عهد الملك سلمان يُعزز رؤى مستقبل واستقراء الذكاء الاصطناعي في السعودية

إنجازات معاصرة في جميع النواحي حوّلت المملكة إلى ورشة عمل

الملك سلمان بن عبد العزيز يدشن المرحلة الأولى من منظومة مشروعات مدينة وعد الشمال الصناعية في العام 2018 (واس)
الملك سلمان بن عبد العزيز يدشن المرحلة الأولى من منظومة مشروعات مدينة وعد الشمال الصناعية في العام 2018 (واس)
TT

عهد الملك سلمان يُعزز رؤى مستقبل واستقراء الذكاء الاصطناعي في السعودية

الملك سلمان بن عبد العزيز يدشن المرحلة الأولى من منظومة مشروعات مدينة وعد الشمال الصناعية في العام 2018 (واس)
الملك سلمان بن عبد العزيز يدشن المرحلة الأولى من منظومة مشروعات مدينة وعد الشمال الصناعية في العام 2018 (واس)

تحلّ اليوم ذكرى مرور 10 سنوات على تولّي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز مقاليد السلطة في السعودية، إذ تولّى مقاليد الحكم في بلاده 23 يناير (كانون الثاني) 2015.

شهد العهد السلماني خلال عقد إنجازات معاصرة في جميع النواحي؛ السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وغيرها، وتحوّلت بلاده إلى ورشة عمل لخلق مستقبل الدولة.

ولتحقيق هذه الإنجازات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتقنية، شهد عهد الملك سلمان تأسيس عدة كيانات تهتم بالتقنيات الحديثة والدقيقة، منها تأسيس شركات تقنية متخصصة، وكيانات حكومية لتعزيز مكانة السعودية في التقنيات المتقدمة؛ حيث شهد عهد الملك سلمان تأسيس جهات حكومية للإشراف على تنظيم وتطوير هذه التقنيات المتقدمة، منها تأسيس الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، التي تأسست عام 2019، وأسهمت في تطوير عدة مشروعات ومنصات متقدمة، وتطوير الكوادر السعودية في مجال البيانات والذكاء الاصطناعي، وكذلك أُسست في عهد الملك سلمان الهيئة الوطنية للأمن السيبراني عام 2017، التي عزّزت تصنيف المملكة في المؤشر العالمي للأمن السيبراني؛ حيث احتلت المرتبة الـ13 عالمياً، والأولى عربياً في عام 2019. إضافة إلى غيرها من الهيئات الحكومية المتخصصة والمهتمة بالبحث والتطوير، مثل الهيئة العامة للتطوير الدفاعي، والهيئة العامة للصناعات العسكرية، وهيئة تنمية البحث والتطوير والابتكار.

اقتصاديات المستقبل

في مجال إنشاء الشركات المتخصصة، أنشئت عدة شركات في عهد الملك سلمان، متخصصة في تقنيات اقتصاديات المستقبل، ففي فبراير (شباط) من عام 2014 تم تأسيس الشركة السعودية للإلكترونيات (آلات) المملوكة بالكامل لصندوق الاستثمارات العامة، والمتخصصة في صناعة وتطوير الإلكترونيات المتقدمة، مثل أشباه الموصلات، والأجهزة الذكية، والصناعات المتقدمة، وكذلك البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

خادم الحرمين الشريفين يستقبل أهالي منطقة تبوك ويدشن ويضع حجر الأساس لعدد من المشروعات التنموية بالمنطقة خلال شهر نوفمبر 2018 (واس)

كما شهد العقد الماضي، الذي تولّى فيه الملك سلمان مقاليد الحكم في بلاده، استضافة وإطلاق المملكة عدداً من المؤتمرات العالمية، اهتمت بالتقنيات الحديثة، ففي شهر مارس (آذار) من العام الماضي، تم إطلاق النسخة الثالثة من مؤتمر «ليب»، الذي يعد أضخم مؤتمر ومعرض تقني يهتم بمستقبل التقنيات ودورها في ازدهار البشرية، وذلك بعد النسخة الأولى التي أقيمت في عام 2022، وتلتها النسخة الثانية في عام 2023.

وشهدت الرياض في سبتمبر (أيلول) الماضي القمة العالمية للذكاء الاصطناعي بنسختها الثالثة، وسط حضور دولي ومحلي لافت للإعلان عن عدد من الشراكات الدولية ومذكرات التفاهم والإطلاقات التي من شأنها تعزيز رؤى مستقبل هذه التقنية في المرحلة المقبلة.

كما تَعزّز دور السعودية في مسيرة الذكاء الاصطناعي وقيادة الجهود العالمية في هذا المجال المتقدم؛ حيث ناقشت القمة عدداً من الموضوعات في مجال الذكاء الاصطناعي والاستفادة من تقنياته وتأثيرها في المجتمع والاقتصاد. كما تهدف إلى تعظيم الاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي، وإلى إيجاد الحلول للتحديات الحالية لعدة قطاعات، مثل: المدن الذكية، وتنمية القدرات البشرية، والرعاية الصحية، والمواصلات، والطاقة، والثقافة والتراث، والبيئة، والحراك الاقتصادي.

خادم الحرمين الشريفين يرأس أعمال القمة الافتراضية لقادة دول مجموعة العشرين 2020 (واس)

وفي هذا الاتجاه، أعلنت وزارة الطاقة السعودية، على سبيل المثال، أنها سوف تنشئ إدارة عامة للذكاء الاصطناعي وتطوير الأعمال بهدف زيادة كفاءة الطاقة وتقليل الاستهلاك. في حين كشفت «أرامكو الرقمية» عن التعاون مع «غروك» -وهي منصة متكاملة من الأجهزة والبرمجيات توفر سرعة استثنائية في معالجة الذكاء الاصطناعي- لإنشاء أكبر مركز بيانات عالمي لاستقرار الذكاء الاصطناعي في السعودية.

وكانت القمة التي نظمتها الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، قد شهدت تجارب استثنائية وتفاعلية، وجذبت زواراً فاق عددهم الـ32 ألفاً من داخل المملكة وخارجها، إلى جانب مشاركة خبراء ومختصين وقادة في الذكاء الاصطناعي من حول العالم، للنقاش حول مستقبل هذه التقنية، وطرح الحلول الملهمة لخير البشرية.

في خدمة القطاعين الصناعي والتعدين

وفي إحدى الجلسات الحوارية، كشف وزير الصناعة والثروة المعدنية، بندر الخريف، عن 3 ركائز مهمة من أجل الاستفادة القصوى من تقنية الذكاء الاصطناعي في قطاع المصانع، أولاها حجم الفائدة على عمليات التصنيع من البداية التي تتضمن مصادر المواد الخام والكفاءة، إلى تحسين الإنتاجية، إضافة إلى المحاور المتضمنة الربط بين المصانع والآلات واللوجستيات، وغيرها. وثانيها تتلخص في حجم مساهمة الذكاء الاصطناعي، وقيمته في المنتج النهائي، وتعزيز المنتجات باستخدام مختلف مكونات هذه التقنية، أما الركيزة الثالثة فتتمحور حول الأثر الإيجابي من الذكاء الاصطناعي على تطوير رأس المال البشري، من خلال التدريب والمهارات ومواءمة وتكييف التقنيات، وإتاحة المجال للموظفين لرفع مستوى الفرص من منخفضي إلى مرتفعي المهارة، مؤكداً أن السعودية تتجه لبناء قطاع صناعي يولّد فرص عمل عالية المهارات والجودة.

