مجلس النواب الأردني كلام «التحديث» غير مدعوم بأقطاب

مخاوف من تآكل رصيد السلطة التشريعية بسبب تغييب «النواب»

داخل مجلس النواب الأردني (أ.ف.ب)
داخل مجلس النواب الأردني (أ.ف.ب)
TT

مجلس النواب الأردني كلام «التحديث» غير مدعوم بأقطاب

داخل مجلس النواب الأردني (أ.ف.ب)
داخل مجلس النواب الأردني (أ.ف.ب)

لم تغادر قصة «التوافقات» النيابية مربع «الاستعانة بصديق». وحسب مراقبين من داخل مجلس النواب الأردني، ما زال مسار القرار النيابي مرهوناً بـ«رغبات مراكز القرار الرسمية» في مشهد يُمعن بتآكل رصيد المجلس شعبياً. وفي جلسة الأسبوع الماضي لمجلس النواب، تسبّبت مشادات نيابية كادت أن تتطور إلى حدود الاشتباك بالأيدي في تعذر استكمال الجلسة التي خُصص جدول أعمالها لتقديم بيان الموازنة العامة للبلاد، وتشكيل اللجان الدائمة للمجلس. وما حصل أن البند الثاني لجدول الأعمال فجّر الجلسة، ما دفع رئيس مجلس النواب مازن القاضي إلى رفعها.

مازن القاضي (إكس)

ما حصل في مجلس النواب الأردني أخيراً أن نواب كتلة حزب «جبهة العمل الإسلامي» رفضوا إقصاءهم من التوافقات على تشكيل اللجان الدائمة، فحال الأمر دون استكمال الجلسة، ليعود رئيس مجلس النواب لدعوة المجلس للانعقاد بعد اجتماع في مكتبه سعى لاحتواء غضب الكتلة البالغ عدد أعضائها (31 نائباً).

صحيح، أنه في نهاية المطاف، جرى اختيار أعضاء اللجان الدائمة في اليوم التالي بالتوافق، لكن الصحيح أيضاً أن انتخاب رؤساء تلك اللجان الأسبوع المقبل قد يعيد الخلافات إلى مربعها الأول، بسبب اتهام نواب الحركة الإسلامية المعارضة، الكتل النيابية الأخرى، بأنها محسوبة على الخط الرسمي، وبأنها «تتلقّى تعليماتها من خارج أسوار المجلس». وهذه حُجة «جاهزة» عادة ما يستخدمها الإسلاميون عند خسارتهم.

«التحديث السياسي» جُملة من الماضي

من جهة ثانية، يدفع تيار سياسي جديد يعمل تحت شعار «الالتفات إلى الداخل» إلى تكريس عمل «مؤسسات الدولة» لبرامج محلية سياسياً واقتصادياً وإدارياً. وذلك بهدف معالجة ما يمكن وصفه بأخطاء سابقة تسبّبت بـ«إحباط مسارات الإصلاح الشامل» الذي يدعو له العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني منذ تسلمه سلطاته الدستورية عام 1999.

التيار، الذي يسعى لخلق حياة سياسية محلية مشحونة بـ«البرامج الوطنية»، تبلوَر خلال سنتي الحرب على غزة، ويدعو إلى أهمية الانتباه للشؤون الداخلية ذات الأولوية، وخلق توازن بين العمل الرسمي الدبلوماسي السياسي خارجياً والفعل الحكومي المُقنع في الساحة المحلية، ومحاولة استعادة ثقة الشارع الأردني في مؤسساته.

غير أن رغبات هذا التيار اصطدمت بالبرنامج الحكومي للعام المقبل الذي يُعبر عنه خطاب الملك الأردني عند افتتاح كل دورة برلمانية. إذ استبعد الخطاب أي كلام عن انتخابات البلدية، بعد تعطيل الحكومة لإقرار مشروع قانون الإدارة المحلية، وإغفالها ذكر أي معالجات لتشريعات المنظومة السياسية التي تكشفت عوراتها بعد تطبيق قانوني الانتخاب والأحزاب، وهو الأمر الذي يستوجب التعديل على أرضية مستقبل العمل السياسي في البلاد.

دستورياً تمثل خُطبة العرش عند افتتاح كل دورة برلمانية برنامج عمل حكومياً. وجرى العرف أن تتقدّم به الحكومة للملك، ويتبناه وفق خطط عمل برامجية موزّعة على جدول زمني مُلزم للحكومات التي يختار العاهل الأردني رئيسها، ومن ثم يطلب الثقة من البرلمان فور اختياره أعضاء الفريق الوزاري.

لكن تبقى مداخلات مراكز القرار الأمنية والسياسية مُحبطة في ثورة أي مجلس نيابي في مواجهة الحكومات، خصوصاً بعد دخول شخصيات وقوى سياسية محسوبة على الخط الرسمي، أخيراً، تستطيع بدورها «إخفاء وتذويب الأصوات النشاز» تحت سقف القبة، في معادلة يضعف معها الثقة بأي كلام حول «التحديث السياسي».

مجالس النواب تختبر أعرافاً جديدة

في هذه الأثناء، يبدو أن أعرافاً برلمانيةً جديدةً استقرت بشأن انتخابات رئاسة مجلس النواب الأردني. فمنذ عام 2020 وحتى الانتخابات الأخيرة، طغت شكلية «التزكية» على مضامين الصراع التاريخيّ بين «أقطاب» برلمانية، حتى جاء اختيار النائب مازن القاضي رئيساً بالتزكية، معزّزاً العُرف الجديد.

وبين مجلسين نيابيين، المجلس التاسع عشر (2020 - 2024)، والمجلس الحالي الذي انتخب في سبتمبر (أيلول) من العام الماضي، تقلّب على رئاسة مجلس النواب أربعة رؤساء، هم النائب السابق الوزير الحالي عبد المنعم العودات، وعبد الكريم الدغمي - الذي حمل لقب أقدم النواب كونه لم يغب عن المجالس النيابية المنتخبة منذ عام 1989 وقرر اعتزال العمل النيابي عام 2024 - وأحمد الصفدي، وأخيراً مازن القاضي.

