هل تُحدِث علاقات «طالبان» بالهند تحوّلاً في الجغرافيا السياسية لجنوب آسيا؟

تحت أنظار باكستان والصين ومتابعتهما

مصافحة تاريخية بين الوزيرين متقي وجايشنكار (وزارة الخارجية الأفغانية)
مصافحة تاريخية بين الوزيرين متقي وجايشنكار (وزارة الخارجية الأفغانية)
TT

هل تُحدِث علاقات «طالبان» بالهند تحوّلاً في الجغرافيا السياسية لجنوب آسيا؟

مصافحة تاريخية بين الوزيرين متقي وجايشنكار (وزارة الخارجية الأفغانية)
مصافحة تاريخية بين الوزيرين متقي وجايشنكار (وزارة الخارجية الأفغانية)

في مناورة دبلوماسية جريئة لها تردّداتها وتداعياتها عبر جنوب آسيا وخارجها، استضافت الهند أمير خان متقي، وزير خارجية «طالبان»، في أول لقاء رسمي منذ استيلاء الحركة على السلطة في أفغانستان عام 2021. هذه الزيارة، التي استغرقت أسبوعاً وجرى تأمينها عبر إعفاء من السفر من الأمم المتحدة بناء على طلب الهند، شكّلت أقرب خطوة حتى الآن من جانب نيودلهي نحو الاعتراف بنظام «طالبان»، إلا أنها تزامنت مع تصاعد التوتر العسكري وتجدد القتال بين الجانبين الأفغاني والباكستاني. كما تزامن ذلك أيضاً مع تصاعد الاشتباكات الحدودية بين قوات «طالبان» وباكستان، الأمر الذي سلط الضوء على تواصل كابُل مع نيودلهي كقوة موازنة لنفوذ إسلام آباد. ومن ناحية أخرى، كان توقيت اللقاء الأفغاني – الهندي مثيراً لاهتمام المراقبين؛ كون وصول متقي قد تزامن مع زيارة السير كير ستارمر، رئيس الوزراء البريطاني، التاريخية إلى الهند، والتي ركزت على اتفاقيات التجارة والدفاع.

بعد يومين من هدنة تلت ضغوطاً دبلوماسية كبيرة، تجدّد القتال أخيراً على طول الحدود بين أفغانستان وباكستان؛ إذ اندلعت مواجهات يوم 15 أكتوبر (تشرين الأول) الجاري عند «خط دوراند» المتوتر والمتنازع عليه بطول 2640 كلم. وشملت المواجهات القصف المدفعي والهجمات البرّية في ولايتَي كابل وقندهار الأفغانيتين وإقليم بلوشستان الباكستاني، وكذلك الحدود الشمالية عند ممرّ خيبر، وسط تبادل التهم وإصابة العشرات، جلّهم من المدنيين على الجانب الأفغاني، وتهجير الألوف.

الزيارات «الطالبانية»

ولكن، من ناحية ثانية، زار العديد من مسؤولي «طالبان» الهند، خلال الأشهر الأخيرة، بينهم وزير الأدوية والأغذية حمد الله زاهد، الذي حضر معرضاً للأدوية في سبتمبر (أيلول) الماضي. وبحسب شبكة «آمو تي في» الإعلامية الأفغانية، نالت رحلة متقي الموافقة الشخصية من قبل الزعيم الأعلى لحركة «طالبان»، هبة الله أخوند زاده، الذي التقى به في قندهار قبل مغادرته.

وفي حين تلتزم الحكومة الهندية الصمت بشأن ما إذا كانت تنوي الاعتراف بسلطة «طالبان» في كابل، فإن أفعالها تشير إلى إعادة تقييم «براغماتية» لسياساتها الإقليمية بعيداً عن اعتبارات الآيديولوجيا.

تعاون براغماتي من دون اعتراف

وبالنسبة لزيارة متقي، فإنها تُعد - في العاصمة الهندية نيودلهي - خطوة دبلوماسية عالية الأهمية وذات أهداف متعددة: تعزيز العلاقات الإنسانية والتنموية، والحفاظ على النفوذ في أفغانستان، والإشارة إلى النوايا الاستراتيجية.

