أحداث مدغشقر... مقدمة لمرحلة انتقالية أم عقود اضطراب؟

إثر احتجاجات قادها الشباب رفضاً لنقص الخدمات الأساسية

مواطنون يستقلون مركبات وهم يلوحون بالأعلام الملغاشية في طريقهم نحو القصر الرئاسي (آ ف ب)
مواطنون يستقلون مركبات وهم يلوحون بالأعلام الملغاشية في طريقهم نحو القصر الرئاسي (آ ف ب)
TT

أحداث مدغشقر... مقدمة لمرحلة انتقالية أم عقود اضطراب؟

مواطنون يستقلون مركبات وهم يلوحون بالأعلام الملغاشية في طريقهم نحو القصر الرئاسي (آ ف ب)
مواطنون يستقلون مركبات وهم يلوحون بالأعلام الملغاشية في طريقهم نحو القصر الرئاسي (آ ف ب)

أزمة مُعقدة تعيشها مدغشقر، تلك الدولة، الجزيرة الأفريقية الشهيرة التي اعتادت «الانقلابات العسكرية»، وذلك عقب الإطاحة برئيس البلاد آندريه راجولينا، ومغادرته العاصمة أنتاناناريفو... ومن ثم، تعليق عضويتها بالاتحاد الأفريقي، بعد نحو شهر من مظاهرات غاضبة لشباب «جيل زد» رفضاً لـ«الفقر ونقص الخدمات الأساسية». ويعتقد خبراء في الشؤون الأفريقية التقتهم «الشرق الأوسط» أن هذا المشهد يعيد إلى الذاكرة تاريخاً طويلاً من الانقلابات والاضطرابات السياسية بمدغشقر. وأنه يعد خطوة مفصلية جاءت وسط غضب شعبي. ويتوقع هؤلاء الخبراء أحد مسارين: فإما أن يفي الجنرالات بوعودهم ويسلموا السلطة وتبدأ دورة استقرار وتنمية بالتوازي، وإما تتكرّر مشاهد الماضي من انقلابات ستلاقي رفضاً أفريقياً ودولياً دون جديد يذكر.

رئيس مدغشقر المخلوع آندريه راجولينا يتكلم خلال مؤتمر صحافي خلال العام الحالي (آ ف ب)

بدأت الأحداث الأخيرة في مدغشقر باحتجاجات اندلعت يوم 25 سبتمبر (أيلول) الماضي، وقادها شباب «جيل زد» بسبب نقص المياه والكهرباء، إلا أنها انتشرت منذ ذلك الحين مع دعوة المتظاهرين الرئيس السابق آندريه راجولينا - الذي أعيد انتخابه عام 2023 - إلى التنحي والاعتذار عن العنف بحقهم، وحل كل من مجلس الشيوخ ولجنة الانتخابات.

ولقد نقلت وكالة «رويترز» أخيراً عن إحدى المواطنات العاطلات عن العمل - وهي أم لطفلين وتبلغ من العمر 24 سنة – قولها: «الرئيس في السلطة منذ أكثر من 15 سنة، ولا يزال الماء والكهرباء والوظائف غير موجودة. انظر إلى مدغشقر... هم (الحكومة) أغنياء ونحن لا نملك ما يكفينا من الطعام!».

وحقاً، تشير بيانات البنك الدولي إلى أن ثلاثة أرباع سكان مدغشقر - التي يصل متوسط الأعمار بين سكانها البالغ عددهم 30 مليون نسمة إلى أقل من 20 سنة - يعانون من الفقر؛ إذ توقف متوسط الدخل السنوي عند 600 دولار، في حين ارتفعت أسعار المواد الغذائية بشكل كبير.

ويوم 11 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، انضم الكولونيل ميشال راندريانيرينا (51 سنة)، قائد وحدة كابسات العسكرية إلى المظاهرات المناهضة للحكومة، وذلك بعد اتهامات للوحدة، التي ساعدت الرئيس راجولينا في الاستيلاء على السلطة في انقلاب عام 2009، وللقوات الحكومية باستخدام العنف لقمع المشاركين في المظاهرات التي سقط فيها ما لا يقلّ عن 22 قتيلاً ونحو مائة جريح، بحسب الأمم المتحدة.

وبعد نحو أسبوعين من هذه الاحتجاجات، أفادت رئاسة مدغشقر يوم 12 أكتوبر، في بيان، بأن «هناك محاولة استيلاء غير قانوني وقسري على السلطة»، بينما توالت أنباء عن مغادرة راجولينا البلاد.

وأعلن راندريانيرينا يوم 14 أكتوبر أن الجيش استولى على السلطة، وعلّق العمل بالدستور. ثم أدّى اليمين بعد 3 أيام رئيساً لمدغشقر، وتعهّد بإجراء تغييرات جذرية، وتشكيل حكومة مدنية، ووعد بتنظيم انتخابات خلال فترة تتراوح بين 18 و24 شهراً.

بعدها، يوم 20 أكتوبر الحالي، جرى تعيين شخصية مدنية رئيساً للحكومة، اسمه إرينتسالما راجاوناريفيلو، وهو شخصية من القطاع الخاص ورئيس سابق لمصرف «بي إن آي»، ويتمتع بمهارات وخبرات، وكذلك علاقات مع المنظمات الدولية في البلدان الأخرى التي ستتعاون مع مدغشقر.

لحظة مفصلية

صالح إسحاق عيسى، المحلل السياسي التشادي، المتخصص بالشؤون الأفريقية، أبدى خلال حوار مع «الشرق الأوسط» عن اعتقاده بأن «التحركات الأخيرة في مدغشقر تعكس لحظة مفصلية في تاريخ طويل من الانقلابات والقلاقل. فالانقلاب بقيادة عسكري شاب جاء نتيجة غضب شعبي واسع، خاصة من جيل الشباب (زد) بسبب الفقر وسوء الخدمات وتآكل الثقة بالنظام». ونبه إلى أنه «رغم أن ما حدث، قد يُنظر إليه كفرصة لتجديد النظام وإصلاحه، مع أن سيطرة الجيش وتعليق الدستور يثيران مخاوف من استمرار الحكم العسكري أو عودة النمط السلطوي».

ويرجح عيسى أنه إذا التزمت القيادة الجديدة بانتقال حقيقي، قد تدخل مدغشقر مساراً إصلاحياً نادراً في تاريخها، لكنها إذا استُغلت اللحظة لإعادة تدوير السلطة فقط، فستكون مجرد حلقة جديدة في دوامة الأزمة السياسية.

وبتفاصيل أكثر بشأن المشهد الأبرز، يرى الدكتور علي محمود كلني، الخبير في الشؤون الأفريقية، أن «الانقلاب العسكري الجديد في مدغشقر، مثله مثل الانقلابات في القارة السمراء التي غدت إحدى الظواهر المتكررة... التي تشكل تهديداً متجدداً لاستقرار أفريقيا ونموها السياسي».

