البدلة تنتعش وربطة العنق تتراجع

المصممون يُعاملون البدلة الرجالية بـ«نعومة ورقّة» مراضاة للسوق

شتان بين حضور «بيتي أومو» المتأنقين في السابق وبينهم اليوم (خاص)
شتان بين حضور «بيتي أومو» المتأنقين في السابق وبينهم اليوم (خاص)
TT

البدلة تنتعش وربطة العنق تتراجع

شتان بين حضور «بيتي أومو» المتأنقين في السابق وبينهم اليوم (خاص)
شتان بين حضور «بيتي أومو» المتأنقين في السابق وبينهم اليوم (خاص)

قطاع الأزياء الرجالية يعيش حالة من الانتعاش هذه الأيام. مستقبله يبدو وردياً حسب دراسة قامت بها شركة «يورومونيتور»، وتُفيد بأنه ينمو بوتيرة أسرع من باقي القطاعات الأخرى على الرغم من التغييرات التي يمر بها. نسبة نموه تُقدر بـ5.8 في المائة سنوياً والتوقعات تشير إلى أنها ستصل إلى 548 مليار دولار خلال السنوات الأربع المقبلة. في إيطاليا وحدها يشهد هذا القطاع انتعاشاً بلغت نسبته 20.3 في المائة، ليصل إلى 11.3 مليار يورو عام 2022، متجاوزاً بذلك المستوى الذي كان عليه قبل جائحة «كوفيد». أرقام المبيعات هاته لها مفعول السحر على صناع الموضة من ناحية تحفيزهم على الابتكار وتعلُم لغة جديدة يفهمها الشباب. الأمر لم يعد يقتصر على مصممي بيوت الأزياء الكبيرة الذين يتكلمون هذه اللغة بطلاقة بحكم أن أغلبهم من شريحة الشباب فحسب. شمل أيضاً خياطو إيطاليا وسافيل رو بلندن ممن توارثوا تقنياتهم أباً عن جد.

هذه التغييرات يقودها جيل شاب نجح في فرض أسلوبه وميوله على الساحة بفضل إمكاناته المادية العالية. حتى أعرق بيوت الأزياء الإيطالية والإنجليزية، مثل «كيتون» و«زيغنا» و«جيفز آند هوكس» إلى جانب علامات مثل «بيليونير» وغيرهم، أذعنت لرغباته وتسعى لمراضاته بـ«نعومة ورقّة».

من اقتراحات «دولتشي آند غابانا» (أ.ب)

وبما أن المعارض وعروض الأزياء هي البوصلة التي تُسلط لنا الضوء على اتجاهات الموضة، فإن نظرة سريعة لما يجري منذ بداية هذا الشهر في معرض «بيتي أومو» بفلورنسا الإيطالية، وعروض الأزياء لربيع وصيف 2024 في كل من ميلانو وباريس تشير إلى أن الخريطة الشرائية أثرت بشكل مباشر على الماكينة الإبداعية. فشتان بين صورة الأناقة الرجالية في الماضي حين كانت داكنة وحياذية وبينها اليوم، حيث تلوَنت بألوان الورود. تخففت كذلك من تفاصيل كانت في عهد الجيل السابق أساسية وأصبحت في عيون جيل اليوم ترتبط بأناقة «داندية» لم تعد تناسبه في ظل تسارع إيقاع الحياة العصرية وثقافة الانفتاح على الآخر وتقبل التنوع والاختلاف بكل أشكاله وألوانه.

من هذا المنظور تعرضت البدلة الكلاسيكية إلى عمليات تجميل فكّكتها وأضفت عليها نعومة ولمسات «سبور» منحتها جُرعة ديناميكية وفي الوقت ذاته أكسبتها شعبية. أمر لا يمكن قوله على ربطة العنق، الإكسسوار الذي كان لا يفارقها إلى في حالات نادرة. فقد تعرض لتجاهل شبه تام في هذا الموسم، باستثناء إطلالات قليلة جداً. وحتى هذه تعرضت فيها لعمليات تنحيف قاسية جعلتها لا تظهر للعيان من بعيد.