وأوضح الخريف أن وظائف المستقبل سيتم تحديدها بالتقنيات الحديثة؛ لذا يجب أن نكون منفتحين على الأفكار الجديدة من أجل رفع كفاءة المصانع وخفض التكلفة، لافتاً إلى أن المملكة تستورد اليوم كثيراً من التقنيات، ولكن مع مرور الوقت ستقوم بعمليات التصدير.

وفيما يخص التعدين، أفاد وزير الصناعة والثروة المعدنية بندر الخريف، بأن هذا القطاع كان متأخراً في تبني التقنيات الجديدة، ولكنْ اليوم هناك عدد من التقنيات التي تُساعد على التعدين في مختلف المناطق من شأنها المساعدة في رفع مستوى الأمان ومزيد من الكفاءة في استهلاك الطاقة بالنسبة للمواد والتنقيب. كما أوضح أن التقنيات الحديثة أتاحت إجراء التحكم عن بُعد في عمليات التعدين من أجل الحفاظ على البيئة، وهذا النوع من التطور سيكون محور جذب للقطاع.

كما شهدت القمة العالمية للذكاء الاصطناعي تفعيل عدة شراكات ومبادرات عالمية، منها المبادرة الوطنية «إيه آي إم»، بالشراكة بين الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي «سدايا»، والبرنامج الوطني لتنمية تقنية المعلومات، ووزارة الاتصالات وتقنية المعلومات، وجامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست)، بهدف بناء منظومة شاملة للابتكار في هذا المجال، وتعزيز الإمكانات الوطنية، وبناء القدرات والشركات، وتحفيز نظام متكامل في المملكة.

الرياض شهدت في سبتمبر 2024 قمة عالمية للذكاء الاصطناعي بلغ زوارها 12 ألفاً (واس)

من جهتها، أعلنت «أرامكو الرقمية» خلال القمة العالمية للذكاء الاصطناعي، وذلك بالتعاون مع «غروك»، المتخصصة في مجال الاستدلال بالذكاء الاصطناعي، شراكتهما في مشروع إنشاء أكبر مركز بيانات عالمي لاستقراء الذكاء الاصطناعي في المملكة؛ حيث ستُسهم هذه الشراكة الاستراتيجية في تعزيز مبادرات التحول الرقمي بالمملكة، وترسيخ مكانتها بوصفها مركزاً عالمياً للذكاء الاصطناعي.

وتم كذلك خلال القمة إطلاق مبادرات في تطوير الذكاء الاصطناعي لخدمة اللغة العربية؛ حيث أطلقت الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي «سدايا»، ومجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية، مؤشر تقييم وقياس النماذج العربية في مجال البيانات والذكاء الاصطناعي «بلسم».

وإلى جانب كل هذا التوجّه العلمي والتقني، لم ينسَ المسؤولون في القطاعات والمنشآت الأخرى في السعودية الثقافة والتاريخ الوطني، فقد تم في فبراير من عام 2024 انطلاق النسخة الأولى من مهرجان خادم الحرمين للهجن، إضافة إلى إطلاق النسخة الخامسة من كأس السعودية لسباقات الخيل؛ حيث أطلق أول نسخة منه في عام 2020، وفي يناير (كانون الثاني) من العام الماضي، تم الإعلان من قِبل هيئة فنون الطهي عن تسمية الأطباق المناطقية لكل مناطق المملكة، وهذا الإجراء له دلالات عظيمة في الحفاظ على الموروث الشعبي من الأطباق التي يُقدمها المطبخ السعودي من مختلف المناطق، ويتساير مع المنجزات الثقافية الأخرى؛ لأن كثيراً من الدول تفتخر بأطباقها ونشرها في ربوع العالم، والسعودية غنية بهذا الثراء المتنوع.


مقالات ذات صلة

مجلس الوزراء: السعودية لن تتوانى في اتخاذ إجراءات لحماية أمنها

الخليج خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز لدى ترؤسه جلسة مجلس الوزراء في جدة الثلاثاء (واس)

مجلس الوزراء: السعودية لن تتوانى في اتخاذ إجراءات لحماية أمنها

جدَّد مجلس الوزراء السعودي التأكيد على أن المملكة لن تتوانى أبداً عن اتخاذ كل ما من شأنه حماية أمنها وصون استقرارها وسلامة مواطنيها والمقيمين على أراضيها.

«الشرق الأوسط» (جدة)
الخليج خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز والأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي (الشرق الأوسط)

القيادة السعودية تعزي الكويت في وفاة الشيخ فاضل الفاضل الصباح

بعث خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، والأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، برقيات عزاء للحكومة الكويتية في وفاة الشيخ فاضل.

«الشرق الأوسط» (جدة)
الخليج ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان خلال استقباله وفد تكريم خادم الحرمين الشريفين تقديراً لدعمه جمعيات تحفيظ القرآن الكريم (واس)

ولي العهد يستقبل وفد تكريم خادم الحرمين تقديراً لدعمه جمعيات تحفيظ القرآن

استقبل الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، مساء أمس (الثلاثاء)، وفد تكريم خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز.

«الشرق الأوسط» (جدة)
الخليج المهندس وليد الخريجي خلال استقباله في مقر الوزارة بالرياض عميد السلك الدبلوماسي سفير جيبوتي لدى السعودية ضياء الدين بامخرمة (واس)

خادم الحرمين يتلقى رسالة خطية من رئيس جيبوتي تتصل بالعلاقات الثنائية

تلقى خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، رسالة خطية، من الرئيس الجيبوتي إسماعيل عمر جيله، تتصل بالعلاقات الثنائية بين البلدين.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج الفائزون بـ«جائزة الملك فيصل 2026» في دورتها الـ48 (واس)

نائب أمير الرياض يُتوِّج الفائزين بـ«جائزة الملك فيصل 2026»

تحت رعاية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز ونيابة عنه، كرّم الأمير محمد بن عبد الرحمن نائب أمير منطقة الرياض، الفائزين بـ«جائزة الملك فيصل 2026».

«الشرق الأوسط» (الرياض)

وليد جنبلاط يرسم صورة التشظي اللبناني في «قدر من المشرق»

وليد جنبلاط يرسم صورة التشظي اللبناني في «قدر من المشرق»
TT

وليد جنبلاط يرسم صورة التشظي اللبناني في «قدر من المشرق»

وليد جنبلاط يرسم صورة التشظي اللبناني في «قدر من المشرق»

مذكرات وليد جنبلاط الصادرة في كتاب من 340 صفحة باللغة الفرنسية عن دار «ستوك» للنشر تحت عنوان قدر من المشرق» مع عنوان فرعي: «من الحرب الأهلية إلى السلام غير الأكيد» ليست مذكرات بالمعنى الحرفي المتعارف عليه. ذاك أن الكاتب الذي لعب دوراً سياسياً من الطراز الأول منذ نحو خمسين عاماً وكان طرفاً فاعلاً في المشهد السياسي والاجتماعي في لبنان لا يكتفي بسرد سيرة حياته المليئة بالأحداث المؤلمة وغير المؤلمة. ولا ينحصر في مراجعة تاريخ عائلته والدور الذي لعبته في منطقة الشوف اللبنانية منذ مقتل أحد أجداده القدماء (بشير جنبلاط) على أيدي العثمانيين بسبب خلافه مع البشير الآخر، أمير الجبل (بشير الشهابي).