ولفت إلى أن «مدغشقر، الدولة الجزيرة الصغيرة الواقعة قبالة الساحل الشرقي لأفريقيا، لم تكن استثناءً من هذا المسار، فهي منذ استقلالها عن فرنسا يوم 26 يوليو (تموز) 1960، عرفت عدة انقلابات عسكرية، كان آخرها الانقلاب الذي شهدته أخيراً عقب موجة من الاحتجاجات الشعبية والضائقة الاقتصادية».

ووفق كلني، «جاء الانقلاب العسكري الأخير نتيجة تصاعد حالة السخط الشعبي، خاصة بين فئة الشباب، الذين عبّروا عن رفضهم للنظام الإداري للرئيس المدني آنذاك، في ظل أزمة اقتصادية خانقة ألقت بظلالها على مختلف شرائح المجتمع». وأردف: «هذا المشهد وفّر بيئة خصبة لتدخل الجيش، الذي سارع إلى إعلان استيلائه على السلطة، مستغلاً الفراغ السياسي والتصعيد الجماهيري».

خطوة مفاجئة... وتوقعات متباينة

وبتعبير «خطوة مفاجئة»، وصف الدكتور كلني إجراءات إعلان الجيش تعليق العمل بالدستور، وحلّ البرلمان، والمحكمة الدستورية العليا، ولجنة الانتخابات، وكل المؤسسات القانونية في البلاد، بجانب توليه إدارة شؤون البلاد لمدة سنتين، على أن تُجرى بعدها انتخابات عامة. وتابع أن هذه الخطوة جاءت بعدما عزل البرلمان الرئيس المنتخب، وأعلنت المحكمة العليا نيتها تنظيم انتخابات خلال فترة لا تتجاوز الشهرين.

ووفقاً لكلني، «تتباين التوقعات حول شكل الحكم العسكري المرتقب. فبينما يرى البعض أن الجيش قد يتبنى نهجاً أكثر مرونة في إدارة المرحلة الانتقالية، يحذّر آخرون من احتمال توجهه إلى القمع واستهداف الشخصيات السياسية المقربة من الرئيس المعزول، في محاولة لتصفية خصومه وتعزيز سلطته».

التحركات الدولية والأفريقية

ما يذكر أن رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، محمود علي يوسف، حثّ، في بيان، على الهدوء وضبط النفس، ومع تصاعد الأزمة كان هناك تدخل دولي، وأفاد مصدر عسكري «رويترز» بأن «راجولينا غادر البلاد على متن طائرة عسكرية فرنسية»، بينما أشارت الإذاعة الفرنسية إلى أنه أبرم اتفاقاً مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.

وفي حينه، قال ماكرون إنه لا يستطيع تأكيد التقارير التي تفيد بأن فرنسا ساعدت راجولينا على الفرار من مدغشقر - التي كانت مستعمرة فرنسية - مضيفاً أنه «يجب الحفاظ على النظام الدستوري في مدغشقر»، وفي حين تتفهم فرنسا مظالم الشباب في البلاد، ترى أنه لا يجوز أن تستغلها الفصائل العسكرية. وهنا نشير إلى أنه عقب سيطرة الجيش، أعلن الاتحاد الأفريقي في منتصف أكتوبر الحالي، أن الاتحاد علق عضوية مدغشقر. واستنكر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش العملية أيضاً في بيان رسمي.

الموقف الأفريقي رافض للانقلابات

صالح إسحاق عيسى رأى أن الموقف الأفريقي الداعم لتجميد عضوية مدغشقر يُعد إشارة قوية على رفض الانقلابات العسكرية، لكن التجربة أثبتت أن مثل هذه الخطوات الرمزية تظل غالباً محدودة التأثير إذا لم تتبعها جهود فعلية لدعم انتقال سلمي وشامل.

وأردف المحلل التشادي أن الاتحاد الأفريقي «يفتقر أحياناً للأدوات اللازمة لفرض مسارات سياسية في دول تعاني من هشاشة داخلية. وبالتالي، ما لم تتحول هذه العقوبة إلى مبادرة حقيقية تشمل الوساطة، والدعم الفني، وضمانات للانتخابات، فقد تبقى مدغشقر في حالة عزلة بلا توجيه، وهذا ما يزيد من تدهور الوضع».

الدكتور كلني، أيضاً، اعتبر قرار الاتحاد الأفريقي تجميد عضوية مدغشقر مؤقتاً، خطوة مألوفة في مثل هذه الحالات، هدفها الضغط على الحكومات العسكرية من أجل العودة إلى المسار الديمقراطي. وتوقع أن يلعب الاتحاد دوراً محورياً في التوسط وإعادة الاستقرار السياسي، خشية أن يؤدي الانقلاب إلى تفكك داخلي أو تصاعد الخطابات المتطرفة التي قد تنتقل إلى الدول المجاورة.

أما على الصعيد الدولي، فالمواقف تتراوح بين التنديد الحذر والمراقبة المشروطة، بحسب عيسى، موضحاً أن «الدول الغربية تنتظر ما إذا كانت القيادة الجديدة ستلتزم بتعهداتها بانتخابات خلال أقل من سنتين، لكن دعم الاستقرار مشروط دائماً بالتحول المدني الحقيقي، وإلا فسيكون الدعم محدوداً أو انتقائياً».

تشير بيانات البنك الدولي إلى أن 75%

من سكان مدغشقر

الـ 30 مليون نسمة

يعانون من الفقر

مساران للمستقبل

من جهة أخرى، مع أن مدغشقر شهدت انقلابات دموية أبرزها في 1972 و1975 و2002 و2009، يقول الدكتور كلني إن قراءة المستقبل بعد هذه التطورات تواجه عقبة «نموذج» إبراهيم تراوري، الرئيس الانتقالي في بوركينا فاسو، عقب انقلابه في 2022 الذي حظي بإعجاب بعض القادة العسكريين في أفريقيا... «وقد يسعى جيش مدغشقر إلى محاكاة هذا النموذج، الذي يُروَّج له كأحد أشكال الحكم العسكري الإصلاحي».

ويتابع: «لكن يبقى مستقبل البلاد غامضاً، خاصة بغياب خريطة طريق واضحة، وتعدد الجهات الفاعلة داخلياً وخارجياً... كذلك المرحلة المقبلة تعتمد بشكل رئيس على مدى استجابة القيادة العسكرية لمطالب الشعب، ومدى تعاونها مع الاتحاد الأفريقي وشركاء دوليين آخرين، إضافة إلى قدرتها على ضبط الأوضاع الأمنية والاقتصادية».

ويخلص إلى أن مدغشقر «تمرّ بمنعطف سياسي حرج، قد يكون له تداعيات عميقة على مستقبل البلاد والمنطقة. فإما أن يشكّل الانقلاب فرصة لإعادة صياغة النظام السياسي بما يتماشى مع تطلعات المواطنين، وإما أن يتحوّل إلى بداية مرحلة جديدة من الحكم الاستبدادي والصراعات السياسية».

