أحداث مدغشقر... مقدمة لمرحلة انتقالية أم عقود اضطراب؟

إثر احتجاجات قادها الشباب رفضاً لنقص الخدمات الأساسية

مواطنون يستقلون مركبات وهم يلوحون بالأعلام الملغاشية في طريقهم نحو القصر الرئاسي (آ ف ب)
مواطنون يستقلون مركبات وهم يلوحون بالأعلام الملغاشية في طريقهم نحو القصر الرئاسي (آ ف ب)
TT

أحداث مدغشقر... مقدمة لمرحلة انتقالية أم عقود اضطراب؟

مواطنون يستقلون مركبات وهم يلوحون بالأعلام الملغاشية في طريقهم نحو القصر الرئاسي (آ ف ب)
مواطنون يستقلون مركبات وهم يلوحون بالأعلام الملغاشية في طريقهم نحو القصر الرئاسي (آ ف ب)

أزمة مُعقدة تعيشها مدغشقر، تلك الدولة، الجزيرة الأفريقية الشهيرة التي اعتادت «الانقلابات العسكرية»، وذلك عقب الإطاحة برئيس البلاد آندريه راجولينا، ومغادرته العاصمة أنتاناناريفو... ومن ثم، تعليق عضويتها بالاتحاد الأفريقي، بعد نحو شهر من مظاهرات غاضبة لشباب «جيل زد» رفضاً لـ«الفقر ونقص الخدمات الأساسية». ويعتقد خبراء في الشؤون الأفريقية التقتهم «الشرق الأوسط» أن هذا المشهد يعيد إلى الذاكرة تاريخاً طويلاً من الانقلابات والاضطرابات السياسية بمدغشقر. وأنه يعد خطوة مفصلية جاءت وسط غضب شعبي. ويتوقع هؤلاء الخبراء أحد مسارين: فإما أن يفي الجنرالات بوعودهم ويسلموا السلطة وتبدأ دورة استقرار وتنمية بالتوازي، وإما تتكرّر مشاهد الماضي من انقلابات ستلاقي رفضاً أفريقياً ودولياً دون جديد يذكر.

رئيس مدغشقر المخلوع آندريه راجولينا يتكلم خلال مؤتمر صحافي خلال العام الحالي (آ ف ب)

بدأت الأحداث الأخيرة في مدغشقر باحتجاجات اندلعت يوم 25 سبتمبر (أيلول) الماضي، وقادها شباب «جيل زد» بسبب نقص المياه والكهرباء، إلا أنها انتشرت منذ ذلك الحين مع دعوة المتظاهرين الرئيس السابق آندريه راجولينا - الذي أعيد انتخابه عام 2023 - إلى التنحي والاعتذار عن العنف بحقهم، وحل كل من مجلس الشيوخ ولجنة الانتخابات.

ولقد نقلت وكالة «رويترز» أخيراً عن إحدى المواطنات العاطلات عن العمل - وهي أم لطفلين وتبلغ من العمر 24 سنة – قولها: «الرئيس في السلطة منذ أكثر من 15 سنة، ولا يزال الماء والكهرباء والوظائف غير موجودة. انظر إلى مدغشقر... هم (الحكومة) أغنياء ونحن لا نملك ما يكفينا من الطعام!».

وحقاً، تشير بيانات البنك الدولي إلى أن ثلاثة أرباع سكان مدغشقر - التي يصل متوسط الأعمار بين سكانها البالغ عددهم 30 مليون نسمة إلى أقل من 20 سنة - يعانون من الفقر؛ إذ توقف متوسط الدخل السنوي عند 600 دولار، في حين ارتفعت أسعار المواد الغذائية بشكل كبير.

ويوم 11 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، انضم الكولونيل ميشال راندريانيرينا (51 سنة)، قائد وحدة كابسات العسكرية إلى المظاهرات المناهضة للحكومة، وذلك بعد اتهامات للوحدة، التي ساعدت الرئيس راجولينا في الاستيلاء على السلطة في انقلاب عام 2009، وللقوات الحكومية باستخدام العنف لقمع المشاركين في المظاهرات التي سقط فيها ما لا يقلّ عن 22 قتيلاً ونحو مائة جريح، بحسب الأمم المتحدة.

وبعد نحو أسبوعين من هذه الاحتجاجات، أفادت رئاسة مدغشقر يوم 12 أكتوبر، في بيان، بأن «هناك محاولة استيلاء غير قانوني وقسري على السلطة»، بينما توالت أنباء عن مغادرة راجولينا البلاد.

وأعلن راندريانيرينا يوم 14 أكتوبر أن الجيش استولى على السلطة، وعلّق العمل بالدستور. ثم أدّى اليمين بعد 3 أيام رئيساً لمدغشقر، وتعهّد بإجراء تغييرات جذرية، وتشكيل حكومة مدنية، ووعد بتنظيم انتخابات خلال فترة تتراوح بين 18 و24 شهراً.

بعدها، يوم 20 أكتوبر الحالي، جرى تعيين شخصية مدنية رئيساً للحكومة، اسمه إرينتسالما راجاوناريفيلو، وهو شخصية من القطاع الخاص ورئيس سابق لمصرف «بي إن آي»، ويتمتع بمهارات وخبرات، وكذلك علاقات مع المنظمات الدولية في البلدان الأخرى التي ستتعاون مع مدغشقر.

لحظة مفصلية

صالح إسحاق عيسى، المحلل السياسي التشادي، المتخصص بالشؤون الأفريقية، أبدى خلال حوار مع «الشرق الأوسط» عن اعتقاده بأن «التحركات الأخيرة في مدغشقر تعكس لحظة مفصلية في تاريخ طويل من الانقلابات والقلاقل. فالانقلاب بقيادة عسكري شاب جاء نتيجة غضب شعبي واسع، خاصة من جيل الشباب (زد) بسبب الفقر وسوء الخدمات وتآكل الثقة بالنظام». ونبه إلى أنه «رغم أن ما حدث، قد يُنظر إليه كفرصة لتجديد النظام وإصلاحه، مع أن سيطرة الجيش وتعليق الدستور يثيران مخاوف من استمرار الحكم العسكري أو عودة النمط السلطوي».

ويرجح عيسى أنه إذا التزمت القيادة الجديدة بانتقال حقيقي، قد تدخل مدغشقر مساراً إصلاحياً نادراً في تاريخها، لكنها إذا استُغلت اللحظة لإعادة تدوير السلطة فقط، فستكون مجرد حلقة جديدة في دوامة الأزمة السياسية.

وبتفاصيل أكثر بشأن المشهد الأبرز، يرى الدكتور علي محمود كلني، الخبير في الشؤون الأفريقية، أن «الانقلاب العسكري الجديد في مدغشقر، مثله مثل الانقلابات في القارة السمراء التي غدت إحدى الظواهر المتكررة... التي تشكل تهديداً متجدداً لاستقرار أفريقيا ونموها السياسي».

ولفت إلى أن «مدغشقر، الدولة الجزيرة الصغيرة الواقعة قبالة الساحل الشرقي لأفريقيا، لم تكن استثناءً من هذا المسار، فهي منذ استقلالها عن فرنسا يوم 26 يوليو (تموز) 1960، عرفت عدة انقلابات عسكرية، كان آخرها الانقلاب الذي شهدته أخيراً عقب موجة من الاحتجاجات الشعبية والضائقة الاقتصادية».