كل ذلك يتضمنه الكتاب ويتضمن بالطبع مأساة مقتل والده السياسي الكبير كمال جنبلاط على يد النظام السوري السابق يوم 16 مارس (آذار) عام 1977 الذي يرخي بظله على الكاتب والذي نقل إليه الزعامة السياسية الدرزية والزعامة النيابية ورئاسة الحزب التقدمي الاشتراكي، وكلها تنقل تدريجياً إلى ابنه تيمور.

وليد جنبلاط في تأبين والده كمال عام 1977 (غيتي)

كل ما سبق صحيح. لكن الكتاب الذي يمكن النظر إليه على أنه رواية لبعض من سيرة لبنان الحديث والمعاصر، هو أيضاً فرصة للكاتب لعرض وتفسير مواقفه المتبدلة ورؤاه للماضي والحاضر وإبداء نصائحه السياسية لبلد عاش في العقود الستة المنصرمة مجموعة من الحروب الأهلية والإقليمية.

وبعض صفحات الكتاب يكرسها الكاتب للحديث عن عائلته، عن جدته الست نظيرة، عن أمه، مي أرسلان، عن العلاقة بين والديه المنفصلين، عن مربيته الفرنسية إيفون نيادو، عن قصر المختارة، مقر «الزعامة الدرزية»، عن نسبه الأرسلاني، عن والده الإقطاعي الذي تبنى الاشتراكية... لكن الأصل والأهم هو السياسة. ولآل الأسد حافظ وبشار حظ وفير منها.

آل الأسد وآل جنبلاط

بين آل الأسد وآل جنبلاط قصة طويلة تحتجز عشرات الصفحات من الكتاب، لا بل إنها تشكل حبكته الرئيسية: قصة كمال جنبلاط مع الأخوين حافظ ورفعت الأسد، الأول رئيس للجمهورية السورية بين 1971 و2000، ثم قصة الابن، وليد مع حافظ الأب وبشار الابن الذي ورث الرئاسة وبقي فيها حتى أواخر عام 2024.

لقاء بين حافظ الأسد وكمال جنبلاط بحضور توفيق سلطان (إلى اليسار) وعبد الله الأحمر (أرشيف توفيق سلطان)

يسرد الكاتب بالتفصيل علاقة كمال جنبلاط بحافظ الأسد بدءاً من المقدمة، كما أنه يبدأ فصلين منه (الثاني والثالث) بعبارة «اغتيل والدي يوم 16 مارس من العام 1977».

وليد جنبلاط معجب إلى أقصى الحدود بوالده، بما يسميه «الكاريزما» التي كان يتمتع بها، بثقافته الواسعة وبقدرته على التحدث مع الناس العاديين كما مع كبار القادة والزعماء، وبنجاحه، كزعيم يساري، في بناء تحالف القوى التقدمية والفلسطينيين ضد «قوى الانعزال» أي الأحزاب اليمينية المسيحية.

ويسرد بالتفصيل أسباب الخلاف بين والده كمال وحافظ الأسد، خصوصاً منذ أن قرر الثاني الدخول العسكري إلى لبنان بموافقة أميركية وبغطاء عربي وبناء على طلب القادة المسيحيين الثلاثة وقتها: الرئيسين السابقين كميل شمعون وسليمان فرنجية ورئيس حزب الكتائب الشيخ بيار الجميل.

ومن أسباب الجفاء، سعي الأسد الأب لفرض وصايته على الحركات الفلسطينية وعلى ياسر عرفات رئيس سلطتها التنفيذية.

لقاء بين كمال جنبلاط وياسر عرفات بحضور توفيق سلطان وجورج حاوي ومحسن إبراهيم وياسر عبد ربه (أرشيف توفيق سلطان)

عن الأسد، يقول وليد جنبلاط، كان يسعى لفرض «وصاية دكتاتورية» على لبنان وتكميم الحريات والهيمنة على المقدرات اللبنانية الأمر الذي رفضه والده، فلم يتردد في مهاجمة الأسد ونظامه في مقالات نشرتها صحيفة الحزب التقدمي.

جنبلاط الأب كان على «خلاف مفتوح» مع نظام الأسد الذي رفض تزويد الميليشيات اليسارية بالسلاح الذي كان يطالب به كما اتهمه بالسعي لإعادة تشكيل «سوريا الكبرى». ووصف كمال جنبلاط التدخل السوري بأنه «غزو تقوم به دولة توتاليتارية».

ويشير الكاتب إلى أن الخلاف بينهما هو في الواقع «خلاف بين أقلويين»، الأول علوي والثاني درزي. ويؤكد جنبلاط أن والده تجرأ، خلال آخر لقاء بينه وبين الأسد قبل عام من اغتياله، على القول مباشرة إنه يرفض الموافقة على استباحة لبنان من جانب دولة يرفض أساليبها «القمعية». بيد أن الشعرة التي قصمت ظهر البعير تعود لتغيير دمشق صيغة تحالفاتها السابقة في لبنان بانتقالها إلى التحالف مع الأحزاب المسيحية بعد زيارة القادة الموارنة الثلاثة دمشق، والطلب، رسمياً، من الأسد التدخل لوقف الحرب الأهلية، الأمر الذي جعل اليسار والفلسطينيين والإسلاميين في وضع بالغ الهشاشة.

حافظ الأسد متوسطاً الرئيس أمين الجميل (يسار) ورئيس الحكومة اللبنانية شفيق الوزان (أرشيف أمين الجميل)

ولأن جنبلاط الأب كان يستشعر التهديد المسلط فوق رأسه، فقد سعى للخروج من عزلته باحثاً عن مظلة حماية له، عربية ودولية، فزار فرنسا والاتحاد السوفياتي ودولاً عربية، منها مصر.

ويروي الكاتب أنه عرّج على مصر في طريق العودة إلى لبنان حيث استقبله الرئيس أنور السادات الذي لم يتردد بتوجيه نصيحة واضحة له بقوله: «أخ كمال، لا تعد إلى لبنان. يبدو عليك التعب، ابق في مصر». وسمع كمال جنبلاط نصائح مماثلة عربية وغير عربية. إلا أنه لم يأبه بها وقال لسائليه ما معناه أنه يستشرف ويريد أن يموت في الشوف إلى جانب شعبه.

ولعودته إلى لبنان، استعان كمال جنبلاط بالسفير السوفياتي في مصر الذي أمن نقله على متن ناقلة بترول أنزلته في مرفأ الجية الجنوبي. ويروي الكاتب تفاصيل اغتيال والده متهماً رفعت الأسد والمخابرات السورية بالمسؤولية عنه تدبيراً وتنفيذاً، ومؤكداً أن المسؤول المباشر كان اللواء إبراهيم الحويجي الذي ألقت القبض عليه، في قرية جبلة السورية، القوات الأمنية للنظام السوري الجديد. ويؤكد جنبلاط أن المخابرات السورية اختارت قرية مسيحية لإتمام عملية الاغتيال أو قريباً منها وبثت إشاعات تدعي أن المسيحيين هم من نفذوا الاغتيال، ما أفضى إلى موجات قتل قضت على 300 منهم وتهجير عشرات الآلاف.