قائد الانقلاب الكولونيل ميشال راندريانيرينا (آ ب)

مفترق طرق

ويوافق، المحلل التشادي عيسى على أن مدغشقر تقف الآن على مفترق طرق، فإما أن تتحول العزلة الدولية إلى فرصة لتصحيح المسار عبر شراكات مدروسة، وإما أن تغرق في أزمة أعمق نتيجة الإهمال الخارجي والتردّد الداخلي، كل شيء متوقف على خطوات الأشهر القليلة المقبلة.

ثم يضيف أن مدغشقر أيضاً على حافة احتمالين: الأول، يتعلق بملامح الماضي الحاضرة بقوة - ما بين انقلاب عسكري وتعليق للدستور وتدخل الجيش في السياسة وردود فعل دولية تتراوح بين الإدانة والمراقبة، باعتبار ما يحدث مشاهد ليست جديدة على البلاد، بل تكرار لما عاشته في أزمات 2002 و2009. والثاني، يتمثل بمؤشرات جديدة لا يمكن تجاهلها، بينها الحضور القوي للشباب، خاصة من جيل جديد واعٍ يستخدم أدوات مختلفة للتعبير والتأثير.

ويرى عيسى وجود وعي شعبي أكبر بخطورة العودة إلى الوراء، وقدرة أعلى على الضغط. ثم إن العالم بات أكثر انتباهاً لتأثير الانقلابات في أفريقيا، وسط موجة متزايدة من الانتقالات المعلقة في دول، مثل النيجر وبوركينا فاسو ومالي. ويستطرد أن «ما يميز هذا الفصل المحتمل أنه مفتوح، لا هو تكرار محض للماضي ولا هو بداية أكيدة للاستقرار، والفارق سيكون في الإرادة السياسية، وسرعة الإجراءات الفعلية للانتقال، ومدى إشراك القوى المدنية، خصوصاً خارج العاصمة».ويخلص إلى القول: «إذا استُثمرت اللحظة بصدق، فقد نشهد بداية خروج من الحلقة المفرغة، أما إذا شهدنا التفافاً على المطالب الشعبية، أو سُيرت المرحلة الانتقالية بأدوات قديمة وبعقلية الغلبة، فستكون الأزمة المقبلة أقسى؛ لأن الوعي الشعبي اليوم أعمق من أي وقت مضى».

حقائق

مدغشقر... العالقة بين الفقر والاضطرابات

> تعيش مدغشقر، الجزيرة الأفريقية المترامية في المحيط الهندي، على إيقاع أزمات متكرّرة تتناوب بين الفقر والاضطرابات السياسية. وبعد عقود من الاستعمار الفرنسي، ثم تجارب حكم متعاقبة لم تنجح في تحقيق الاستقرار أو التنمية، تجد البلاد نفسها مجدداً أمام مشهد مأزوم، مع تصاعد الغضب الشعبي على تردي المعيشة ونقص الخدمات، وعودة الجيش إلى الواجهة بعد الإطاحة بالرئيس أندري راجولينا. وفيما يلي معلومات سريعة عن مدغشقر:

الموقع: أقصى الجنوب الشرقي لسواحل أفريقيا، يحدها من الشمال الغربي جزر القمر، وموريشيوس إلى الشرق، وسيشل إلى الشمال.

العاصمة: أنتاناناريفو.

العملة: الأرياري.

المساحة: نحو 587040 كيلومتراً مربعاً.

التقسيمات الإدارية: 22 منطقة إدارية.

اللغة: المالاغاشية بخلاف سيطرة اللغتين الفرنسية والإنجليزية.

السكان: أكثر من 30 مليون نسمة تضم عدة عرقيات لا سيما جنوب شرقي آسيوية وأفريقية وعربية.

النظام السياسي: رئاسي، مدة ولاية الرئيس 5 سنوات، ويعتمد على دستور حديث أقر في 2010، بخلاف سلطة تنفيذية وأخرى قضائية وثالثة تشريعية مكونة من الجمعية الوطنية (160 نائباً) غرفة أولى، والشيوخ (18) غرفة ثانية.

الاقتصاد: أكثر من 70 في المائة من سكانها تحت خط الفقر، ويبلغ معدل البطالة فيها 3 في المائة في 2024، وتوقف متوسط الدخل السنوي عند 600 دولار.

التاريخ الاستقلالي: عام 1895 استعمرت فرنسا الجزيرة، وواجهت انتفاضات ضدها أبرزها في مارس (آذار) 1947، وقبلها بعام مثلت الجزيرة في البرلمان الفرنسي.

قامت مدغشقر المستقلة يوم 14 أكتوبر (تشرين الأول) 1958 مع تأسيس الجمهورية، وبعد عامين نالت الاستقلال في 1960. وعام 1975 انتخب الاشتراكي ديدييه راتسيراكا، وإبان حكمه الذي استمر حتى 1993، طرد الجيش الفرنسي من بلاده وأغلق عدداً من السفارات والقنصليات.

التاريخ المعاصر: شهدت مدغشقر عدة انقلابات أبرزها أعوام 1972 و1975 و2002 و2009، بخلاف توالي تغير الحكومات تحت اضطرابات بالبلاد. وفي الألفية وما بعدها، شهدت مدغشقر تقلبات سياسية وعسكرية لم تنه الأزمة التاريخية للبلاد، وفتحت مسارات لانقلابات جديدة.

في 10 فبراير (شباط) 1993، انتخب ألبرت زافي رئيساً للبلاد وعزله الجيش بعد 3 سنوات. وفي 2002 انتخب مارك رافالومانانا بديلاً له لكنه استقال يوم 17 مارس 2009 تحت ضغط عسكري بعد احتجاجات شعبية واسعة، ليخلفه في المنصب آندري راجولينا حتى 25 يناير (كانون الثاني) 2014. وعاد راجولينا لتولي رئاسة البلاد للمرة الثانية في 19 يناير 2019، واستمر في المنصب حتى 10 سبتمبر (أيلول) 2023، بعدما استقال للترشح للانتخابات. وعاد الحكم في ولاية ثالثة، قبل أن تخرج ضده مظاهرات من شباب جيل زد في 29 سبتمبر الماضي.

وفي ذكرى تأسيس الجمهورية، أعلن عسكريون في 14 أكتوبر 2025 سيطرة الجيش على السلطة.



