النظافة في اليابان «وسواس قهري» جماعي يسحر السياح

هي قيمة روحانية يعاقب على مخالفتها المجتمع

التنظيف جزء من تربية الأطفال السليمة (الشرق الاوسط)
التنظيف جزء من تربية الأطفال السليمة (الشرق الاوسط)
TT

النظافة في اليابان «وسواس قهري» جماعي يسحر السياح

التنظيف جزء من تربية الأطفال السليمة (الشرق الاوسط)
التنظيف جزء من تربية الأطفال السليمة (الشرق الاوسط)

«طوكيو، أنظف مدينة في العالم»، هكذا يقال. لكنك بعد التجوال خارج العاصمة، تكتشف أن علاقة اليابانيين بالنظافة ليست كأي شعب آخر. هم نسيج وحده، لا بسبب نشاط بلدياتهم، ولا لقسوة غراماتهم، وإنما لانضباط الشعب، والتزامه الشخصي الفريد. لا تستغرب أن تشاهد في الشارع مجموعة من الرجال والنساء بالبدلات الرسمية السوداء، مع ساعات الصباح الأولى، يحمل كل منهم ملقطاً كبيراً بيد، وكيساً صغيراً باليد الأخرى، يبحث على الأرض، لعله يجد شيئاً صغيراً ما، سقط سهواً، من أحدهم. حدّقت لأرى عما يبحثون، كان الشارع خالياً من أي مخلفات، أو ربما لا نرى ما يرون.

التنظيف جزء من تربية الأطفال السليمة (الشرق الاوسط)

مهما يكن الفندق الذي تختاره في رحلتك متواضعاً، ستجده قد حضّر لك مع الشامبو والصابون والمحارم، فرشاة الأسنان، البيجاما والنعل، فرشاة للشعر، وربما كريمات الوجه، وبعض مستحضرات العناية بالبشرة. فأنت في بلاد ذاع صيت مستحضراتها وكريماتها حتى صارت مقصداً. وستجد دائماً أن ثمة غسالة ونشّافة في الفندق توضع في تصرفك، مقابل مبلغ صغير، فأنت لا بد أن تغسل ملابسك باستمرار كي تبدو هفهافاً وفواحاً. ولا تستغرب لو قيل لك إن غرفتك لن تنظف أو ترتب كل يوم، إلا إذا طلبت ذلك، ففي العرف الياباني، نظافة المكان الذي تقيم فيه من واجباتك على نفسك، أولاً، وليست مهمة الآخرين.

اهتمام خاص بتدريب الأطفال على التنظيف (الشرق الاوسط)

النظافة الفردية، كما العامة في هذه البلاد، مثل الانضباط واللياقة، هي سرّ للتميز الذي لن تقع على مثيل له في أي مكان آخر.

أثناء تجولك في الشارع، لا تتعب نفسك بالبحث عن سلة مهملات، فهي غير موجودة أصلاً. كل شخص يحتفظ بمخلفاته، ويعيدها معه إلى بيته أو مكتبه، ليتخلص منها. حتى في أسواق المأكولات، التي تمتد فيها المحلات والمطاعم الشعبية على مدى منطقة بأكملها، لن يسعفك البحث في العثور على سلة مهملات، ولكن في الوقت نفسه، لن تجد أبداً من سولت له نفسه رمي مخلفاته على الأرض.

التزام اليابانيين بالنظافة هو نتاج تاريخ طويل تختلط فيه المعتقدات الدينية بالتربية البيتية والتنشئة المدرسية والقيم التي تعطي الأولوية لاحترام مصلحة الجماعة. هذه العوامل تكاملت عبر القرون لتجعل من ممارسات النظافة ليس مجرد عادة، بل مبادئ أخلاقية في حياة اليابانيين.

النظافة في اليابان قضية وطنية (الشرق الاوسط)

يتدرب الأطفال على خدمة أنفسهم، ومعرفة واجباتهم الاجتماعية، منذ الصفوف المدرسية الأولى، ويقومون بأنفسهم بمهمة تنظيف صفوفهم. بالتالي، ليس غريباً بعد ذلك أن ترى كل شيء لمّاعاً في هذه البلاد، من قاطرات المترو، إلى أسواق الأطعمة وحتى الحمّامات العامة.