وفي عام 2025، أغلق «وليد» فصل اغتيال «كمال» الذي لبس عباءة زعامته، ثم بعد عشرات السنوات نقلها إلى ابنه تيمور، النائب الحالي ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي. فآل جنبلاط متمسكون بالتقاليد، بثوابتهم وبزعامتهم.

 

 

الطريق إلى دمشق

منذ الصفحات الأولى، يعرّف جنبلاط عن نفسه بتذكير أن «قليلاً من آل جنبلاط أنهوا حياتهم بموت طبيعي» وأنه قد يكون «الاستثناء» لأنه ما زال حياً. ويضيف: «خلال خمسين عاماً من حياتي السياسية، التي بدأت في عام 1977، لم أعرف سوى النزاعات وشعوري أنني أعيش حرباً بلا نهاية». وقد تكون غريزة البقاء هي التي قادته إلى سلوك طريق دمشق للقاء الرئيس الأسد بعد أشهر قليلة على اغتيال والده. كتب جنبلاط في الصفحة 74: «قررت بالاتفاق مع كادرات الحزب التقدمي وشيخ العقل محمد أبو شقرا التوجه إلى دمشق لإعادة إحياء التحالف الضروري لوجودنا». ويضيف: «كان علي أن أعيد تطبيع علاقاتنا مع النظام السوري الذي كان داعمنا الوحيد. لم يكن لدينا خيار آخر».

بشار الأسد مستقبلاً وليد جنبلاط (أ.ف.ب)

الغريزة نفسها قادته مجدداً إلى دمشق، في مارس 2010، بعد القطيعة مع نظام بشار الأسد عقب اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري في 14 فبراير (شباط) من عام 2005.

الاغتيال، كما يقول جنبلاط، صديق الحريري: «أحدث زلزالاً في لبنان والعالم»، ولم يتردد الكاتب باتهام النظام السوري علناً بالمسؤولية عنه. الحريري كان على خلاف مع الأسد بسبب رغبة الأخير بالتمديد للرئيس إيميل لحود المنتهية ولايته. ويروي جنبلاط ما نقل له الحريري عن لقائه الأسد في 26 أغسطس (آب)، إذ قال له: «لحود هو أنا وإذا سعى شيراك لإخراجي من لبنان، فسوف أحطم كل شيء. وإذا كان جنبلاط يرى أن لديه دروزاً في جبل لبنان، ليعلم أن لي أنا أيضاً دروزي وأستطيع إثارة الفوضى هناك».

 

 

الأسد واغتيال الحريري

لم يكن الود السمة الغالبة على العلاقة بين الأسد والحريري. وفاقم ذلك قول الحريري يوماً إن رئيس الجمهورية القادم «يجب أن يتم اختياره في لبنان» أي ليس في دمشق.

وثمة روايات عديدة عما دار في لقاء الأسد ــ الحريري الذي عاد منه الأخير «مرعوباً» كما كتب جنبلاط. ولحماية صديقه، قال له: «أنصحك بأن تصوت لصالح التمديد للحود. لا تعارض ذلك. إنهم أشخاص خطرون...». وهو ما فعل. إلا أن ذلك لم يكن كافياً، إذ إن صدور القرار الدولي رقم 1559 الذي دعا إلى خروج السوريين من لبنان واتهم الحريري بالدفع لتبنيه فاقم الأمور. ويروي جنبلاط أنه تلقى اتصالاً سريعاً من رئيس أركان سابق لم يسمه، قال له: «احذر».

الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد في أحد لقاءاته مع رئيس الحكومة اللبنانية الراحل رفيق الحريري (غيتي)

وبعد سلسلة الاغتيالات التي أعقبت مقتل الحريري، فهم جنبلاط أن الأسد «يريد التخلص ممن يعارضه»، إذ إن سلسلة من عمليات الاغتيال كرّت: باسل فليحان، سمير قصير، جورج حاوي، جبران تويني، بيار الجميل، وليد عيدو... وخلاصة جنبلاط أن صورة الحداثة التي سعى الأسد للترويج لها مع زوجته أسماء كانت «هزلية، فالابن صورة عن أبيه ولكن أسوأ منها». ودورة القتل التي استمرت ما بين 2005 و2007، كان غرضها إسكات كل صوت منتقد للنظام السوري أو لـ«حزب الله».

وكتب جنبلاط:«حزب الله كان يراقبنا في الوقت الذي استمر فيه القضاء على كبار الشخصيات السياسية والفكرية». ويؤكد الكاتب في الصفحتين 301 و302 أنه خلال جلسة «حوار وطني» دعا إليها رئيس البرلمان، نبيه بري، في مارس 2006، حمل معه كتاب «سمرقند» لأمني المعلوف الذي يتحدث فيه عن «الحشاشين» الذين عرفوا بتبنيهم الاغتيالات لإرهاب أعدائهم. وقال في حضور حسن نصر الله، أمين عام «حزب الله» حينذاك: «إن ما نقوم به يذكرنا بما جاء في كتب سمرقند عن الحشاشين». فنظر إليه نصر الله بقسوة معتبراً ما قاله «اتهاماً شخصياً» له. ويضيف جنبلاط: «لقد خيل لي أنه على صلة بعمليات القتل وفهم أنني أتهمه علناً بذلك».

نصب لرفيق الحريري في موقع اغتياله ببيروت (أ.ف.ب)

ويذكّر جنبلاط بكلمة قالها بمناسبة مرور عام على اغتيال الحريري، متوجهاً للأسد: «أنت يا طاغية دمشق، أنت يا قرداً من أسوأ الأنواع، أنت يا سمك القرش الذي لفظك المحيط... أيها الجزار، المجرم، الكذاب».

مرت علاقات جنبلاط بـ«حزب الله» في مرحلة بالغة التوتر عام 2008 حيث انفجر الوضع الميداني في مايو عندما اجتاح مسلّحو الحزب أحياء بيروت وحاصروا دارة جنبلاط والحريري وهاجموا مناطق في الجبل. وقال حكمت الشهابي، رئيس الأركان السوري آنذاك، خلال لقاء مع جنبلاط في باريس، إن «حزب الله» سعى لقتله. وكما بعد مقتل والده، عدل جنبلاط موقفه بعد اتفاق الدوحة فتوقف عن انتقاد النظام السوري وعن استهداف «حزب الله» عملاً بـ«الواقعية السياسية» وبقراءة متأنية لميزان القوى.

كذلك عمد إلى الخروج من تحالف 14 مارس الذي يضم «السياديين». وفي 2009، زار سعد الحريري، الذي كان قد عُين حديثاً رئيساً للوزراء، دمشق للقاء الأسد. وبعده جاء دور جنبلاط.