مقالات ذات صلة

قراءات موسكو لاعتماد واشنطن سياسة «القوة الخشنة»

حصاد الأسبوع الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)

قراءات موسكو لاعتماد واشنطن سياسة «القوة الخشنة»

في عام 2020، أطلق السياسي الروسي الراحل والمثير للجدل فلاديمير جيرينوفسكي نبوءة لافتة؛ إذ قال إن الولايات المتحدة سوف تسيطر على فنزويلا، وإن الطريق سيكون ممهداً

رائد جبر (موسكو)
حصاد الأسبوع بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن

ديلسي رودريغيز... يسارية ملتزمة براغماتيتها سهّلت «خلافتها» لمادورو في رئاسة فنزويلا

العملية العسكرية الخاطفة التي نفّذتها قوات النخبة الأميركية في مقرّ الرئاسة الفنزويلية، انتهت فجر الثالث من هذا الشهر بإلقاء القبض على نيكولاس مادورو واقتياده

شوقي الريّس (مدريد)
حصاد الأسبوع ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)

رودريغيز كانت القوة الدافعة باتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق داخل الحزب الحاكم

ليس الانتقال السياسي تحت الوصاية الأميركية هو التحدي الوحيد الذي تقف أمامه الرئيسة الفنزويلية بالوكالة، ديلسي رودريغيز، التي قررت إدارة دونالد ترمب الرهان

«الشرق الأوسط» ( مدريد)
حصاد الأسبوع مناورات بحرية أميركية في بحر الصين الجنوبي (أ.ب)

أميركا والصين... تحوّلات في ميزان القوى بين الاقتصاد والدفاع

تتصاعد في السنوات الأخيرة النقاشات حول لحظة التحول الحاسمة في ميزان القوى العالمي بين الولايات المتحدة والصين، وسط تنامي المؤشرات على انتقال مركز الثقل الدولي

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع «مقام السيدة زينب» من الداخل ويبدو خالياً من الزوار ومن أعلام إيران ورموزها ورايات ميليشياتها (الشرق الأوسط)

«السيدة زينب»... حي دمشقي يطوي صفحة «التغيير الديموغرافي» الإيراني

تعود التركيبة السكانية إلى طبيعتها بوتيرة متسارعة في منطقة «السيدة زينب» جنوب دمشق، بعد عام على إسقاط حكم بشار الأسد وإنهاء الوجود الإيراني وميليشياته في سوريا،

موفق محمد (دمشق)

قراءات موسكو لاعتماد واشنطن سياسة «القوة الخشنة»

الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
TT

قراءات موسكو لاعتماد واشنطن سياسة «القوة الخشنة»

الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)

في عام 2020، أطلق السياسي الروسي الراحل والمثير للجدل فلاديمير جيرينوفسكي نبوءة لافتة؛ إذ قال إن الولايات المتحدة سوف تسيطر على فنزويلا، وإن الطريق سيكون ممهداً لصفقة مُرضية للطرفين: فنزويلا للأميركيين، وأوكرانيا لروسيا! جيرينوفسكي عُرف على مدى سنوات طويلة بإطلاق توقعات صاخبة، أصابت في أكثر من مناسبة، بينها بالنسبة للشرق الأوسط مثلاً انفجار مواجهة كبرى في الشرق الأوسط بين عامي 2023 و2024، وتعرض إيران لهجوم قوي من جانب واشنطن وتل أبيب. وسقوط مدوٍ لنظام بشار الأسد في سوريا، فضلاً عن بعض التوقعات الدقيقة لتطورات جرت في روسيا وحولها، مثل اندلاع الحرب الكبرى في أوكرانيا في 2023. كان السياسي الراحل (توفي عام 2022) يتكلم حينذاك في برنامج «توك شو» تلفزيوني، وقال إن الرئيس دونالد ترمب سيعود بقوة إلى البيت الأبيض بعد انتخابات 2024... و«علينا أن نساعده»(!)، قبل أن يضيف أن التوافق مع الرئيس الجمهوري في عدد من الملفات الحيوية «ممكن وضروري». وبعد ذلك أطلق عباراته المشهورة: «سوف يستولي (ترمب) على فنزويلا... هذا أمر واضح وأكيد، ونحن سنحكم سيطرتنا على أوكرانيا»، ورأى أن تلك ستكون «صفقة عادلة».

ليس من قبيل المصادفة أن يتذكّر الجميع في روسيا كلمات فلاديمير جيرينوفسكي بعد «العملية الخارقة» الأميركية التي أسفرت عن إلقاء القبض على الرئيس الفنزويلي اليساري نيكولاس مادورو ونقله إلى نيويورك بالطريقة التي تابعها العالم. ولا شك أن السياسي الشعبوي الروسي، الذي كان مقرّباً جداً من دوائر اتخاذ القرار في روسيا لسنوات طويلة، لم يكن ليطلق نبوءاته السياسية جزافاً، وهذا على الرغم من أن الكثير منها بدا للوهلة الأولى «ساذجاً» - حسب وصْف معلقين - أو «سخيفة وغير محتملة إطلاقاً»، مثل حديثه عن «انهيار سريع لنظام الأسد»، في وقت كانت فيه موسكو تؤكد انتهاء الحرب السورية، واستقرار الوضع نهائياً في هذا البلد.

لكن، عندما يستعيد الروس حالياً شريط توقعاته بشأن فنزويلا والصفقة المحتملة مع واشنطن، فإن النظرة إليها تختلف بالتأكيد عن نظرتهم لعباراته الصاخبة في أوقات سابقة.

جيرينوفسكي (آ ب)

ارتباك في أوساط النخب السياسية

واقع الأمر أن العملية الأميركية الخاطفة في فنزويلا، أصابت بعض النخب السياسية الروسية بنوع من الارتباك. ولقد برز هذا في تعليقات أظهرت انقساماً واضحاً حيال الحدث الفنزويلي بين طرفين:

إذ يرى الطرف الأول أن العملية الأميركية تشكل «فرصة مهمة» أمام موسكو لإطلاق عمليات مماثلة تجاه أوكرانيا، وللتشدد أكثر تجاه ملف التسوية.

أما الطرف الثاني فمال إلى تغليب الموقف التقليدي المتحفّظ، منطلقاً في حساباته من أن واشنطن، على الرغم من اختطاف الرئيس مادورو، «ليست قريبة أبداً من فرض سيطرة مطلقة في فنزويلا التي يحافظ التشافيزيون (نسبة إلى الرئيس السابق الراحل هوغو تشافيز) على تماسك مواقعهم وسيطرتهم في البلاد، بل يرى أصحاب هذا الرأي، الذي عبّرت عنه وكالة «نوفوستي» الحكومية في مقالة لمعلّقها السياسي، أن الطريق ما زالت طويلة أمام ترمب لإحكام السيطرة على نفط فنزويلا، وأن تهديداته للقادة الحاليين في هذا البلد لن تنعكس خطوات عملية؛ لأن هذا سوف يعني إدخال فنزويلا في حرب أهلية دامية.

لا تأثير يذكر لموقف روسيا والصين

في أي حال، هذا الرأي (الثاني)، وفقاً لمعلّقين، لن تكون له تأثيرات كبرى على آليات تعامل الكرملين مع الحدث الكبير، وخصوصاً أنه مهما كانت طبيعة التطورات اللاحقة، فإن مستوى التأثير الروسي أو الصيني على الأحداث اللاحقة سيكون محدوداً للغاية. وهذا ما يعني الحاجة إلى الإقرار بأن واشنطن انتقلت بالفعل إلى استخدام «القوة الخشنة» لتأمين مصالحها، وبدأت بفرض واقع جديد ينطلق من فكرة إحياء «شرعة مونرو»، وإحباط أي جهد خارجي للتأثير في منطقة نفوذ الولايات المتحدة في نصف الكرة الغربي.