الحمامات العامة قصة لوحدها، كثيرة، وأنيقة، في خدمتك أينما كنت، في محطات المترو والأسواق، على الشواطئ وفي الغابات. غاية في النظافة، والترتيب والتطور التكنولوجي، يتوفر فيها كل ما تحتاجه، بالمستوى الذي يجعلك لا تتردد في الدخول إليها، بل تجد نفسك مدفوعاً لأن تمر بها وتتأكد كيف أن اليابانيين يستخدمونها، كأنها جزء من بيوتهم، ويتركون المكان خلفهم أنظف منه حين دخلوا إليه. أما المراحيض فهي دائماً إلكترونية في كل الحمامات العامة، كما في المنازل والفنادق والمطاعم، وكذلك الحنفيات تعمل باللمس، في محاولة لتأمين أكبر مستوى من الحماية الصحية للمواطنين.

تلحظ أن بعض العادات التي فقدناها يعتز بها اليابانيون، باعتبارها نوعاً من السلوكيات الصحية التي يحرصون عليها، مثل خلع الحذاء قبل الدخول إلى المنزل واستبدال نعل به، والحرص على استخدام نعل آخر مختلف عند الدخول إلى الحمام. تلك كانت شروط جداتنا في منازلهن ونسيناها تدريجياً، وبقي اليابانيون يتمسكون بها. بعض المطاعم التقليدية تطلب من روادها خلع أحذيتهم قبل الدخول، ليعيشوا الأجواء اليابانية. والسياح خصوصاً من الأوروبيين يحبون هذا الطقس ويقبلون على المطاعم التقليدية تحديداً، التي غالباً ما يجلسون فيها على الأرض، رغبة منهم في عيش التجربة.

قاطرات المترو، والقطارات من الداخل والخارج، تنظف وتشطف بالماء والصابون، كي تبقى دائماً بكامل بهائها. لهذا وحفاظاً عليها، ستجد التعليمات التي تذكّر باستمرار بأن الأكل والشرب ممنوعان في هذه الأماكن، تماماً كما التحدث في الجوال، كي لا تتسبب بالإزعاج للآخرين. لهذا وبسبب آداب الحديث بصوت منخفض في الأماكن العامة، بما يقارب الهمس أحياناً، تشعر أن الحياة في اليابان، بلا صخب، وتجعلك أقرب إلى الاسترخاء حتى في المدن المزدحمة مثل طوكيو ذات الـ37 مليون نسمة، وذلك بسبب هدوء السكان.

على أي حال، ليس بالأمر المستحب لدى اليابانيين الأكل أثناء المشي، وفي مكان يراك فيه الآخرون، على رصيف مترو أو في الطريق. الإنسان هنا، يجب أن يبقى رصيناً وبأفضل هيئة، لا يحمل كوباً أو ينهش سندويشاً أو يقضم تفاحة وهو يسير في الشارع. أما التدخين فممنوع حتى في الأماكن المفتوحة والأسواق، وبعض الحدائق تخصص زاوية مسورة للمدخنين، الذين يبدون لك كالمنبوذين.

كل ذلك قد يبقى طبيعياً، لكنك حين تدخل أحد محلات بيع الملابس لماركة يابانية عملاقة، وترى الطابور أمام غرف القياس، قد لا تصدق أن ثمة من يطلب منك خلع حذائك على باب غرفة التجريب، حين يأتي دورك، ويمسح تلك المساحة الصغيرة التي ستقف فيها قبل أن تدخلها، ثم يعود ويمسحها بعد أن تخرج منها مباشرة، رغم أنك استخدمتها عاري القدمين ولدقائق معدودة. العاملة هنا تمسح «كابينات» القياس، في كل مرة تطأها قدم إنسان، حقاً إنه أمر يسبب الدوار، لأن الآلاف يمرون من هنا في اليوم الواحد.

النظافة هي جزء من احترام الذات، ولها جذور دينية وروحانية. ثمة ربط بين التطهر الجسدي ونقاء الروح في ديانة «الشنتو». كما أن مذهب الزن في البوذية يُشدد على الانضباط الذهني عبر أفعال بسيطة مثل الكنس والتنظيف. وفي الأديرة البوذية، يُعد التنظيف نشاطاً تأملياً يُسهم في تطهير النفس، وهو ما أثر على تشكيل الثقافة العامة. هذا عدا المعاناة القديمة من الأوبئة في البلاد التي دفعت السكان إلى ممارسات وقائية أصبحت جزءاً من العادات، وآخرها لبس الكمامات، وهو ما جعل عدد الضحايا في «كوفيد - 19» في اليابان من بين الأقل في العالم.

