تعرف على ثاني أكبر مدينة حضرية في العالم... دلهي

مأهولة بالسكان منذ 600 عام قبل الميلاد وتقارن بروما وإسطنبول والقاهرة

مقبرة همايون (شاترستوك)
مقبرة همايون (شاترستوك)
TT

تعرف على ثاني أكبر مدينة حضرية في العالم... دلهي

مقبرة همايون (شاترستوك)
مقبرة همايون (شاترستوك)

تعدُّ العاصمة الهندية، دلهي، مدينة شديدة الضخامة - تحديداً، ثاني أكبر منطقة حضرية في العالم، بعد طوكيو - ولأنها كانت مأهولة بالسكان بشكل مستمر منذ نحو 600 عام قبل الميلاد، فإن تراثها لا يمكن مقارنته سوى بعدد محدود للغاية من المدن، مثل روما أو إسطنبول أو القاهرة.

جرى بناء دلهي على أنقاض سبع مدن قديمة، ولديها الكثير من المزارات. وتهيمن الآثار القديمة والمساجد والأسواق والحصون على أهم مناطق الجذب في دلهي. في الواقع، من الصعب السير أكثر من بضع بنايات في دلهي دون أن تتعثر في موقع تاريخي آخر أو كنز قديم.

وسعياً لمساعدتك على تحقيق أقصى استفادة من وقتك في دلهي، إليك اختيارنا لأفضل الأشياء التي يمكنك رؤيتها والقيام بها داخل العاصمة الهندية الجذابة والمزدحمة. يمكن أن تطغى المدينة بسهولة على المعالم السياحية المذهلة، لذلك إليك اختيارنا لأفضل السبل لقضاء وقتك في دلهي الجذابة.

القلعة الحمراء في دلهي (شاترستوك)

استكشف تاريخ دلهي

شكلت دلهي قلب الإمبراطورية المغولية السابقة، وتحتضن المدينة كثيراً من المعالم التاريخية التي تقف بمثابة شواهد على ماضي المدينة المجيد.

تعد القلعة الحمراء واحدة من المعالم الأكثر شهرة في دلهي، ويرجع تاريخ بنائها إلى عام 1638 من قبل الإمبراطور المغولي شاه جاهان. وجرى بناء القلعة من الحجر الرملي الأحمر، وتتمتع بتاريخ غني، وجرت الاستعانة بها بوصفها مقر إقامة أباطرة المغول منذ نحو 200 عام. واليوم، تعدُّ القلعة الحمراء أحد مواقع التراث العالمي لليونيسكو، وتجذب ملايين الزوار سنوياً.

إضافة لذلك، يعدُّ «قطب منار» أحد مواقع التراث العالمي التابعة لليونيسكو، وواحداً من أطول المآذن في العالم. جرى بناء «قطب منار» من طرف سلطنة دلهي في القرن الثاني عشر، وهو مصنوع من الحجر الرملي الأحمر والرخام. يبلغ ارتفاع المئذنة 73 متراً، وتتألف من خمسة طوابق متميزة، لكل منها شرفة. وتزدان جدران وأعمدة المنار بنقوش بالخط البارسو ـ النجاري والخط العربي.

يمكنك كذلك زيارة «مسجد الجامع» أحد أكبر المساجد على مستوى الهند ويقع في الجزء القديم من دلهي. يعود تاريخ البناء إلى القرن السابع عشر على يد الإمبراطور المغولي شاه جاهان، وهو مصنوع من الحجر الرملي الأحمر والرخام الأبيض. يتسع المسجد لأكثر من 25 ألف شخص، ويعدُّ مكاناً رائعاً للتعرف على ثقافة وتاريخ دلهي.

وفي سياق متصل، تعدُّ مقبرة همايون، أول مقبرة داخل حديقة يجري بناؤها في الهند تكريماً للإمبراطور المغولي همايون. وتشتهر المقبرة بهندستها المعمارية الرائعة، المصممة على الطراز الهندي الإسلامي. واستغرق بناء المقبرة نفسها أكثر من 8 أعوام، وتقع داخل حديقة مترامية الأطراف تمتد على مساحة 30 فداناً، ويطلق عليها «شار باغ». ويضم المكان العديد من المقابر الأخرى، منها مقابر تضم رفات العديد من أباطرة المغول الآخرين.

استكشاف دلهي على دراجة

لضمان معايشة تجربة مختلفة في دلهي، انزل إلى الشوارع على دراجة هوائية، وانغمس في الألوان والروائح والأصوات والأذواق المختلفة. تنظم شركة «دلهي باي سايكل»، التي أسسها صحافي هولندي (الهولنديون معروفون بحبهم لركوب الدراجات)، مجموعة من جولات الدراجات عبر أرجاء المدينة. وتتضمن هذه الجولات جولات عبر أجزاء مختلفة من دلهي القديمة ونيودلهي، حتى يتمكن الزائر من استكشاف زوايا مختلفة من المدينة. وستحتاج إلى الاستيقاظ باكراً، لأن العديد من الجولات تبدأ في الصباح الباكر لتجنب حركة المرور في المدينة.