ووفق كلني، «جاء الانقلاب العسكري الأخير نتيجة تصاعد حالة السخط الشعبي، خاصة بين فئة الشباب، الذين عبّروا عن رفضهم للنظام الإداري للرئيس المدني آنذاك، في ظل أزمة اقتصادية خانقة ألقت بظلالها على مختلف شرائح المجتمع». وأردف: «هذا المشهد وفّر بيئة خصبة لتدخل الجيش، الذي سارع إلى إعلان استيلائه على السلطة، مستغلاً الفراغ السياسي والتصعيد الجماهيري».

خطوة مفاجئة... وتوقعات متباينة

وبتعبير «خطوة مفاجئة»، وصف الدكتور كلني إجراءات إعلان الجيش تعليق العمل بالدستور، وحلّ البرلمان، والمحكمة الدستورية العليا، ولجنة الانتخابات، وكل المؤسسات القانونية في البلاد، بجانب توليه إدارة شؤون البلاد لمدة سنتين، على أن تُجرى بعدها انتخابات عامة. وتابع أن هذه الخطوة جاءت بعدما عزل البرلمان الرئيس المنتخب، وأعلنت المحكمة العليا نيتها تنظيم انتخابات خلال فترة لا تتجاوز الشهرين.

ووفقاً لكلني، «تتباين التوقعات حول شكل الحكم العسكري المرتقب. فبينما يرى البعض أن الجيش قد يتبنى نهجاً أكثر مرونة في إدارة المرحلة الانتقالية، يحذّر آخرون من احتمال توجهه إلى القمع واستهداف الشخصيات السياسية المقربة من الرئيس المعزول، في محاولة لتصفية خصومه وتعزيز سلطته».

التحركات الدولية والأفريقية

ما يذكر أن رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، محمود علي يوسف، حثّ، في بيان، على الهدوء وضبط النفس، ومع تصاعد الأزمة كان هناك تدخل دولي، وأفاد مصدر عسكري «رويترز» بأن «راجولينا غادر البلاد على متن طائرة عسكرية فرنسية»، بينما أشارت الإذاعة الفرنسية إلى أنه أبرم اتفاقاً مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.

وفي حينه، قال ماكرون إنه لا يستطيع تأكيد التقارير التي تفيد بأن فرنسا ساعدت راجولينا على الفرار من مدغشقر - التي كانت مستعمرة فرنسية - مضيفاً أنه «يجب الحفاظ على النظام الدستوري في مدغشقر»، وفي حين تتفهم فرنسا مظالم الشباب في البلاد، ترى أنه لا يجوز أن تستغلها الفصائل العسكرية. وهنا نشير إلى أنه عقب سيطرة الجيش، أعلن الاتحاد الأفريقي في منتصف أكتوبر الحالي، أن الاتحاد علق عضوية مدغشقر. واستنكر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش العملية أيضاً في بيان رسمي.

الموقف الأفريقي رافض للانقلابات

صالح إسحاق عيسى رأى أن الموقف الأفريقي الداعم لتجميد عضوية مدغشقر يُعد إشارة قوية على رفض الانقلابات العسكرية، لكن التجربة أثبتت أن مثل هذه الخطوات الرمزية تظل غالباً محدودة التأثير إذا لم تتبعها جهود فعلية لدعم انتقال سلمي وشامل.

وأردف المحلل التشادي أن الاتحاد الأفريقي «يفتقر أحياناً للأدوات اللازمة لفرض مسارات سياسية في دول تعاني من هشاشة داخلية. وبالتالي، ما لم تتحول هذه العقوبة إلى مبادرة حقيقية تشمل الوساطة، والدعم الفني، وضمانات للانتخابات، فقد تبقى مدغشقر في حالة عزلة بلا توجيه، وهذا ما يزيد من تدهور الوضع».

الدكتور كلني، أيضاً، اعتبر قرار الاتحاد الأفريقي تجميد عضوية مدغشقر مؤقتاً، خطوة مألوفة في مثل هذه الحالات، هدفها الضغط على الحكومات العسكرية من أجل العودة إلى المسار الديمقراطي. وتوقع أن يلعب الاتحاد دوراً محورياً في التوسط وإعادة الاستقرار السياسي، خشية أن يؤدي الانقلاب إلى تفكك داخلي أو تصاعد الخطابات المتطرفة التي قد تنتقل إلى الدول المجاورة.

أما على الصعيد الدولي، فالمواقف تتراوح بين التنديد الحذر والمراقبة المشروطة، بحسب عيسى، موضحاً أن «الدول الغربية تنتظر ما إذا كانت القيادة الجديدة ستلتزم بتعهداتها بانتخابات خلال أقل من سنتين، لكن دعم الاستقرار مشروط دائماً بالتحول المدني الحقيقي، وإلا فسيكون الدعم محدوداً أو انتقائياً».

تشير بيانات البنك الدولي إلى أن 75%

من سكان مدغشقر

الـ 30 مليون نسمة

يعانون من الفقر

مساران للمستقبل

من جهة أخرى، مع أن مدغشقر شهدت انقلابات دموية أبرزها في 1972 و1975 و2002 و2009، يقول الدكتور كلني إن قراءة المستقبل بعد هذه التطورات تواجه عقبة «نموذج» إبراهيم تراوري، الرئيس الانتقالي في بوركينا فاسو، عقب انقلابه في 2022 الذي حظي بإعجاب بعض القادة العسكريين في أفريقيا... «وقد يسعى جيش مدغشقر إلى محاكاة هذا النموذج، الذي يُروَّج له كأحد أشكال الحكم العسكري الإصلاحي».

ويتابع: «لكن يبقى مستقبل البلاد غامضاً، خاصة بغياب خريطة طريق واضحة، وتعدد الجهات الفاعلة داخلياً وخارجياً... كذلك المرحلة المقبلة تعتمد بشكل رئيس على مدى استجابة القيادة العسكرية لمطالب الشعب، ومدى تعاونها مع الاتحاد الأفريقي وشركاء دوليين آخرين، إضافة إلى قدرتها على ضبط الأوضاع الأمنية والاقتصادية».

ويخلص إلى أن مدغشقر «تمرّ بمنعطف سياسي حرج، قد يكون له تداعيات عميقة على مستقبل البلاد والمنطقة. فإما أن يشكّل الانقلاب فرصة لإعادة صياغة النظام السياسي بما يتماشى مع تطلعات المواطنين، وإما أن يتحوّل إلى بداية مرحلة جديدة من الحكم الاستبدادي والصراعات السياسية».

قائد الانقلاب الكولونيل ميشال راندريانيرينا (آ ب)

مفترق طرق

ويوافق، المحلل التشادي عيسى على أن مدغشقر تقف الآن على مفترق طرق، فإما أن تتحول العزلة الدولية إلى فرصة لتصحيح المسار عبر شراكات مدروسة، وإما أن تغرق في أزمة أعمق نتيجة الإهمال الخارجي والتردّد الداخلي، كل شيء متوقف على خطوات الأشهر القليلة المقبلة.