مجلس النواب اختار النائب مازن القاضي رئيساً بـ«التزكية» للدورة البرلمانية الحالية، بعد «توافقات» كتل نيابية تقاسمت مواقع المكتب الدائم من نائبين للرئيس ومساعدين اثنين، الأمر الذي يسحب من رصيد ثقة النواب عند الشارع، الذي وجد في مشهد انتخابات المكتب الدائم «تعييناً»، أكثر منه منافسة أو توافقاً.

القاضي، النائب عن «الدائرة العامة» (دائرة وطنية) ممثلاً حزب الميثاق في المجلس الحالي، سبق له أن تولّى حقيبة الداخلية عام 2016، كما كان مديراً لجهاز الأمن العام للفترة ما بين الأعوام 2007 - 2010، سبق له أيضاً أن كان نائباً عن دائرة البادية الشمالية في مجلس النواب السادس عشر 2010 - 2012، ومجلس النواب الثامن عشر 2016 - 2020.

ولقد أفضت توافقات الكتل النيابية إلا «اختيار» القاضي رئيساً للمجلس خلفاً لأحمد الصفدي الذي استمر رئيساً لثلاث دورات نيابية بين المجلسين السابق 2020 - 2024 وللدورة النيابية الأولى من عمر المجلس الحالي 2024 - 2025. ولكون الشخصيتين من الحزب ذاته، يرى مراقبون أن الحزب وإن كانت «واجهته أنيقة»، فإنه يختبئ خلفها صراع إرادات بين مراكز قرار.

الحياة البرلمانية بغياب القطبية النيابية

الواقع أنه كان لمصطلح «القطب البرلماني» معايير شَفِعت لها صفات النائب الذي استطاع التأثير في مجاله السياسي. فمن جهة دخلت أسماء مهمة على الحياة البرلمانية محمولة على أكتاف قواعد انتخابية وازنة، ومن جهة أخرى أظهر فرق الأداء التشريعي والرقابي لأسماء سابقة اعتزلت العمل البرلماني أن النواب يذهبون طوعاً نحو «كاريزما» القطب النيابي.

ومن الذاكرة، ثمة أسماء استقرت في التاريخ البرلماني وكانت تحمل الصفات السابقة، منهم رئيس الوزراء الأسبق طاهر المصري، وأول رئيس للوزراء في عهد العاهل الأردني الملك عبد الثاني عبد الرؤوف الروابدة، والمرحوم عبد الهادي المجالي، ومنهم أيضاً ممدوح العبادي وسعد هايل سرور وعبد الكريم الدغمي. ولئن كان هؤلاء جميعاً محسوبين على الخط الرسمي، فقد سجّل المعارضون أسماءً وازنة في مجال القطبية النيابية فكان بين أبرز الشخصيات التي مثلت الحركة الإسلامية (الإخوان المسلمين وذراعها الحزبية جبهة العمل الإسلامي)، حمزة منصور والمرحومان عبد اللطيف عربيّات وعبد المنعم أبو زنط.

كذلك، إن جرت الانتخابات على رئاسة المجلس خلال الأعوام الخمسة السابقة، فإنها غالباً ما جاءت محسومةً لصالح مقربين من مراكز القرار، في صورة انطباعية لم تختبرها المنافسة الحقيقية، مع غياب التكافؤ في الفرص، وميْل نواب للقرب من مراكز القرار والمرجعيات فيها. في حين غاب تأثير المعارضة عن الشغب في تلك المواسم، لكون قدرتها محصورة بأعداد لا تتجاوز ثلث أعضاء مجلس النواب في أحسن الأحوال.

في السابق لم يكن الأمر مختلفاً، لكن طالما شهدت انتخابات رئاسة النواب صراعات بين أقطاب نيابية، وكان التنافس حاداًً. وسُجلت فروق كان من شأنها قلب النتائج. وكان من بين أشد المتنافسين التاريخيين المرحوم عبد الهادي المجالي، وخصمه العنيد سعد هايل سرور، وعبد الكريم الدغمي.

وفي عام 2011 دخل قطب برلماني آخر هو عاطف الطراونة، الذي أعلن اعتزاله العمل البرلماني وهو على سدة رئاسته الأخيرة عام 2020، مسجلاً رقماً قياساً أطول رئيس بقاءً لدورات نيابية متصلة، بينما سجل المجالي رقمه أطول رئيس بقاءً بعدد السنوات في عدة مجالس.

بعد اختيار القاضي رئيساً بـ«التزكية»...

اختباء التمرد النيابي يكشف عن تحديات مقبلة

حُجة التوافق في مواجهة دلالات الأرقام

مازن القاضي رئيساً لمجلس النواب بـ«التزكية»؛ جاء التنافس في انتخابات النائب الأول لرئيس المجلس كاشفة لتحديات متوقعة أمام المجلس، مُهددة بانقسامات مُحتملة خلال الشهور المقبلة، فجبهة الرفض لتوافقات نيابية «حزبية» عبرت عنها انتخابات النائب الأول لرئيس المجلس.

إذ ترشح في مواجهة مرشح التوافق النيابي خميس عطية، النائب المستقل آية الله فريحات، وكان فريحات قد كشف عن نيته خوض المنافسة على الموقع في صباح يوم افتتاح الدورة. وفيما فاز عطية بـ67 صوتاً، حصد الفريحات 55 صوتاً، بعد إلغاء 14 ورقة من أوراق المقترعين من النواب. وهذه نتيجة مُقلقة للتوافق النيابي الذي تغنى به نواب عشية اختيار القاضي بـ«التزكية».

وفي حسابات المتابعين فإن نحو 69 نائباً شكلوا جبهة رفض للتوافقات بين الكتل النيابية، في ظل حسابات محلية تُفيد بأن موقع الرئيس عادة ما يحظى باستحسان مراكز القرار، بينما تبقى مواقع المكتب الدائم الأخرى متروكة للتنافس الحر، أو التوافقات القريبة من مزاج النواب أنفسهم.

الانقسام المفاجئ في تصويت مجلس النواب لموقع النائب الأول للرئيس، وصفه مصدر نيابي لـ«الشرق الأوسط» بأنه «تمرّد» على «هندسة» اختيار القاضي رئيساً بالتزكية، خلفاً للصفدي - وهما يمثلان حزب الميثاق -، وأن التوافق على عطية ليس شرطاً لإثبات التوافق العابر للكتل، فمجموع أعضاء الكتلتين هو 62، وهو ما لا يمثل غالبية المجلس ليستدعي إقصاء بقية الكتل والأحزاب. إذ يبلغ عدد أعضاء مجلس النواب الأردني الحالي 138 نائباً، وبذا تكون الغالبية محصورة بنصاب النصف زائد واحد. ولو خاض القاضي الانتخابات في مواجهة أي مرشح من تيار «الضد» فقد يعجز عن تأمين نصاب الغالبية، وذلك يعني انقسام المجلس.