كذلك يرى خبراء أن قرار نيودلهي دعوة متقي «خطوة استراتيجية وواقعية لحماية مصالحها في أفغانستان». ويرى المحلل الأمني كبير تانيجا أن «لدى نيودلهي أسباباً استراتيجية للترحيب الحار وتعزيز العلاقات كما هو واضح؛ إذ يشير تدهور العلاقات الأفغانية - الباكستانية إلى أن (طالبان)، باعتبارها (عدو العدو)، يمكن أن تكون حليفاً قيماً. ونظراً إلى أن (طالبان) تسيطر الآن على كامل أراضي أفغانستان تقريباً، يبدو عملياً التعامل معها على المستوى الذي تتعامل به القوى الإقليمية الأخرى، بما في ذلك روسيا والصين وإيران وبلدان آسيا الوسطى».

من الماضي المرير إلى الصداقة الحذرة

في الحقيقة، تتشارك الهند وأفغانستان تاريخاً أطول من بعض الحضارات القديمة؛ إذ تعود العلاقات بينهما إلى حضارة وادي السند. واستمرت العلاقات لآلاف السنين، إلى أن أسفر صعود «طالبان» عن تقلبات حادة؛ إذ تركت ندبة عميقة لدى الهند عملية اختطاف الطائرة «IC-814» عام 1999، عندما حوّل إرهابيون مسار طائرة هندية من نيبال إلى أفغانستان (تحت سلطة «طالبان»)، فأُجبر الجانب الهندي على إجراء مفاوضات أسفرت عن إطلاق سراح ثلاثة إرهابيين مقيمين في باكستان مقابل الرهائن.

ولما يقرب من عقدين، بعد الغزو الذي قادته الولايات المتحدة عام 2001 والذي أطاح بحكومة «طالبان» الأولى، اتبعت الهند سياسة اللاتدخل الصارمة، متوافقة مع الإجماع العالمي، في حين استضافت عشرات الآلاف من اللاجئين الأفغان، بمن في ذلك الطلاب ورجال الأعمال الفارون من حكم «طالبان».

غير أن الانفراجة الراهنة ليست مفاجئة؛ إذ أفضت سنوات من المباحثات السرّيّة إلى بناء توافق في الآراء بشأن القضايا الاستراتيجية والمساعدات الإنسانية. ولقد بدأت الخطوات الصغيرة الأولى عام 2021 عندما التقى وزير الخارجية الهندي فيكرام ميسري بنظيره الأفغاني متقي في دبيّ، ثم افتتحت الهند في عام 2022 بعثة فنية في كابل لتقديم المساعدة والتنمية.

بعدها عزّزت عملية «سيندور» التواصل، مدفوعة بتدهور علاقات «طالبان» بالجيش والاستخبارات الباكستانية؛ إذ أدانت كابل الهجمات الإرهابية في بالغام - التي لقي فيها 26 سائحاً حتفهم لأسباب دينية - ورفضت وصف إسلام آباد قصف الصواريخ الهندية للأراضي الأفغانية. وأدى ذلك إلى أول مكالمة هاتفية بين وزيرَي الشؤون الخارجية الهندي س. جايشانكار والأفغاني متقي في مايو (أيار) عام 2025؛ ثم رفعت الهند رهان المخاطر ومنحت «طالبان» المقدرة على الوصول المؤسسي إلى نيودلهي.

العلمان الأفغاني والهندي معاً... في رسالة إلى باكستان والصين (رويترز)

لقاء جايشانكار - متقي

أكد لقاء جايشانكار ومتقي إعادة ضبط هذه العلاقات. وفي خطوة مدروسة بعناية، أعلن جايشانكار ترقية البعثة الفنية الهندية في كابل إلى مستوى السفارة الكاملة؛ ما يمهد الطريق لترسيخ العلاقات الدبلوماسية.

أيضاً، أكد وزيرا خارجية البلدين مخاطر الإرهاب العابر للحدود، وقرّرا التنسيق والعمل المشترك لمكافحته. وكانت المساعدات الطبية التي قدمتها الهند لأفغانستان لفتة حسن النوايا بُغية توسيع نطاق المشاركة والتعاون. وبينما دعا وزير الخارجية الأفغاني الهند إلى الاستثمار في قطاع التعدين، تضمّنت المباحثات التجارية إنشاء ممرّ جوي بين الهند وأفغانستان.