أكبر سوق للتوابل في آسيا

إذا كنت من محبي الطهي، فلا بد من زيارة سوق التوابل التي تعود إلى عصر المغول في القرن السابع عشر. ومثلما هو متوقع من أي سوق للتوابل، تعد سوق التوابل «خاري باولي» بمثابة سوق قادرة على تحفيز الحواس المختلفة. بالإضافة إلى الألوان النابضة بالحياة لكل ظل ولون يمكن تخيله، يمكنك كذلك أن تتوقع هجمات من روائح نفاذة من جميع الزوايا على مستقبلاتك الشمية - ولا تفاجأ إذا عانيت فجأة من نوبة عطس مفاجئة أو اثنتين. بخلاف التوابل التي تحمل اسمها، هناك كذلك الكثير من الفواكه المجففة والأعشاب والمكسرات والشاي والحبوب والأرز والمعكرونة، مما يعني أن السوق تضم ما يناسب كل الأذواق.

يعود تاريخ سوق التوابل الشهير في دلهي إلى عام 1650 عندما قامت ببنائه إحدى الزوجات الخمس للإمبراطور المغولي شاه جاهان. اليوم، يجري تشغيل بعض المتاجر على أيدي أصحاب المتاجر من الجيل العاشر والحادي عشر وحتى الثاني عشر من أحفاد الملاك الأوائل للمتاجر. بالإضافة إلى كونه وجهة شهيرة لتجار التوابل وعشاق الطعام، تُعدُّ السوق معلماً ثقافياً وتاريخياً رائعاً تحيطه أمثلة مذهلة للهندسة المعمارية في عصر المغول، بما في ذلك القلعة الحمراء والمسجد الجامع، مما يقدم لمحة فريدة عن التاريخ النابض بالحياة وثقافة دلهي.

فن شارع مستعمرة لودهي

لمحبي فنون الشوارع، يعد أول معرض فني عام في الهواء الطلق في الهند، منطقة لودهي للفنون، وهو مكان تجب زيارته. وأصبحت الجدران الفارغة على طول الشوارع هنا بمثابة لوحات فنية للفنانين من الهند ومن جميع أنحاء العالم.

تضم المنطقة أكثر من 65 لوحة جدارية مذهلة لفنانين وطنيين ودوليين. ويضيف مهرجان لودهي الشتوي السنوي إلى حيوية وإرث هذا المكان، حيث تقام مختلف فنون الشارع مثل الموسيقى والرقص.

خلال رئاسة الهند لمجموعة العشرين، زينت جداريتان مذهلتان المنطقة الفنية لفناني الشوارع، من إبداع باولا دلفين من المكسيك وأندا راس من ماليزيا. وبصرف النظر عن تجميل الشوارع، أظهرت الأعمال الرائعة كذلك قوة فن الشارع في تشكيل عقول الناس ورصد تعقيدات الحياة اليومية.

تجربة الأماكن المسكونة في دلهي

إذا كنت من الباحثين عن الإثارة وتميل للتجارب الخارقة للطبيعة، فإن دلهي المكان المناسب للذهاب إليه. تواصل مع هيئة السياحة في دلهي التي تنظم جولات في عدد من الأماكن المسكونة، بجانب أماكن مسكونة أخرى يديرها صائدو الأشباح على نحو خاص. يمكن للمرء أن يختار زيارة «أغراسين كي باولي»، بئر الملح الذي جرى إخلاؤه الآن، ويعتقد السكان المحليون أنه مسكون بأشباح. وبالمثل، يعتقد الكثيرون أن منطقة «كانتون دلهي» يسكنها شبح يظهر في ملابس بيضاء. مكان آخر غريب للزيارة في دلهي هو «مقبرة لوثيان»، التي يقال عادة إنها تسكنها روح الجنرال الإنجليزي الذي تحمل المقبرة اسمه، الذي انتحر بعد أن اكتشف أن المرأة الهندية التي أحبها تزوجت من رجل آخر.

ومن بين وجهات الرعب الشهيرة في دلهي كذلك «بهولي بهاتياري كا محل»، نزل صيد مهجور في كارول باغ، ويعود تاريخ بنائه إلى القرن الرابع عشر على يد فيروز شاه تغلق، وثمة اعتقاد سائد اليوم أنه مسكون. ومع نمو صور الحياة البرية فوق المبنى المدمر، يبرز هذا النزل بوصفه أحد الأماكن المخيفة في دلهي، التي يتعين على جميع محبي الرعب زيارتها.

مقبرة همايون (شاترستوك)

أكبر مستشفى للطيور في العالم

يعد معبد جاين واحداً من أقدم وأجمل المعابد من نوعها في دلهي، ويحتوي على لوحات جدارية تعود إلى 100 عام ماضية، بجانب مستشفى كامل مخصص يتولى علاج 15 ألف طائر جريح سنوياً. المكان غارق في الأساطير. وتنتشر أقاويل أنه عندما حظر الإمبراطور المغولي الموسيقى في المعبد، استمرت الجدران في إصدار قرع الطبول من تلقاء نفسها.