ثم يضيف أن مدغشقر أيضاً على حافة احتمالين: الأول، يتعلق بملامح الماضي الحاضرة بقوة - ما بين انقلاب عسكري وتعليق للدستور وتدخل الجيش في السياسة وردود فعل دولية تتراوح بين الإدانة والمراقبة، باعتبار ما يحدث مشاهد ليست جديدة على البلاد، بل تكرار لما عاشته في أزمات 2002 و2009. والثاني، يتمثل بمؤشرات جديدة لا يمكن تجاهلها، بينها الحضور القوي للشباب، خاصة من جيل جديد واعٍ يستخدم أدوات مختلفة للتعبير والتأثير.

ويرى عيسى وجود وعي شعبي أكبر بخطورة العودة إلى الوراء، وقدرة أعلى على الضغط. ثم إن العالم بات أكثر انتباهاً لتأثير الانقلابات في أفريقيا، وسط موجة متزايدة من الانتقالات المعلقة في دول، مثل النيجر وبوركينا فاسو ومالي. ويستطرد أن «ما يميز هذا الفصل المحتمل أنه مفتوح، لا هو تكرار محض للماضي ولا هو بداية أكيدة للاستقرار، والفارق سيكون في الإرادة السياسية، وسرعة الإجراءات الفعلية للانتقال، ومدى إشراك القوى المدنية، خصوصاً خارج العاصمة».ويخلص إلى القول: «إذا استُثمرت اللحظة بصدق، فقد نشهد بداية خروج من الحلقة المفرغة، أما إذا شهدنا التفافاً على المطالب الشعبية، أو سُيرت المرحلة الانتقالية بأدوات قديمة وبعقلية الغلبة، فستكون الأزمة المقبلة أقسى؛ لأن الوعي الشعبي اليوم أعمق من أي وقت مضى».

حقائق

مدغشقر... العالقة بين الفقر والاضطرابات

> تعيش مدغشقر، الجزيرة الأفريقية المترامية في المحيط الهندي، على إيقاع أزمات متكرّرة تتناوب بين الفقر والاضطرابات السياسية. وبعد عقود من الاستعمار الفرنسي، ثم تجارب حكم متعاقبة لم تنجح في تحقيق الاستقرار أو التنمية، تجد البلاد نفسها مجدداً أمام مشهد مأزوم، مع تصاعد الغضب الشعبي على تردي المعيشة ونقص الخدمات، وعودة الجيش إلى الواجهة بعد الإطاحة بالرئيس أندري راجولينا. وفيما يلي معلومات سريعة عن مدغشقر:

الموقع: أقصى الجنوب الشرقي لسواحل أفريقيا، يحدها من الشمال الغربي جزر القمر، وموريشيوس إلى الشرق، وسيشل إلى الشمال.

العاصمة: أنتاناناريفو.

العملة: الأرياري.

المساحة: نحو 587040 كيلومتراً مربعاً.

التقسيمات الإدارية: 22 منطقة إدارية.

اللغة: المالاغاشية بخلاف سيطرة اللغتين الفرنسية والإنجليزية.

السكان: أكثر من 30 مليون نسمة تضم عدة عرقيات لا سيما جنوب شرقي آسيوية وأفريقية وعربية.

النظام السياسي: رئاسي، مدة ولاية الرئيس 5 سنوات، ويعتمد على دستور حديث أقر في 2010، بخلاف سلطة تنفيذية وأخرى قضائية وثالثة تشريعية مكونة من الجمعية الوطنية (160 نائباً) غرفة أولى، والشيوخ (18) غرفة ثانية.

الاقتصاد: أكثر من 70 في المائة من سكانها تحت خط الفقر، ويبلغ معدل البطالة فيها 3 في المائة في 2024، وتوقف متوسط الدخل السنوي عند 600 دولار.

التاريخ الاستقلالي: عام 1895 استعمرت فرنسا الجزيرة، وواجهت انتفاضات ضدها أبرزها في مارس (آذار) 1947، وقبلها بعام مثلت الجزيرة في البرلمان الفرنسي.

قامت مدغشقر المستقلة يوم 14 أكتوبر (تشرين الأول) 1958 مع تأسيس الجمهورية، وبعد عامين نالت الاستقلال في 1960. وعام 1975 انتخب الاشتراكي ديدييه راتسيراكا، وإبان حكمه الذي استمر حتى 1993، طرد الجيش الفرنسي من بلاده وأغلق عدداً من السفارات والقنصليات.

التاريخ المعاصر: شهدت مدغشقر عدة انقلابات أبرزها أعوام 1972 و1975 و2002 و2009، بخلاف توالي تغير الحكومات تحت اضطرابات بالبلاد. وفي الألفية وما بعدها، شهدت مدغشقر تقلبات سياسية وعسكرية لم تنه الأزمة التاريخية للبلاد، وفتحت مسارات لانقلابات جديدة.

في 10 فبراير (شباط) 1993، انتخب ألبرت زافي رئيساً للبلاد وعزله الجيش بعد 3 سنوات. وفي 2002 انتخب مارك رافالومانانا بديلاً له لكنه استقال يوم 17 مارس 2009 تحت ضغط عسكري بعد احتجاجات شعبية واسعة، ليخلفه في المنصب آندري راجولينا حتى 25 يناير (كانون الثاني) 2014. وعاد راجولينا لتولي رئاسة البلاد للمرة الثانية في 19 يناير 2019، واستمر في المنصب حتى 10 سبتمبر (أيلول) 2023، بعدما استقال للترشح للانتخابات. وعاد الحكم في ولاية ثالثة، قبل أن تخرج ضده مظاهرات من شباب جيل زد في 29 سبتمبر الماضي.

وفي ذكرى تأسيس الجمهورية، أعلن عسكريون في 14 أكتوبر 2025 سيطرة الجيش على السلطة.



مقالات ذات صلة

سوريا: «مذكرة التفاهم» تنظّم وجود روسيا العسكري... وتفتح الباب على تفاهمات أوسع

حصاد الأسبوع صورة من الجو لقاعدة حميميم الجوية في شمال غربي سوريا، قرب مدينة جبلة (رويترز)

سوريا: «مذكرة التفاهم» تنظّم وجود روسيا العسكري... وتفتح الباب على تفاهمات أوسع

دشّن الإعلان عن التوصل إلى «مذكرة تفاهم» بين دمشق وموسكو تعيد تنظيم وهيكلة الوجود العسكري الروسي على الأراضي السورية، مرحلةً جديدة في علاقات البلدين، تفتح على

رائد جبر (موسكو)
حصاد الأسبوع ردود الفعل على انتخاب جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي

تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره

عبد القادر جامع... «رجل الملفات الشائكة» على رأس مجلس الشعب الصومالي

صعود استثنائي كتبه الصومالي «الأربعيني» عبد القادر محمد نور جامع، في وقت مبكر من شبابه، بين أروقة الدبلوماسية والأمن والسلطة في الصومال، وصولاً للتربع على كرسي

حصاد الأسبوع عناصر من «حركة الشباب» الصومالية الإرهابية (أ.ب)

مجلس الشعب الصومالي... ركيزة حاسمة في فترة عصيبة

مع تصاعد الخلافات بين الحكومة والمعارضة في الصومال، بات «مجلس الشعب» ركيزة أساسية في المشهد السياسي وصنع القرار بالبلاد، بالتزامن مع انتخاب عبد القادر محمد نور