في «لوي فويتون» ظهرت بتصاميم واقتراحات عدة (أ.ف.ب)

السبب أن المصممين لم يتشجعوا على الإسهاب فيها لأن جيل الشباب عازف عنها ومبيعاتها في تراجع مستمر. غيلدو زيغنا، رئيس مجلس الإدارة في مجموعة «إيرمينغلدو زينيا»، أكَد أن مستقبلها لا يدعو للتفاؤل. على الأقل في المستقبل القريب «فهي لم تمت تماماً، لكنها فقدت شعبيتها لصالح قطع أخرى». السبب حسب رأيه، أن الرجل العصري يريد أن يُنسق بدلته «مع قميص من الحرير» أو مع «بولو تي - شيرت» أو حذاء موكاسان أو بتصميم رياضي. وهذا المظهر المنطلق لا يحتاج إلى ربطة عنق. تجدر الإشارة إلى أن «زيغنا» من بين بيوت أزياء أخرى كثيرة مثل «كيتون» الإيطالية، باتت تُركز حالياً على القطع المنفصلة أكثر من البدلات المفصلة، مثل القمصان والقطع الصوفية حتى تُلبي كل الأذواق وتغطي كل الاحتمالات.

بيد أنه من الخطأ القول أن مسؤولية تراجع هذا الإكسسوار تعود كاملة إلى جيل الشباب. فنجمها بدأ يخفت منذ عام 2016 وزاد الأمر سوءاً بعد عام 2019 بسبب جائحة كورونا وما ترتب عنها من عُزلة وانعزال، أديا إلى تراجع مبيعاتها بنسبة 6 في المائة عام 2019، و42 في المائة في عام 2020. ما اختبره الجميع آنذاك، أن العمل من البيت لا يحتاج إلى بدلة وربطة عنق. كما اكتشفوا مُتعة الراحة عندما تترافق مع الأناقة غير الرسمية. لهذا؛ وحتى بعد اجتياز العالم الجائحة واسترجاع البدلة مكانتها، بقي هذا الإكسسوار الحلقة الأضعف. ربما لأنها ظلت محتفظة بشخصيتها الرسمية رغم محاولات البعض تنحيفها. لم تنجح لحد الآن في تجديد صورتها ودورها على العكس من البدلة. ولحسن الحظ أن التغييرات التي خضعت لها لم تستهدف تأنيثها بقدر ما ركّزت على التخفيف من رسميتها بإضفاء النعومة عليها. أصبحت الخطوط أقل صرامة والأكتاف أكثر التحاماً مع الجسم، في حين غابت أي تفاصيل من شأنها أن تُقيّد صاحبها. وهذا ما جعلها تستقطب زبائن جُدداً من دون أن تستثني الجيل القديم. فعلامة «بيليونير» التي تتوجه إلى الرجل الناضج قدمت مثلاً عرضاً لعبت فيه على الكلاسيكية من خلال بدلات في غاية الرسمية، تلاعبت عليها بالتخلي عن ربطة العنق والقميص الكلاسيكي. وهكذا حقق الرجل الذي لا يريد الاستغناء عن البدلة المعادلة الصعبة بمواكبته الموضة من دون أن يتنازل عن أناقته.

البدلة من دون ربطة تخاطب كل شرائح العمر (أ.ف.ب)