ناشطون يحملون أعلاماً لبنانية وسورية وصور الصحافي سمير قصير الذي اغتاله النظام السوري السابق في تحرك ببيروت تحت شعار «مِن بيروت الحرية» احتفالاً بسقوط نظام بشار الأسد (إ.ب.أ)

وعن هذا اللقاء، كتب جنبلاط أنه «لم يكن سعيداً بحصوله» لكن كان عليه «أن يساهم في عملية المصالحة اللبنانية ــ السورية». و«لم يكن من خيار أمامي سوى الذهاب حتى النهاية في هذا المسار». وآخر لقاء تم بين الرجلين في 9 يونيو (حزيران) بعد أن انطلقت الانتفاضة في سوريا.

قطعاً، لا تكفي هذه السطور لنقل ما يتضمنه الكتاب الغني بالأحداث والتحليلات، الذي يعد مرآة تعكس عمق الانقسامات اللبنانية، والتشظي الذي يعتمل في مجتمع لم ينجح بعد في رسم طريق لتخطي ذلك الماضي.


تطويرات تقنية لزيادة كفاءة الجنود في ظروف الحرارة الشديدة

تطويرات تقنية لزيادة كفاءة الجنود في ظروف الحرارة الشديدة
TT

تطويرات تقنية لزيادة كفاءة الجنود في ظروف الحرارة الشديدة

تطويرات تقنية لزيادة كفاءة الجنود في ظروف الحرارة الشديدة

تُغيِّر أدوات القياسات البيولوجية القابلة للارتداء، والتطويرات العلمية الحديثة الأخرى، وتوفر مزيد من البيانات، نظرة الجيش الأميركي إلى الأداء البشري، ولا سيما كيفية تكيُّف الجنود مع مخاطر ارتفاع درجة حرارة أجسامهم.

قرن من الدراسات حول تأثير الحرارة على الجنود

يدرس الجيش الأميركي آثار الحرارة على قواته منذ قرن تقريباً، وتحديداً منذ إنشاء مختبر هارفارد للإجهاد عام 1927، بناءً على طلب الجيش. ومع ذلك، فإن نهج الجنود والقادة تجاه المهام البدنية الأساسية -كالجري الموقوت، والأنشطة الخارجية الشاقة، والتعرض للعوامل البيئية- لا يزال متأخراً عن الكم المتزايد من البحوث العلمية حول مخاطر الحرارة، أحياناً بسنوات أو عقود. وقد يتغير هذا الوضع أخيراً في ظل مبادرات جديدة لتوسيع نطاق البحث في الأداء البشري.

تفاعل الجسم مع البيئة

وصرح المقدم ديفيد ديغروت، مدير مركز الحرارة التابع للجيش، لموقع «ديفنس ون» بأن الأجهزة القابلة للارتداء الجديدة -التي تتعقب مؤشرات مثل معدل ضربات القلب ودرجة حرارة الجسم- توفر للمدربين العسكريين والجنود نافذة جديدة لفهم كيفية تفاعل أجسامهم مع البيئة.

وتقدم هذه البيانات رؤى قيِّمة قبل ظهور أعراض الإجهاد الحراري. ويُعدُّ التوقيت عاملاً حاسماً: فبحلول الوقت الذي يُصاب فيه الجندي بالإجهاد الحراري أو تظهر عليه الأعراض الأولى لضربة شمس أشدّ خطورة، يكون الوقت قد فات في كثير من الأحيان لمنع حدوث مشكلة صحية قد تُبعده عن التدريب أو ما هو أسوأ.

أدوات لرصد ضربة الشمس

وأضاف ديغروت على هامش «منتدى الحرارة» الذي عُقد في 4 مارس (آذار) في فورت بينينغ، بجورجيا: «لدينا بعض التقنيات القابلة للارتداء، غير الجراحية، والتي لا تزال قيد التطوير، والتي ستتمكن، ليس بالضرورة من منع ضربة الشمس، ولكن من اكتشافها في وقت أبكر بكثير» بما يصل إلى 12 دقيقة، مما يتيح الوقت للحدّ من حدّتها.

مسيرة «الجندية الجيدة»

وعلى عكس ما يتم تداوله من أن تجاهل المشقة هو السمة المميزة لـمسيرة «الجندية الجيدة»، وهي الفكرة التي تعود إلى قرون مضت، يسعى ديغروت إلى تذكير الجنود والمدربين والقادة، بأنه ليس من المنطقي محاولة تحطيم رقم قياسي شخصي خلال كل مسيرة أو جري؛ ففي بعض الأحيان من الأفضل ببساطة الوصول إلى الحد المقبول، وتأجيل تحطيم الرقم القياسي إلى يوم آخر. كما أوضح أن شرب الماء وحده لا يوفر الحماية من الأمراض المرتبطة بالحرارة. في الواقع، أشار إلى أن 80 في المائة من ضحايا ضربة الشمس يتمتعون بترطيب كافٍ للجسم.

* مجلة «ديفنس وان»، خدمات «تريبيون ميديا».


«مطرقة الليل» في 2025... ترمب ينهي «أنصاف الحلول» في إيران

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يبكي على نعش قائد «الحرس الثوري» حسين سلامي خلال تشييع عسكريين كبار قتلوا في الضربات الإسرائيلية في طهران يوم 28 يونيو الماضي (أرشيفية- أ.ف.ب)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يبكي على نعش قائد «الحرس الثوري» حسين سلامي خلال تشييع عسكريين كبار قتلوا في الضربات الإسرائيلية في طهران يوم 28 يونيو الماضي (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

«مطرقة الليل» في 2025... ترمب ينهي «أنصاف الحلول» في إيران

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يبكي على نعش قائد «الحرس الثوري» حسين سلامي خلال تشييع عسكريين كبار قتلوا في الضربات الإسرائيلية في طهران يوم 28 يونيو الماضي (أرشيفية- أ.ف.ب)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يبكي على نعش قائد «الحرس الثوري» حسين سلامي خلال تشييع عسكريين كبار قتلوا في الضربات الإسرائيلية في طهران يوم 28 يونيو الماضي (أرشيفية- أ.ف.ب)

مع عودة دونالد ترمب إلى المكتب البيضاوي مطلع 2025، لم تحتج استراتيجيته المحدثة لـ«الضغوط القصوى» سوى أقل من عام كي تفرض إيقاعها الكامل على إيران. ففي غضون أشهر، انتقلت البلاد من جدلٍ حول إحياء الاتفاق النووي إلى واقع الحرب على أراضيها للمرة الثانية في عمر الجمهورية الإسلامية، بعد نحو أربعة عقود على نهاية حربٍ لا تزال ذاكرتها الجماعية ثقيلة على من عاشها.

في الواقع، كانت سحب الحرب تتراكم فوق سماء طهران قبل أن يبدأ ترمب مسار العودة إلى البيت الأبيض. تلاشت الآمال بإحياء الاتفاق النووي، في حين تسارعت عجلة تخصيب اليورانيوم الإيراني، في مسارٍ انتهى إلى حرب الـ12 يوماً، وانكشاف حدود الردع الإيراني أمام ضربات استباقية إسرائيلية انضمت إليها الولايات المتحدة لاحقاً، ثم عودة العقوبات الأممية بموجب «سناب باك».