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
حصاد الأسبوع الملك عبدالله الثاني، وبجواره إلى الشمال رئيس الوزراء جعفر حسان ومهند شحادة، وإلى اليمين وليد المصري وعزمي محافظة (الديوان الملكي الأردني)

الأردن: توتر العلاقة بين الحكومة والنواب وصيف ساخن

حالة من الارتباك تعيشها السلطتان الأكثر اشتباكاً (التنفيذية والتشريعية) في الأردن؛ إذ دخلت البلاد في حالة من الترقب وسط مخاوف من تنامي حالة «انعدام الثقة»

محمد خير الرواشدة (عمّان)
حصاد الأسبوع صورة ارشيفية لمركبات تابعة لقوات الـ"يونيفيل" قرب موقع للاحتلال الإسرائيلي بمنطقة كفرشوبا في أقصى جنوب شرقي لبنان (آ ف ب)

كيف تبدّلت قواعد الاشتباك بين إسرائيل و«حزب الله»؟

شهدت الحدود اللبنانية - الإسرائيلية خلال العقدين الماضيين تحوّلاً جذرياً في طبيعة المواجهة بين إسرائيل و«حزب الله». فما أفرزته حرب يوليو (تموز) 2006

«الشرق الأوسط» (بيروت)

سوريا: «مذكرة التفاهم» تنظّم وجود روسيا العسكري... وتفتح الباب على تفاهمات أوسع

صورة من الجو لقاعدة حميميم الجوية في شمال غربي سوريا، قرب مدينة جبلة (رويترز)
صورة من الجو لقاعدة حميميم الجوية في شمال غربي سوريا، قرب مدينة جبلة (رويترز)
TT

سوريا: «مذكرة التفاهم» تنظّم وجود روسيا العسكري... وتفتح الباب على تفاهمات أوسع

صورة من الجو لقاعدة حميميم الجوية في شمال غربي سوريا، قرب مدينة جبلة (رويترز)
صورة من الجو لقاعدة حميميم الجوية في شمال غربي سوريا، قرب مدينة جبلة (رويترز)

دشّن الإعلان عن التوصل إلى «مذكرة تفاهم» بين دمشق وموسكو تعيد تنظيم وهيكلة الوجود العسكري الروسي على الأراضي السورية، مرحلةً جديدة في علاقات البلدين، تفتح على توسيع التعاون في مجالات مختلفة، وإزالة واحدة من العقبات الرئيسية الموروثة من حقبة الرئيس المخلوع بشار الأسد. وفي وقت تعوّل فيه موسكو على استكمال وتسريع مسار تطبيع واسع للعلاقات، يمنح الطرفين الروسي والسوري القدرة على إعادة بنائها، ويضع آليات تتجاوز صعوبات الماضي القريب وتلبي مصالح الطرفين، فإن التحدي الأبرز الذي يواجهه الطرفان، يتمثل في الضغوط الغربية المتواصلة على دمشق لتقليص العلاقات مع روسيا إلى أدنى حد ممكن.

حملت تعليقات الطرفين الروسي والسوري، بعد الإعلان عن توقيع «مذكرة التفاهم» بينهما، تطابقاً في تقييم الوضع على صعيد العلاقات الثنائية، وقناعة بأن من شأن هذه الخطوة الحاسمة إطلاق مرحلة جديدة في علاقات البلدين.

ولكن بينما وصفت وزارة الخارجية السورية التوصل إلى «مذكرة التفاهم» بأنه خطوة «تحسم مصير القاعدتين الروسيتين في حميميم وطرطوس، وترسم ‏ملامح المرحلة المقبلة للعلاقات بين البلدين». قالت موسكو في تعليقها إن التطوّر يمنح العلاقات آفاقاً واسعة تلبي مصالح البلدين.

عملية إعادة تنظيم

بموجب التفاهم، ستبدأ فوراً عملية إعادة تنظيم الوجود الروسي في الساحل السوري، ‏على أن تتولى الدولة السورية إدارة المنشآت ذات الطابع المدني، وفي مقدمها مطار حميميم والرصيف التجاري الرابع في ‏ميناء طرطوس، بما يتيح إدخالهما تدريجياً ضمن منظومة الإدارة المدنية.

أما بالنسبة للقواعد والمنشآت ذات الطابع العسكري، فأفادت المذكرة بأن «الطرفين اتفقا على إعادة ‏صياغة وظيفتها، بحيث تتحوّل من قواعد عسكرية إلى مراكز تدريب وتأهيل مشتركة، ضمن ترتيبات جديدة تحفظ ‏المصالح المتبادلة»‏.

وحدّدت «مذكرة التفاهم» سقفاً زمنياً لا يتجاوز ثلاثة أشهر لاستكمال عملية ‌‏التحويل، لتدخل بعدها الترتيبات الجديدة حيز التنفيذ. ويعد التطور، الخطوة الأبرز منذ بدء المفاوضات قبل نحو عام ونصف عام، ويفتح، كما قال خبراء من الجانبين، «الباب ‏أمام مرحلة مختلفة نوعياً في العلاقات السورية - الروسية».‏

أسئلة حول المستقبل

ووفقاً لخبراء، فإن الإعلان عن توقيع «مذكرة التفاهم» يعكس رغبة متبادلة في «تجاوز الملفات الصعبة في العلاقات، وإيجاد آليات براغماتية لتنظيم العلاقة بشكل يلبي مصالح الطرفين».

لكن كان لافتاً أن المذكرة في بنودها المعلنة لم تحدّد تفاصيل عن طبيعة الوجود الروسي على الأراضي السورية مستقبلاً، سواءً لجهة عديد القوات الروسية المتفق عليه وطبيعة مهامهم وعتادهم والأسلحة التي يمكن أن تبقى في «حميميم» و«طرطوس» مستقبلاً، كما لم تحدد سقفاً زمنياً للتفاهم الجديد. وهذا أمر أثار الكثير من النقاش والتباين في التحليلات بين طرفين رأى أحدهما أن المذكرة تقلّص إلى أدنى درجة النفوذ الروسي في سوريا، وتنهي عملياً حقبة كاملة من «المكاسب» التي حصلت عليها موسكو بسبب تدخلها العسكري في هذا البلد في 2015. في حين يصرّ الموقف الرسمي في البلدين - ومعه فريق واسع من المحللين - على أن التطور «يعيد تنظيم هذا الوجود على أسس جديدة» تأخذ في الاعتبار توافقات موسكو ودمشق على إعادة هيكلة العلاقات بشكل يحفظ مبدأ الاحترام المتبادل للسيادة ويلبي أهداف ومصالح البلدين.

إلغاء الاتفاقيات السابقة

ولكن الثابت، وفقاً لأكثر من خبير، أن توقيع المذكرة «يلغي عملياً الاتفاقات السابقة» التي كانت تنظم وجوداً طويل الأمد، وصفه مسؤولون روس بأنه «إلى الأبد». وهو أيضاً يشطب كل الصلاحيات الواسعة المجحفة التي كان الأسد منحها لموسكو، كالإفادة من المناطق والمنشآت المدنية في محيط القاعدتين، والحصانة الواسعة التي كان يتمتع بها الجنود والضباط الروس على الأرض السورية. بما يعني أن المذكرة لا تعيد فقط تنظيم الوجود الروسي، بل تضع أيضاً هيكلية جديدة له تقوم على إنهاء فكرة «القواعد الروسية»، وتحوّلها إلى مراكز عمل مشتركة تخدم أهداف وتطلعات الطرفين.