المتابع لمعرض «بيتي أومو» الفلورنسي عبر العقود، يلاحظ مدى تغيُر مشهده، سواء من نوعية حضوره أو تنوع اقتراحاته. ما يحسب للمسؤولين فيه، أنهم لم يُلغوا شخصيته تماماً، ولم ينسوا أنه الوجهة المفضلة للباحثين عن الأزياء الرسمية، سواءً كانت بدلات بصديري أو قمصاناً بياقات عالية أو ربطات عنق من الحرير أو الصوف المغزول بالكشمير وما شابه. لم يكن مطروحاً أن يحيدوا عن هذا النص المرسوم منذ انطلاقه، لكنهم في الوقت ذاته أدركوا أن رياح التغيير قوية وعليهم اجتيازها بسلام. لهذا تبنوا لغة خفيفة ومعاصرة. الطريف أن حتى ضيوفه ممن كانوا يُنعتون بـ«طواويس الموضة» لأنهم كانوا يستعرضون فيه أساليبهم «الداندية» بكل مبالغاتها وبذخها، لم يتعمّدوا لفت الأنظار هذا العام، بل انصهروا مع باقي الحضور باختيارهم أزياء أنيقة ومنطلقة تحمل لمسات «سبور». أقصى ما ذهبوا إليه أنهم نسّقوا سترات مفصلة مع بناطيل قصيرة تلامس الركبة أو تجلس فوقها قليلاً.

من عرض «بيليونير» (أ.ب)

هذا التزاوج بين الرسمي والـ«كاجوال» كان واضحاً أيضاً في عروض كل من ميلانو وباريس لربيع وصيف 2024. بالنسبة لبيير باولو بيتشيولي، مصمم دار «فالنتينو»، فإن الأمر كان عملية فلسفية وثقافية أعاد فيها تشكيل الهوية الذكورية إلى جانب طرحه تساؤلات حول ارتباط الماضي بالحاضر والمستقبل. بذلك ربط البدلة الرسمية كما عرفها الأجداد والآباء بالبدلة الشبابية، مستدلاً على هذا الترابط بجملة بليغة للكاتبة هانيا ياناغيهارا تقول «كبرنا كثيراً إلى درجة أن أصبحنا شباباً مرّة أخرى». فدورة الحياة مستمرة وما يبدو قديماً الآن كان جديداً وربما ثورياً في الماضي.

دار «برادا» قدمت هي الأخرى تشكيلتها، وهي من تصميم كل من ميوتشا برادا وراف سيمونز، وكل ما فيه يرمي إلى «تحرير جسد الرجل من كل ما هو تقليدي». وصرّح راف سيمون بأن «مَن يُتابع العرض يرى أزياء كلاسيكية للوهلة الأولى، لكن عند التدقيق فيها يتّضح كم هي الصورة مختلفة». فالهدف هو تحريره ومنحه الراحة.


مقالات ذات صلة

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

لمسات الموضة جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

في عالم الموضة اليوم، يمدّ الحاضر يده للأمس. من أزياء وإكسسوارات مستلهمة من التسعينيات والخمسينيات وغيرها من الحقب السابقة، إلى تنظيم معارض تُسلِط الأضواء على…

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)

زيندايا بين السجادة الحمراء والأزياء الرياضية

لكل زمن نجومه، ويبدو أننا حالياً في زمن زيندايا؛ فهي في كل مكان، ولا يمر أي ظهور لها مرور الكرام.

لمسات الموضة جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)

جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

خلال ثماني سنوات تغيَرت أمور كثيرة في حياة ميغان ماركل، إلا تعاملها مع إطلالاتها وأزيائها كرسائل مبطنة

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)

درجات التراب والرمل تُلوِّن خزانة الرجل هذا الموسم

درجات التراب والرمل والذهب، لها سحر خاص، لأنها ليست لوناً واحداً، بل عشرات الاحتمالات، يتغيَّر كل واحد منها حسب النسيج والكثافة وطريقة الانسدال وانعكاسات الضوء

جميلة حلفيشي (لندن)
ثقافة وفنون جانب من معرض «الملكة إليزابيث الثانية: حياتها من خلال الأناقة»... في معرض الملك بقصر باكنغهام لندن 9 أبريل 2026 (رويترز)

بالصور: بريطانيا تحتفي بالملكة إليزابيث الثانية أيقونةً للموضة بمعرض ضخم في الذكرى المئوية لميلادها

تحتفي بريطانيا بمرور مائة عام على ميلاد الملكة إليزابيث الثانية عبر معرض ضخم في قصر باكنغهام يبرز دور أزيائها أداةً دبلوماسيةً ورمزاً لأناقتها وتأثيرها الثقافي.