تشامبا غالي

من التجارب الأخرى الغريبة التي بمقدورك معايشتها في دلهي، زيارة تشامبا غالي، الذي يوفر أجواءً خلابة، ويضم مقاهي منزلية صغيرة ومعارض فنية والعديد من المتاجر الصغيرة الجذابة. وتجذب العديد من متاجر الحرف اليدوية خبراء الفن إلى المكان. وداخل المكان، تجري إقامة حفلات موسيقية وجلسات شعرية، يحاوطها سحر الريف. بالتأكيد هذا واحد من الأماكن الفريدة في دلهي التي يتعين على الجميع عدم تفويت زيارتها.

دلهي ثاني أكبر مدينة مأهولة بالسكان (شاترستوك)

عروض مسائية داخل مملكة الأحلام

لقضاء ليلة لا تُنسى، خاصة إذا كنت تقيم في ضواحي جورجاون بالقرب من نيودلهي، توجه إلى متنزه مملكة الأحلام الخيالي، حيث يجري تنظيم عروض فنية وثقافية وتراثية، إضافة إلى فعاليات على صلة بالحرف اليدوية والمأكولات والفنون المسرحية في أجواء حالمة.

وهناك عرضان مثيران للإعجاب من إنتاج «بوليوود» على المسرح: «زنغورة» (أكبر عرض مسرحي موسيقي في بوليوود على الإطلاق) و«جومرو» (كوميديا موسيقية حديثة).

أما إذا كنت من عشاق الطعام، فإن «كلتشر غولي» في مملكة الأحلام يتيح لك فرصة نادرة لتذوق المأكولات الرائعة في جميع الولايات الرئيسية في الهند.

مراسم تغيير الحرس

يمكنك مشاهدة مراسم تغيير الحرس في قصر دلهي الرئاسي، أحد أقدم التقاليد العسكرية في الهند. ويمكنك الاستمتاع بهذا الاستعراض الذي لا يُنسى، مع ظهور نخبة الحرس الشخصي للرئيس على ظهور الخيل وفرقة الجيش النحاسية بكامل عدتها.

ويعدُّ احتفال تغيير الحرس واحداً من العديد من الاحتفالات المماثلة التي تقام حول العالم (أشهرها في قصر باكنغهام بلندن).

كابوتار بازي (رياضة سباق الحمام)

«كابوتار بازي» سباق تقليدي لقدرة الحمام على الطيران بسرعة، ابتكره المغول منذ قرون، وما يزال رياضة تحظى بشعبية كبيرة في دلهي حتى يومنا هذا.

وداخل دلهي القديمة، يجري تنظيم السباق على نحو أكثر فخامة وتقليدية. ويعكف نحو 500 شخص في دلهي القديمة على تدريب الحمام على هذه الرياضة. وفي إطار السباق، يطير الحمام عكس الريح ويعود عبر الطريق نفسه، وفي النهاية يتم إعلان الفائز الذي يطير إلى أبعد مسافة.

تبدأ السباقات في الساعات الأولى من النهار وتنتهي في المساء. وإذا لم تكن قد رأيت واحداً من قبل، فقد يكون هذا حدثاً مثيراً لمعايشته.

الغولف

ربما لا تعرف ذلك، لكن دلهي مدينة تضم عدداً مدهشاً من نوادي الغولف رفيعة المستوى. وتوجد بها ملاعب غولف عالمية الطراز، صممها أمثال نيكلاوس وبالمر ونورمان. بدءاً من أفضل مرافق التدريب والأندية المرموقة وحتى أفضل اللاعبين وأكبر البطولات، فإن حلبة الغولف في العاصمة تضم كل شيء. بجانب ذلك، فإن معظم لاعبي الغولف ونوادي الغولف يرحبون باللاعبين الجدد.

يمكن الوصول بسهولة إلى معظم نوادي الغولف، والنادي التقليدي على هذا الصعيد نادي دلهي للغولف، المشهور بمناظره الجميلة وموقعه المركزي.

لودهي عنوان محبي الفنون (شاترستوك)

رحلة هليكوبتر في دلهي

يمكنك اكتشاف مناطق الجذب الرئيسية في دلهي من الجو في جولة بالمروحية، للاستمتاع بالمناظر الخلابة، بينما تعاين المدينة من عنان السماء. يمكنك الاستمتاع بمنظر بانورامي للعاصمة، والتقاط صور جوية مذهلة من الأعلى. انغمس في هذه التجربة الفريدة من نوعها وشاهد قوة عاصمة الهند من منظور مختلف تماماً.

اغتنم هذه الفرصة المذهلة لاستكشاف المدينة على ارتفاع 1000 - 1500 قدم والتمتع بمشاهدة أشهر معالم دلهي، بينما تغمرها أشعة الشمس الساطعة من داخل طائرة هليكوبتر.


مقالات ذات صلة

غرامات تصل إلى ألف جنيه إسترليني لمكافحة الموسيقى الصاخبة في القطارات البريطانية

يوميات الشرق استخدام السماعات لتقليل صخب الموسيقى (شاتورستوك)

غرامات تصل إلى ألف جنيه إسترليني لمكافحة الموسيقى الصاخبة في القطارات البريطانية

تعتزم شركات السكك الحديدية في بريطانيا تشديد الإجراءات ضد الركاب الذين يشغّلون الموسيقى بصوت مرتفع داخل القطارات، مع التلويح بغرامات تصل إلى ألف جنيه إسترليني،…

سفر وسياحة من يدفع ثمن الأعطال التقنية في المطارات؟

من يدفع ثمن الأعطال التقنية في المطارات؟

لم تعد المطارات مجرد محطات عبور للمسافرين، بل أصبحت شبكة عالمية شديدة الترابط. ولهذا فإن عطلاً تقنياً في نظام ملاحة جوية، أو انقطاعاً في الكهرباء، أو طائرة...