طاهر المصري (بترا)

خريطة الكتل النيابية

على صعيد آخر، شكلت الكتل النيابية أكثرية حالت دون تمكن ترشح آخرين لسباق انتخابات رئاسة مجلس النواب، في وقت قالت كتلة العمل الإسلامي (الذراع النيابية لحزب جبهة العمل الإسلامي) إن التوافقات النيابية «أقصت كتلة الحزب» عن التمثيل في المكتب الدائم.

وكتلة العمل الإسلامي، التي يمثلها 31 نائباً، حصلت على أعلى الأصوات في الانتخابات الأخيرة التي أجريت يوم 10 سبتمبر من العام الماضي. بعدما حصدت نحو 450 ألف صوت من عدد المقترعين الذي بلغ نحو 1.6 مليون مقترع من أصل نحو 5 ملايين مواطن يحق لهم الانتخاب في البلاد.

ومن إجمالي عدد أعضاء مجلس النواب الـ138 نائباً، توزع 136 نائباً على 5 كتل نيابية، وهي كتلة حزب الميثاق (36 نائباً)، وكتلة «مبادرة» التي تشكلت بعد اندماج حزب «إرادة» مع حزب «تقدم» ليصل عدد أعضائها 26. وكتلة حزب العمل الإسلامي التي لا تزال طور التشكيل والاستقطاب، والتي قد تندمج مع كتلة الأحزاب الوسطية وعدد أعضائها 17، وكتلة «عزم» (19)، في حين تظل كتلة حزب «جبهة العمل الإسلامي» صاحبة الحضور المؤثر بـ31 نائباً.

وعلى الرغم من محاولات «تحزيب» أعضاء مجلس النواب، وإدخالهم في الكتل النيابية، فإن حالة الأداء الفردي ظلت السمة الغالبة على أداء النواب، مع استمرار حالة التعارض بين مواقف الأحزاب المعلنة ومواقف نواب يمثلونها تحت القبة. في حين بقيت كتلة حزب «جبهة العمل الإسلامي» متمسكة بأداء ثابت عبر البرلمانات التي شاركت بها.

رؤية الملك في الإصلاح

عام 2013، في افتتاح أولى الدورات البرلمانية، خاطب العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، مجلس الأمة بغرفتيه النواب والأعيان، مُعلناً أن بقاء الحكومات مرهون بثقة مجالس النواب، وأن بقاء مجالس النواب مرهونٌ بالثقة الشعبية. وفي ذلك العام جرت الانتخابات النيابية على نار الشارع الأردني المتأثر بمزاج «الربيع العربي».

بعدها، تكررت دعوات الملك الأردني للإصلاح، وحاول من خلال عدة لجان شعبية أن يستقرئ الرغبات في نوع التشريعات السياسية الضامنة لمشاركة شعبية واسعة، وكانت آخر المحاولات نهاية عام 2021 بتشكيل لجنة تحديث المنظومة السياسية التي رفعت توصيات بتعديلات دستورية لازمة، وصيغ مشاريع لقانوني الانتخاب والأحزاب تحت عنوان تفعيل مشاركة المرأة والشباب.

وبالفعل أُقرّت كل توصيات اللجنة كتشريعات عبرت مساراتها الدستورية عام 2022. وأجريت الانتخابات الأخيرة على ما تم التوافق عليه شكلاً برعاية رسمية.

حقائق

رسائل ملكية مباشرة للشارع

قال العاهل الأردني في خطبة العرش: «يتساءل بعضكم كيف يشعر الملك؟ أيقلق الملك؟ نعم، يقلق الملك، لكن لا يخاف إلا الله... ولا يهاب شيئاً وفي ظهره (أردني)». هذا مفردات جديدة تفاعل الشارع معها، إذ إنها طالبت الأردنيين بشكل غير مباشر بشحن المعنويات ومواجهة المقبل من التحديات.

في ما يمكن تسجيله كسابقة في عهد الملك عبد الله الثاني، رفع الملك منسوب الوجدانيات في حديثه، على الرغم من قدرته على ضبط خطاباته في سياق خطوات تنفيذية طموحة. ولكن سرعان ما تخذل الحكومات تطلعاته بعد اكتشافها المتأخر، عن طريق الصدمة، الفارق بين وعودها الحالمة والواقع الصعب.

لم تتطرق خطبة الملك في افتتاح الدورة لبرنامج عمل الحكومة تفصيلاً، لكنه طالب بمواصلة برامج التحديث السياسي والرؤية الاقتصادية، والتطوير الإداري. أيضاً، لم يوجه الخطاب الملكي الحكومة لسرعة تعديل قانون الانتخاب، والتشريعات ضمن استحقاقات دستورية متعلقة بأولوية إجراء انتخابات البلدية بعد حلها وتعيين لجان مؤقتة، بعكس التوصيات التي ورثتها الحكومة من لجنة التحديث السياسي والتأكيد على أن تكون التوصيات عابرة للحكومات.

حكومياً حسب مصادر «الشرق الأوسط»، فإن رئيس الوزراء جعفر حسان يريد أن يجري الانتخابات البلدية في أبريل (نيسان) 2027 بينما طرحت مرجعيات تاريخاً مقترحاً هو أكتوبر (تشرين الأول) من العام المقبل. وفي ذلك تعطيل لفكرة تمثيل الشارع في مجالس البلديات المعنية بشؤون التنمية والحياة اليومية للمواطنين في مدنهم وقراهم خارج العاصمة.