وفي مؤتمرين صحافيين عُقدا في سفارة أفغانستان في نيودلهي، خاطب الوزير متقي وسائل الإعلام على خلفية تماثيل بوذا في باميان، التي ترمز إلى تاريخ أفغانستان المعقّد. وادعى أن العلاقات بين الهند وأفغانستان «تحسّنت بشكل كبير» في السنوات الأربع الماضية، وأعرب عن دعمه للتجارة الإقليمية، وحثّ الهند وباكستان على عدم إغلاق الطرق عبر حدود «واغا».

وعقب لقاءاته مع جايشانكار، أعلن متقي أن أفغانستان تعتزم إرسال دبلوماسيين أفغان جدد إلى الهند في وقت قريب. وقال: «مخاوفكم (أي مخاوف الهند) مهمة بالنسبة لنا. ولن يُسمح باستخدام الأراضي الأفغانية بأي شكل من الأشكال في تهديد المصالح الهندية». وما يُذكر هنا أن الهند أحجمت حتى الآن عن الاعتراف الكامل بحكومة «طالبان»، وأصرت على تشكيل حكومة شاملة في كابل. ومع ذلك، تشير صورة الزيارة إلى عودة حذرة إلى التعامل مع أفغانستان.

وبالتوازي، في إطار لقاءات عقدها متقي مع مجموعات الأعمال الهندية، فإن الوزير الأفغاني لم يكتفِ بالحث على استثمار الهند في مشاريع التعدين والرعاية الصحية والتعليم والتنمية، بل حثّ أيضاً أبناء الديانتين الهندوسية والسيخية الأفغانيين على العودة إلى أفغانستان من دون خوف.

زيارة ديوبند... ضربة لاهوتية ماهرةأيضاً كانت زيارة الوزير متقي إلى «دار العلوم الديوبندية» - المهد الآيديولوجي لحركة «طالبان» - مفعمة بالرمزية؛ إذ أسست الدار في عام 1866، وألهمت المدرسة الحقانية الباكستانية. ووفق سمية أواستي، الزميلة في مركز الأمن والاستراتيجية والتكنولوجيا في مؤسسة «أوبزرفر للأبحاث»، فإن «زيارة أمير خان متقي إلى (دار العلوم الديوبندية) تحمل أهمية رمزية كبرى؛ فهي تمثل المرة الأولى التي تتواصل فيها شخصية بارزة من مستوى وزاري في حركة (طالبان)، ولو بصورة غير مباشرة، مع المصدر الهندي للأصول الآيديولوجية للجماعة». وفي الوقت نفسه، تساعد الزيارة «طالبان» على تقديم صورة أكثر ليونة على الصعيد الدولي.

سعي «طالبان» إلى الشرعية

أما على الصعيد السياسي الاقتصادي، فتؤكد زيارة متقي حرص «طالبان» على توسيع علاقاتها مع القوى الإقليمية، سعياً وراء الدعم الاقتصادي والاعتراف الدبلوماسي. وفي هذا النطاق، في حين أجرت «طالبان» مفاوضات رفيعة المستوى مع عدة دول منها الصين، لم تعترف بحكومتها رسمياً حتى الآن سوى روسيا؛ ما ترك كابل معزولة نسبياً على الصعيد العالمي.

لذا يعلّق هارش بانت، رئيس برنامج الدراسات الاستراتيجية في مؤسسة «أوبزرفر للأبحاث»، في الهند، قائلاً: «بالنسبة لـ(طالبان)، هذه الزيارة انتصار سياسي؛ إذ تقدّم الهند، التي هي أكبر قوة اقتصادية في المنطقة، مساعدات واستثمارات حاسمة لاقتصاد أفغانستان الذي يعاني من العقوبات... وقبول الهند له وزن عالمي يعزّز شرعية (طالبان). في المقابل، بالنسبة للهند، فهي تأتي بمثابة انتصار جيوستراتيجي؛ فبينما تتلاعب الصين والولايات المتحدة بجنوب آسيا، تستغل الهند ذلك الفراغ؛ إذ يوفر الاعتراف المبكر ميزة السبق؛ ما يضع الهند في موقع يمكنها من تشكيل مستقبل أفغانستان. إن انتظار الآخرين لاتخاذ إجراءات لهو أمر خاطئ؛ إذ يجب على الهند أن تقود المسيرة بالضبط؛ لأن الآخرين لم يفعلوا ذلك».