جوسلين إيليا (لندن)
سفر وسياحة جولة على مدن تجذب الزوار من أجل طعامها

جولة على مدن تجذب الزوار من أجل طعامها

لم نعد نختار المدن لمجرد رؤية معالمها، بل لنستكشفها وجبة بعد وجبة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق متحف «موسيو ديل غاليون» الجديد المثير للإعجاب في مانيلا (أ.ف.ب)

رحلة عبر الزمن في مانيلا... متحف يعيد إحياء حكايات السفن التي ربطت آسيا بأوروبا

في عالم يعتمد اقتصاده على حركة السفن والبضائع عبر البحار والمحيطات، يحتل البحارة الفلبينيون مكانة بارزة، إذ يشكّلون ما بين 25 و30% من أطقم السفن التجارية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم طائرة تابعة لشركة «دلتا إيرلاينز» أثناء اقترابها من الهبوط في سان دييغو بولاية كاليفورنيا الأميركية يوم 12 ديسمبر 2022 (رويترز)

مسؤولو شركات طيران يقرّون بصعوبة التصدي لطيار «مارق»

أقرّ رؤساء شركات طيران بصعوبة اتخاذ تدابير وقائية ضد طيار «مارق»، مؤكدين ارتفاع معايير السلامة رغم محاولة مساعد طيار إسقاط طائرة.

«الشرق الأوسط» (لندن)

من يدفع ثمن الأعطال التقنية في المطارات؟

مسافرون ينتظرون في مبنى الركاب رقم «2» بمطار هيثرو (أرشيفية -رويترز)
مسافرون ينتظرون في مبنى الركاب رقم «2» بمطار هيثرو (أرشيفية -رويترز)
TT

من يدفع ثمن الأعطال التقنية في المطارات؟

مسافرون ينتظرون في مبنى الركاب رقم «2» بمطار هيثرو (أرشيفية -رويترز)
مسافرون ينتظرون في مبنى الركاب رقم «2» بمطار هيثرو (أرشيفية -رويترز)

لم تعد المطارات مجرد محطات عبور للمسافرين، بل أصبحت شبكة عالمية شديدة الترابط. ولهذا فإن عطلاً تقنياً في نظام ملاحة جوية، أو انقطاعاً في الكهرباء، أو طائرة مسيّرة قرب مدرج، يمكن أن يحوّل مشكلة محلية إلى أزمة تمتد آثارها إلى عشرات الدول.

وهذا ما حصل في بريطانيا أخيراً، بعدما أدى خلل تقني في نظام معالجة بيانات الرحلات التابع لخدمات الملاحة الجوية الوطنية البريطانية «ناتس» إلى شلل واسع في حركة الطيران. وامتدت التداعيات إلى مطارات رئيسية بينها هيثرو وغاتويك ومانشستر وستانستد، مع إلغاء أكثر من ألفي رحلة وتأثر نحو 330 ألف مسافر، فيما استمرت آثار الأزمة حتى اليوم التالي بسبب تراكم الرحلات والركاب والأمتعة.

واللافت أن الأزمة لم تكن نتيجة إغلاق مدرج بسبب طقس سيئ أو حادث طائرة، بل نتيجة خلل في البنية التحتية الرقمية التي تعتمد عليها صناعة الطيران الحديثة. وقد أكدت السلطات البريطانية أن الحادث لم يكن هجوماً إلكترونياً، فيما طلبت الحكومة من رئيس «ناتس» تقديم تقرير عن أسباب الخلل، وأعلنت هيئة الطيران المدني البريطانية إجراء مراجعة مستقلة.

مسافرون عند مكاتب تسجيل الوصول التابعة للخطوط الجوية البريطانية في مطار هيثرو بلندن (رويترز - أرشيفية)

أزمة هيثرو الحالية ليست الأولى التي تثبت مدى هشاشة شبكة الطيران أمام الأعطال الاستثنائية. ففي مارس (آذار) 2025، أدى حريق في محطة كهرباء قريبة إلى انقطاع الكهرباء عن مطار هيثرو وإغلاقه ليوم كامل تقريباً. وتسببت الواقعة في إلغاء أكثر من ألف و300 رحلة وتأثر نحو 200 ألف مسافر، إضافة إلى تحويل رحلات إلى مطارات أخرى في بريطانيا وأوروبا وأميركا الشمالية.

وفي ديسمبر (كانون الأول) 2018، أدى ظهور طائرات مسيّرة قرب مدرج مطار غاتويك إلى إغلاق المطار بصورة متكررة خلال موسم عيد الميلاد، ما أثر في نحو 140 ألف مسافر وأدى إلى تحويل أو إلغاء نحو ألف رحلة.