موضوع النظافة هو نظام متكامل يبدأ بالفرد الذي يعتني بنفسه ومحيطه منذ يكون طفلاً ينظّف صفه المدرسي، مروراً بالتربية الدينية وصولاً إلى الدولة التي تعمل باستمرار على تجويد نظام إدارة النفايات، من خلال فرز محكم، واستغلال للمواد المفرزة في توليد الطاقة أو إعادة تدويرها. فالياباني لا يحتفظ بنفاياته حتى عودته إلى البيت تحاشياً للعقاب المادي، بقدر هو خوف من العار وتجاوب مع إرادة جماعية صارمة، لا تتسامح مع سلوك من هذا النوع تعتبره مشيناً، وإهانة للمجتمع.

كلنا نتذكر كيف قام مشجعو المنتخب الياباني بتنظيف المدرجات في كأس العالم عام 2022 في الدوحة، قبل أن يغادروها، رغم أنه كان يفترض أن يبتهجوا وينشغلوا بالاحتفال بفوزهم على ألمانيا 2-1 في تلك المباراة. يومها تناقلت وسائل الإعلام الخبر مثنية على سلوك المشجعين الذين تفردوا بهذه المبادرة وما كانوا مضطرين. وظن البعض أنها نوع من الاستعراض، لكن الحقيقة أن الياباني لا يملك إلا أن يكون أميناً لتقاليده حتى وهو في غاية الفرح والانتشاء. هذا ما فعلوه في روسيا أثناء كأس العالم عام 2018، وما نراه منهم أينما وجدوا في الملاعب.


مقالات ذات صلة

بوتين يزور جزر الكوريل المتنازع عليها مع اليابان للمرة الأولى

أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ب) p-circle

بوتين يزور جزر الكوريل المتنازع عليها مع اليابان للمرة الأولى

بوتين يزور جزر الكوريل المتنازع عليها مع اليابان للمرة الأولى استذكر «جينات النصر» واستعرض «سياسة جديدة»… وطوكيو تحتج وتصف الزيارة بـ«غير المقبولة»

رائد جبر (موسكو)
الاقتصاد شاشات تعرض سعر صرف الين الياباني مقابل الدولار في غرفة لتداول العملات الأجنبية في طوكيو (رويترز)

اليابان قد تكشف غداً عن حجم التدخل المشترك مع أميركا لوقف تراجع الين

من المقرر أن تعلن وزيرة المالية اليابانية، يوم الاثنين، أن طوكيو وواشنطن نفذتا تدخلاً مشتركاً في سوق العملات لوقف هبوط الين إلى أدنى مستوياته في 40 عاماً.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد شاشات تعرض سعر الين في شركة للصرافة بالعاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)

«الخزانة» الأميركية تدعم الين الياباني بـ10 مليارات دولار

اشترت وزارة الخزانة الأميركية الين، يوم الجمعة، لدعم العملة اليابانية المتراجعة، في أول تدخل أميركي مباشر لشراء الين بالتنسيق مع طوكيو منذ أكثر من عقد.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد ناقلة نفطية في ميناء طوكيو (رويترز)

انخفاض واردات اليابان من النفط في مايو 38 %

أظهرت بيانات صدرت الثلاثاء، انخفاض واردات اليابان من النفط الخام بنسبة 38.4 في المائة في مايو (أيار) لتصل إلى 1.48 مليون برميل يومياً مقارنةً بالعام الماضي.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد مشاة أمام لوحة إلكترونية تعرض سعر صرف الين الياباني مقابل الدولار الأميركي والعملات الأخرى، على طول أحد شوارع طوكيو (أ.ف.ب)

اليابان تبقي الأسواق في حالة ترقب حول احتمال تدخل لدعم الين

أبقت السلطات النقدية اليابانية الأسواق في حالة ترقب بشأن احتمال التدخل لدعم الين المتعثر، في ظل استمرار غياب أي إشارات واضحة من كبار مسؤولي العملة.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)

«أم الدرج» تكشف الحياة الدينية والسياسية لمملكة لحيان

فريق عمل في الموقع ضمن بعثات اكتشافات بدأت منذ عقود (الشرق الأوسط)
فريق عمل في الموقع ضمن بعثات اكتشافات بدأت منذ عقود (الشرق الأوسط)
TT