«الشرق الأوسط» (لندن)

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
TT

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)

في عالم الموضة اليوم، يمدّ الحاضر يده للأمس. من أزياء وإكسسوارات مستلهمة من التسعينيات والخمسينيات وغيرها من الحقب السابقة، إلى تنظيم معارض تُسلِط الأضواء على مُصممين غيَّبهم الموت ولم تُغيِّب ما خلَّفوه من إبداع. هذه المعارض باتت تفتح أبوابها لذكراهم بشكل منتظم، بهدف عرض أعمالهم من جهة، ومنح الأجيال الجديدة فرصة لاكتشاف إرثهم وكيف لا يزال يُؤثر على خياراتهم لحد الآن من جهة أخرى.

أسس لمدرسة كل ما فيها مبالغ في زخرفاته وألوانه (فيرساتشي)

فمنذ أسابيع احتضن متحف «فيكتوريا آند ألبرت» معرضاً شاملاً عن إلسا سكياباريللي، وفي متحف «مو مو» ببلجيكا انطلق أول معرض يُكرم أعمال مصمَمي «إنتوورب الستة». وفي متحف مايول بباريس، سيجد عشاق تاريخ الموضة في الأسبوع الأول من شهر يونيو (حزيران) المقبل، فرصة للتعرف على جياني فيرساتشي. وربَما يكون هذا الحدث الأكثر جذباً لما تتمتع به الدار من قاعدة جماهيرية واسعة، ولتزامنه مع مرحلة مهمة في تاريخها، بعد تنحِي شقيقته دوناتيلا فيرساتشي عن منصبها كمدير إبداعي في مارس (آذار) الماضي، مسلِمة المشعل لداريو فيتالي لفترة وجيزة، إذ لم تمر سوى ثمانية أشهر حتى غادرها، في وقت استعداد الدار للانضمام إلى مجموعة «برادا» في صفقة قدِرت بـ1.25 مليار يورو.

في فبراير (شباط) أُعلن عن تعيين بيتر مولير مديراً إبداعياً جديداً ليتولى مهامه ابتداءً من شهر يوليو (تموز) المقبل. بالنسبة لعشاق مدرسة جياني فيرساتشي، يمثِل هذا التحول نهاية مرحلة مهمة بدأت في عام 1987 مع مصمم شاب جريء في رؤيته، كما في حياته وأسلوبه. روَّضت أخته بعضاً من جموحه «الغرائزي» بعد وفاته، لكن في كتب الموضة، سيبقى اسمه مرتبطاً بالإثارة في التصميم كما في التسويق.

لم يكن يعترف بالحلول الوسطى في الألوان أو النقشات أو التصاميم المثيرة (فيرساتشي)

ومع ذلك لا تُلغي هذه التحوُّلات تاريخ جياني الغني. فقد أسَّس مدرسة خاصة به، ربما لا تروق للجميع لأن الخيط بين ما كان يراه إثارة أنثوية، وما كان آخرون يرونه ميلاً إلى الابتذال كان رفيعاً. لكنها في المقابل حققت نجاحات تجارية، بل وفنية أيضاً، إذا أخذنا بعين الاعتبار نقوشاته المستقاة من فنون كلاسيكية، واستقطابه شخصيات بارزة، مثل الأميرة ديانا وليز هيرلي وغيرهما. والأهم أن بصمته لا تزال حاضرة حتى اليوم.