أما في الولايات المتحدة، فقد تسبب انقطاع كهربائي ضخم في مطار أتلانتا هارتسفيلد جاكسون عام 2017 في إلغاء أكثر من ألف رحلة، بعدما توقفت أنظمة المطار، بما فيها الإضاءة والسلالم المتحركة وقطارات نقل الركاب والجسور المؤدية إلى الطائرات.

وتكشف هذه الحوادث حقيقة واحدة وهي أن المطار لا يعمل بمعزل عن بقية شبكة الطيران. فإذا تعطل مطار محوري مثل هيثرو، لا تتأثر الرحلات التي تصل إليه أو تغادر منه فقط، وإنما تتأثر الطائرات والأطقم ومواعيد الرحلات المتصلة في مدن ودول أخرى.

هل يحصل المسافر على تعويض؟

هنا تبدأ النقطة الأكثر أهمية بالنسبة للمسافرين. في بريطانيا، تحكم حقوق المسافرين قواعد UK261. وهي الإطار البريطاني الذي ينظم حقوق الركاب في حالات التأخير والإلغاء ورفض الصعود إلى الطائرة.

لكن وجود تأخير طويل لا يعني تلقائياً أن شركة الطيران مطالبة بدفع تعويض مالي. العامل الحاسم هو سبب التأخير.

فإذا كان التأخير أو الإلغاء نتيجة أمر يقع ضمن مسؤولية شركة الطيران، فقد يكون المسافر مؤهلاً لتعويض مالي. أما إذا كان السبب من قبيل «الظروف الاستثنائية» الخارجة عن سيطرة شركة الطيران، فقد لا يكون التعويض المالي مستحقاً. وتوضح هيئة الطيران المدني البريطانية أن التأخير الناتج عن ظرف استثنائي لا يوجب التعويض.

فالخلل في نظام مراقبة الحركة الجوية قد يصنف، بحسب ظروف القضية وتقييم المسؤولية، ضمن الظروف الاستثنائية التي تعفي شركة الطيران من دفع التعويض المالي. ولذلك فإن مجرد وصول المسافر متأخراً ثلاث ساعات أو أكثر لا يعني بالضرورة حصوله على مبلغ تعويض في هذه الحالة.

لكن «لا تعويض» لا تعني «لا حقوق» هذه نقطة يقع فيها كثير من المسافرين. حتى عندما لا يكون التعويض المالي مستحقاً تبقى على شركة الطيران التزامات تجاه المسافر.

فعند التأخير، قد يكون للمسافر حق في الرعاية والمساعدة، بما في ذلك الطعام والشراب ووسائل الاتصال، والإقامة الفندقية عند الضرورة، بحسب مدة التأخير والمسافة وظروف الرحلة.

ولهذا ينصح المسافر بالاحتفاظ بالفواتير والإيصالات الخاصة بالمصروفات الضرورية والمعقولة التي تحملها بسبب التعطل، لأن شركة الطيران قد تكون مطالبة بردها وفقاً للظروف والقواعد المطبقة.

وفي حالة إلغاء الرحلة، يكون للمسافر عموماً خيار بين استرداد قيمة التذكرة أو إعادة توجيهه إلى وجهته وفق الحقوق التي تنطبق على رحلته.

متى يكون التعويض المالي مستحقاً؟

بصورة مبسطة، يمكن للمسافر في الرحلات المشمولة بـUK261 أن يطالب بالتعويض عندما:

*يصل إلى وجهته النهائية متأخراً أكثر من ثلاث ساعات.

*أو تُلغى رحلته في ظروف تجعل التعويض مستحقاً.

*أو يُرفض صعوده إلى الطائرة في حالات معينة.

*ويكون سبب المشكلة من مسؤولية شركة الطيران وليس نتيجة ظرف استثنائي خارج سيطرتها.

وقد يصل التعويض في الحالات المؤهلة إلى 520 جنيهاً إسترلينياً للمسافر، بحسب مسافة الرحلة وظروفها.

لكن هناك فارقاً جوهرياً بين التعويض والرعاية.

فحتى إذا لم يكن المسافر مستحقاً للتعويض المالي بسبب ظرف استثنائي، قد تبقى حقوقه في الطعام أو الفندق أو إعادة التوجيه أو استرداد قيمة التذكرة قائمة.

هل للوجهة علاقة بقيمة التعويض؟

الوجهة لا تحدد وحدها ما إذا كان المسافر يستحق التعويض، سبب المشكلة ونقطة انطلاق الرحلة والقواعد القانونية التي تنطبق عليها عوامل أساسية.

لكن المسافة بين نقطة الانطلاق والوجهة تدخل في تحديد قيمة التعويض عندما يكون التعويض مستحقاً أصلاً. ولهذا تختلف قيمة التعويض بين الرحلات القصيرة والمتوسطة والطويلة.


جولة على مدن تجذب الزوار من أجل طعامها

ليون تغري زوارها بأطباقها الفرنسية (بيكسلز)
ليون تغري زوارها بأطباقها الفرنسية (بيكسلز)
TT

جولة على مدن تجذب الزوار من أجل طعامها

ليون تغري زوارها بأطباقها الفرنسية (بيكسلز)
ليون تغري زوارها بأطباقها الفرنسية (بيكسلز)

لم نعد نختار المدن لمجرد رؤية معالمها، بل لنستكشفها وجبة بعد وجبة.