«أم الدرج» تكشف الحياة الدينية والسياسية لمملكة لحيان

فريق عمل في الموقع ضمن بعثات اكتشافات بدأت منذ عقود (الشرق الأوسط)
فريق عمل في الموقع ضمن بعثات اكتشافات بدأت منذ عقود (الشرق الأوسط)

بين صخور صلدة قرب مدخل وادي «ساق» شمال غربي العلا، يقف جبل «أم الدرج» شامخاً، حارساً إرث مملكة لحيان القديمة. هناك، حيث اضطرت البعثات الأثرية إلى الاستعانة بطائرات مروحية لتجاوز التضاريس والوصول إلى قمته وبدء استكشافه قبل عقود، يقف أحد أطول السلالم الحجرية الأثرية في المنطقة شاهداً على عبقرية هندسية تعود إلى القرنين الثاني والثالث قبل الميلاد، وتكشف عن فصول مثيرة من تاريخ الازدهار الاجتماعي والاقتصادي لشمال غربي الجزيرة العربية.

5 تماثيل نذرية محفوظة في متحف العُلا مصدرها جبل «أم الدرج» (الشرق الأوسط)

سُلّمٌ حجري مهيب يعود لأكثر من ألفي عام، نحته اللحيانيون من سفح الجبل وصولاً إلى رأسه، لتسهيل الصعود، وتعود تسمية الموقع إليه. وتنتشر نقوش لحيانية نُحتت بدقة على سفوح الجبال، في مشهد طبيعي وضمن موقع أثري مهم يختزل إرث مملكة لحيان التي يرجع تاريخ بداياتها إلى القرن الخامس قبل الميلاد.ورغم التحديات الجغرافية الصعبة التي واجهت الباحثين للوصول إلى قمة الجبل، فإن الشواهد العلمية المكتشفة؛ من منشآت معمارية ومنحوتات، نجحت في فك شفرات النشاط الثقافي والاقتصادي الذي شهدته المنطقة، وأعاد الموقع رسم الملامح الحضارية للعلا في الألف الأول قبل الميلاد، من خلال اكتشاف ما انطوى عليه وضمه من ذخائر أثرية، قدمت كنزاً معرفياً من النقوش والمنحوتات التي توثق مكانة العلا مركزاً للنشاط البشري روالاقتصادي في شمال غربي الجزيرة العربية.

يُمثل موقع «أم الدرج» الأثري بمدينة العلا نافذة تاريخية فريدة تسلط الضوء على الإرث الحضاري لمملكة لحيان (واس)

ويُمثل موقع «أم الدرج» الأثري بمدينة العلا نافذة تاريخية فريدة تسلط الضوء على الإرث الحضاري لمملكة لحيان، متميزاً بموقعه الاستراتيجي؛ حيث يقع على قمة جبل شبه أسطواني الشكل، ويعدّ المركز الرئيسي لمملكة لحيان، كما يتميز بخزانين لجمع مياه الأمطار للاستفادة منها طيلة العام للزراعة والاستخدام المنزلي، وحوى الموقع خزّانين كبيرين منحوتين في عمق الأرض عند أعلى القمة، ومعبداً بقيت أسسه صامدة، ويضم غرفة أساسية، وهي غرفة مستطيلة، تحدّها 4 جدران، بقي منها : الشمالي والجنوبي والغربي.

يقع «أم الدرج» على قمة جبل شبه أسطواني الشكل ويعد المركز الرئيسي لمملكة لحيان (واس)

اكتشاف الجبل

يقع جبل «أم الدرج» على الحافة الجنوبية الغربية من وادي «ساق» في شمال العلا، في الجهة المقابلة لموقع الخريبة الذي شرع البحّاثة في استكشافه منذ زمن بعيد. وبدأت أعمال التنقيب في «أم الدرج» منذ بضعة عقود. وفي عام 1988، صدر كتاب للباحث عبد الله آدم نصيف، وردت فيه إشارة إلى بعض معثورات موقع «أم الدرج»... وتتالت الدراسات بعد ذلك بشأن الموقع خلال التسعينات، وركزت إحداها على بضعة تماثيل نُحتت من الحجر الرملي، ورجحت الأبحاث أنها تنتمي إلى معبد قديم كان مقاماً على سفح الجبل، وكان مقامه مهيباً لدى اللحيانيين.