مقالات ذات صلة

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

حصاد الأسبوع من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة

وارف قميحة (بيروت)
حصاد الأسبوع خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة

إيلي يوسف ( واشنطن)
حصاد الأسبوع كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب

«الشرق الأوسط» ( واشنطن)
حصاد الأسبوع 
مظاهرة نسائية إسبانية ضد الحرب (أ.ف.ب)

سانشيز يضع مدريد في مواجهة مباشرة مع واشنطن

عندما وقف رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز على مدخل مقر رئاسة الحكومة في الرابع من هذا الشهر ليقول إن موقف بلاده من الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران

شوقي الريّس ( مدريد)
حصاد الأسبوع سانشيز يخطب امام البرلمان (آ ف ب)

سانشيز يراهن على المشاعر وتعاطف الحلفاء والأصدقاء

لا يغيب عن رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز أن الخروج عن «بيت الطاعة» الأميركي في ظل إدارة دونالد ترمب، تترتب عليه تكلفة باهظة. إلا أنه يدرك أيضاً أن له


الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
TT

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة معقدة من العلاقات في المنطقة. فبكين، التي تحوّلت خلال العقدين الأخيرين إلى أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين في الشرق الأوسط، تجد نفسها اليوم أمام معادلة شديدة الحساسية: فمن جهة كيف تحافظ على شراكتها الاستراتيجية مع إيران، ومن جهة أخرى، وفي الوقت ذاته، كيف تصون علاقاتها العميقة مع دول الخليج، وتتجنب الإضرار بعلاقاتها الاقتصادية والتكنولوجية مع إسرائيل.

معادلات الشرق الأوسط ليست سهلة. فهذه المنطقة بالنسبة للصين ليست مجرد مساحة جغرافية بعيدة، بل منطقة حيوية تتقاطع فيها ثلاثة عناصر أساسية في الاستراتيجية الصينية: أمن الطاقة، واستقرار طرق التجارة، وتوسّع «مبادرة الحزام والطريق». ولذا؛ فإن أي حرب واسعة في المنطقة لا تشكّل تهديداً سياسياً فحسب، بل تمسّ مباشرة مصالح الصين الاقتصادية والاستراتيجية.

من هذا المنطلق، يمكن فهم الموقف الصيني من الحرب على إيران بوصفه محاولة واعية للحفاظ على سياسة التوازن الدقيق بين أطراف متعارضة، دون الانخراط في الصراع أو التحول إلى طرف فيه.

إيران وموقعها في الاستراتيجية الصينية

تحتل إيران موقعاً مهماً في الرؤية الجيوسياسية الصينية، ليس فقط بسبب مواردها الطاقوية الكبيرة، بل أيضاً بسبب موقعها الجغرافي الذي يربط آسيا الوسطى بالشرق الأوسط وأوروبا. وقد تعزّز هذا الموقع مع توقيع «اتفاقية التعاون الاستراتيجي الشامل» لمدة 25 سنة بين الصين وإيران في عام 2021، وهي الاتفاقية التي فتحت الباب أمام تعاون واسع في مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل والاستثمار.

بالنسبة لبكين، تمثل إيران عقدة مهمة في مشروع «مبادرة الحزام والطريق»؛ ذلك أنها تشكل ممراً جغرافياً رئيساً يربط الصين بالأسواق الغربية عبر آسيا الوسطى والشرق الأوسط. ثم أن إيران، بحكم استقلالية قرارها السياسي عن الغرب، تُعد شريكاً بإمكان الصين التعامل معه خارج منظومة الضغوط والعقوبات الغربية، وهو ما يفسر استمرار التعاون الاقتصادي بين البلدين رغم القيود الدولية.

لكن في الوقت ذاته، لا تنظر الصين إلى علاقتها مع إيران بوصفها تحالفاً عسكرياً أو سياسياً موجّهاً ضد طرف آخر. إذ إن بكين تدرك أن الانحياز الكامل إلى طهران سيعرّض مصالحها الواسعة في المنطقة للخطر. ولذلك؛ تحرص دائماً على إبقاء العلاقة في إطار الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية من دون أن تتحول إلى اصطفاف جيوسياسي حاد.

وزير الخارجية السعودي الأميرفيصل بن فرحان مع نظيره الصيني وانغ يي (وزارة الخارجية الصينية)

الخليج: شريان الطاقة للصين

من جانب آخر، إذا كانت إيران شريكاً مهماً للصين، فإن دول مجلس التعاون الخليجي الخليج تمثل بالنسبة للقيادة الصينية الركيزة الأساسية لأمن الطاقة.

فالصين اليوم هي أكبر مستورد للنفط في العالم، ويأتي جزء كبير من وارداتها النفطية من دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وقطر والكويت.

وهذا الاعتماد الكبير على الطاقة الخليجية جعل بكين تعمل خلال السنوات الماضية على تطوير علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول المنطقة بشكل غير مسبوق. وبالفعل، شهدت العلاقات الصينية الخليجية توسعاً كبيراً في مجالات الاستثمار والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والبنية التحتية.

ثم أن التعاون بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي لم يعد مقتصراً على النفط، بل امتد إلى مشاريع كبرى في مجالات المواني واللوجيستيات والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي؛ وهو ما يعكس تحوّل العلاقة إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.

في هذا السياق، تدرك القيادة في بكين أن أي حرب واسعة النطاق في المنطقة قد تهدّد استقرار أسواق الطاقة العالمية، وتؤدي بالتالي إلى اضطرابات في إمدادات النفط والغاز؛ وهو ما قد ينعكس سلباً على الاقتصاد الصيني. وبناءً عليه؛ ترى بكين اليوم في الاستقرار الإقليمي شرطاً أساسياً لحماية مصالحها الاقتصادية.

ولقد ظهر هذا التوجه بوضوح في الدور الذي لعبته بكين في رعاية الاتفاق التاريخي لاستئناف العلاقات بين السعودية وإيران في عام 2023، وهو اتفاق اعتبره كثيرون مؤشراً على صعود الدور الدبلوماسي الصيني في الشرق الأوسط.

العلاقة «المعقدة» مع إسرائيل

في الوقت عينه، طوّرت الصين خلال العقود الماضية علاقات اقتصادية وتكنولوجية مهمة مع إسرائيل. فقد أصبحت إسرائيل أحد الشركاء البارزين للصين في مجالات الابتكار والتكنولوجيا المتقدّمة، كما شاركت الشركات الصينية في تنفيذ مشاريع بنية تحتية مهمة داخل إسرائيل، بما في ذلك تطوير بعض المواني ومشاريع النقل.