مع ذلك، لم يبدأ هذا المسار من واشنطن، بل من طهران نفسها. قبل شهور من الانتخابات الأميركية، راهنت المؤسسة الحاكمة على «استراحة تكتيكية» عبر انتخاب مسعود بزشكيان الذي بدأ مهامه في أغسطس (آب) 2024، كرئيسٍ إصلاحي بخطاب أقل صدامية مع الغرب، يقدم نفسه مديراً لـ«حرب اقتصادية» لا لمغامرة صاروخية. اختار فريقاً للسياسة الخارجية متمرساً بغرف التفاوض، في مقدمته وزير الخارجية عباس عراقجي؛ في إشارة فُسرت غربياً كتهيئة مبكرة لمرحلة مفاوضات جديدة، ومحاولةٍ لخفض التوتر وإعادة تهيئة الملف النووي لاحتمالين متناقضين: إما إدارة ديمقراطية بقيادة كامالا هاريس تسعى لاستكمال إرث أوباما وبايدن، أو عودة ترمب بنسخة أشد من «الضغوط القصوى» لإغلاق ملف إيران بطريقته.

عاد دونالد ترمب رئيساً، بكاريزما مألوفة، إلى المشهد الأميركي في سياق دولي أكثر توتراً، ومع حرب مفتوحة بين إسرائيل ووكلاء إيران، الأمر الذي خلط أوراق الرهانات في طهران. فالرجل الذي يحمل في سجله قرار اغتيال قاسم سليماني لم يكن بالنسبة للنخبة الحاكمة وجهاً غامضاً، بل خصم مجرب يعود ومعه سجل كامل من الانسحاب من الاتفاق النووي، وتصعيد العقوبات. لذلك استقر التقدير على أنه لن يغير مقاربته الأساسية، بل سيحاول توسيعها: «ضغوط قصوى» في الاقتصاد والمال، مرفوقة برسالة سياسية واضحة، مفادها أن التراجع الإيراني يجب أن يكون ملموساً في الملفات النووية والصاروخية والإقليمية معاً. في ظل هذا التصور، بدا أن هامش المناورة المتاح أمام طهران يضيق، حتى قبل أن تبدأ جولات التفاوض غير المباشر.

عودة «الضغوط القصوى»

بعد أقل من أسبوعين على أداء اليمين، وقع ترمب في 4 فبراير (شباط) 2025 مذكرةً رئاسية للأمن القومي أعادت إطلاق سياسة «الضغوط القصوى» بصياغةٍ أكثر حزماً وتفصيلاً. حددت المذكرة ثلاثة محاور رئيسية: حرمان إيران من أي طريق إلى سلاح نووي أو صواريخ عابرة للقارات، وتفكيك شبكاتها ووكلائها المصنفين على قوائم الإرهاب الغربية، وكبح تطوير ترسانتها من الصواريخ الباليستية والقدرات غير المتماثلة.

على المستوى التنفيذي، كُلفت وزارة الخزانة بفرض أقصى ضغط اقتصادي، وتشديد إنفاذ العقوبات، وإصدار إرشادات تحذر قطاعات الشحن والتأمين والمواني من التعامل مع طهران أو وكلائها، في حين أُوكل إلى وزارة الخارجية تعديل أو إلغاء الإعفاءات السابقة، والعمل مع الحلفاء على استكمال إعادة العقوبات الأممية بموجب «سناب باك»، ودفع صادرات النفط الإيراني إلى الصفر، بالتوازي مع تكليف وزارة العدل بملاحقة الشبكات المالية واللوجيستية والواجهات المرتبطة بإيران داخل الولايات المتحدة.

هكذا تحول شعار ترمب القديم: «لن نسمح لإيران بسلاح نووي»، إلى إطار عملٍ شامل يربط الاقتصاد والأمن الداخلي والجبهة الدبلوماسية في مسار ضغط واحد على طهران.

على الجانب الإيراني، جاء الرد الأول مزيجاً من الإنكار والتحسب. لم يغلق المرشد علي خامنئي باب المفاوضات، لكنه لم يفتحه على مصراعيه أيضاً؛ فسمح بمسار تفاوضي غير مباشر بدأ برسالة من ترمب حملها وسيط خاص، ردت عليها طهران برسالة موجزة. من هذه القناة انطلقت خمس جولات من المفاوضات غير المباشرة بين فريق ترمب بقيادة ستيف ويتكوف وفريق عباس عراقجي، بمشاركة وسطاء أوروبيين وإقليميين.

في العلن، تحدث عراقجي عن «استعداد لمحادثات مسؤولة إذا احترمت واشنطن تعهداتها»، وعن إمكانية التوصل إلى «اتفاق متوازن» يعيد دمج إيران في الاقتصاد العالمي. في الكواليس، حاول الفريق الإيراني توسيع هوامش المناورة عبر اللعب على التباينات بين واشنطن وبعض العواصم الأوروبية، وإثارة حساسيات داخل فريق ترمب نفسه حيال أكثر شخصياته تشدداً، أملاً في أن تُترجَم هذه التناقضات إلى مرونة في شروط الصفقة.

عراقجي وفريقه على هامش الجولة الثانية من المحادثات التي عُقدت في روما يوم 19 أبريل الماضي (رويترز)

خمس جولات تفاوضية

مع ذلك، ظل جوهر التباين ثابتاً في الجولات الخمس جميعاً. أصرت واشنطن على تجريد إيران من مخزون اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المائة القريبة من العتبة النووية، وإعادة الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى دور المراقب الكامل في جميع المواقع الحساسة، وعلى أن يتضمن أي مسار لاحق جدولاً زمنياً واضحاً لبحث مدى الصواريخ الباليستية، ومفاصل أساسية من نشاط إيران الإقليمي.

في المقابل، تمسكت طهران بأولوياتها القديمة: رفع العقوبات النفطية والمالية كشرطٍ مسبق، وضمانات بعدم انسحاب أي إدارة أميركية من الاتفاق الجديد، واستبعاد ملف الصواريخ من أي نص ملزم، ورفض توصيف علاقاتها مع حلفائها في المنطقة بـ«السلوك المزعزع للاستقرار».

هكذا خرجت كل جولة بخلاصة شبه متكررة: تقدم تقني في هوامش النصوص، وانسداد سياسي في قلبها.

في الخلفية، كانت علاقة إيران بالوكالة الدولية للطاقة الذرية تنزلق تدريجياً إلى منطقة أشد توتراً. منذ سنوات، تطالب الوكالة بتفسيراتٍ لآثار يورانيوم عُثر عليها في مواقع غير مصرح عنها، وبإعادة كاميرات المراقبة وأجهزة القياس التي عُطلت أو أزيلت تباعاً بعد انسحاب واشنطن من اتفاق 2015. وبحلول 2025، كان مخزون إيران من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المائة قد بلغ مستوى يرى خبراء الوكالة أنه «يختصر الزمن التقني للوصول إلى العتبة النووية متى توافرت الإرادة السياسية». من زاوية العواصم الغربية، تحوّل البرنامج إلى مزيج من تقدّم مادي وتعتيم سياسي. ومن زاوية طهران، صار ملف الوكالة امتداداً لحملة «الضغوط القصوى»، لكن بأدوات قانونية وفنية هذه المرة.