بعبارة أخرى، فإن الرؤية الروسية التي تجري بلورتها حالياً، قد تقوم على تحاشي تصعيد المواجهة مع واشنطن، والانطلاق - بدلاً عن ذلك - من تفحّص الفرص التي يمكن أن يوفرها الحدث الفنزويلي لتحقيق مكاسب لروسيا.

في هذا الإطار، يستبعد خبراء روس أن تذهب موسكو باتجاه تكرار «سيناريو» فنزويلا حرفياً. ذلك أنها ليست بحاجة إلى اختطاف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، لكن الأولوية ستكون باتجاه تصعيد الضغط العسكري على كييف لحملها على تقديم تنازلات مؤلمة. ومن جهة أخرى، تصعيد الضغط السياسي على العواصم الأوروبية، بهدف تقليص الأخيرة مطالبها حول الضمانات الأمنية التي تجري مناقشتها راهناً. ومن ثم، بالتوازي مع هذا المسار، يتوقع خبراء أن تعمل موسكو على تثبيت مبدأ «عدم شرعية زيلينسكي»، وأنه لن يكون مقبولاً في أي مرحلة مقبلة كـ«شريك في السلام».

بين حسابات الصفقات والتعامل مع الدخل

بطبيعة الحال، تعود هنا إلى الأذهان فكرة «الصفقة» المحتملة لاحقاً مع واشنطن، وهذا على الرغم من الضجة التي أثارها ترمب أخيراً حول تشديد العقوبات على موسكو.

في المقابل، ثمة مخاوف أخرى لدى الروس برزت بعد العملية الأميركية في فنزويلا. وهي تقوم على انتهاج القيادة الأميركية سياسة جديدة متشددة في التعامل مع ملفات إقليمية عدة، في جوهرها استخدام القوة العسكرية والتدخل المباشر بدلاً من استخدام أدوات «القوة الناعمة» التي لطالما استُخدمت في أوقات سابقة.

ولا شك أن هذا العنصر سيضيف هاجساً جديداً للسياسة الروسية، التي استشعرت - على الرغم من كل المؤشرات - اقتراب الرئيس ترمب من فهم أوسع لمطالب موسكو في أوكرانيا؛ إذ إن خطوته العملية الأخيرة في فنزويلا، من شأنها التسبب بأضرار فادحة للكرملين على المدى البعيد.

من الأمثلة على ذلك في الفترة القصيرة الفائتة، استبعاد موسكو عملياً من مناقشة الملفات الإقليمءية، كما ظهر في ملف التسوية في غزة، وأيضاً استبعادها من الملف النووي الإيراني. وهذا وذاك فضلاً عن سياسات «عزل» موسكو في آسيا الوسطى التي هي تقليدياً منطقة نفوذ حيوي روسي، وتفاقم المنافسة الأميركية (والصينية) في هذا الإقليم.

جنوب القوقاز... أو الخاصرة الرخوة

غير أن الأخطر من كل هذا، أن موسكو واجهت تطوراً غير مسبوق في منطقة جنوب القوقاز، التي لا تقل في أهميتها وخطورتها بالنسبة إلى الكرملين عن آسيا الوسطى... فهي «الخاصرة الرخوة» لروسيا على مدى قرون.

في هذه المنطقة لم تكتف واشنطن بإبعاد موسكو عن مباحثات التسوية بين أرمينيا وأذربيجان، بل فرضت واقعاً جديداً عبر إبرام اتفاق «ممر زانغزور». وهذا اتفاق يسمح للولايات المتحدة، وللمرة الأولى في التاريخ، أن يكون لها وجود أمني واقتصادي - وربما عسكري لاحقاً - في هذه المنطقة، الأمر الذي يهدد بشكل مباشر المصالح الاستراتيجية لروسيا، ولإيران أيضاً.

كل هذا حدث خلال العام الأول من ولاية دونالد ترمب الثانية فقط. وهذا المنحى مرشح للتصاعد أكثر في سياق العملية الأميركية في فنزويلا، وليس فقط بسبب التوقعات المتشائمة في موسكو بانخفاض حاد على أسعار النفط. فهذه توقعات لم ترتبط فقط بالحدث الفنزويلي بل سبقتها مؤشرات عدة.

مع هذا البعد الاقتصادي، الحيوي جداً للكرملين في هذه الظروف، تبدو الأبعاد السياسية المحتملة لانتقال واشنطن إلى استخدام القوة الخشنة لفرض سياساتها مسألة أكثر إلحاحاً للكرملين.

خلال الفترة القصيرة الفائتة جرى استبعاد موسكو عملياً

من مناقشة الملفات الإقليمية كملفي التسوية في غزة

و«النووي» الإيراني

الفهم الروسي لإزاحة مادورو

ينطلق الفهم الروسي من أن الولايات المتحدة لم تكتف في فنزويلا بالإطاحة برئيسٍ عجزت عن السيطرة عليه؛ إذ عبر خطف نيكولاس مادورو، كشفت واشنطن عن «تقنية» جديدة تستثمرها للتأثير الدولي. وبعد هذا الاستعراض الباهر الذي تعمّد ترمب وفريقه إبراز كل تفاصيله، يتوقع على نطاق واسع «استنساخ» هذه «التقنية»، بل تصديرها.

ما يستحق الإشارة إليه في هذا السياق، ما كتبه محلل سياسي روسي عن أنه في السنوات الأخيرة، برزت شكوك قوية حول قدرة الولايات المتحدة على التأثير في حياة وسياسات الدول الأخرى.

فلقد كانت التقنية الرئيسة للتأثير الأميركي في الخارج بأواخر القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين هي ما يُسمى بـ«الثورات الملوّنة»، أي تغيير الأنظمة الناتج عن اضطرابات جماهيرية تُدبّرها شبكات من وسائل الإعلام والمنظمات غير الحكومية وقادة الرأي الموالين للغرب.

أما اليوم، فبات من الواضح أن هذه التقنية قد توقّفت عن العمل. وكان هذا جلياً من خلال فشل الثورات الملوّنة في جورجيا وبيلاروسيا (روسيا البيضاء) وصربيا والمكسيك، وفنزويلا أيضاً.

هنا يرى فريق من الخبراء الروس أن هذا فقط واحد من الأسباب - وليس لأن الحزب الديمقراطي الأميركي كان يتولى السلطة في واشنطن - التي دفعت دونالد ترمب إلى حلّ الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) العام الماضي. ومعلومٌ أن تلك الوكالة كانت أكبر جهة مانحة وراعية لجميع هؤلاء «القادة الشعبيين للاحتجاج» حول العالم، لكنها فقدت كل فاعليتها.

انطلاقاً من هذه الحقيقة، بات واضحاً أن البيت الأبيض لن يتقبّل بعد اليوم بسهولة فقدان النفوذ الأميركي في الخارج، بل سيسعى إلى أدوات جديدة أكثر فاعلية.

الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران... نموذجاً

وبهذا الفهم، تحديداً، يفسّر الخبراء الروس الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران، العام الماضي، بوصفه «تجربة أولية» للمبدأ الجديد للسياسة الأميركية القائم على استخدام القوة المباشرة.