توقيع «مذكرة التفاهم» يعكس رغبة متبادلة في «تجاوز الملفات الصعبة في العلاقات

وإيجاد آليات براغماتية لتنظيم العلاقة بشكل يلبي مصالح الطرفين»

ماذا تبقى لموسكو؟

في الواقع، لقاعدة حميميم وميناء طرطوس أهمية استراتيجية خاصة في الساحل السوري؛ إذ يمثل مطار حميميم منشأة جوية رئيسة، بينما يرتبط ميناء طرطوس بالموقع البحري الذي شكّل أحد أبرز أوجه الحضور الروسي في سوريا طوال السنوات الماضية.

وفي حين أن الوجود الروسي الجوي في قاعدة «حميميم» لم تكن له أهمية استراتيجية بالنسبة إلى موسكو إلا في إطار الأهداف العملياتية إبان الحرب السورية، فإن الإطلالة الروسية على البحر المتوسط في قاعدة طرطوس البحرية اكتسبت أهمية استراتيجية كبرى كون الوجود الروسي فيها شكل «حلقة لوجستية» مهمة للغاية لخدمة السفن والأساطيل الروسية التي تتحرّك في المياه الدافئة، ولضمان سلاسل الإمداد والصيانة للسفن التي تنقل المعدات والموارد إلى القارة الأفريقية.

وحقاً، كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد قال غير مرة في السابق إن بلاده مستعدة لسحب فوري لقواتها في سوريا «عندما تدعو الضرورة لذلك». وبالفعل، بدأت موسكو سحباً تدريجياً لقواتها منذ خريف عام 2016 عندما أعلنت «انتهاء الجزء النشط من العمليات العسكرية في سوريا». لكن الانسحاب الأوسع جاء مع اندلاع الحرب الأوكرانية؛ إذ نقلت موسكو معدات ثقيلة ووحدات قتالية إلى مناطق أخرى، وعاد جزء كبير منها إلى ساحة المواجهة مع أوكرانيا.

وفي وقت لاحق، عندما أدت التطورات إلى إطاحة نظام الأسد، عمدت موسكو إلى نقل الجزء الأكبر المتبقي في حميميم إلى مطار القامشلي، الذي حوّلته موسكو بالتفاهم مع تركيا والولايات المتحدة إلى قاعدة جوية ضخمة، قبل أن تنسحب منه في مطلع العام استجابة لطلب من القيادة السورية الجديدة.

والحال أن القوات الروسية، التي كانت تنتشر في 114 قاعدة ونقطة ارتكاز على الأرض السورية عشية إطاحة نظام الأسد، قلّصت هذا الوجود إلى أدنى درجة ممكنة، ولم تعد تحتفظ بقوات إلا في القاعدتين الأكبر في حميميم وطرطوس.

وبعد المذكرة الحالية، يرى خبراء أن موسكو ستواصل تقليص حضورها في القاعدة الجوية، التي ستتحول فعلاً إلى مركز تدريب مشترك لم يتضح بعد ما إذا كان الطرفان سيتقاسمان الإدارة والسيطرة فيه.

قاعدة طرطوس

في المقابل، فإن الحاجة للمحافظة على الوجود الروسي في طرطوس، كونها نقطة ارتكاز لوجستية حيوية لحركة السفن الروسية، لم تتراجع. بل ستزداد أهمية بسبب اتساع نطاق الضغوط الغربية على موسكو وعلى تحرّكات الأساطيل الروسية. وتنطلق موسكو، في حال فتح الطرفان جولات مفاوضات جديدة لتحديد الوضع النهائي للوجود العسكري الروسي على الأراضي السورية، من إمكانية العودة إلى اتفاقية مبرمة في عام 1972 تنظم وجوداً محدوداً لروسيا في إطار مركز فني لخدمة وصيانة السفن وإمدادها بالوقود والمستلزمات الأخرى.

انفتاح على تعاون أوسع

في كل الأحوال، رأى خبراء أن من شأن إبرام المذكرة حالياً إزالة عائق رئيس أمام تطوير التعاون في مجالات عدة. وبحسب المستشار المقرّب من الخارجية الروسي، رامي الشاعر، فإن توقيع المذكرة شكّل استجابة عملية لإعلانات الرئيسين فلاديمير بوتين وأحمد الشرع حول وضع «آلية براغماتية» لإعادة رسم ملامح العلاقات على أرضية جديدة، وبما يتفق مع احترام متبادل للسيادة وتعزيز آليات المنفعة المتبادلة.

ورأى الشاعر أن أهمية المذكرة تكمن في كونها تطلق مرحلة جديدة للتفاهم في مجالات عدة. وأشار إلى أن روسيا ساهمت في الماضي في بناء أهم مرافق البنية التحتية، وبخاصة في مجالي الطاقة والزراعة، بالإضافة إلى تجهيز الكوادر في جميع المجالات، فضلاً عن المساهمة في بناء الجيش السوري وتزويده بكل ما يلزم. وزاد أن المذكرة الجديدة تضع أساساً لتطوير التعاون في كل هذه المجالات على أرضية جديدة.

بدوره، رأى رئيس مجلس الأعمال الروسي - السوري لؤي يوسف في توقيع هذه المذكرة «طيّاً لصفحة الماضي، وتحويلاً للعلاقة الثنائية إلى إطار قائم على المصالح المشتركة، وإعادة هيكلة براغماتية للعلاقات الروسية - السورية».

وأردف: «لا كما يروّج البعض من أنَّها انسحاب روسي من سوريا. فكل طرف يسعى للحفاظ على مكاسبه الأساسية ضمن مظلة جديدة».

وتابع أن العلاقة بين موسكو ودمشق تشهد تطوراً مستمراً بعد سقوط نظام الأسد، و«تتعدد المؤشرات على ذلك، ومنها تركيز الرئيسين الشرع وبوتين على تفعيل وتوسيع الدور الاستراتيجي للشركات الروسية وقطاع الأعمال في إعادة الإعمار. وهذا ما نعمل عليه في مجلس الأعمال الروسي - السوري، حيث نخطط لتنظيم منتدى الأعمال الروسي - السوري في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، بمشاركة الطرف السوري، وبحضور نحو 50 شركة روسية من مختلف المجالات لبحث آفاق التعاون».

تعيين سفير مخضرم

وأشاد الشاعر بتعيين سفير جديد لروسيا في دمشق له خبرة واسعة في الشأن السوري وشؤون المنطقة، وعدَّها خطوة لتنظيم آفاق أوسع للعلاقة والتعاون. وكان بوتين أصدر قبل أيام، مرسوماً يقضي بتعيين الدبلوماسي دميتري دوغادكين سفيراً فوق العادة ومفوضاً للاتحاد الروسي لدى الجمهورية العربية السورية خلفاً للسفير السابق ألكسندر يفيموف.