منظومة الدفاع الجوي الإسرائيلية تعترض الصواريخ فوق تل أبيب (أ.ب)

حرب الـ12 يوماً

وعلى خط موازٍ، كانت المنطقة كلها تعيش ارتدادات زلزال 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023. «طوفان الأقصى» فتحت الباب أمام عامين من حرب ظلٍّ عالية الكثافة بين إسرائيل ووكلاء إيران، من الحدود اللبنانية حتى البحر الأحمر. ومع كل ضربة إسرائيلية لقوافل أو مواقع مرتبطة بـ«الحرس الثوري» في سوريا، كانت معادلة الردع التقليدية تفقد بعضاً من غموضها الذي كان يشكّل جزءاً من قوتها. لكن طهران تمسكت بخيار إدارة المواجهة عبر الوكلاء وتجنب الانخراط المباشر من أراضيها، إلى أن جاءت اللحظة التي قلبت هذه المعادلة رأساً على عقب: حرب الـ12 يوماً، حين انتقلت النيران للمرة الأولى بهذا الحجم بين إيران وإسرائيل فوق الأرض الإيرانية نفسها، لتصيب في الصميم العقيدة التي رسخها قاسم سليماني بـ«نقل المعركة إلى ما وراء الحدود»، وإبقاء ساحات الوكالة مشتعلة كي لا تصل الحرب إلى الداخل الإيراني.

خلال الأيام الأولى من حرب الـ12 يوماً، نفذت إسرائيل سلسلة ضربات مركزة داخل إيران استهدفت قواعد صاروخية ومراكز قيادة رئيسية، إلى جانب منشآت مرتبطة بسلسلة التخصيب، وبعض مرافق البحث والتطوير. في تلك الجولة الأولى تحديداً، خسر «الحرس الثوري» عدداً من كبار قادته الميدانيين، وسقطت معهم «عقول مدبرة» من الفيزيائيين والمهندسين والمسؤولين الفنيين في البرنامج النووي، في ضربةٍ أصابت رأس الهرم العسكري - التقني أكثر مما أصابت البنية المادية وحدها.

دخان يتصاعد عقب هجوم إسرائيلي على مبنى هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية ويبدو في الخلفية «برج ميلاد» أبرز معالم العاصمة الإيرانية يوم 16 يونيو 2025 (رويترز)

بعد ذلك بأيام، انتقلت المواجهة إلى مستوى أعمق مع تنفيذ عملية «مطرقة منتصف الليل» التي شاركت فيها قاذفات شبح وعمليات هجومية في الفضاء السيبراني عطلت جزءاً من منظومات الإنذار والرصد. استُهدفت في هذه العملية مواقع محورية في دورة التخصيب، ومراكز تصنيع وتجميع أجهزة الطرد المركزي، وبعض الوحدات الحساسة في البنية التحتية النووية، ما أجبر إيران على وقفٍ اضطراري لبعض أنشطتها لأسباب تقنية وأمنية. في الخطاب الرسمي، جرى التركيز على الصواريخ التي أصابت أهدافاً داخل إسرائيل وعلى «فرض وقف إطلاق النار»، لكن التقييم الهادئ داخل مؤسسات القرار كان أكثر تحفظاً: البرنامج النووي لم يمحَ من الوجود، لكنه خضع لاختبار قاسٍ كشف أن الردع الإيراني، بصيغته الراهنة، لا يمنع توجيه ضربة مركزة إلى قلب المشروع النووي عندما تتقاطع الظروف السياسية والعسكرية.

هذه الهزة العسكرية سرعت انكشاف خطوط التصدع داخل النخبة الحاكمة. الرئيس مسعود بزشكيان حذر علناً من «خطر حربٍ ثانية على الأراضي الإيرانية»، ملمّحاً إلى أن «الطرف الآخر أثبت استعداده لضرب المنشآت النووية نفسها»، في إشارة غير مباشرة إلى أن تجاهل مسار التفاوض بات يحمل تكلفة أمنية متزايدة. في المقابل، شدد الجناح الأكثر تشدداً على أن أي مراجعة بعد الحرب ستكون «مكافأة للعدو» وتشكيكاً في جدوى «المقاومة» كخيار استراتيجي، رافضاً ربط الخسائر العسكرية بخيار العودة إلى طاولة المفاوضات.

مرشد إيران علي خامنئي يلقى خطاباً سنوياً أمام قادة القوات الجوية في الجيش الإيراني عشية ذكرى الثورة يوم 7 نوفمبر الماضي (أرشيفية - أ.ف.ب)

تباينات داخلية

في هذه الأجواء، اختار المرشد علي خامنئي أن يردّ على صدمة الحرب بإعادة ترتيب دوائر الاستشارة لا بتغيير المبدأ. كلف علي لاريجاني، الرئيس السابق للبرلمان وأحد أقرب مستشاريه، برئاسة المجلس الأعلى للأمن القومي، وأجاز إنشاء «مجلس دفاع» جديد تحت مظلته، يضم قادة عسكريين ومسؤولين حكوميين وأمنيين لتقديم تقديرات أكثر تكاملاً حول الحرب والبرنامج النووي ومسار المفاوضات.

ظاهرياً، كان الهدف توسيع قاعدة التشاور بعد تجربة الـ12 يوماً، لكن عملياً عكس القرار مزيجاً من الاعتراف بأن الحسابات السابقة لم تكن كافية، والإصرار في الوقت نفسه على إبقاء القرار النهائي في يد دائرة ضيقة تدير ملفَّي الردع والتفاوض معاً، ضمن حدود لا تتجاوز الإطار الذي رسمته «الضغوط القصوى» من الخارج، وهاجس الحفاظ على تماسك النظام من الداخل.

لم تكن الخلافات بعد الحرب محصورة في تقييم الأداء العسكري، بل امتدت إلى سؤال أعمق: ماذا نفعل بالملف النووي بعد «مطرقة منتصف الليل»؟ في طهران بدأ يتبلور خط يرى أن أفضل رد على الضربة هو تعميق «الغموض النووي المدار»، لا انسحاب رسمي من معاهدة حظر الانتشار، بل تموضع في منطقة رمادية: مخزون مرتفع من اليورانيوم المخصب، ورقابة منقوصة للوكالة الدولية، وإشارات مبهمة إلى «القدرة» من دون اعتراف بالسعي إلى سلاح. في المقابل، حذر تيار آخر من أن غموضاً بلا مسار تفاوضي واضح قد يتحول من ورقة ردع إلى عامل استدراج لضربات استباقية جديدة، وتطبيع استهداف المنشآت النووية. وبين المنطقين، استقر الموقف العملي على معادلة ضيقة: لا استعداد لتنازلات من نوع «صفر تخصيب» كما يطالب ترمب، ولا قرار بكسر الجسور نهائياً، بل إدارة مؤقتة للأزمة بانتظار تغيّر موازين القوى.