باريس: عاصمة الـ«هوت كوتور»

ويأتي اهتمام باريس به من خلال هذا المعرض اعترافاً بمكانته وإرثه، وبأنه لم يُنكر يوماً أهميتها كمنصة وعاصمة عالمية للموضة. هذا بالرغم من اعتزازه بـ«إيطاليته» ومساهمته في نهاية السبعينيات في منح ميلانو الزخم الذي كانت تحتاجه لتتحوّل إلى مركز قوة، إلى جانب أبناء جيله من المصممين الذين نجحوا في فرضها على الإعلام والمشاهير وعشاق الأزياء الجاهزة.

جياني فيرساتشي في مكتبه (فيرساتشي)

في المقابل، كان يُدرك أنه، عندما يتعلق الأمر بالـ«هوت كوتور» فلا أحد يضاهي باريس مكانة وأهمية. لذلك أطلق خطه «أتيلييه فيرساتشي» في عام 1989، لتُصبح عروضه في فندق الريتز الأيقوني مسرحاً لها. في هذا المكان، قدَّم عروضاً باذخة، وفيه أيضا ظهر للمرة الأخيرة محاطاً بالعارضات السوبر، قبل وفاته المأساوية في ميامي عام 1997.

المعرض وهو بعنوان «جياني فيرساتشي: استعراض شامل» يضم نحو 450 قطعة استثنائية، تشمل الأزياء والإكسسوارات والرسومات والصور إلى جانب مقابلات نادرة مصوَّرة مع المصمم الراحل.

يبدأ المسار من نشأته في كالابريا وتأثره بالمذهب الكاثوليكي، مروراً باهتمامه بالنحت اليوناني، والأوبرا الإيطالية وعصر الباروك بكل ما يحمله من فخامة وبذخ. كما يستعرض السياق الاجتماعي لعصره، بما في ذلك دوره في صعود ظاهرة العارضات السوبر، وتأثيرات فن البوب، من خلال تعاونه مع أسماء مثل مادونا، وبرينس وجورج مايكل، إلى جانب دخول بعض أعماله في حوارات بصرية مع بوتشيلي، وكانوفا، وبيكاسو وأندي وورهول.

قطعة يظهر فيها تأثير أندي وورهول عليه (فيرساتشي)

ويستحضر المعرض كيف نجح جياني في تجسيد كل هذه التأثيرات في أعمال خلّدتها عدسات مصوري موضة كبار، مثل ريتشارد أفيدون، إرفينغ بن، وهيلمون نيوتن، وباتريك دمارشلييه وماريو تيتستينو، ممَن ساهموا في ترسيخ صورة مثيرة وجريئة لعلامة «فيرساتشي» في عهده، وفي وقت ظهرت فيه مدرسة مضادة بألوانها الهادئة وتصاميمها الكلاسيكية المعاصرة يقودها ابن بلده وابن جيله جيورجيو أرماني.

تأثيره على الموضة:

كانت الإثارة الحسية واحدة من السمات التي اشتهر بها (فيرساتشي)

لم يقتصر تأثير جياني فرساتشي على الموضة من خلال الألوان الصارخة والنقشات المتضاربة المستوحاة من الأساطير القديمة وفنون البوب الحديثة، بل امتد أيضاً إلى علاقاته الشخصية مع مشاهير ظلوا أوفياء له حتى بعد رحيله. الأميرة الراحلة ديانا مثلاً كانت من المقربات له وحضرت جنازته في سابقة من نوعها. كما لا يمكن إغفال علاقته بالعارضة والممثلة إليزابيث هيرلي، التي ساهمت الدار في شهرتها من خلال «ذلك» الفستان الأسود الشهير، المُثبَّت بدبابيس ذهبية ضخمة، والذي دخل تاريخ الموضة. كما ارتبط اسمه بعارضات بارزات مثل كارلا بروني، وناعومي كامبل، وسيندي كروفورد، وكارين مولدر، وليندا إيفانجيلستا وكريستي تورلينغتون. صورتهن الجماعية في أحد عروضه، كانت ثورية بكل المقاييس، سرعان ما تحوّلت إلى صورة أيقونية ساهمت في ارتقائهن من مجرد عارضات أزياء إلى مصاف النجمات.