هذه العلاقة تعكس اهتمام الصين بالاستفادة من القدرات التكنولوجية الإسرائيلية، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

لكن في ظل التصعيد العسكري في المنطقة، حرصت سلطات بكين على التأكيد أن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً. وفي هذا السياق، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي اتصالات مع الأطراف المعنية، شدّد خلالها على «ضرورة وقف العمليات العسكرية وتجنب توسيع رقعة الحرب، والعمل على إعادة فتح المسارات الدبلوماسية، بما في ذلك تواصل مع الجانب الإسرائيلي ضمن مساعي التهدئة».

غير أن هذه العلاقة شهدت خلال السنوات الأخيرة بعض التعقيدات، خصوصاً في ظل الضغوط الأميركية على إسرائيل لتقليص تعاونها التكنولوجي مع الصين. كما أن التصعيد العسكري المتكرّر في المنطقة وضع بكين أمام تحدٍ إضافي في إدارة علاقاتها مع إسرائيل دون أن تبدو منحازة في الصراعات الإقليمية.

موقف الصين من الحرب

انطلاقاً من هذه الشبكة المعقدة من العلاقات، جاء الموقف الصيني من الحرب على إيران منسجماً مع نهج بكين التقليدي في السياسة الخارجية، لكنه في ضوء التطورات الأخيرة بات أكثر حذراً وواقعية.

ذلك أن التصعيد الذي شهدته المنطقة خلال الأيام الماضية، من ضربات واسعة واستهدافات مباشرة وردود متبادلة طالت مصالح وقواعد، وضع الصين أمام مشهد يتجاوز الحسابات التقليدية. والقصد هنا أن الحرب لم تعد مجرد احتمال، بل صارت مساراً قائماً يتّسع تدريجياً.

في هذا السياق، كثّفت بكين تحركاتها الدبلوماسية بشكل لافت، فأرسلت مبعوثها الخاص إلى الشرق الأوسط، حيث أجرى لقاءات مع عدد من المسؤولين، أبرزها مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في خطوة تعكس إدراك الصين لأهمية التنسيق مع القوى المحوَرية في استقرار المنطقة. وبالتوازي، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي سلسلة اتصالات مع أطراف إقليمية ودولية، شملت أيضاً تواصلاً مع الجانب الإسرائيلي، ركّز خلالها على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، ورفض توسيع دائرة الحرب، والدفع نحو إعادة فتح المسارات السياسية.

أيضاً شددت القيادة الصينية على أهمية «احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها»، ورفضت أي سياسات تقوم على تغيير الأنظمة بالقوة أو فرض الوقائع العسكرية خارج إطار الشرعية الدولية.

غير أن ما يلفت في الموقف الصيني هو إدراكه أن هذه الحرب، إذا ما استمرت، لن تبقى محصورة في حدود إيران، بل ستصبح مرشحة لإعادة رسم توازنات المنطقة بأكملها، بما في ذلك الخليج وشرق المتوسط. وهذا الأمر، بالذات، يفسّر الحذر الشديد في الخطاب السياسي الصيني إزاء الحرب الراهنة، فهو من جهة يتجنب الانحياز العلني، لكنه من جهة ثانية - وفي الوقت ذاته - يرفض منطق الحسم العسكري.

بكين ترى أن هذه الحرب - إذا استمرت - لن تبقى محصورة في حدود إيران... بل ربما تؤدي لرسم توازنات المنطقة بأكملها

قراءات الصين بين الاستفادة والحذر

وسط هذا المشهد، يُطرح سؤال يتكرر في الأوساط السياسية: هل تُعدّ الصين الرابح من تعثر الولايات المتحدة في إدارة الحرب؟

الواقع أن الإجابة ليست بهذه البساطة.

إذ بكين تراقب، من دون أدنى شك، كيف تواجه واشنطن صعوبات في تحقيق حسم سريع، وما قد يرافق ذلك من «تآكل في صورة» القوة القادرة على فرض نتائجها. وبالطبع، هذا ربما يمنح الصين هامشاً سياسياً أوسع لتعزيز خطابها حول عالم متعدد الأقطاب، وإعادة طرح تساؤلات حول فاعلية السياسات القائمة على القوة العسكرية.

ولكن في المقابل، لا تنظر الصين إلى هذا التعثر بوصفه «نصراً» لها بقدر ما تراه مؤشراً على بيئة دولية أكثر اضطراباً وخطورة. ذلك أن «الحروب المفتوحة» في منطقة الشرق الأوسط لا تخدم المصالح الصينية، بل، بالعكس، تهدد مباشرة أمن الطاقة واستقرار طرق التجارة وسلاسل الإمداد التي يقوم عليها صعودها الاقتصادي.

لذلك؛ يمكن القول إن الصين ليست رابحاً مباشراً في هذه الحرب، بل فاعل حذر يستفيد من أخطاء الآخرين دون أن يتمنى استمرارها... ويدرك أن أي انفلات واسع في المنطقة قد يتجاوز الجميع ويعيد رسم قواعد اللعبة الدولية بشكل لا يمكن التحكم به.

الشرق الأوسط في الرؤية الصينية

خلال السنوات الأخيرة، بدأت الصين تنظر إلى الشرق الأوسط من منظور أوسع يتجاوز البُعد الاقتصادي وحده. فالمنطقة أصبحت ساحة مهمة في التنافس الدولي، لكنها - وفقاً للمسؤولين الصينيين - تمثّل في الوقت نفسه فرصة لبكين لتعزيز دورها كقوة دولية كبيرة تسعى إلى دعم الاستقرار والتنمية.

وفي هذا السياق، طرحت الصين مجموعة من المبادرات الدولية التي تهدف إلى إعادة صياغة آليات التعاون الدولي، من أبرزها: «مبادرة التنمية العالمية»، و«مبادرة الأمن العالمي»، و«مبادرة الحوكمة العالمية» التي تركز على إصلاح منظومة الحوكمة الدولية وتعزيز التعددية واحترام سيادة الدول.

وفق مسؤولين في بكين، تنسجم هذه المبادرات مع رؤية الرئيس الصيني شي جينبينغ، الذي يؤمن بأن العالم يحتاج إلى نظام دولي «أكثر توازناً وعدالة»، يقوم على «التعاون المتكافئ بين الدول واحترام خصوصياتها التنموية والثقافية».