هذا المبدأ يقوم على تغيير الأنظمة التي تناكف واشنطن من خلال تدخل عسكري خارجي مباشر، مدعوم بخيانة داخلية. وهنا يجوز القول إنه ما كان من الممكن، مثلاً، القضاء على القيادة العسكرية الإيرانية لولا عملاء «الموساد» الإسرائيلي، الذين قدموا «التوجيهات» داخل العاصمة الإيرانية طهران. وحالياً، لا تنكر واشنطن البتة عامل التواطؤ مع بعض عناصر الدائرة المقرّبة من مادورو.

باختصار، عند هذه النقطة، تعود الولايات المتحدة إلى ممارسة قديمة، وإن كانت مُحسّنة قليلاً، ألا وهي «الانقلابات العسكرية». ولإعادة إحياء «القوة الناعمة» الأميركية، طُوّرت معادلة «الغزو بالإضافة إلى التآمر داخل النخبة».

ومن ثم، يرى بعض الخبراء أن التجربة الأميركية قد لا تقتصر على بلدان في فناء أميركا الخلفي بل قد تمتد إلى مناطق عدة، بينها حتى أوروبا، التي لا تبدي بعض دولها ارتياحاً كبيراً للتحركات الأميركية.

أما من الناحية الاستراتيجية، فقد يصبح «الفضاء ما بعد السوفياتي» بأكمله هدفاً لهذه الممارسة الأميركية القديمة – الجديدة؛ كونه منطقة حساسة لاثنين من منافسي أميركا العالميين: روسيا والصين. وبالتالي، فإن كازاخستان وتركمانستان وبيلاروسيا (روسيا البيضاء)، جميعها دول مُعرّضة للهجوم.

لوكاشينكو (آ ب)

حالة بيلاروسيا

في بيلاروسيا، على سبيل المثال، وعلى مدار السنوات الثلاثين التي تولت السلطة فيها حكومة متحالفة مع روسيا، جرت ست أو سبع محاولات لـ«ثورات ملوّنة» هزّت العاصمة مينسك، غير أنها باءت جميعها بالفشل. مع هذا لا يزال الغرب يرفض الاعتراف بأن دولة رئيسة (بيلوروسيا) في أوروبا الشرقية لا تزال متحالفة عسكرياً وسياسياً مع موسكو.

من هذا المنطلق، يحذر خبراء في موسكو من أن الغرب قد يحاول التخلّص من الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو باستخدام «سيناريو مادورو». ولعل «صياغة» اتهامات ضد لوكاشينكو تُصنّفه كـ«مجرم» لن تشكّل مشكلةً للأميركيين. علاوة على ذلك، هناك بولندا، «جارة» بيلاروسيا، التي تتهم لوكاشينكو «بتصدير الفوضى والسلاح والمهاجرين غير الشرعيين» إليها. وبالمناسبة، يرى البعض في روسيا أن «وظيفة» بولندا بالنسبة إلى سياسات ترمب في أوروبا تكاد تكون مُطابقة لوظيفة إسرائيل في الشرق الأوسط.بالتأكيد، لا يعني وجود هذا التهديد حتمية تطبيقه، لكن حقيقة أن تعليقات ومقالات كثيرة في روسيا باتت ترسل إشارات وتنبيهات من هذا النوع، تعكس درجة من القلق المتزايد بسبب سياسات ترمب.  


ديلسي رودريغيز... يسارية ملتزمة براغماتيتها سهّلت «خلافتها» لمادورو في رئاسة فنزويلا

بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
TT

ديلسي رودريغيز... يسارية ملتزمة براغماتيتها سهّلت «خلافتها» لمادورو في رئاسة فنزويلا

بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن

العملية العسكرية الخاطفة التي نفّذتها قوات النخبة الأميركية في مقرّ الرئاسة الفنزويلية، انتهت فجر الثالث من هذا الشهر بإلقاء القبض على نيكولاس مادورو واقتياده مع زوجته إلى نيويورك للمحاكمة أمام القضاء الأميركي بتهم «الإرهاب المرتبطة بالمخدرات». وبعد القرار المفاجئ الذي أعلنته إدارة الرئيس دونالد ترمب بتهميش المعارضة الفنزويلية - على الأقل في المرحلة الراهنة – وإبعادها عن مسار انتقال السلطة، يبدو أنها راهنت على بعض أركان النظام لتحقيق أهداف هذه العملية غير المسبوقة التي لا يُعرَف منها إلى الآن سوى إحياء قطاع النفط الفنزويلي وتسليمه للشركات الأميركية. ثم، تتجه كل الأنظار الآن إلى ديلسي رودريغيز، نائبة مادورو التي تولّت الرئاسة بالإنابة، كما تولّت منصب القائد العام للقوات المسلحة، وبدأت تشرف على توجيه وإدارة «المرحلة» الانتقالية على وقع تهديدات ترمب، الذي ما انفكّ يكرّر: «الأمر لي في فنزويلا»، ويتوعّد من يخالف تعليماته بعواقب أين منها تلك التي نزلت بالرئيس المخلوع.

ديلسي رودريغيز ليست شخصية طارئة، أو حديثة العهد على المشهد السياسي الفنزويلي المضطرب والمعقّد. فهي في الصورة منذ صعود شخصية هوغو تشافيز الذي وضع أركان النظام الحالي، مروراً بفشل محاولته الانقلابية ودخوله السجن، إلى إطلاق سراحه وتوليه رئاسة البلاد، حتى مرضه ورحيله... ومجيء نيكولاس مادورو إلى سدّة الرئاسة.

خلفية يسارية ملتزمة

بل يمكن القول إن رودريغيز، التي «تدير» اليوم أخطر أزمة مرّت بها فنزويلا في تاريخها الحديث، تحمل السياسة في «حمضها النووي». وحكايتها مع السياسة تتمة لحكاية والدها خورخي أنطونيو الذي كان من قادة حركة «اليسار الثوري» الماركسية في ستينات القرن الماضي، وهو الذي أسّس «الرابطة الاشتراكية»... أي الحركة التي تدرّج فيها نيكولاس مادورو ناشطاً نقابياً، وكانت المدماك الأساسي في علاقة ديلسي وشقيقها خورخي مع «وريث» هوغو تشافيز.

الأب، خورخي أنطونيو، لقي حتفه عندما كان في عهدة الشرطة عام 1976 بعد اعتقاله بتهمة الضلوع في خطف أحد رجال الأعمال الأميركيين، وكانت ديلسي لا تزال في السابعة من عمرها. ولقد أثارت وفاته الناجمة عن تعرضه للتعذيب وسوء المعاملة على يد الاستخبارات السياسية، غضباً واسعاً في الأوساط الشعبية، سيما وأن فنزويلا كانت تنعم يومذاك بأجواء من الحرية السياسية النسبية على عهد الرئيس الاشتراكي الديمقراطي كارلوس أندريس بيريز. وهنا تقول رودريغيز إن تلك الواقعة هي التي حفزتها لدراسة الحقوق، حيث تخرجت محامية من جامعة فنزويلا المركزية في كاراكاس، ثم تابعت تخصصها في القانون النقابي في باريس ولندن.