‏جبل «أم الدرج» عليه نقوش لحيانية وأخرى مختلفة (لحظات العلا)

ومع مطلع عام 2000 زاد الاهتمام بالموقع في أعلى الجبل، وأجرت هيئة السياحة والآثار السعودية كثيراً من أعمال التنقيب المعمق في المكان، وكان لهذه الأعمال المبكرة دور في فهم دقيق لقيمة الموقع ومحتوياته، وكشف المسح فيه عن مجموعة كبيرة من اللُّقى الأثرية، منها الكتابات المنقوشة على الألواح الحجرية، والتماثيل النذريّة والكِسَر الفخارية، وبقايا مذابح ومجامر. وقد تعرض بعض أجزاء هذا الدرج للانهيار نتيجة العوامل الطبيعية المتعددة، وبدأ فريق أثري مختص من «الهيئة العامة للسياحة والآثار» عام 2015، أعمالاً حفرية إنقاذية لموقع جبل «أم الدرج» بمحافظة العلا، لتبقيه قائماً وشاهداً على حضارة اندرست بعد زمن.

يرجع تاريخ نقوش «أم الدرج» إلى الفترة الممتدة من القرن الـ5 قبل الميلاد حتى القرن الأول (لحظات العلا)

مملكة لحيان وازدهارهاازدهرت مملكة لحيان العربية الشهيرة في العلا، وتوسعت رقعتها الجغرافية شمالاً حتى سمي «خليج العقبة» باسم «خليج لحيان» في بعض الفترات. ويعود تاريخ هذه المملكة، وفق أحدث معطيات الاكتشافات، إلى القرن الخامس قبل الميلاد حتى نهاية القرن الثاني أو بداية القرن الأول قبل الميلاد.

ومثلت النقوش اللحيانية التي عثر عليها في المنطقة مستنداً حيوياً عن تاريخ مملكة لحيان، وقد وفرت هذه النقوش نوافذ للتعرف على تاريخ المملكة وحركة سكانها، ومن ذلك طبيعة الدين الذي اعتنقوه واهتموا به، والنظام السياسي الذي خضعوا له، وقد احتفظت مجموعة من النقوش اللحيانية بأسماء عدد من ملوك لحيان تتابعوا فيما يشبه أنظمة الحكم الوراثية، وتواترت الأدلة من النقوش المكتشفة على ما تمتع به المجتمع اللحياني من رقي وازدهار، تمثلا في نظام سياسي ملكي اهتم بشؤون الرعية، ونظم الشأن العام لأتباعه.


الساحل الشمالي يعزز حضوره على خريطة السياحة المصرية

الساحل الشمالي بمصر وجهة جديدة للسائحين الأجانب (مدينة العلمين الجديدة)
الساحل الشمالي بمصر وجهة جديدة للسائحين الأجانب (مدينة العلمين الجديدة)
TT

الساحل الشمالي يعزز حضوره على خريطة السياحة المصرية

الساحل الشمالي بمصر وجهة جديدة للسائحين الأجانب (مدينة العلمين الجديدة)
الساحل الشمالي بمصر وجهة جديدة للسائحين الأجانب (مدينة العلمين الجديدة)

تحول الساحل الشمالي في مصر إلى وجهة جاذبة للسائحين الأجانب خلال موسم الصيف، مع التوسع في إنشاء فنادق سياحية خصوصاً في مدينة «العلمين الجديدة» قبل سنوات قليلة، مع انضمام المدينة للوجهات السياحية الصيفية للمدن المصرية.

ويمتد الساحل الشمالي الغربي بطول 500 كم من الإسكندرية إلى السلوم، وتعدّ المنطقة الواقعة بين مدينتي الإسكندرية ومطروح الأكثر زخماً، لما تضمه من القرى السياحية، بالإضافة إلى مدينتي العلمين الجديدة ورأس الحكمة اللتين تشهدان مشروعات سياحية متنوعة.

وأعلن عدد من شركات الطيران الخليجية تنفيذ رحلات منتظمة بشكل دوري خلال أشهر الصيف من عدة مدن خليجية إلى العلمين الجديدة مباشرة؛ وهي المدينة التي تقع على بعد 250 كم من العاصمة المصرية، ويستغرق الوصول إليها بالسيارة أقل من 3 ساعات عبر طرق سريعة تمت توسعتها خلال السنوات الماضية، مع تخصيص مسارات منفصلة فيها للسيارات الملاكي عن سيارات النقل الثقيل للحد من الحوادث.