ويُعدّ دوغادكين دبلوماسياً مخضرماً عمل لسنوات طويلة في المنطقة، وتنقل خلال العقدين الماضيين في مناصب عدة بين مصر وسوريا وسلطنة عمان وقطر، كما تسلم بين عامي 2013 و2017 منصب مدير دائرة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في الخارجية الروسية، ما منحه خبرة واسعة في شؤون المنطقة واطلاعاً وثيقاً على ملفات العلاقة الروسية العربية عموماً، والعلاقات الروسية السورية على وجه الخصوص.

ويعود دوغاكين، الذي يتقن العربية، إلى سوريا سفيراً، بعدما كان قد عمل في هذا البلد مستشاراً أول ونائباً للسفير الروسي بين عامي 2009 و2013، ما يعني أنه عاصر التطورات العاصفة التي شهدتها البلاد، وتحوّل الحراك الشعبي الذي اندلع في 2011 ضد نظام بشار الأسد إلى مواجهة عسكرية طاحنة، دفعت لاحقاً إلى تدخل روسيا عسكرياً بشكل مباشر في 2015.

ضغوط غربية

في المقابل، يواجه السفير الروسي الجديد لدى سوريا ملفات معقدة وتحديات كبرى. وكان أحدث تطور على هذا الصعيد، الإشارة الأميركية التي تلقتها دمشق بضرورة وقف مشتريات النفط الروسي أو تقليصها إلى أدنى درجة ممكنة. وعمدت موسكو خلال السنة الأخيرة إلى تنشيط صادراتها من النفط والوقود إلى سوريا في إطار تفاهمات مع الحكومة السورية لمساعدتها على تجاوز الصعوبات الاقتصادية والمعيشية. وخلال الأشهر الست الأولى من هذه السنة نشطت موسكو صادراتها بشكل قوي.

وقفزت شحنات النفط الروسي إلى سوريا 75 في المائة لتصل إلى نحو 60 ألف برميل يومياً هذه السنة، وهي نسبة ضئيلة من إجمالي صادرات روسيا النفطية اليومية للعالم، لكنها جعلت موسكو المورّد الرئيس للنفط الخام إلى سوريا. ووفقاً لمصادر محلية فإن هذه الشحنات غطت ما يزيد على ثلث حاجة سوريا من النفط.

كذلك، كان مصدر سوري قد أعلن أن «سوريا تعتمد حالياً على النفط الروسي بدافع الضرورة لا التفضيل». ورد مسؤولون سوريون على الضغوط المتواصلة من جانب واشنطن بالإشارة إلى أنه على الولايات المتحدة رفع تصنيف الدول الراعية للإرهاب، لتتمكن سوريا من تنويع مصادرها في مشتريات النفط. وأبلغ مسؤول سوري في قطاع الطاقة «رويترز» أن دمشق تسعى بالفعل إلى إيجاد مورّدين جدد، وأنه من المتوقع حدوث «تغيير جذري» خلال الفترة القريبة المقبلة.

ولكن، قبل بروز هذا الملف، كانت دمشق تعرضت لضغوط مباشرة لدفعها إلى إبطاء مسار تطبيع العلاقات مع موسكو. ومع أن اللهجة الغربية تراجعت جزئياً في السنة الأخيرة، ظل هذا المطلب مطروحاً على طاولة المباحثات السورية - الأوروبية، والسورية - الغربية عموماً.

رؤية روسية

في مواجهة الضغوط الغربية، تنطلق موسكو من حاجة الطرفين إلى وضع ترتيبات جديدة للعلاقة تلبي مصالحهما. وكانت روسيا أعلنت استعدادها للمساعدة في إعادة تأهيل جزء مهم من البنى التحتية، وخصوصاً تلك التي أسهمت موسكو في السابق بشكل نشط في تشييدها، ويدور الكلام عن شبكة إمدادات الكهرباء وقطاعات عديدة أخرى ما زالت الشركات الروسية تنشط فيها. أيضاً عمدت موسكو إلى دعم دمشق بالمحروقات ومواد أخرى حيوية، وأبدت استعدادها للعمل بشكل غير مباشر على تعويض دمشق من خلال تلميح إلى احتمال إعفائها من الديون الروسية وتنشيط تعاون اقتصادي واستثماري في قطاعات عدة.

وناقش الطرفان الروسي والسوري تطوير التعاون العسكري في سياق حاجة دمشق إلى إعادة تأهيل جيشها.

بدورها، أكدت دمشق رغبتها بإعادة بناء العلاقة مع موسكو على أسس جديدة. ووضعت دمشق العلاقة مع موسكو في إطار الحاجة إلى تنويع العلاقات والإفادة من الانفتاح على كل الأطراف الدولية والإقليمية، لكنها طالبت مراراً بتحرك روسي يدعم مبدأ «العدالة الانتقالية». وبالتالي رغم الانفتاح على العلاقة المتجددة مع موسكو يبقى ملف وجود الرئيس المخلوع ورموز قيادته تحت الحماية الروسية عنصر توتر يعرقل بناء الثقة الكاملة بين الطرفين.

وفي هذا الإطار، فإن الضغوط الغربية المتواصلة على دمشق، تسعى - بين أهداف عدة - إلى عرقلة بناء علاقات متجددة بين موسكو ودمشق. وسارت واشنطن أخيراً خطوات عملية في هذا المجال، ويوم 8 يوليو (تموز)، أبلغ الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكونغرس بنيّته شطب سوريا من «قائمة الدول الراعية للإرهاب»، وهو بحاجة لتبرير هذا القرار خلال 45 يوماً. ومع أن هذا القرار لا يرتبط مباشرةً بروسيا، أوضحت واشنطن أخيراً رغبتها في إضعاف علاقات روسيا مع سوريا. وكلف الكونغرس وزارة الحرب (البنتاغون) بدراسة الخيارات المتاحة لتقليص النفوذ الروسي، وضمان انسحاب قواتها من القاعدة البحرية في طرطوس والقاعدة الجوية في حميميم.


عبد القادر جامع... «رجل الملفات الشائكة» على رأس مجلس الشعب الصومالي

ردود الفعل على انتخاب جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي

تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره
ردود الفعل على انتخاب جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره
TT

عبد القادر جامع... «رجل الملفات الشائكة» على رأس مجلس الشعب الصومالي

ردود الفعل على انتخاب جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي

تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره
ردود الفعل على انتخاب جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره

صعود استثنائي كتبه الصومالي «الأربعيني» عبد القادر محمد نور جامع، في وقت مبكر من شبابه، بين أروقة الدبلوماسية والأمن والسلطة في الصومال، وصولاً للتربع على كرسي المنصب الثاني من حيث القوة والنفوذ في هيكل الدولة رئيساً لمجلس الشعب (البرلمان). وهو اليوم يتولّى المنصب في مرحلة مفصلية وسط خلافات سياسية حادة، وترقُّب انتخابات رئاسية وتشريعية في منتصف عام 2027.

يوم 10 أغسطس (آب) 2026، كتب عبد القادر محمد نور جامع، المولود يوم 21 أكتوبر (تشرين الأول) 1985 في مدينة بيدوا الصومالية، مرحلة جديدة في حياته السياسية مع فوزه برئاسة مجلس الشعب، لتنضم هذه المرحلة لسجل حافل بالمناصب والعلاقات المتينة مع القصر الرئاسي ورئيس البلاد حسن شيخ محمود.