ديلسي ترعرعت مع شقيقها الأكبر خورخي في أجواء اليسار الفنزويلي المتشدد والحزب الذي أسسه والدهما... وكان أنصاره يعاملون الشقيقين دائماً بوصفهما ولدَي «شهيد الحركة اليسارية»، وكانا يشاركان خطيبَين في الاحتفالات بذكرى استشهاد أبيهما.

التأثر بهوغو تشافيز

وتعترف رودريغيز بأن «الثورة البوليفارية» التي حملت «القائد» هوغو تشافيز إلى رئاسة البلاد كانت بمثابة «انتقام شخصي» لذكرى أبيها، وحافزاً قوياً لها لدخول المعترك السياسي، وأيضاً لشقيقها خورخي الذي يتولّى حالياً رئاسة البرلمان... وسبق له أن أشرف على المفاوضات التي أجراها النظام على مراحل مع الإدارة الأميركية.

وحقاً، بدأت ديلسي رودريغيز صعودها السياسي في تراتبية النظام مع تشكيل حكومة تشافيز الأولى، حين تولت حقيبة مكتب الرئاسة التي غادرتها بعد أشهر قليلة بسبب اعتراضها العلني على بعض القرارات التي اتخذها تشافيز، وانتقلت للعمل مع شقيقها خورخي الذي كان يومذاك رئيساً لبلدية كاراكاس.

ولكن مع وصول مادورو إلى السلطة بدأ حضورها يترسّخ في المشهد السياسي الفنزويلي، فتولّت حقائب وزارية مهمة مثل الإعلام والاقتصاد والخارجية. كذلك اختارها مادورو نائبة له وكلّفها حقيبة النفط المهمة بعد إقالة الوزير السابق طارق العيسمي، المتحدر من أصول سورية - لبنانية، وسط فضائح مالية، وصارت تُعرف بلقب «سيّدة النفط».

شخصية بارزة ومؤثرة

رودريغيز تولّت أيضاً رئاسة «المجلس الوطني الدستوري التأسيسي»، وهو منصب بالغ الأهمية؛ إذ يمنحه الدستور سلطة أعلى من سلطة رئيس الجمهورية. وعلى غرار شقيقها الأكبر خورخي، الذي أقسمت اليمين الدستورية أمامه، كانت ركناً أساسياً في نظام مادورو، داخل فنزويلا وخارجها؛ إذ كانت المُحاور الرئيس مع الدول الحليفة مثل روسيا والصين وتركيا وإيران. واليوم تشكّل ديلسي، مع شقيقها خورخي، ووزير الداخلية ديوسدادو كابيّو، وسيليا فلوريس زوجة مادورو، الدائرة الضيّقة التي يقوم كان يرتكز إليها نظام مادورو بشكل أساس.

ووفق مقربين منها، فإنها تعمل دائماً بتنسيق تام مع شقيقها، ويتمتع كلاهما باحترام كبير في أوساط النظام لما يحملان من مؤهلات وخبرة وتمرّس، خاصة بعد انكفاء عدد كبير من الساسة المخضرمين عن المشهد السياسي مع مجيء مادورو. وفي عام 2018، فرضت الإدارة الأميركية عقوبات على ديلسي وشقيقها خورخي ووزير الدفاع فلاديمير بادرينو و«السيدة الأولى» سيليا فلوريس (زوجة مادورو). وهي تخضع أيضاً لعقوبات من الاتحاد الأوروبي بتهم انتهاكات حقوق الإنسان وتدهور النظام الديمقراطي في فنزويلا. وللعلم، رودريغيز متزوجة من رجل الأعمال المتحدر من أصول لبنانية يوسف أبو ناصيف الصميلي.

مثقفة ومنفتحة طبقياً

من جهة أخرى، يتفق الدبلوماسيون ورجال الأعمال الأجانب الذين تعاطوا مع رودريغيز خلال السنوات المنصرمة، على أنها تتمتع بثقافة عالية ولها علاقات جيّدة مع الأوساط البورجوازية الفنزويلية، وتعرف عنها مهارة فائقة في التفاوض حول الملفات الشائكة.

أيضاً، يذكر مطلعون أنها تدرك جيداً وجود «عالم» خارج معركتها الثورية، يقوم على المفاوضات والتفاهمات. وهذا ما ظهر إبان توليها حقيبة النفط بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في هذا القطاع الحيوي بالنسبة لفنزويلا على عهد سلفها في المنصب؛ إذ حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن، وهي التي كانت وراء بقاء عملاق النفط الأميركي «شيفرون» في فنزويلا.

ولا شك، أنه بعد انكشاف هدف واشنطن الرئيس من وراء عملية اعتقال مادورو وإبعاد المعارضة في هذه المرحلة، أسهمت هذه الصفات في دفع إدارة دونالد ترمب، ووزير خارجيته ماركو روبيو «المهندس الحالي» للسياسة اللاتينية في الولايات المتحدة، إلى المراهنة على ديلسي رودريغيز في إدارة المرحلة الانتقالية.

بيد أنها، في المقابل، تعرَف ديلسي باحتقارها الشديد للمعارضة الفنزويلية، وقسوة تصريحاتها حول الكثير من قياداتها وفي رأسهم كورينا ماتشادو؛ إذ تسكنها قناعة بأن مهمتها الرئيسة هي ترسيخ الثورة التي بدأها هوغو تشافيز. ثم أن رودريغيز شديدة الإعجاب بالزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو، وغالباً ما تستشهد بإنجازات الثورة الكوبية وبـ«الحركة الساندينية» في نيكاراغوا، ومفكّرها المفضّل هو الكاتب المعروف إدواردو غاليانو، أحد كبار منظّري اليسار الأميركي اللاتيني وصاحب المؤلف الشهير «أوردة أميركا اللاتينية المفتوحة».

امتحانها الأول...بعد إطاحة مادورو

الامتحان الأول الذي يفترض برودريغيز أن تتجاوزه، وبسرعة، هو الموقف الذي سيتخذه وزير الداخلية ديوسدادو كابيّو، الذي يعدّ «الرجل الثاني في النظام»، وهو القادر على إثارة الفوضى عن طريق سيطرته الكاملة على قوى الأمن والشرطة، وبخاصة على الميليشيا الشعبية المسلّحة التي تجوب شوارع المدن على دراجاتها النارية وتزرع الرعب في صفوف المواطنين منذ سنوات. وهذا الواقع دفع واشنطن إلى تحذيره من أنه قد يلقى مصير مادورو إذا امتنع عن تسهيل مهمة ديلسي رودريغيز كرئيسة مؤقتة للبلاد.

