد كان يتمتع بذكاء تجاري وفني، بينما يأتي غاليانو بخلفية مسرحية ودرامية أثقل، تجعل مهمته أكثر إثارة من ناحية التحدي. على الأقل، سنتابع مدى مقاومته لذلك الجنوح الذي يسكنه ويدفعه لخضّ المألوف، وكيف سيُروِّض عبقريته المسرحية لتناسب السوق الجماهيرية.

فهل يا ترى سيبقى غاليانو ضمن السيناريو المكتوب والمسجل في أرشيف «زارا» منذ زمن، أم سينفضه ويغيره؟ المشكلة أنه إذا لم يُدخل بصماته بشكل واضح، فقد تأتي المحاولة باهتة، تفتقد إلى هويته.

استراتيجية «زارا» تقوم على محاكاة آخر خطوط الموضة وطرحها بسرعة وبأسعار متاحة (موقع زارا)

التوقعات

أما في حال نجح في تحقيق المعادلة بين الجماهيري المتاح وبصماته الخاصة، فإن المتوقع أن القطع المنتقاة من أرشيف «زارا» ستكتسي أسلوباً مسرحياً، ولو بجرعات خفيفة، من خلال طبعات وتفاصيل غير متوقعة. هذا لا يعني أن كل القطع ستكون فاخرة بمستوى «هوت كوتور»، لكن على الأقل ستكون بخامات وتفاصيل أفضل من متوسط «زارا».


الموضة الكلاسيكية تفوز في أوسكار 2026

جيسي باكلي وفستان من «شانيل» (أ.ف.ب)
جيسي باكلي وفستان من «شانيل» (أ.ف.ب)
TT

الموضة الكلاسيكية تفوز في أوسكار 2026

جيسي باكلي وفستان من «شانيل» (أ.ف.ب)
جيسي باكلي وفستان من «شانيل» (أ.ف.ب)

في دورته الثامنة والتسعين، لم يكن ظهور النجمات في فساتين فخمة خلال حفل توزيع جوائز الأوسكار مجرد استعراض أو منافسة على الأضواء والعقود مع دور الأزياء والمجوهرات الكبيرة. كانت سجادته الحمراء منصة استراتيجية لتحديد اتجاهات الموضة للموسم المقبل ولترسيخ هوية كل دار. فالعديد من التصاميم تلونت بدرجات ربيعية مثل الفستان الذي ظهرت به جيسي باكلي الفائزة بأوسكار أفضل ممثّلة عن تأديتها دور زوجة ويليام شكسبير الثكلى في «هامنت». فستان بالزهري والأحمر من توقيع «شانيل» مستوحى من أزياء الخمسينات.

كذلك تشايس إنفينيتي التي كشفت موهبتها في فيلم «وان باتل أفتر أناذر»، وتألّقت بفستان ليلكي اللون بصدر ضيّق وذيل طويل من تصميم «لوي فويتون».

لم يغب الأسود والأبيض، فقد اعتمدته العديد من النجمات، منهن روز بيرن التي تألقت بفستان من توقيع «ديور» فيما تألّقت إيما ستون بفستان أبيض طويل مفتوح من الظهر بكمّين قصيرين من توقيع «لوي فويتون». كان الأبيض أيضاً خيار إيل فانينغ من خلال فستان صممته سارة بيرتون مصممة «جيفنشي» خصيصاً لها.

كايت هادسون: فستان من «أرماني بريفيه» وعقد بـ35 مليون دولار (رويترز)

لكن لم تُسلّط عدسات الموضة على النجمات المخضرمات فحسب، فقد تألقت نسبة عالية من النجمات الصاعدات بأزياء من بيوت عريقة. وربما هذا ما ميَز هذا العام بشكل خاص. فهو عام وصول مُبدعين شباب إلى بيوت عريقة مثل «ديور» و«شانيل» و«بوتيغا فينيتا» و«بالنسياغا» وغيرها، وبالتالي كان الحفل بالنسبة لهم فرصة لعرض رُؤاهم الإبداعية على منصة عالمية. فهذه أكثر تأثيراً من عروض الأزياء التقليدية، بدليل الأرقام التي أكدت أن التأثير الإعلامي هنا يصل إلى أضعاف ما يمكن أن تحققه العروض في العواصم العالمية.