ووفق إفادة صادرة الشهر الماضي عن وزارة «الطيران المدني»، فإن عدد شركات الطيران العاملة بمطار «العلمين» ارتفع إلى 15 شركة، مع توقعات بزيادة العدد إلى 26 بنهاية الموسم الحالي، مع استقبال رحلات لشركات أوروبية وخليجية، والتأكيد على تنفيذ خطة لتطوير ورفع كفاءة المطار لاستيعاب الحركة السياحية المتزايدة.

يستقبل مطار العلمين رحلات من وجهات جديدة (وزارة الطيران)

وقال الخبير السياحي حسام هزاع، إن «منطقة الساحل الشمالي باتت تشهد إقبالاً متزايداً من السائحين الأجانب على خلفية وجود كثير من الخدمات التي لم تكن موجودة من قبل؛ في مقدمتها الفنادق الخمس نجوم، والتسهيلات التي تتيح للسائح قضاء عطلته دون تعقيدات»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»، أن «المنطقة واعدة بالنسبة للإقبال السياحي لعدة أسباب؛ في مقدمتها تميز الشواطئ والخصوصية التي توفرها».

ولفت هزاع إلى أن «الساحل الشمالي لم يكن مؤهلاً من قبل لاستقبال السائحين بسبب طريقة البناء فيه التي اقتصرت لسنوات على القرى السياحية، ويصل إجمالي الغرف الفندقية فيها حالياً إلى نحو 4 آلاف غرفة فقط، وهو رقم ضئيل بالنسبة للمستهدف والمقدر بنحو 30 ألف غرفة فندقية»، على حد تعبيره.

وأوضح أن السائحين العرب والعائلات بشكل خاص، يفضلون الساحل الشمالي على نظيره في المدن الأوروبية، بسبب العادات والتقاليد، فضلاً عن توافر الخدمات الفندقية المتميزة نفسها الموجودة في أوروبا، بخلاف القرب المكاني وانتظام رحلات الطيران، مشيراً إلى أن «السائح المستهدف حتى الآن بالنظام الفندقي الموجود بالساحل، هو الأعلى إنفاقاً على عطلته».

ووفق خبراء، فإن السياحة الشاطئية الخاصة بالأجانب والسياحة الوافدة في مصر تشتهر بها مدن البحر الأحمر وسيناء؛ مثل الغردقة وشرم الشيخ ودهب ونويبع ومرسى علم، وتتميز باحتضانها كثيراً من الأنشطة التي يقبل عليها السائحون الأجانب؛ مثل رياضة الصيد والغطس وسياحة اليخوت.

ويشير عضو الجمعية المصرية للاقتصاد والتشريع، محمد أنيس، إلى أن تحول الساحل الشمالي إلى مقصد سياحي إضافي بالنسبة للأجانب، لم يكن مدرجاً على الخريطة السياحية بمصر من قبل، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»، أن «النجاح الاقتصادي سياحياً لا يرتبط فقط بعدد السائحين، ولكن أيضاً بمعدلات إنفاقهم خلال عطلتهم، وهو ما ينطبق على الفئات المستهدفة للسياحة في هذه المنطقة، بحيث تكون الأعلى إنفاقاً مع الحصول على خدمات سياحية متميزة».

وأضاف أن «الاستقرار السياسي وعدم تأثر حركة السياحة المصرية بالاضطرابات الإقليمية وتوفير خدمات فندقية بمعايير عالمية، بجانب استقطاب أنواع مختلفة من الأنشطة السياحية على غرار سياحة اليخوت التي جرى تجهيز مواقع لها، كلها أمورٌ ستجعل نسبة الإشغال الأجنبي تزداد بشكل ملحوظ خلال الفترة المقبلة»، لافتاً إلى أن عدم اقتصار الإنشاءات في الساحل الشمالي على قرى سياحية وإنشاء فنادق متنوعة المستويات، سيسهمان في جذب أعداد أكبر خلال السنوات المقبلة.

وتستهدف مصر جذب أكثر من 20 مليون سائح خلال العام الحالي، على الرغم من الاضطرابات الجيوسياسية في المنطقة، بحسب إفادات سابقة لعدد من المسؤولين.

وهنا، يتطرق الخبير السياحي إلى أن الترويج للساحل الشمالي بوصفه وجهة سياحية إضافية، بات جزءاً من حملات الترويج التي تنفذ في الأسواق الخارجية، لافتاً إلى أن الأسعار الموجودة بمصر تنافسية بالنسبة للمقاصد المماثلة، استناداً إلى المقارنة مع سلاسل الفنادق العالمية التي تدير غالبية الغرف الفندقية.