في ذلك اليوم، كان جامع وزيراً للموانئ والنقل البحري، واستطاع حصد 142 صوتاً خلال جلسة انتخابية عقدت في مقر البرلمان بالعاصمة مقديشو، عقب شهرين من شغور مقعد رئاسة البرلمان إثر انتخاب رئيسه السابق، الشيخ عدن محمد نور مدوبي، رئيساً لولاية جنوب غربي الصومال في شهر يونيو (حزيران) من عام 2026.

وفي حينه حصد منافسه النائب عبد القادر عمر معلم، أحد أبرز وجوه الموالاة بالبلاد 30 صوتاً فقط، وسط غياب نواب مؤيدين للمعارضة التي ما عادت تعترف بشرعية البرلمان بعد إقرار الدستور في مارس (آذار) الماضي، ومن ثم تمديد فترتي البرلمان والرئاسة سنة حتى منتصف 2027.

اللغة التي قدم بها جامع نفسه بعد الانتخاب توحي بأنه «رجل دولة» يقدّم نفسه لمرحلة تبدو -بحسب مراقبين- مفصلية، مع ارتفاع «لاءات» المعارضة في وجه رئيس البلاد والحكومة الفيدرالية، وتمسّكها برفض الاعتراف به وبالمؤسسة التشريعية. ووفق المراقبين حاول الرجل الابتعاد عن الضغوط السياسية التي قد تستغل «قربه» من الرئيس حسن شيخ محمود.

إنها تقديرات يلخّصها خطاب فوزه، إذ وعد جامع بالتخلي عن مناصبه الحكومية والسياسية، حفاظاً على الحياد الذي يقتضيه منصب رئيس المجلس، وكذلك تعهّد بالتواصل مع النواب المعارضين الذين تغيبوا عن جلسة الانتخابات بسبب الخلافات السياسية.

أيضاً أكد رئيس البرلمان الجديد استعداده للعمل مع نائبي رئيس المجلس واللجان البرلمانية «لأداء عمل البرلمان بشكل كامل». ودعا، بعد أن غدا «الرجل الثاني» في هرم السلطة، إلى الوحدة، والمساواة، مؤكداً أن قيادته «ستسعى إلى تمثيل جميع الصوماليين، ودعم حقوقهم الاجتماعية والسياسية»، وأنه سيعمل على تعزيز التعاون مع مجلس الشيوخ، والمجالس التشريعية للولايات الفيدرالية الصومالية.

سجلّ حافل مع أروقة السلطة

خلف حضور جامع وفوزه الكبير سجل حافل، يشمل دراسته العلوم السياسية في جامعة أنقرة بتركيا بفضل منحة دراسية، وتخرجه عام 2016. وخلال هذه الفترة شغل جامع منصب السكرتير الأول في السفارة الصومالية بأنقرة بين عامي 2012 و2016، وقبل ذلك تولى منصب السكرتير الثاني في السفارة بين 2009 و2012، قبل انضمامه إلى وزارة الخارجية.

أكثر من هذا، شغل جامع منصب نائب مدير وكالة المخابرات والأمن الوطني، والقائم بأعمال المدير بعد استقالة المدير السابق حسن عثمان حسين يوم 13 أكتوبر 2018 وحتى 22 أغسطس 2018. وشغل منصب وزير العدل في الحكومة الفيدرالية الصومالية ما بين 24 أكتوبر 2020 و26 ديسمبر (كانون الأول) 2021. ثم تولّى حقيبة وزارة الدفاع في الفترة ما بين ديسمبر 2021، وحتى مارس من عام 2025، قبل أن يصبح وزيراً للموانئ والنقل البحري، حتى انتخابه الرجل الثاني بالدولة الصومالية.

رئيس مجلس الشعب

من جهة ثانية، تشير تقارير إعلامية محلية تنسب لسيرة جامع الذاتية أنه كان رئيساً للأمن في القصر الرئاسي الصومالي، وإدارة الملفات الشائكة بالدولة. وإبان توليه حقيبة وزارة الدفاع، شارك جامع في توقيع إطار للتعاون الدفاعي والاقتصادي بين الصومال وتركيا عام 2024، بهدف تعزيز التعاون الأمني والدفاعي بين البلدين.

مرحلة مفصلية

ردود الفعل التي لاحقت انتخاب عبد القادر محمد نور جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره، في ظل خلافات سياسية في الصومال جاوزت العامين بشأن الدستور، والعملية الانتخابية، والعلاقات بين الحكومة الفيدرالية وقوى المعارضة.

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، بطبيعة الحال، هنأ جامع على انتخابه رئيساً جديداً لمجلس الشعب الفيدرالي الصومالي. وأعرب محمود عن تمنياته لرئيس المجلس الجديد بالتوفيق في أداء مسؤولياته الدستورية، مؤكداً أهمية اضطلاع مجلس الشعب بدوره في سنّ القوانين، وتمثيل الشعب، وتعزيز المساءلة داخل مؤسسات الدولة. ومن ثم دعاه إلى قيادة المجلس وفقاً للدستور، وإعطاء الأولوية للوحدة، والتشاور، والمصلحة العامة، مشدداً على أهمية الدور الذي يضطلع به البرلمان في عملية بناء الدولة الصومالية.

ومن جانبه، أعرب رئيس الوزراء حمزة عبدي بري، أيضاً، عن تمنياته لرئيس البرلمان الجديد بالتوفيق في أداء مهامه، «بما يعزز دور البرلمان، ويطور عمله التشريعي والرقابي»، مثمناً أهمية التعاون والتنسيق بين مؤسسات الدولة، ولا سيما الحكومة والبرلمان، بما يساهم في تسريع تنفيذ الخطط والبرامج الوطنية، وخدمة الشعب الصومالي. والخميس، تلقى جامع برقية تهنئة من رئيس البرلمان الأفريقي، فاتح بوطبيق، بمناسبة انتخابه رئيساً للمجلس، متمنياً له التوفيق في مهامه القيادية، وتعزيز دور المؤسسة التشريعية، بحسب «وكالة الأنباء الصومالية الرسمية».

في المقابل، أعلن «مجلس المستقبل الصومالي» المعارض، في بيان، بعد إعلان نتائج انتخابات رئيس البرلمان الفيدرالي، رفضه وإدانته ما وصفه بـ«الانتخاب المزعوم» لرئيس مجلس الشعب الصومالي المنتهية ولايته. واعتبر المجلس، في بيان، أن الولاية الدستورية للبرلمان الفيدرالي الصومالي انتهت يوم 14 أبريل (نيسان) 2026، وبالتالي، ما عاد البرلمان يتمتع بالشرعية الدستورية والسياسية التي تخوله انتخاب رئيس جديد للمجلس، كما أنه لا يملك صلاحية تمديد ولايته.