الكيف قبل الكم

دوا ليبا في فستان من «سكياباريلي» (سكياباريلي)

أكبر دليل على هذا هو دار «سكياباريلي» التي حققت أكبر قيمة تأثير إعلامي في حفل «الغرامي» الماضي بزي وحيد على شكل «توكسيدو» ارتدته باد باني. وفي حفل الأوسكار الأخير، اكتفت العلامة بنجمتين فقط هما ديمي مور، وتيانا تايلور، ودوا ليبا في حفل «فانيتي فير»، الأمر الذي يعكس إدراك الدار أن «الكيف أهم من الكم» في هذه المناسبات. على الأقل حتى يبقى التركيز واضحاً. وبينما وجّه مصممون اهتمامهم على النجوم الواعدين، على أمل ربط علاقة بعيدة المدى معهم، من منطلق أن النجم الصاعد اليوم قد يصبح نجماً كبيراً في المستقبل، مسك بعضهم الآخر الحبل من الوسط. جوناثان أندرسون وماثيو بلازي، مثلاً حافظا على علاقات سبق وربطتها كل من ديور وشانيل مع نجمات لسنوات، لكنهما أضافا أسماء جديدة إلى لائحتهما، مثل إيديبيري وغراتسي أبرامز وميا جوث وميكي ماديسون وصوفي وايلد وإيفر أندرسون.

ميا غوث وفستان من ديور (ديور)

بدورهم تنقّل النجوم بين العلامات المختلفة، يختارون مرة من علامة، ومرة من أخرى، وكأنهم يجسون النبض للتعرف على ما يناسبهم منها أكثر، لا سيما أنه ليس بينهم عقود ملزمة لحد الآن. ارتدت روز بيرن مثلاً فستاناً مرصعاً من «ديور» وقبل ذلك ظهرت في فستان من شانيل في حفل «الغولدن غلوب» وجوائز الممثلين. جيسي باكلي أيضاً لم تلتزم بدار معينة. فقد ظهرت في تصاميم لشانيل وديور وبالنسياغا في مواسم الجوائز الأخيرة. في حفل الأوسكار الأخير اختارت «شانيل».

أما أوليفيا دين، فتألقت بتصميمين مختلفين: واحد من لوي فويتون والثاني من شانيل، فيما اختارت النجمة الصاعدة تشيس إنفينيتي فستاناً بنفسجياً متدرجاً من «لويس فويتون» تغطيه طبقات سخية من الأقمشة.

ديمي مور وفستان من «غوتشي» (أ.ف.ب)

هذه التغيرات كان لا بد منها بسبب التحولات التي تشهدها صناعة الموضة عموماً، وتضع المصممين الذين التحقوا بها حديثاً بهدف ضخها بدماء شبابية وإخراجها من ركودها، تحت ضغوط لتحقيق المعادلة بين الفني والتجاري. وما تابعناه من تصاميم في ليلة الأوسكار الأخيرة يشير إلى أنه من رحم هذه الضغوط يمكن أن تولد إبداعات في غاية الأناقة، حتى وإن كانت تفتقد إلى بعض الجُرأة الفنية. فأغلبها يميل إلى أنماط كلاسيكية مستوحاة من حقب سابقة مثل خمسينات وثمانينات وتسعينات القرن الماضي.

استمرار القواعد رغم التحولات

ومع ذلك فإن التحولات غير المسبوقة والآمال المعقودة على المصممين الجدد، لم تُغير القواعد المتعلقة بالتصميم. فقد استمر التركيز على الفخامة للإبقاء على الحلم مشتعلاً. النجمة كايت هادسون مثلاً ظهرت بعقد ثمين يقدر سعره بـ35 مليون دولار، الأمر الذي يؤكد أن الكلاسيكية لا تتنافى مع الفخامة، وغياب الجُرأة الفنية لم يأت على حساب الإبداع.