من المعروضات التي سيحتضنها متحف مايول الباريسي (فرساتشي)

في امتداد لهذه الروح الاستعراضية التي ميَّزت عروضه، يأتي تصميم المعرض في متحف مايول مستنداً إلى مفهوم المدرج، حيث يمتد عبر معظم فضاءاته ليُحوِل تجربة المشاهدة إلى رحلة حيَّة في عالم جياني فيرساتشي، من بداياته إلى إرثه الخالد في الموضة والثقافة العالمية. بعد نجاحه في لندن وبرلين ومالقة، سيفتح المعرض أبوابه في باريس من الخامس من شهر يونيو إلى شهر سبتمبر (أيلول) المقبل في لحظة رمزية تواكب عشية الذكرى الثلاثين لوفاته وما كان سيكون احتفالاً بعيد ميلاده الثمانين.


زيندايا بين السجادة الحمراء والأزياء الرياضية

في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
TT

زيندايا بين السجادة الحمراء والأزياء الرياضية

في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)

لكل زمن نجومه، ويبدو أننا حالياً في زمن زيندايا؛ فهي في كل مكان، ولا يمر أي ظهور لها مرور الكرام. تستطيع بمجرد قبعة، مهما كانت بسيطة أو مبالغاً فيها، أن تخطف الأضواء، وبفستان أن تعيد تسليط الضوء على مبدعه حتى وإن غاب عن الساحة لسنوات أو كان مغموراً.

لهذا ليس غريباً أن يتودّد لها صناع الموضة ويتمنون رضاها. بالنسبة لهم، هي تتمتع بسحر نجمات هوليوود وثقة بنات جيل زد. أما صورها فتقول إن كل شيء فيها، من إيماءاتها ونظراتها إلى ملامحها، يصرخ بثقة، بما لا يترك أدنى شك في أن النجومية تحتاج إلى حضور. ليس كافياً أن تكون موهوباً أو مدفوعاً برغبة جامحة للتألق فحسب، فالكاريزما أولاً ثم إدارة الصورة بعناية عنصران حاسمان. وبينما الكاريزما ملكيتها الخاصة، فإن إدارة الصورة واختيار الإطلالات يتولاهما خبير الأزياء، لو روتش، منذ بداياتها وهي في سن المراهقة.

علاقة عمل ناجحة

في فستان من خط الـ«هوت كوتور» من تصميم دانيال روزبيري (سكياباريلي)

لقد قطعت زيندايا شوطاً طويلاً منذ أن وقفت أمام الكاميرات أول مرة بوصفها نجمة ديزني. لم تكن مجرد مراهقة عادية بعينين لامعتين تتطلّعان للسماء، كانت ذكية، أدركت منذ البداية أن الموضة سلاح لا يخيب. علاقتها بخبير الأزياء لو روتش تُعد حالياً من أنجح العلاقات في عالم الموضة والسينما على حد سواء. . شكّلا منذ البداية ثنائياً ناجحاً، حيث نجح روتش في «هندسة» صورتها من أميرة ديزني حالمة إلى رائدة لبنات جيلها، رغم أنها لم تكن معروفة حينها. بادلته هي الوفاء نفسه؛ إذ تُدخله في أي مشروع يُقترح عليها.

في أي مناسبة وأي إطلالة تتألق كأيقونة موضة (ميسيكا)

والحقيقة أن مهمة روتش انتقلت من الصعب إلى السهل بسلاسة. نعم كانت صعبة في البداية بحكم أنها كانت صغيرة سنّاً ومغمورة فنياً، إلا أنها لم تأخذ وقتاً طويلاً لتتحوّل إلى أيقونة متحركة، ينطبق عليها المثل القائل: «الجميل جميل ولو ارتدى خيشاً». بحضورها ورشاقتها وثقتها في التعامل مع الكاميرا، سهّلت عليه الكثير؛ فحتى حين يقترح عليها أزياء عادية، وأحياناً غريبة، تنجح في أن تُضفي عليها من سحرها الكثير.