للعلم، كان لافتاً أن كابيّو، بخلاف بقية أركان النظام، خرج إلى الشارع بعد ساعات قليلة على اختطاف مادورو، معتمراً خوذة فولاذية وسترة واقية من الرصاص ومحاطاً بأفراد من الشرطة والجيش المسلحين. لكن معلومات تداولتها بعض أجهزة الإعلام الأميركية أفادت بأن إدارة الرئيس ترمب، بإيعاز من وزير الخارجية روبيو، قرّرت أيضاً المراهنة مرحلياً على كابيّو للحفاظ على الأمن خلال المرحلة الانتقالية، وعلى وزير الدفاع فلاديمير بادرينو لوبيز الذي يقود التيّار الأكثر تشدداً داخل النظام. ويذكر أنه سبق لواشنطن أن أعلنت في الماضي عن جائزة مقدارها 25 مليون دولار لمن يساعد في القبض على كابيّو، وأخرى بقيمة 15 مليون دولار على رأس وزير الدفاع.

... رهان أميركي

المتفائلون بنجاح الرهان الأميركي على كابّيو، يستندون إلى مساره السياسي بعد وفاة تشافيز الذي تردّد حتى اللحظات الأخيرة قبل رحيله، إثر مرض عضال، بين كابيّو ومادورو. وبعد اختيار الأخير لخلافة تشافيز، توقّع كثيرون أن الخصومة بين الاثنين قد تؤدي إلى ترنّح النظام وإسقاطه. لكن تبيّن لاحقاً أن المساكنة بينهما كانت ناجحة من حيث إنها حافظت على السلطة طيلة هذه السنوات الصعبة التي واجه فيها النظام مشاكل على صعيد الاعتراف بشرعيته إقليمياً ودولياً، وكان محط اتهامات عدّة بانتهاك حقوق الإنسان، وفرضت عليه عقوبات قاسية.

حقائق

رودريغيز... في سطور

> ولدت 18 مايو (أيار) 1969 في العاصمة الفنزويلية كاراكاس

> والدها القيادي اليساري البارز خورخي أنطونيو رودريغيز (زعيم حركة اليسار الثوري، ثم مؤسس حزب «الرابطة الاشتراكية») ووالدتها ديلسي غوميز

> أخوها القيادي اليساري خورخي رودريغيز، رئيس مجلس النواب الحالي والوزير السابق.

> شريك حياتها: يوسف أبو ناصيف الصميلي

> حياتها الحزبية: عضو الحزب الاشتراكي المتحد (2012 - 2018) ثم حركة «نحن فنزويلا»

> تعليمها: محامية تخرجت في كلية حقوق جامعة فنزويلا المركزية، بجانب دراسة قانون العمل (من دون أن تتخرج في جامعة باريس الأولى (باريس بانثيون - سوربون)

> مناصبها السياسية: وزيرة شؤون الرئاسة (2006) - وزيرة القوة الشعبية للاتصال والإعلام (2013 - 2014) - وزيرة الخارجية (2014 - 2017) - رئيسة المجلس الوطني الدستوري (2017 - 2018) - وزيرة الاقتصاد والمالية (2020 - 2024) - وزيرة النفط والثروة الهيدروكربونية (2024) - نائبة رئيس الجمهورية (2024 - 2026) - رئيسة الجمهورية بالوكالة (2026)



رودريغيز كانت القوة الدافعة باتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق داخل الحزب الحاكم

ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
TT

رودريغيز كانت القوة الدافعة باتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق داخل الحزب الحاكم

ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)

ليس الانتقال السياسي تحت الوصاية الأميركية هو التحدي الوحيد الذي تقف أمامه الرئيسة الفنزويلية بالوكالة، ديلسي رودريغيز، التي قررت إدارة دونالد ترمب الرهان عليها لإدارة هذه المرحلة مع أن العقوبات المفروضة عليها تمنعها من دخول الولايات المتحدة.

الواقع أنه عندما أقسمت رودريغيز اليمين الدستورية أخيراً، كان شبح التضخّم الجامح قد عاد يخيّم مجدداً على الاقتصاد الفنزويلي المنهك، ويهدد بتحطيم كل الأرقام القياسية السابقة، بعدما كان وصل إنتاج النفط إلى أدنى مستوياته التاريخية، وتراجع إجمالي الناتج القومي بنسبة 70 في المائة عن المستوى الذي كان عليه منذ عشر سنوات.

لكن قبل أن تتولى الرئيسة الحالية مهامها بالوكالة، سبق لها أن تولّت حقيبة المال والاقتصاد، وأيضاً حقيبة النفط، واعترفت علناً بفشل السياسات السابقة. ومن ثمّ قررت اللجوء إلى فريق جديد من الاستشاريين والخبراء، بعدما كان المصرف المركزي قد توقّف طوال حكم نيكولاس مادورو عن نشر تفاصيل الوضع الاقتصادي المتدهور، فيما واصلت رودريغيز «تغييراتها» بعيداً عن الأضواء. من التدابير التي اتخذتها رودريغيز إعادة الأصول المؤمّمة على عهد تشافيز إلى أصحابها، الذين كان معظمهم قد أعلن إفلاسه أو انهيار مؤسساته، ودخل الاقتصاد الفنزويلي في دائرة الدولار بعد رفع القيود والمراقبة على صرف العملات الأجنبية. وكذلك أمرت بوقف تجاوزات القوات المسلحة على القطاع الاقتصادي، وبدأت مرحلة من التفاهم والتنسيق مع أصحاب العمل الذين كان مادورو يصفهم بـ«البرجوازية الطفيلية» في خطبه الأولى.

ولذا يجمع المراقبون على أن التعافي النسبي الذي شهده الاقتصاد الفنزويلي في السنوات الثلاث المنصرمة، مدين للتدابير التي اتخذتها رودريغيز والفريق الاستشاري الذي كانت تستعين بخبراته، وبعلاقاتها الوطيدة مع مادورو الذي أقنعته بصواب تلك التدابير. بل كانت هي التي دفعت - داخل الحزب الحاكم - في اتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق بعد سنوات مديدة من تدخل الدولة العميق في إدارة الحركة الاقتصادية وانهيار قطاع النفط الذي يشكّل الشريان الأبهر لثروة البلاد.

أيضاً، كانت ديلسي رودريغيز «المُحاور» الأساسي للنظام مع المؤسسات التي ما زالت تنشط داخل فنزويلا، وهي التي حدّدت معها مجالات عمل مشترك وتحالفات في السنوات المنصرمة. وتحت إدارتها ارتفع إنتاج النفط الفنزويلي إلى مليون برميل يومياً بعدما كان انهار إلى 300 ألف عام 2016، بينما تبلغ قدرته الإنتاجية 3 ملايين برميل يومياً.

وللعلم، سجّل الاقتصاد الفنزويلي نمواً قياسياً خلال العام الماضي في حجم إجمالي الناتج القومي، بلغ 5 في المائة. لكن الضباب السياسي الذي يلفّ المرحلة الراهنة التي ترزح تحت الحضور الأميركي الطاغي، من شأنه أن يُلزم رودريغيز بخطاب معتدل تجاه واشنطن التي يتكلّم رئيسها عن مستقبل يختلف كل الاختلاف عن الواقع الذي تراه رودريغيز.