تُظهر بيانات شركة «هيلوتيكتس» أن البحث عن عطلات قصيرة في وجهات تتمتع بهوية طهي قوية قد ارتفع بنسبة تتجاوز 30 في المائة. ويعكس هذا التحول أسلوباً جديداً في السفر: أكثر عفوية، وأكثر إثارة للحواس، وأكثر انغماسا في المذاقات حيث أصبحت الأسواق، والمخابز، وقاعات الطعام، والطاولات، والمأكولات المحلية الشهيرة لا تقل أهمية عن المعالم السياحية الكلاسيكية.

باليرمو من المدن التي يقصدها السياح لتذوق أطباقها (بيكسلز)

واليوم، لم تعد العطلات القصيرة في المدن تُبنى فقط على ما ينبغي لك رؤيته، بل أيضاً على ما تتوق لتذوقه؛ فمكان لاحتساء القهوة حُفظت تفاصيله مسبقاً، أو أكلة محلية تُتناول في أثناء السير، أو سوقاً تضج بالحياة، أو عنواناً في أحد الأحياء أوصى به السكان المحليون باتت هي اللحظات التي تحدد معالم الرحلة بصورة متزايدة.

ويقول خورخي دياز لارغو، الرئيس التنفيذي لشركة «هيلوتيكتس»: «نشهد عدداً متزايداً من المسافرين يختارون المدينة بناءً على التجارب اليومية التي يمكنهم خوضها هناك: فنجان قهوة، أو قطعة معجنات، أو سوق محلية، أو أكلة شعبية خاصة. إنها طريقة أكثر حرية وحيوية ومباشرة لاكتشاف الوجهة السياحية».

كوبنهاغن من المدن المميزة بمطبخها (بيكسلز)

تلك المدن التي ربما لم تكن لترتب سفرك إليها لمجرد رؤية معالمها السياحية فحسب، لكنها تغدو عصية على النسيان في اللحظة التي تبدأ فيها باستكشاف معالمها أكلة بعد أكلة.

تبليسي: المدينة التي تحجز رحلتك إليها بدافع الفضول، وتغادرها وأنت لا تفكر إلا بوجباتها.

من خشب «الخاتشابوري» المتبخر بالحرارة، والخبز الطازج الخارج لتوه من الفرن، إلى الزلابية العملاقة، والمطاعم الصغيرة المريحة، والموائد الطويلة السخية: تمتلك تبليسي تلك القدرة النادرة على تحويل كل وجبة إلى جزء أصيل من تجربة السفر. إنها مدينة دافئة، وتفيض بالحيوية، ومناسبة للميزانية على نحو معقول، مدينة يشعر فيها المرء بأن الطعام جزء متغلغل في عمق الحياة اليومية.

تبليسي معروفة بمأكولاتها اللذيذة (بيكسلز)

باليرمو: الفوضى المثالية لعطلة نهاية أسبوع مخصصة للتذوق والتنقل بين مختلف المعالم.

من كرات «الأرانشيني» المقرمشة، وأقراص «البانيلي» المصنوعة من دقيق الحمص، وبيتزا «الشفينشوني» الحافلة بالنكهات، إلى الأسواق المكشوفة المفعمة بالحيوية الصاخبة، والمناضد البسيطة التي تتسم بتواضع ظاهر، لكنها لا تخيب أملك أبداً: باليرمو لا تتصنع لتسحرك، وهذا هو السبب تحديداً في أنها تعيش في ذاكرتك ولا تفارقها. إنها مدينة يُفهم جوهرها على النحو الأفضل وأنت واقف على قدميك تتناول شيئاً ساخناً، بدلاً من اتباع جدول سياحي مُعد بعناية فائقة، وتصنّع مفرط.

بورتو: المدينة التي تجعلك ترغب في التوقف باستمرار.

بورتو في البرتغال (بيكسلز)

شطائر رائعة، ومعجنات طازجة، وأطعمة معلبة فاخرة، ومقاهٍ وأماكن بسيطة دون أي استعراض بلا داعٍ: تُعد بورتو وجهة مثالية للمسافرين الذين يفضلون المدن القريبة من النفس والإنسان، والتي تتمتع بالجمال دون تباهٍ، وبالمتعة دون تصنع أو استعراض. إنها نوعية الأماكن التي يشعر فيها المرء بأن تناول الطعام الجيد فيها أمر يسير، ولا يتطلب أي عناء.

ليون: المدينة الفرنسية التي تظن أنك تعرفها بالفعل... حتى تزورها لمجرد الأكل فقط.

غالباً ما ترتبط ليون بعالم الطهي الرفيع والفخم، غير أن المدينة تبدو مختلفة تماماً عندما تقصدها بحثاً عن الوجبات الخفيفة، والتجول، والأكل في أثناء السير عبر أرجائها. إن المخابز، ومتاجر المعجنات، وطاولات الطعام، والمأكولات المحلية الجاهزة تجعل منها واحدة من أوضح الأمثلة على هذا النمط الجديد من العطلات القصيرة في المدن.

كوبنهاغن: حيث تشعر بأن الوجبة الخفيفة قد أُعدت ببراعة وذوق رفيع.