السفر إلى أوروبا خلال الصيف... إليك ما ينبغي معرفته

موجة حار شديدة تضرب اوروبا (نيويورك تايمز)
موجة حار شديدة تضرب اوروبا (نيويورك تايمز)
TT

السفر إلى أوروبا خلال الصيف... إليك ما ينبغي معرفته

موجة حار شديدة تضرب اوروبا (نيويورك تايمز)
موجة حار شديدة تضرب اوروبا (نيويورك تايمز)

يبحث سكان أوروبا والمسافرون إليها خلال فصل الصيف عن وسائل تحافظ على سلامتهم وتقيهم الحر، في وقت تعاني فيه القارة من موجة حر تاريخية هذا الصيف، تسببت في اضطرابات واسعة، شملت تعطيل خطوط السكك الحديدية في بريطانيا، وإغلاق عدد من أبرز المعالم السياحية، بينها متحف اللوفر وبرج إيفل، قبل مواعيدها المعتادة. كما شهدت فرنسا أعطالاً في شبكة الكهرباء أدت، حتى الأربعاء، إلى انقطاع التيار عن أكثر من 68 ألف منزل. وتتفاقم آثار الحر بسبب محدودية انتشار أجهزة تكييف الهواء في عدد من الدول الأوروبية. وفي فرنسا، لقي ما لا يقل عن 40 شخصاً.

ينصح بالتوجه الى الحدائق في الايام الحارة (نيويورك تايمز)

ويتوقع خبراء الأرصاد أن تستعد دول شرق القارة لاستقبال أيام حارة ، ورغم ذلك، فإن ذروة موسم السفر إلى أوروبا عادة ما تكون خلال شهري آب (تموز) ة أغسطس (آب)، حيث ترتفع درجات الحرارة غالباً إلى مستويات أعلى مما هي عليه في يونيو (حزيران).

وقد يجد السياح القادمون من دول تنتشر فيها أجهزة التكييف على نطاق واسع، مثل الولايات المتحدة واليابان والخليج، أنفسهم أقل استعداداً للتأقلم مع هذه الأجواء مقارنة بالسكان المحليين. وفيما يلي أبرز ما ينبغي معرفته عند التخطيط لرحلة إلى أوروبا.

لا تنتشر أجهزة تكييف الهواء في أوروبا بالقدر المعروف في الولايات المتحدة أو شرق آسيا. ففي فرنسا، لا تتجاوز نسبة المنازل المزودة بالتكييف ربع المساكن، بينما يُعد وجوده في المنازل البريطانية رفاهية، نظراً إلى أن معظمها صُمم للاحتفاظ بالحرارة.

فرنسا من بين البلدان التي تعاني من موجة الحر(نيويورك تايمز)

وتقول كاتي ويغنال، المرشدة السياحية في شركة «لوك أب لندن تورز»، إن معظم الفنادق توفر تكييف الهواء، لكنها تنصح المسافرين الذين يختارون الإقامة في شقق للإيجار القصير بالتأكد مسبقاً من توافره؛ لأن أغلب المنازل لا تضم وسائل تبريد.

وبعد الاستقرار في مكان الإقامة، توصي ويغنال باستخدام خطوط «سيركل» و«ديستريكت» و«إليزابيث» في مترو أنفاق لندن، إضافة إلى شبكة «لندن أوفرغراوند»، إذ يُرجح أن تكون جميعها مكيفة. أما الحافلات، فبعضها مزود بالتكييف، بينما يكون بعضها الآخر، بحسب تعبيرها، «أشد حرارة من الشمس»، لذلك تنصح بالاعتماد على المترو.

وفي روما، يقول فابيو كوبولا، مالك سلسلة بيوت الشباب «يلو سكوير» في روما وميلانو وفلورنسا، إضافة إلى أثينا، إن الفنادق المصنفة ثلاث نجوم فما فوق توفر التكييف في العادة، لكنه ينصح أيضاً بالتحقق من ذلك عند الحجز عبر «إير بي إن بي»؛ لأن السكان المحليين غالباً لا يستخدمون أجهزة التكييف.