الاتجاه الكلاسيكي يهيمن

ديمي مور وفستان من «بالنسياغا» ظهرت به في حفل «فانيتي فير» (بالنسياغا)

حتى فيما يتعلق بالنجمات، كان هناك إقبال كبير من طرفهن على التصاميم الكلاسيكية، في حنين واضح إلى العصر الذهبي لهوليوود، منذ فترة. فقد سبق واختارت أيَو إيديبيري وسيلينا غوميز فساتين مخملية باللون الأسود من «شانيل» نسقنها مع تسريحات عزَزت هذا الأمر، بينما أعاد فستان ارتدته جيسي باكلي حديثاً إلى الأذهان فستان غريس كيلي في حفل الأوسكار عام 1956. كما قدَمت «بالنسياغا» فساتين من حقبة مهمة في تاريخ الدار، عندما كان مؤسسها يُعرف بـ«الأستاذ» ويرسم أشكالها بأحجام كبيرة تتناسق مع الجسد. لم تكتف كل من تيسا تومسون وليزلي مان وغيرهما بما تُبطِنه من حنين ونسَقنها مع قفازات أوبرا لإضفاء المزيد من الرقي والدراما على إطلالتهما.


المصممة كنزة بناني تستعين بنساء طنجة المغربية لإعادة توجيه البوصلة

6 نساء مؤثرات وفاعلات من بنات مدينة طنجة تميزن عن العارضات المحترفات بمصداقيتهن وقربهن من الواقع (نيو طنجير)
6 نساء مؤثرات وفاعلات من بنات مدينة طنجة تميزن عن العارضات المحترفات بمصداقيتهن وقربهن من الواقع (نيو طنجير)
TT

المصممة كنزة بناني تستعين بنساء طنجة المغربية لإعادة توجيه البوصلة

6 نساء مؤثرات وفاعلات من بنات مدينة طنجة تميزن عن العارضات المحترفات بمصداقيتهن وقربهن من الواقع (نيو طنجير)
6 نساء مؤثرات وفاعلات من بنات مدينة طنجة تميزن عن العارضات المحترفات بمصداقيتهن وقربهن من الواقع (نيو طنجير)

بين جُدران دار «الضمانة» التاريخية في طنجة، تظهر ست نساء بملامح مختلفة، لكن بحضور واحد: حضور الفاعل لا الموضوع. هكذا اختارت المصممة كنزة بناني ومؤسسة دار «نيو طنجير» New Tangier أن تقدم مجموعتها الجديدة «ري أوريانتد»، محاولة إعادة توجيه النظرة التي رسمت صورة المرأة الشرقية عموماً والمغربية الأمازيغية، خصوصاً لفترات طويلة. اختارت في تصويرها أسلوباً يستعيد تكوينات اللوحات الاستشراقية، لكن بروح معاصرة ونظرة تعيد للمرأة موقعها كذات فاعلة.

6 نساء مؤثرات وفاعلات من بنات مدينة طنجة تميزن عن العارضات المحترفات بمصداقيتهن وقربهن من الواقع (نيو طنجير)

كان مهماً بالنسبة لكنزة أن تطلق هذه المجموعة في مدينة طنجة. فهذه مدينتها التي تعرف كل تفاصيلها، التاريخية والاجتماعية والثقافية. أما العنوان الذي أطلقته عليها فله معنى واحد، وهو إعادة النظر في الصورة النمطية التي رسمها الاستشراق للمرأة، وغالباً ما ركزت على الجسد والزينة. كانت تلبي توقعات المتلقي الغربي «مع أنها كانت بعيدة عن الواقعين الاجتماعي والثقافي للمرأة»، وفق رأيها.