ثقافة المخابز، والمقاهي المصممة بجمال وإتقان، والأطباق الصغيرة المبتكرة والراقية، والأسواق المحلية، واستراحات التذوق للأطباق اللذيذة، والهوس الهادئ بالتفاصيل: تحول كوبنهاغن كل وقفة فيها إلى شيء مشتهى ومحط إعجاب. إنها مدينة الرغبات الأنيقة، والاستراحات الموزونة بدقة، والملذات البسيطة التي صيغت لتغدو جذابة ومثالية بصورة مذهلة.

الرفاهية الحقيقية الآن هي في المدينة التي تثير شهيتك وتجعلك جائعاً.

وراء صعود اتجاه «العطلات القصيرة القائمة على الطعام أولاً» يكمن أيضاً شعور واضح بالإرهاق والملل من الرحلات التي تبدو مفرطة في التخطيط، والتدقيق، والتكرار المألوف.

وبالطبع، لا يزال المسافرون يرغبون في الشعور بالتنقل والارتحال إلى عالم آخر؛ غير أنهم باتوا يفتشون أيضاً عن مدن تتمتع بطابع وشخصية أكثر أصالة، وأقل تصنعاً وصقلاً، مدن لديها ما تقوله، وتفصح عنه منذ الساعة الأولى. أماكن يمكنك أن تخرج فيها، وتمشي لمدة 20 دقيقة، لتدخل بقعة ما بناءً على نزوة نابعة من لحظتها — وتتعثر صدفة بأجمل لحظات عطلة نهاية الأسبوع.

وقد يكون هذا هو ما يكشفه بحق هذا النمط الجديد من السفر: لم نعد نبحث عن مجرد وجهة جميلة فحسب.

وإنما نقتفي أثر مدينة تتمتع بالذوق الرفيع، وبكل ما تحمله الكلمة من معانٍ.


3 معالم لبنانية بهندسة معمارية مختلفة

قصر مزهر (الشرق الأوسط)
قصر مزهر (الشرق الأوسط)
TT

3 معالم لبنانية بهندسة معمارية مختلفة

قصر مزهر (الشرق الأوسط)
قصر مزهر (الشرق الأوسط)

هذه المرة، لن تقتصر جولتك السياحية في لبنان على المواقع الأثرية والمناظر الطبيعية، ولا على شواطئه وجباله. فقد اخترنا لك ثلاث وجهات مختلفة في بلدات كوسبا وبخعون وحمانا، حيث تختبئ معالم مميزة تستحق الزيارة، وتروي كل منها حكاية خاصة تجعلها محطة سياحية غير تقليدية.

ففي كل بلدة من هذه البلدات قصر أثري يستحق الزيارة والتعرّف إلى قصته، وحكاية تشييده، وخصوصية عمارته. لذلك اخترنا لك ثلاثة قصور أثرية تفتح أمامك أبوابها للتعرّف إليها عن كثب، واكتشاف تفاصيلها، وخوض مغامرة سياحية فخمة ومختلفة لا تشبه سواها. وتتألف هذه المعالم من «قصر الأحلام» في بلدة بخعون.

و«القصر الأسود» في بلدة كوسبا وقصر «مزهر» المشهور باسم «لامارتين» في حمانا.

قصور بتصاميم مميزة (الشرق الأوسط)

قصر الأحلام

حين يتحول الخيال إلى حجر في أعالي الضنية، وتحديداً في بلدة بخعون، يصعب أن تمرّ من أمام «قصر الأحلام» من دون أن تتوقف للحظة. فالمبنى الذي ينتشر على مساحة تتجاوز خمسة آلاف متر مربع، ويضم طبقات وأروقة وساحات واسعة، يبدو أقرب إلى عالم من قصص الخيال منه إلى منزل تقليدي. وقد تحول مع مرور السنوات إلى أحد المعالم السياحية اللافتة في المنطقة.

لكن جمال القصر لا يكمن في حجمه فقط، بل في حكايته؛ فقد بدأ المشروع من حلم راود محمد هوشر منذ سنوات، ثم تطور إلى عمل طويل شارك فيه مع ابنته داليدا وصديقه محمد أحمد الفران. وتحوّلت الأفكار والرسومات إلى حجر وموزاييك وفسيفساء ومنحوتات، في ورشة استمرت سنوات طويلة. ويتردّد أن العمل في القصر بدأ في ثمانينات القرن الماضي. وما يميز المكان أن زائره لا يدخل إلى قصر ذي طابع معماري واحد، بل إلى عالم يجمع رموزاً مستوحاة من حضارات وحقبات مختلفة. فهناك إشارات إلى الحضارات الفرعونية والفينيقية والرومانية والعربية، إلى جانب عناصر من التراث اللبناني. كما تنتشر في أرجائه منحوتات ورسومات ونقوش وأشكال تستعيد قلاعاً ومعالم لبنانية، فيما تشكل الأرزة أحد الرموز البارزة في المكان.

حتى تفاصيل القصر الصغيرة تحمل طابعاً خاصاً؛ فالحجر الملون والموزاييك والفسيفساء والرسومات تتداخل في الجدران والأروقة، بينما تستقبل الساحات الخارجية الزائر بمجموعة من العناصر والمنحوتات الضخمة. ولهذا تبدو زيارة المكان أشبه بجولة بين صفحات كتاب مصوّر، كل زاوية فيه تحمل فكرة أو حكاية.