عرض جدول زمني عملياتي لضربة قاذفات أميركية على إيران في مؤتمر صحافي بوزارة الدفاع الأميركية يوم 22 يونيو 2025 (أرشيفية- أ.ف.ب)

عودة العقوبات الأممية

وفي خضم هذا السجال، جاءت خطوة الأوروبيين بتفعيل آلية «سناب باك» وإعادة العقوبات الأممية على إيران، بدعوى عدم امتثالها لالتزاماتها النووية. بريطانيا وفرنسا وألمانيا دفعت بالملف إلى مجلس الأمن، فأُعيد إحياء القرارات الستة السابقة. النتيجة أن طهران وجدت نفسها في وضع ملتبس: من الناحية القانونية، عادت القيود الدولية على السلاح والصواريخ وتجميد الأصول. ومن الناحية العملية، واصلت إيران، ومعها بكين وموسكو، التعامل مع المشهد كأن شيئاً لم يتغير. في الخطاب الإيراني الداخلي، صيغت المفارقة بعبارة مكثفة: العقوبات الأممية «موجودة وغير موجودة في آن واحد»، لكنها بالنسبة للمصارف والمستثمرين كانت موجودة بما يكفي لتجميد شهية المغامرة.

في نهاية 2025، بدت حصيلة «العودة الترمبية» ثقيلة على طهران: خمس جولات تفاوض غير مباشر بلا اختراق حقيقي، وحرب الـ12 يوماً التي كشفت ثقوب منظومة الردع، وعودة العقوبات الأممية إلى الواجهة، وريال يواصل الهبوط إلى قيعان تاريخية تُترجَم يومياً في الأسواق وأسعار الوقود وسلة الغذاء. في المقابل، لم تغير القيادة الإيرانية ثابتين أساسيين: رفض صريح لفكرة «صفر تخصيب» كما تطالب إدارة ترمب، وامتناع محسوب عن فتح مواجهة شاملة مع الولايات المتحدة وحلفائها. وبهذا المعنى، يغدو ما تسميه طهران «صبراً استراتيجياً» أقرب إلى حالة «شلل استراتيجي». بين ضغط خارجي يتصاعد وهامش مناورة داخلي يضيق، تدخل إيران عام 2026 وهي لا قادرة على العودة إلى طاولة تفاوض بشروط جديدة من موقع قوة، ولا مستعدة للاعتراف بأن تكلفة الاستمرار على المسار الحالي تتزايد سياسياً واقتصادياً وأمنياً. هكذا لم تقرب حرب الـ12 يوماً و«سناب باك» بين الموقفين، بقدر ما كشفت أن كلاً من الطرفين يعتقد أن الزمن يعمل لصالحه: واشنطن تراهن على أن اقتصاداً منهكاً وعملةً منهارة سيدفعان طهران، في لحظةٍ ما، إلى قبول صفقة قاسية. في حين يراهن جزء من النخبة الإيرانية على أن أي إدارة أميركية لن تتحمل تكلفة حرب شاملة جديدة، وأن الانتظار حتى نهاية ولاية ترمب أقل تكلفة من الخضوع لشروطه. من هنا، تصبح قراءة العام الجديد محاولة لترسيم حدود هذا الشلل، واستشراف السيناريوهات المفتوحة أمام طهران بين حربٍ ثانية، وهدنة مُدارة، وصفقة قسرية تُفرض تحت سقف «الضغوط القصوى».

رجل دين إيراني يمر أمام جدارية معادية للولايات المتحدة على حائط سفارتها السابقة في طهران يناير الماضي(إ.ب.أ)

ثلاثة مسارات متوقعة

من هذه النقطة، تتفرع أمام إيران في 2026 ثلاثة مسارات رئيسية، ليست متعارضة بالضرورة، بل قابلة للتداخل زمنياً: أولها مسار الانزلاق البطيء نحو مواجهة ثانية، إذا استمرّت عملية إعادة بناء القدرات الصاروخية والنووية تحت الضغط، وتكررت الاحتكاكات في مضيق هرمز تحت عناوين من قبيل رفض تفتيش السفن أو الرد على عقوبات جديدة. في سيناريو من هذا النوع، قد ترى واشنطن وتل أبيب أن «الحسم الآن أقل تكلفة من الانتظار»، فتذهب أي ضربة مقبلة أبعد من المنشآت والقواعد إلى طبقات أعلى في هرم السلطة، في محاولة لاستهداف «مركز القرار» لا أطرافه فقط.

المسار الثاني هو تجدد موجات الاحتجاج والانفلاتِ الاجتماعي - المعيشي، تغذّيه حلقة مفرغة من انهيار العملة، وارتفاع أسعار الغذاء والوقود، وتآكل الطبقة الوسطى التي شكلت تاريخياً الخزان الرئيسي لأي إصلاح تدريجي. في هذا السيناريو، تتحوّل «الضغوط القصوى» من أداة ضغط خارجية إلى عامل تفجير داخلي؛ إذ يجد النظام نفسه أمام معادلة شائكة: تشددٌ إضافي في الملفين النووي والصاروخي يعني مزيداً من الانكماش في الحياة اليومية واتساع رقعة السخط، وتراجعٌ مفاجئ أمام شروط ترمب يُقرأ في الشارع على أنه اعترافٌ متأخر بعجز المسار السابق، ما يفتح الباب أمام دورة احتجاج جديدة، أقل قابلية للضبط وأكثر ارتباطاً مباشرةً بسؤال جدوى التكلفة الإقليمية للمشروع الإيراني.

أما المسار الثالث، والأكثر ترجيحاً في المدى القصير، فهو محاولة شراء الوقت عبر «تجميد متبادل» غير مكتوب: تخفيف فعليّ غير معلَن لوتيرة التخصيب العالي، وفتح نوافذ محدودة للتعاون الفني مع الوكالة، وضبط إيقاع «المحور» لتجنب صدمات من حجم حرب الـ12 يوماً، مقابل قبول أميركي بإدارة الوضع على قاعدة الاحتواء لا التسوية، مع إبقاء منظومة العقوبات - الأميركية والأممية - في مكانها. هذا المسار لا يحل شيئاً جذرياً، لكنه يسمح لكل طرف بالادعاء أنه لم يتراجع عن خطوطه الحمراء، في حين يستمر استنزاف إيران اقتصادياً، وتبقى معادلة الردع ناقصة، ويظل احتمال الانفجار قائماً في الخلفية.

في حصيلة العام، يمكن القول إن 2025 كان العام الذي انتقلت فيه سياسات ترمب من خانة التهديد النظري إلى واقعٍ ملموس في الجغرافيا والاقتصاد الإيرانيين: ضربة عسكرية مشتركة قلّصت هامش البرنامج النووي، وعودة العقوبات الأممية إلى الواجهة عبر «سناب باك»، وتشديد الخناق على صادرات النفط وشبكات التمويل، ومحاولة إعادة تعريف موقع إيران في الاستراتيجية الأميركية كخصمٍ مقيَّد القدرة أكثر منه قوةً صاعدة. في المقابل، ردت طهران بمزيج من الغموض النووي، وضبط إيقاع «المحور»، والرهان على الزمن. هكذا، تدخل إيران عام 2026 وهي عالقة في معادلة صاغتها مذكرة «الضغوط القصوى»: نظامٌ لا يملك ترف الذهاب إلى حرب شاملة، ولا يملك في الوقت نفسه سهولة الدخول في تسوية بشروط خصمه. التحدي الحقيقي لم يعد كيف تخرج طهران من ظل ترمب، بل ما إذا كانت تمتلك، تحت هذا الخناق المتدرج، القدرة على إنتاج استراتيجية ثالثة تتجاوز خيارَي الانفجار البطيء أو الانتظار السلبي إلى أن يفرض الزمن - لا التفاوض ولا الضربات - شكل النهاية.