من الأدوار السينمائية إلى التعاونات

كان من الطبيعي ألا يبقى هذا الحضور محصوراً في الشاشة أو في مناسبات السجادة الحمراء، وأن يمتدّ إلى شراكات تجارية مُجزية لكل الأطراف. تعاونت مؤخراً مع علامة ON «أون» السويسرية، وطرحت مجموعة ملابس وأحذية رياضية، تعكس شخصيتها وروحها المنطلقة، وفي الوقت ذاته خبرة «أون» في تصميم قطع رياضية توازن بين الأداء والأناقة. كل ما فيها يقول إنها تستهدف جيل زد المتابع لها.

تم تصويرها في قلب هذه الحملة لتضفي عليها من سحرها الكثير (أون)

ولأنه كان لا بد من الاستفادة الكاملة من «كاريزما» زيندايا، تم تصويرها في قلب هذه المجموعة من خلال حملة على شكل فيلم ترويجي بعنوان: Shape of Dreams. لم تكن حملة عادية، فهي من إخراج سبايك جونز، المخرج الحائز على جائزة أوسكار، وبالتالي تحمل طابع فيلم سينمائي، تدور أحداثه داخل عالم زيندايا التخيلي. عالم تتطور فيه القصّات وتتغير الخامات وتصقل الأفكار. ومع تقدّم الفيلم، تأخذ العملية طابعاً سريالياً؛ إذ تتمدد الملابس وتنكمش وتتبدّل حتى تصل إلى شكلها النهائي.

لقطة مصورة للمجموعة التي صممتها مع لو روتش وشركة «أون» الرياضية (أون)

غني عن القول إن لو روتش أسهم في عملية التصميم. تقول زيندايا عن هذه التجربة: «كان العمل مع لو وفريق (أون) ممتعاً للغاية. أردنا ابتكار تصاميم متعددة الاستخدام وسهلة الارتداء، بحيث تتحرك مع صاحبها عبر لحظات مختلفة من اليوم». وأضافت: «أما العمل مع سبايك جونز، فكان رائعاً؛ لأنه منح رؤيتنا بعداً آخر تماماً».


جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
TT

جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)

ثماني سنوات مرَت على أوَل زيارة قامت بها دوقة ساسيكس ميغان ماركل وزوجها الأمير هاري إلى أستراليا، وكأن الزمن توقَّف عند تلك اللحظة من ناحية الصورة وليس الأحداث. فهذه حملت تحوَّلات كبيرة غيَّرت وجه المؤسسة الملكية إلى حد ما، لكن الصور الأولى لتلك الزيارة بقيت حاضرة بوصفها مرجعاً يقارن به الماضي بالحاضر. فرغم ما رافق الزيارة الحالية من انتقادات وجدل بعد الإعلان عنها رسمياً قبل نحو شهر تقريباً، فإن الصور المتداولة بمجرد أن حطّت بهما الطائرة، تُخلّف الانطباع أن الثنائي لا يبدو منشغلاً بضجيج التعليقات على السوشيال ميديا. فقد بدت ميغان أكثر تألقاً ببشرة نضرة وماكياج ناجح أضفى عليها ألقاً. وطبعاً، كان من الصعب فصل الحدث عن تفاصيل إطلالاتها.

8 سنوات مرت على الزيارة الأولى تغيَّرت فيها أشياء كثيرة ولم تتغيَّر المصممة (أ.ف.ب + موقع كارين جي)

كانت لافتة عودتها إلى المصممة الأسترالية كارين جي التي سبق أن ظهرت بأحد تصاميمها خلال زيارة عام 2018: فستان أبيض بتصميم مستقيم. أجمل ما كان فيه بساطته وأناقته الهادئة.