القصر الأسود (الشرق الأوسط)

القصر الأسود... قلعة ولدت من قلب الحرب

من بخعون ننتقل إلى كوسبا في قضاء الكورة، حيث ينتظر الزائرَ معلمٌ مختلفٌ تماماً في شكله وحكايته. هناك، في منطقة تطل على امتداد وادي قاديشا يرتفع مبنى دائري ضخم يعرف باسم «القصر الأسود» أو Château du Liban. اللون هو أول ما يلفت الانتباه.

فقد شُيّد القصر من الحجر البركاني الأسود، الذي جُلب من منطقة عكار، وهو ما منحه مظهره الداكن وجعله يبدو من بعيد كأنه قلعة خرجت من إحدى الحكايات الأوروبية القديمة. ويتألف البناء من سبعة طوابق، تحيط به مساحة واسعة تجمع بين العمارة والطبيعة.

أما وراء هذا الشكل غير المألوف، فتوجد قصة الطبيب الراحل إيلي صرّاف، الذي راوده حلم إقامة معلم ثقافي وسياحي في بلدته الأم كوسبا. وعاد إلى لبنان في خضم الحرب. وبدأ العمل على مشروعه رغم الظروف الصعبة وغياب الدعم. واختار له في البداية اسم «قلعة لبنان»، قبل أن يعرف لاحقاً باسم «القصر الأسود».

وشارك صرّاف بنفسه في هندسته وبنائه، مستعيناً بعائلته وبعض أبناء المنطقة. وبدأت الخطوة الأولى للمشروع عام 1984، فيما اكتمل البناء الأساسي عام 1990.

لكن القصر لا يكتفي بالواجهة الحجرية، فقد أراده صاحبه مساحة تجمع الفن والتراث والثقافة. وتضم أرجاؤه أعمالاً فنية ومقتنيات ومجسمات، إضافة إلى متاحف ومساحات ثقافية. ونجد فيه الأرزة اللبنانية والرماح والسيف والترس والبنادق والقارب البدائي. ومنقوشات محفورة على حيطانه ومجسمات لصخرة الروشة وقلعتي المسيلحة وعنجر وغيرها، وجميعها مصنوعة من الحجر اللبناني. فيما تظهر في محيطه عناصر تستعيد جوانب من الحياة اللبنانية القديمة. وتتحول الزيارة بذلك إلى رحلة في عالم صاحبه الفني، لا إلى مجرد جولة داخل مبنى غريب الشكل.

قصر مزهر وثّق جماله لامارتين في مؤلفاته

أما المحطة الثالثة فتأخذنا إلى حمانا، حيث يختلف المشهد كلياً؛ فهنا لا نكون أمام قصر حديث نسبياً أو مشروعاً فردياً نشأ من حلم شخصي، بل أمام بناء تاريخي ارتبط بتاريخ البلدة وبعائلة مزهر، وبشخصية أدبية تركت بدورها أثراً في ذاكرة المكان.

يقف قصر المقدمين، المعروف أيضاً بقصر عائلة مزهر، على جرف صخري تتدفق المياه عند قدميه في فصل الربيع، في مشهد يجمع بين العمارة والطبيعة. وتصفه بلدية حمانا بأنه يتميز بهندسة رشيقة وسحر خاص، فيما يستند البناء إلى صخور قديمة تحتضنه في محيطه الطبيعي.

وترتبط عائلة مزهر بتاريخ قديم في المنطقة، وكان لها دور في حكم المنطقة. واستمر القصر في لعب دور بارز في تاريخ البلدة، ولا سيما خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر.

لكن حكاية صارت تتردد على كل شفّة ولسان بعد أن سكنه الشاعر والكاتب الفرنسي ألفونس دو لامارتين. ففي مارس (آذار) 1833، وخلال رحلته إلى الشرق، حلّ لامارتين ضيفاً في القصر بعد الوفاة المأساوية لابنته جوليا. وقد ترك وصفاً للمكان عبّر فيه عن إعجابه الكبير بأناقته وموقعه، وقارنه بالقلاع القوطية الرائعة في أوروبا. وهناك ولدت قصائد وأشعار شهيرة كتبها حزناً على وفاة ابنته.

لم تغب محطّة حمانا عن كتابه «رحلة إلى الشرق». وقد وثّقها بوصفه للقصر الحمّاني فقال: «قصر شيخ حمّانا يتفوّق في الأناقة والنعمة والسمو على كل ما رأيته من هذا النوع... ولا يمكن مقارنته إلا بأحد أروع قصورنا القوطية في العصور الوسطى». وهكذا لا تكون زيارة قصر مزهر مجرد اكتشاف لبناء قديم، بل فرصة للوقوف في المكان نفسه الذي استقبل أحد أبرز أدباء فرنسا في القرن التاسع عشر. كما يمكن استكمال الجولة بالتجول في حمانا القديمة، واكتشاف أزقتها ومعالمها التراثية وطبيعتها الجبلية، لتتحول الزيارة إلى رحلة تجمع التاريخ والأدب والعمارة.