«دبلوماسية التوازن»

في ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن السياسة الصينية في الشرق الأوسط تقوم راهناً على ما يمكن تسميته «دبلوماسية التوازن». إذ إن الصين تحاول الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الأطراف الإقليمية، من دون الانحياز إلى محور ضد آخر. وهذه الدبلوماسية تقوم على ثلاث معادلات أساسية:

- الحفاظ على الشراكة مع إيران

- ضمان أمن الطاقة عبر الخليج

- الاستمرار في التعاون مع إسرائيل.

لكن مع اتساع رقعة التصعيد، لم يعُد هذا التوازن مجرّد خيار دبلوماسي مريح، بل تحوّل ضرورة استراتيجية معقدة، تتطلّب إدارة دقيقة لتفادي الانزلاق إلى مواقف قد تضرّ بمصالح الصين أو تقيّد حركتها في المنطقة.

وفي لحظة تتقدّم فيها لغة القوة على ما عداها، تحاول سلطات بكين أن تطرح رؤيتها كصوت مختلف، لا يملك أدوات الحسم العسكري، لكن لديه رؤية تقوم على منع الانهيار الشامل بدل من الاكتفاء بإدارة نتائجه. أخيراً، مع اتساع رقعة المواجهة في المنطقة، سيبقى اختبار بكين الحقيقي ليس فقط قدرتها على الحفاظ على توازن علاقاتها، بل في مدى نجاحها في تحويل هذا التوازن دوراً فاعلاً يمنع الانزلاق نحو حرب أكبر.

وبخاصة، أنه في شرق أوسط يشتعل على أكثر من جبهة، لم يعد التوازن خياراً دبلوماسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية... للصين وللعالم.

 

* رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث ورئيس الرابطة العربية الصينيةللحوار والتواصل


ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
TT

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة أُنهكت بالفضائح والاحتجاجات وسوء التواصل مع الكونغرس، بل عن شخصية تعكس، بأسلوبها وطباعها، المرحلة نفسها: صدامية، وهجومية، ومشدودة بالكامل إلى أولوية الهجرة والأمن الحدودي قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. فمَلين لا يأتي من مدرسة الأمن القومي التقليدية، ولا من أجهزة إنفاذ القانون أو الاستخبارات، بل من عالم الأعمال العائلية والرياضة القتالية والسياسة الشعبوية. لذا يبدو ترشيحه، في جوهره، رسالة سياسية أكثر منه تعييناً تكنوقراطياً. ترمب يريد وزيراً قادراً على الدفاع عن نهجه، وامتصاص غضب الجمهوريين من فوضى نويم، ومواجهة الديمقراطيين الذين يربطون تمويل الوزارة بإصلاحات تحدّ من أساليب وكالة الهجرة والجمارك (آيس)، وهيئة الجمارك وحماية الحدود (سي بي بي). لكن هذا الاختيار نفسه يفتح أسئلة ثقيلة منها: هل تصلح شخصية قتالية لإدارة جهاز ضخم يضم أكثر من 20 وكالة ومئات آلاف الموظفين؟ وهل يستطيع مَلين أن يكون رجل ضبط مؤسسي، لا مجرد رأس حربة سياسي؟

ماركواين مَلين، المولود في مدينة تولسا، ثاني كبرى مدن ولاية أوكلاهوما، عام 1977، هو أصغر الأبناء السبعة لجيم مارتن مولين وبريندا غايل موريس مَلين، وابن بيئة ريفية محافظة في أوكلاهوما، نشأ في مزرعة العائلة ببلدة وستفيل. وبصفته عضواً في «أمة الشيروكي»، أكبر قبيلة من شعوب أميركا الأصلية (الهنود الحُمر)، يُعد أول سيناتور من السكان الأصليين منذ تقاعد السيناتور بن نايتهورس كامبل عام 2005. كما أنه ثاني مواطن من «الشيروكي» يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ منذ عام 1925.

خلفية ريفية

خلال الفترة من 2013 إلى 2023، شغل مَلين منصب الممثل الأميركي عن الدائرة الانتخابية الثانية لولاية أوكلاهوما. وكان قد تخرج في مدرسة ستيلويل الثانوية بمدينة ستيلويل بأوكلاهوما، والتحق بكلية ميسوري فالي، إلا أنه تركها مؤقتاً في سن العشرين بعدما مرض والده، ليتولّى مع زوجته كريستي إنقاذ شركة العائلة «مَلين لأعمال السباكة»، ثم توسيعها إلى شبكة أعمال شملت مجالات أخرى.

ولاحقاً، تابع دراسته الجامعية في تكنولوجيا البناء بمعهد التكنولوجيا الملحق بجامعة ولاية أوكلاهوما، وبنى صورته السياسية على أنه «رجل من خارج المؤسسة» يعرف الاقتصاد الحقيقي والأعمال الصغيرة أكثر مما يعرف «بيروقراطية» واشنطن.

خلفيته هذه هي التي جعلته جذاباً داخل الحزب الجمهوري، وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين؛ فهو رجل ناجح، ريفي، متديّن، قريب من المزاج المحافظ في أوكلاهوما (أكثر ولايات أميركا محافظةً)، ويمكن تسويقه بسهولة بوصفه نموذجاً لـ«الأميركي المنتج» لا السياسي المحترف.

هذه السيرة الشخصية تحمل أيضاً عنصراً رمزياً مهماً: مَلين سيكون، إذا ثُبّت، من أبرز الشخصيات المنتمية إلى «أمة الشيروكي» في أعلى هرم السلطة الفيدرالية الأمنية.

غير أن هذا البُعد الرمزي لا يكفي وحده لرد الانتقادات؛ فخصومه لا ينازعونه في قصة الصعود الاجتماعي، بل في صلتها الفعلية بالمنصب الجديد. ومَن انتقل من السباكة والأعمال إلى مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ، لم يمرّ عبر مسار مهني تقليدي في الأمن الداخلي، أو إدارة الحدود، أو الاستجابة للكوارث... وهذه ملفات تمثل عصب الوزارة التي سيقودها. ولهذا فإن ما يُحسب له انتخابياً بوصفه «قريباً من الناس»، قد يُحسب عليه إدارياً بوصفه نقصاً في الخبرة النوعية.

«المقاتل الخشن»

ما ميّز مَلين في واشنطن ليس فقط خطه المحافظ، بل أسلوبه الشخصي؛ فهو مقاتل فنون قتالية مختلطة سابق، وسيرته الرسمية تذكر سجلّه الاحترافي غير المهزوم، كذلك بُني حضوره العام طويلاً على صورة الرجل القوي، السريع الغضب، المستعد للمواجهة المباشرة.