تحذير من المستقبل

أيضاً اعتبر «المجلس» أن «الطريقة التي استغل بها الرئيس المنتهية ولايته الانتخاب المزعوم، تجسّد مثالاً واضحاً على الخطة التي يسعى -بحسب البيان- إلى اتباعها لإدارة الانتخابات المقبلة للبرلمان الفيدرالي، ورئاسة الجمهورية، من خلال السيطرة على العملية الانتخابية، وإقصاء المنافسين الأقوياء، وتحديد نتائج الانتخابات مسبقاً». هذا، ويتمسك النواب الرافضون المشاركة في جلسات البرلمان بموقفهم حول «انتهاء الولاية الدستورية لمجلس الشعب في أبريل الماضي». ويؤكدون أن مدة ولاية البرلمان محددة بأربع سنوات بموجب الدستور المؤقت المعتمد عام 2012، ولذا فهم غير معترفين بالدستور الجديد الذي سمح بتمديد فترة الرئاسة والبرلمان لمدة عام وذلك لمنتصف 2027.وسط هذا الجدل، تتّجه الأنظار إلى جامع ليس باعتباره ممثلاً لصعود استثنائي في عالم السلطة فقط... بل لمتابعة إدارته للأزمة السياسية باعتباره الرجل الثاني بالدولة، والذي تضعه المعارضة بجوار الرجل الأول رئيس البلاد في خانة «رفض الاعتراف».


مجلس الشعب الصومالي... ركيزة حاسمة في فترة عصيبة

عناصر من «حركة الشباب» الصومالية الإرهابية (أ.ب)
عناصر من «حركة الشباب» الصومالية الإرهابية (أ.ب)
TT

مجلس الشعب الصومالي... ركيزة حاسمة في فترة عصيبة

عناصر من «حركة الشباب» الصومالية الإرهابية (أ.ب)
عناصر من «حركة الشباب» الصومالية الإرهابية (أ.ب)

مع تصاعد الخلافات بين الحكومة والمعارضة في الصومال، بات «مجلس الشعب» ركيزة أساسية في المشهد السياسي وصنع القرار بالبلاد، بالتزامن مع انتخاب عبد القادر محمد نور جامع رئيساً جديداً له يوم 10 أغسطس (آب).

محمود علي كلني، الباحث في الشؤون الأفريقية، قال لـ«الشرق الأوسط» إن تاريخ البرلمان الصومالي مرّ بعدة فترات عصيبة؛ إذ تعود جذوره إلى مرحلة الاستقلال عام 1960، عندما قامت الجمهورية الصومالية على نظام برلماني ومجلس تشريعي عُرف باسم «الجمعية الوطنية». واستمر هذا الوضع خلال عقد الستينات إلى أن أطاح انقلاب عسكري عام 1969 بالنظام المدني، وعندها دخلت البلاد مرحلة مختلفة أصبحت فيها المؤسسة التشريعية خاضعة بصورة أكبر للنظام السياسي القائم.

ثم بعد انهيار الدولة المركزية عام 1991، دخل الصومال مرحلة طويلة من الفراغ المؤسسي والحرب الأهلية، قبل أن تبدأ عملية إعادة بناء الدولة عبر مؤتمرات المصالحة الوطنية. وفي عام 2004، أُنشئ النظام الفيدرالي الانتقالي، ثم جاءت نقطة التحوّل الأساسية، وفق كلني، عام 2012 مع اعتماد الدستور الفيدرالي المؤقت، الذي أعاد تأسيس البرلمان ضمن نظام اتحادي «ثنائي الغرف» يضم «مجلس الشعب» و«مجلس الشيوخ».

اليوم، يتكوّن «مجلس الشعب» الصومالي من 275 نائباً منتخبين بشكل غير مباشر، ويتولّى إلى جانب سنّ التشريعات، مهام الرقابة على الحكومة والمشاركة في عمليات صنع القرار السياسي في البلاد، في حين يتألف «مجلس الشيوخ» الصومالي من 54 عضواً ينتخبون بشكل غير مباشر من قبل مجالس الولايات لمدة 4 سنوات.

بين أبرز مهام البرلمان إقرار الدستور الكامل للبلاد في مارس (آذار) الماضي دون توافق شامل؛ إذ ترفضه المعارضة لعدة أسباب بينها «الحد من صلاحيات الولايات وتعظيم سلطة رئيس البلاد وتمديد فترة البرلمان والرئاسة عاما لتنتهي في منتصف 2027».

وبسبب هذا الموقف فقد البرلمان عملياً اعتراف المعارضة التي يطالب ممثلوها بإجراء انتخابات فورية، في حين تتمسك السلطة بإجراء انتخابات مباشرة من دون الالتزام بالنظام القبلي، الذي تميل إليه المعارضة باعتباره غير ممثل لإرادة جميع المواطنين.

أربعة قتلى من أفراد تنظيم "حركة الشباب" إثر هجوم شنته الحركة في العاصمة الصومالية مقديشو (آ ف ب)

أيضاً واجه البرلمان تحديات أمنية جسيمة في عام 2014، حين شهد هجومين بسيارتين مفخختين في مايو (أيار) ويوليو (تموز)، من جانب انتحاريين في «حركة الشباب» الإرهابية التابعة لتنظيم «القاعدة». وتسبّب الهجوم الأول بمقتل وإصابة 10 على الأقل بينهم نواب وعناصر أمن، وأسفر الحادث لاحقاً عن استقالة وزير الأمن القومي عبد الكريم حسين جوليد.

وعلى الرغم من تراجع الهجمات الإرهابية من «حركة الشباب» ضد مؤسسات الدولة في الآونة الأخيرة، تبقى الخلافات السياسية الهمّ الأكبر عند البرلمان في ظل رفض المعارضة الاعتراف به.

وباعتقاد الباحث محمود علي كلني، فإن البرلمان «نجح في السنوات الأخيرة في أن يصبح لاعباً يستحيل تجاوزه، وركيزة حاسمة في صناعة القرار السياسي، وامتلك أدوات دستورية وتشريعية ورقابية مهمة». غير أنه يستدرك فيقول: «مع هذا، فإنه لم ينجح بعد في ترسيخ نفسه بصورة كاملة كمؤسسة مستقلة عن منطق التوازنات السياسية الضيقة».

ويضيف كلني: «بناءً عليه، مع دخول الصومال مرحلة جديدة من إعادة تعريف النظام الدستوري والانتخابي، ستتحدد أهمية البرلمان؛ ليس بعدد القوانين التي يصدرها، بل بمدى قدرته على بناء توافق سياسي قابل للحياة حيال قواعد تداول السلطة في مرحلة عصيبة بتاريخ البلاد». وبالتالي، إذا ما نجح البرلمان في ذلك، فإنه قد يتحول من ساحة للصراع على الدولة إلى مؤسسة لصناعة الدولة. أما إذا أخفق، فقد يجد الصوماليون أنفسهم أمام دورة جديدة من الأزمات السياسية، يكون البرلمان فيها ليس جزءاً من الحل، بل أحد أهم ميادين الصراع على مستقبل البلاد، كما يرى كلني.

وأخيراً يخلص الباحث والخبير إلى أن القول إن «مستقبل البرلمان الصومالي لن يُحسم داخل قاعة البرلمان وحدها، بل في قدرته على تحقيق المعادلة الأصعب عبر الانتقال من منطق تقاسم السلطة إلى منطق التمثيل السياسي، ومن شرعية التوافق بين النخب إلى شرعية الإرادة الشعبية، من دون أن يؤدي هذا الانتقال إلى تفكيك التوازن الهشّ الذي أبقى الدولة الصومالية موحّدة طوال مرحلة ما بعد الحرب».