كل تفصيلة تعكس مغرباً معاصراً يجمع الأصالة بالمعاصرة (نيو طنجير)

تقول إنها لم تسع إلى محو هذه الصورة، بل إلى تصحيحها من الجذور؛ حتى تسترد للمرأة صوتها وتُمكِنها من التحدث عن نفسها، بدلاً من أن تبقى مجرد موضوع يُعرض أمام الآخر. وعلى الرغم من تقديرها للجوانب الجمالية لفن الاستشراق، ظلت هذه الصورة النمطية تُثير حفيظتها. تشرح: «منذ القرن التاسع عشر، والاستشراق يميل إلى تصوير المرأة على أنها سلبية وتُلبِي جانباً حسِياً فقط». لم يُقدِم هذا التصوير واقعاً موضوعياً، بقدر ما شكَل تمثيلاً ثقافياً يخدم خطاب التفوق الغربي، كما أشار إليه المفكر إدوار سعيد في كتابه «الاستشراق». وهنا جاءت فكرة تصوير مجموعتها في إطار استشراقي، لكن بنساء لهن وزن وتأثير في المجتمع. الصور التي التقطت لهن ليست خالية من الحسِية تماماً، لكنها حسِّية بقرار من المرأة نفسها، من طريقتها في اختيار أزيائها وإبراز جمالها، بينما لم تملك في فن الاستشراق هذه الحرية ولا هذه القوة.

كل امرأة في الصور تمثل رؤية المصممة لمجتمع فاعل ومتنوع (نيو طنجير)

الموضة والاستشراق

فهي تُدرك أنه على الرغم من أن الأدب والفن التشكيلي أكثر من أبرز هذا الخطاب، فإن الموضة لم تبقَ حيادية. فاللوحات الاستشراقية ألهمت الكثير من المصممين منذ بداية القرن العشرين وحتى اليوم، من بول بواريه إلى إيف سان لوران وجون غاليانو وغيرهم كُثر. منهم من يستلهم من العباءة والقفطان وسراويل الحريم، ومنهم من يغويه التطريز أو يكتفي بالعمائم والمجوهرات.

بيد أن ما يُحسب للموضة أنها تعاملت مع الصورة التي رسمها بقدر كبير من الإيجابية. على الأقل حوَّلته منتجات تحتفي به، كما سوَقت له عالمياً ليتحول مكسباً اقتصادياً. وليس أدل على هذا من الراحل إيف سان لوران، الذي جعل من القفطان قطعة تتهافت عليها المرأة الأنيقة من كل أنحاء العالم.

لم تُلغ المصممة صورة الاستشراق الفنية... خلصتها فقط من نمطيتها بتصوير المرأة فاعلةً في المجتمع (نيو طنجير)

كنزة بناني، بدورها وجهت نظرها إلى الإيجابي. لم تتعامل مع القفطان بوصفه رمزاً فولكلورياً، بل بوصفه قطعةً متجددةً قادرة على التعبير عن المرأة المعاصرة؛ إذ من أهم الأولويات التي وضعتها نصب أعينها عندما أسست «نيو طنجير» في عام 2014، أن تُبرز جودة الحرف اليدوية المغربية وجمال الأقمشة التقليدية بأن تصوغها في تصاميم تكون غالباً منسدلة على الجسم، ومفعمة بأنوثة بعيدة كل البُعد عن الصور المتخيّلة. فالمرأة بالنسبة لها لم تكن يوماً سلبية، بل فاعلة تمثل نفسها ومجتمعها في كل الأوقات، وبالتالي تحتاج إلى أزياء تعكس قوتها ونشاطاتها من دون أن تتنازل عن أناقتها في كل الأوقات.