هذه المرة ولدى وصولها إلى ملبورن، اختارت فستاناً كحلياً يحمل اسم «بريسيلا». يتميّز بياقة دائرية تحيط بالعنق وحزام رفيع يحدد الخصر، مستوحاة بشكل غير مباشر من روح «النيولوك» لكريستيان ديور لكن بأسلوب معاصر يناسب الأيام العادية. كسّرت المصممة عمق لونه بستة أزرار ذهبية عند الصدر ألغت الحاجة إلى قلادة أو سلاسل. كل ما في الفستان يحمل السمات التي تميل إليها ميغان، وهي اللون الأحادي والخطوط الواضحة والبسيطة التي تناسب مقاييس جسدها المعقّدة. نسّقت الإطلالة بحذاء من «ديور».

ميغان ماركل والأمير هاري في ظهورهما الثاني في أستراليا (إ.ب.أ)

في الظهور الثاني لها، خلال زيارتها لمتحف الفنون الوطني للمحاربين القدامى في ملبورن، كانت أكثر جُرأة نسبياً، عبر سترة من السويد باللون الكاكي، وتنورة مستقيمة طويلة من نفس خامة ولون السترة من العلامة الأسترالية «سانت أغني» مع كنزة بلون الموكا من علامة «بي جونسون». كانت رسالة تؤكد فيها استمرار استخدام علامات أسترالية ضمن الجولة كنوع من البروتوكول الرمزي.

اختيار كارين جي للمرة الثانية نقطة تستحق التوقف. أوَّل تفسير يتبادر للذهن أن المصممة التي يوجد مقرها في سيدني، لا تُقدّم أزياء موسمية بقدر ما تركّز على ملابس عملية يمكن ارتداؤها في أكثر من مناسبة. إضافة إلى هذا، فإنها بنت سمعتها على أسلوب مضمون «يمكن الاعتماد عليه في كل زمان أو مكان» وفق وصفها، وهي فلسفة ترتكز على الاستدامة أكثر من الصرعات الموسمية العابرة، سواء من ناحية الألوان أو الخطوط البسيطة والهادئة.

صور ميغان ماركل تشير إلى استمرارية رمزية وكأن خروجها من المؤسسة الملكية لم يكن (رويترز)

هذا التوجه نحو المضمون يخدم صورة ميغان التي تزعزت في السنوات الأخيرة. وبينما كان ظهورها بالفستان الأبيض عام 2018 كفيلاً بتسليط الضوء على مصممته كارين جي عالمياً؛ نظراً لمكانتها آنذاك ضمن المنظومة الملكية، فإن عودتها إليها اليوم، يتقاطع مع ما صرّحت به في مقابلة سابقة عن وعيها بتأثير كل ظهور علني لها. قالت إنها تُدرك تماماً أن كل صغيرة وكبيرة تخضع للتمحيص والتحليل؛ الأمر الذي يدفعها لتوجيه هذا التأثير بشكل إيجابي، إما لدعم مصممين صاعدين تُؤمن بمساراتهم، أو تربطها بهم علاقات شخصية.

لا تزال ميغان تتعامل مع جولاتها وكأنها رسمية يجب أن تخضع لبروتوكولات الأناقة (أ.ب)

بيد أن هناك أيضاً عامل الاستمرارية، وكأن دوقة ساسيكس تريد أن تقول إن مكانتها محفوظة، وبأن الحاضر ما هو إلا امتداد للأمس. على الأقل من ناحية تأثيرها الذي تراه لا يزال قوِياً، حتى بعد تمرّدها على المؤسسة الملكية البريطانية وخروجها منها في 2020. حينها كانت دوقة جديدة، تتمتع بشعبية كبيرة، إلى حد أن جولتها فيها، كانت ناجحة بدرجة لافتة مقارنة ببقية أفراد العائلة المالكة، بمن فيهم كاثرين ميدلتون وزوجها الأمير ويليام. حينها كانت إطلالات ميغان تُقرأ ضمن إطار البروتوكول الملكي، واليوم يبدو أنها تعتمد الأسلوب نفسه تقريباً لفرض نفسها، أو على الأقل التذكير بمكانتها.