هذه الصورة بلغت ذروتها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 حين تحدّى شون أوبراين، رئيس النقابة الدولية لعمال النقل (التيمسترز)، إلى عراك داخل جلسة استماع في مجلس الشيوخ، في مشهد تحوّل إلى اختصار رمزي لشخصيته السياسية: هجومية، واستعراضية، وغير معنية كثيراً بخطوط الوقار المؤسسي التقليدية.

حتى جلسة تثبيته نفسها لم تخلُ من هذا الإرث؛ إذ افتتحها رئيس لجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية في مجلس الشيوخ السيناتور الجمهوري راند بول، بمواجهة شخصية قاسية، مذكّراً بخلافاتهما السابقة، وباللغة التي استخدمها مَلين بحقه، ما جعل الجلسة منذ بدايتها اختباراً للمزاج والطباع بقدر ما كانت اختباراً للسياسات.

هنا تكمن المعضلة الأساسية؛ فترمب يرى في «الصلابة» ميزة، وكثيرون من الجمهوريين يؤمنون بأن وزارة الأمن الداخلي، بعد شهور من الفوضى والارتباك، تحتاج إلى شخص «يمسكها بقبضة قوية». لكن ما يراه البيت الأبيض حزماً، يراه الديمقراطيون وبعض الجمهوريين اندفاعاً قد يزيد تأزيم وكالة تعمل أصلاً تحت ضغط سياسي ومالي وشعبي غير مسبوق.

«غموض» السيرة الأمنية

لكن أخطر ما يلاحق مَلين راهناً ليس افتقاره إلى الخبرة الإدارية فحسب، بل أيضاً الغموض الذي أحاط به شخصياً حول ما وصفه مراراً بأنه خبرات أو «مهمات خاصة» خارج وزارة الدفاع وفي الخارج؛ إذ تكلّم في مناسبات مختلفة عن وجوده في «بيئات حرب»، وعن «رائحة الحرب». وأشار بعد اقتحام «الكابيتول» يوم 6 يناير (كانون الثاني) 2021 إلى أنه «دافع عن المبنى»؛ لأنه أدرك سريعاً خطورة الموقف؛ لأنه «كان في مثل هذه الظروف في الخارج» من قبل، بيد أنه أحجم مراراً عن تقديم تفاصيل. وعندما سُئل، عاد لمكتبه هذا الأسبوع ليقول إن الأمر يتعلق بأعمال تبشيرية ودعم معنوي للجنود الأميركيين العائدين، إضافة إلى رحلات وفود برلمانية اعتيادية. هذه الفجوة بين الإيحاء الأمني والتفسير المتأخر هي ما جعل منتقديه يتكلمون عن محاولة لصناعة «رصيد بطولة ضمني» لا تدعمه سيرة معلنة أو خدمة عسكرية فعلية.

تتصل بهذه النقطة أيضاً «حكاية أفغانستان» في صيف 2021، حين حاول مَلين - وكان آنذاك نائباً في مجلس النواب - الوصول إلى المنطقة للمساعدة في إجلاء أميركيين وحلفاء بعد الانسحاب الأميركي الفوضوي.

بالنسبة لمؤيديه، كانت تلك الحلقة دليلاً على نزعة فعلية للمبادرة والمخاطرة... ولكن بالنسبة لمنتقديه جسّدت ميلاً إلى الأداء الفردي الملتبس عند تقاطع الأمن والسياسة والاستعراض.

هذا السجال مهمٌّ؛ لأن المنصب المطروح اليوم ليس منصب «رسول أزمة»، بل رئاسة مؤسسة عملاقة تحتاج إلى وضوح في التسلسل القيادي، وتحديد قانوني دقيق للمهام، وانضباط في الخطاب العام.

6 يناير... والولاء لترمب

في السياسة، يُقرأ مَلين أولاً كحليف شديد الوفاء لترمب. صحيح أنه حاول بعد هجوم «الكابيتول» أن يقدّم نفسه كأحد الذين استشعروا الخطر وساعدوا شرطة «الكابيتول». والمشكلة ليست في تلك اللحظة وحدها، ولكن عندما لم يتحوّل بعد 6 يناير إلى جمهوري ناقد لترمب، بل بقي داخل الدائرة المخلصة له سياسياً.

هذا الولاء هو بالضبط ما يطمئن البيت الأبيض اليوم، ويجعل كثيراً من الديمقراطيين مقتنعين بأن تغيير الاسم على باب الوزارة لن يعني تغييراً حقيقياً في سياساتها. فمَلين، في ملفات الهجرة خاصة، كان في حالة تطابق شبه كامل مع خط الإدارة، ودافع عن عناصر «آيس» حتى بعد حوادث القتل التي فاقمت الغضب العام.

وهنا تأتي المفارقة: الرجل يُسوَّق جمهورياً على أنه بديل عن كيرستي نويم، لكنه يُفهم ديمقراطياً على أنه استمرار أكثر انضباطاً لنهجها، لا قطيعة معه، ثم إن الديمقراطيين لا يرون أن مشكلتهم كانت مع شخصية نويم وحدها، بل مع بنية القرار نفسها داخل البيت الأبيض، حيث لا يزال ستيفن ميلر، مستشار ترمب ونائب كبير موظفي البيت الأبيض، صاحب التأثير الأكبر في ملف الأمن الداخلي والهجرة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن مَلين قد ينجح في تحسين العلاقة مع الكونغرس، أو في إعادة شيء من الانضباط الإداري، لكنه لن يكون حراً في قلب فلسفة الوزارة، أو تخفيف القبضة على إنفاذ الهجرة.

ما الذي يرثه مَلين بعد نويم؟

خروج كيرستي نويم لم يكن مجرد تبديل روتيني؛ فبحسب «رويترز» ووسائل أميركية عدة، جاء بعد تراكم أزمات: مقتل مواطنين أميركيين في مينيابوليس خلال عمليات مرتبطة بإنفاذ الهجرة، وغضب من الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما)، وتأخر المساعدات، ومأزق إعلان حكومي ضخم بقيمة تفوق 200 مليون دولار ارتبط باسمها، وأثار امتعاض ترمب نفسه حين قال إنه لم يوافق عليه.