هناك احتفال واضح بالثقافة المغربية وما تمثله من أصالة ومعاصرة (نيو طنجير)

6 نساء مؤثرات

من هذا المنظور، اختارت ست شخصيات نسائية بارزة في الساحة الثقافية والاجتماعية. كلهن من بنات مدينتها، طنجة. فهي لم تفكر في الاستعانة بعارضات أزياء تقليديات، ليس لأنها تريد ترسيخ فكرة أن تصاميمها تحترم المرأة بغض النظر عن المقاسات والمقاييس فحسب، بل أيضاً لإبراز أن المرأة لا تنسلخ عن مجتمعها وأنها مؤثرة فيه. كل واحدة من النساء الست تمثل نموذجاً للإنجاز والفاعلية. حضورهن في هذه الجلسة المصورة بالنسبة لكنزة بناني لا يقوم على الرمزية بل على الفعل. فملاك، مصممة تفاعلية، وزورا، استشارية اتصالات وإعلامية، ولمياء رائدة أعمال في قطاع المطاعم، ونُسيبة، مغنية وملحنة، وأمينة مهندسة وناشطة ثقافية، وأخيراً وليس آخراً إيمان، مديرة العمليات في قطاع التعليم.

اكتسبت كل قطعة في هذه المجموعة خفة حررتها من جميع القيود بفضل الأقمشة المنسدلة (نيو طنجير)

بين الذاكرة والواقع

كل بورتريه في هذه الجلسة المصورة يربط بين الذاكرة والواقع المَعِيش، في لقطات تحاكي تكونيات اللوحات الاستشراقية، لكن تجسد واقعاً معاصراً. هذه النظرة بالنسبة لكنزة هي امتداد لفكر نوال السعداوي الذي يعيد وضع المرأة بصفتها عنصراً مركزياً في النسيجين الاجتماعي والثقافي، بعيداً عن التصورات المفروضة أو المتخيلة. اختيار دار «الضمانة» لتصوير هذه اللقطات ليس من باب الصدفة، والمبنى هنا لم يكن مجرد ديكور جامد، بل جزء أساسي من المشروع لأصالته وتاريخه. فقد شُيِّد في عام 1901، وكان مركزاً للتبادلات الديبلوماسية في مدينة طنجة؛ وهو ما يعزز فكرة الماضي والحاضر.

من الناحية الجمالية، يتميز أيضاً بديكور مغربي أصيل أسهم في تعزيز الرؤية الإبداعية التي تستهدف إعادة استخدام كل ما هو تاريخي وتقليدي لعكس الديناميكية التي تتمتع بها طنجة، التي تربط الشرق بالغرب.

تم تصوير المجموعة في دار «الضمانة» لما تجمعه من تاريخ وإرث فضلاً عن ديكور مميز (نيو طنجير)

تشرح كنزة بأن الأقمشة التي استعملتها تركز على المواد الأساسية للقفطان، في استحضار واعٍ للتبادلات التاريخية بين المغرب وطريق الحرير. «فهذه الأقمشة»، وفق قولها: «تتميز بنقشات نباتية ولمسات ذهبية وألوان عميقة جعلت توظيفها في قفاطين منسدلة ومعاصرة ترقى إلى مستوى خيالي، لكن لا يمُت للتخيلات بصلة». شملت هذه الرؤية أيضاً مجموعة خاصة من «الجبادر»، زي يتكون من سروال وقميص أو سترة طويلة، حيث أعادت المصممة صياغته هو الآخر بأسلوب منطلق، دمجت فيه القطن السادة بالحرير المزخرف. وهكذا نجحت في تحرير السترات والسراويل من أي زخارف لا تضيف شيئاً إلى بنائه، وخلقت توازناً جمع بين بساطة الخطوط وترف الأقمشة.

منذ تأسيسها في عام 2014 والعلامة تحرص على استعمال أقمشة تقلدية تم تطويعها للعصر (نيو طنجير)

لم تخرج الألوان عن الإطار الاستشراقي شكلاً، لكن مضموناً تستحضر دفء المغرب وحيويته النابضة. في القفاطين مثلاً اعتمدت على الأزرق الياقوتي، والأحمر الياقوتي، والأخضر الزمردي والبيج لتربط بين التقليدي والعصري، وأيضاً لكي تعزز صورة أن كل قطعة في المجموعة بغلاوة المجوهرات، لا سيما وأنها نموذج حي للحرفية اليدوية المحلية، التي تأسست عليها الدار.