وفي فرنسا، يتيح الموقع الرسمي لإقليم «إيل دو فرانس»، الذي يضم باريس، للسكان والزوار البحث عن ملاجئ مناخية أو مناطق تبريد تقع على بُعد عشر دقائق سيراً على الأقدام. كما تتوافر خدمات مماثلة في برشلونة وبرلين وفيينا، فيما يوفر مكتب السياحة في باريس قائمة بأحواض السباحة العامة.

يجب اتخاذ الحذر خلال رحلاتكم الى اروبا خلال موجة الحر (نيويورك تايمز)

وتنصح المرشدة السياحية المستقلة صوفي غاشيني زوار باريس بتجنب أحواض السباحة العامة المزدحمة ونهر السين، والتوجه بدلاً من ذلك إلى قناة «سان مارتان»، التي فُتحت للسباحة بسبب موجة الحر. وهناك يمكن الاستمتاع بنسمات الهواء الباردة المنبعثة من المياه، بل والسباحة أيضاً، مع الالتزام بالمناطق المخصصة لذلك.

وفي لندن، يمكن للعائلات التوجه إلى نوافير «سومرست هاوس» أو «غراناري سكوير» في منطقة كينغز كروس. كما توصي ويغنال بالتجول في شوارع حي بلومزبري المظللة بالأشجار، أو زيارة المقابر التاريخية المعروفة باسم «السبعة العظماء»، التي تعود إلى القرن التاسع عشر وتوفر مساحات مجانية غالباً ما يغفل عنها الزوار للتنزه بين الأشجار ومشاهدة قبور شخصيات شهيرة.

وسائل النقل تضررت من موجة الحر (نيويورك تايمز)

أما في روما، فيُنصح بالابتعاد عن وسط المدينة والتجول في حدائق «فيلا بورغيزي» أو «جياردينو ديغلي أرانتشي». كما يمكن استقلال القطار لمدة نصف ساعة إلى مدينة أوستيا الساحلية للسباحة مجاناً في مياه البحر المتوسط، أو التوجه إلى «سانتا مارينيلا» التي يصفها كوبولا بأنها خيار أكثر سحراً وأقل ارتياداً من قبل السياح. أما في ميلانو، فيعد مسبح «باني ميستيريوزي» التاريخي من أبرز الأماكن المناسبة للسباحة.

وتنخفض درجات الحرارة بطبيعتها في المواقع الواقعة تحت سطح الأرض. ففي برلين، يمكن للزوار العودة بالزمن واستكشاف أحد الملاجئ التي تعود إلى الحرب العالمية الثانية، أو أنفاق الهروب التي حفرت في ستينات القرن الماضي بين شطري المدينة.

من المفضل الذهاب الى المتاحف في الايام الحارة (نيويورك تايمز)

وفي براغ، تتيح الجولات تحت الأرض التعرف إلى السجون القديمة والصهاريج والممرات المقببة التي يعود تاريخها إلى القرن الثالث عشر، والتي شُيدت قبل رفع مستوى المدينة بنحو خمسة إلى 25 قدماً لمواجهة أخطار الفيضانات.

وفي باريس، يوفر «متحف مجاري باريس»، المعروف أيضاً باسم متحف الصرف الصحي، منظوراً مختلفاً لتاريخ العاصمة الفرنسية من باطن الأرض. كما تمثل سراديب الموتى خياراً آخر، رغم أنها تشهد ازدحاماً كبيراً في العادة.

تتعرض أوروبا لدرجات حرارة عالية جدا (نيويورك تايمز)

وفي باريس، تفتح كاتدرائية نوتردام أبوابها عند الثامنة صباحاً، وهو التوقيت الذي تعدّه غاشيني الأنسب للزيارة. أما خلال فترة ما بعد الظهر، فتوصي بزيارة متحف الفن الحديث في باريس أو متحف كارنافاليه، حيث يمكن التعرف إلى تاريخ باريس لمدة تصل إلى ست ساعات داخل قصر أرستقراطي مكيف. وتنصح أيضاً بالاطلاع على المواقع الإلكترونية للمتاحف قبل التوجه إليها؛ إذ قد تغلق أبوابها مبكراً خلال موجات الحر الشديدة.

وفي لندن، تقول ويغنال إن الطوابق العليا في متحف فيكتوريا وألبرت من أفضل الأماكن التي يمكن اللجوء إليها، كما توصي بزيارة كنيسة سانت بارثولوميو الكبرى وكاتدرائية سانت بول، اللتين تكونان أقل ازدحاماً من المتحف البريطاني أو دير وستمنستر.

* خدمة «نيويورك تايمز»