كذلك اشتكى جمهوريون من ضعف التواصل بين الوزارة والكونغرس، وهذه نقطة تكرّرت بقوة خلال الأيام التي سبقت جلسة مَلين. وبهذا المعنى، أُخرجت نويم بوصفها «كبش فداء» جزئياً، لكن أيضاً بوصفها عنواناً لفشل سياسي وإداري صار مكلفاً انتخابياً.

بالتالي، ما يرثه مَلين ليس جهازاً متماسكاً، بل وزارة مأزومة: نزاع أدى إلى تعطل تمويل بعض أنشطة الوزارة، وضغط ديمقراطي لفرض قيود على سلوك عناصر الهجرة، وتراجع في الرأي العام تجاه أساليب «آيس»، واستنزاف معنوي داخل أجهزة مثل إدارة أمن النقل (تي إس إيه) و«فيما». ففي استطلاع «رويترز - إبسوس» في يناير الماضي، قال 58 في المائة إن حملة «آيس» قد «ذهبت بعيداً»، في حين هبطت شعبية ترمب بموضوع الهجرة إلى 39 في المائة، رغم بقاء الجمهوريين متقدمين نسبياً على الديمقراطيين في ثقة الناخبين بهذه القضية.

هذه الأرقام تفسر سبب حاجة ترمب إلى شخصية قادرة على الجمع بين أمرين متناقضين ظاهرياً؛ أي مواصلة التشدد، لكن من دون إعادة إنتاج الفوضى البصرية والسياسية التي التصقت بنويم.

انتخابات نوفمبر

على الأرجح، لن يُقاس نجاح مَلين خلال الأشهر القليلة المقبلة بمعيار الإصلاح المؤسسي العميق، بل بثلاثة اختبارات أكثر مباشرة:

الأول، هل يستطيع تهدئة الجبهة الجمهورية الداخلية عبر تحسين إدارة «فيما»، والرد على شكاوى أعضاء الكونغرس من انقطاع التواصل؟

الثاني، هل ينجح في تمرير تمويل الوزارة، أو على الأقل تخفيف تكلفة الاشتباك مع الديمقراطيين حوله؟

والثالث، هل سيستطيع مواصلة حملة ترمب على الهجرة بطريقة أقل فوضى وأقل تكلفة دعائية؟

لكن حدود نجاحه واضحة أيضاً؛ فالديمقراطيون سيواصلون استخدامه منصة لإبراز ما يعتبرونه «قانونية منفلتة» داخل «آيس»، وهيئة الجمارك وحماية الحدود «سي بي بي»، لا سيما بعد حوادث مينيابوليس، ثم إن افتقاره إلى الخبرة المباشرة في ملفات الأمن الداخلي يمنح خصومه مادة جاهزة للتشكيك في قدرته على إدارة وزارة بهذا التعقيد. وإضافة إلى ذلك، فإن أي محاولة منه لتقديم نفسه مصلحاً معتدلاً ستصطدم بولائه السياسي لترمب، وأي انحياز كامل إلى خط البيت الأبيض سيعني تثبيت الانطباع بأنه مجرد منفذ سياسي لسياسات صاغها آخرون.

لذا يُرجَّح أن يكون مَلين «وزير احتواء» أكثر منه «وزير إعادة تأسيس»؛ أي رجل مهمته تنظيم الفوضى لا تغيير الاتجاه، وترميم صورة التشدد لا التخلي عنه.

في المحصلة، يختصر ماركواين مَلين مفارقة «الترمبية» في ولايتها الثانية: شخصيات من خارج الاختصاص تُدفع إلى مواقع سيادية؛ لأنها تتقن لغة الصدام السياسي والولاء الشخصي أكثر مما تتقن البيروقراطية الحكومية... قوته الحقيقية لا تكمن في خبرة أمنية مثبتة، بل في قدرته على تمثيل مزاج ترمب أمام الكونغرس والشاشات والقاعدة الجمهورية.


وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
TT

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب والهجمات العابرة للحدود، إلى الهجرة غير النظامية، والكوارث الطبيعية، والهجمات السيبرانية.

لقد أُنشئت الوزارة بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بهدف توحيد عمل أجهزة أمنية كانت موزّعة على عدة مؤسسات، بحيث تغدو الاستجابة أسرع، ويغدو التنسيق أقوى بين الأمن الحدودي، والاستخبارات، وإدارة الطوارئ، وحماية البنية التحتية. وحقاً تقول الوزارة إن مهمتها الأساسية هي «حماية الشعب الأميركي والوطن والقيم الأميركية»، وهذه مهمة تتجاوز المعنى التقليدي للأمن، لتشمل أيضاً ضمان استمرارية السفر والتجارة الشرعيين وحماية المؤسسات الحيوية.

تكمن أهمية الوزارة أيضاً في أنها لا تتعامل فقط مع الأخطار الخارجية، بل أيضاً مع التهديدات الداخلية التي قد تمسّ الحياة اليومية مباشرة، مثل أمن المطارات، وحماية الحدود البرية والبحرية، والاستجابة للأعاصير والفيضانات، وتأمين الانتخابات والبنية التحتية الرقمية، ومكافحة تهريب البشر والمخدرات، وحماية كبار المسؤولين. ولهذا فهي من أكثر الوزارات تشعّباً وحساسية سياسياً، إذ إنها تضم أكثر من 260 ألف موظف، وتعمل عند تقاطع الأمن، والهجرة، والحريات المدنية، وإدارة الأزمات.

أما أبرز أجهزة الوزارة ومكوّناتها الأمنية والتنفيذية فهي: هيئة الجمارك وحماية الحدود (سي ب بي) وهي المسؤولة عن المعابر والحدود، ووكالة الهجرة والجمارك (آيس) التي تتولى التحقيقات وعمليات الترحيل، وإدارة أمن النقل (تي إس إيه) المكلفة بأمن المطارات ووسائل النقل، وخفر السواحل الأميركي والخدمة السرية والوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما) ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية، بالإضافة إلى خدمات المواطنة والهجرة، ومكتب الاستخبارات والتحليل. وبذلك تُعد الوزارة مركزاً جامعاً للأمن الحدودي، والأمن الداخلي، وإدارة الكوارث، والدفاع عن البنية التحتية الحيوية في آنٍ واحد.