تتشارك الهند وأفغانستان تاريخاً أطول من بعض الحضارات القديمة... إذ تعود العلاقات بينهما إلى حضارة وادي السند

متقي وباكستان

أما بالنسبة لمتقي، فقد أصبحت نيودلهي منبراً بارزاً للهجوم على باكستان في وقت اندلاع الاشتباكات الحدودية بين كابل وإسلام آباد. ولقد استغل وزير خارجية «طالبان» هذا المنبر أحسن استغلال عندما قال في مؤتمر صحافي إن «هناك جهات معينة في باكستان تحاول إثارة المشاكل مع أفغانستان». واللافت أن متقي تكلّم باللغة الأردية - على عكس زياراته إلى باكستان، حيث يفضّل اللغة البشتونية - كي يفهمه قطاع أوسع من الناس. ومما قاله متقي: «بلدي، كما يُثبت التاريخ، متحد بشدة في مواجهة أي (غزو خارجي). وعلى باكستان أن تتوقف عن التلاعب بأفغانستان. لا تستفزوا أفغانستان أكثر من اللازم... إذا فعلتم ذلك، فاسألوا البريطانيين مرة واحدة، وإذا سألتم الروس والأميركيين و(حلف شمال الأطلسي)، فسيشرحون لكم على الأرجح أن التلاعب بأفغانستان بهذه الطريقة ليس أمراً جيداً. إننا نريد مساراً دبلوماسياً». وبهذا الكلام أكد حالة انعدام الثقة بين كابل وإسلام آباد، ولا سيما مع عودة ظهور «خط دوراند» مرة أخرى كنقطة اشتعال.

البعد الصيني المهم

من جانب آخر، لا بد من النظر إلى أن تحوّل الهند صوب كابل في ظل نظام إقليمي سريع التغير، مدفوع بالتنافس مع الصين وباكستان؛ إذ تحولت نيودلهي من تجنب الانخراط إلى البراغماتية الحذرة؛ فهي تسعى إلى كسب ود «طالبان» لمواجهة نفوذ بكين وإسلام آباد.

ومعروف أن الصين منخرطة بعمق في المنطقة؛ إذ تدمج أفغانستان في مبادرتها «الحزام والطريق»، وتطمع في الثروة المعدنية الهائلة، وبخاصة رواسب الحديد الخام في منطقة هاجيغاك. وإزاء هذا الواقع، يرى الأكاديمي والخبير الهندي جاجاتي ك. باتنيك، الأستاذ بجامعة جواهر لال نهرو في نيودلهي، أن الهند «تهدف إلى الحد من هيمنة الصين، التي تعمل أيضاً بنشاط مع (طالبان)، لا سيما حيال استخراج الموارد ومبادرتها (الحزام والطريق). والصين، التي كانت تعتمد في السابق على باكستان لتأثيرها في أفغانستان، كانت في ذلك الوقت مستعدة للانطلاق بمفردها، من دون تدخل الجيش الباكستاني. ولقد رُحّبَ بسفيرها الجديد لدى أفغانستان، تشاو شنغ، بحفاوة حارة في عام 2023، على الرغم من أن ذلك لم يكن بمثابة اعتراف رسمي. ورداً على ذلك، تسعى الهند إلى كسب ود (طالبان) للحؤول دون تأسيس الصين معقلاً حصرياً لها في العاصمة الأفغانية كابل».

وبالفعل، استثمرت الهند بكثافة في أفغانستان؛ إذ ضخت أكثر من 3 مليارات دولار في مشاريع البنية التحتية والتنمية. ويعد تجديد الانخراط أمراً بالغ الأهمية لحماية هذه الاستثمارات طويلة الأجل من النفوذ المتزايد للصين هناك. ويعتقد محللون أن تواصل نيودلهي مع «طالبان» مدفوع أيضاً بتراجع نفوذ إسلام آباد على كابل.

من جهته، يقول البروفسور تشاندان ك. باندا، الأستاذ بجامعة راجيف غاندي الهندية، إن «نفوذ باكستان على (طالبان)، الذي كان شبه مطلق في السابق، يتعرض الآن لضغوط واضحة في خضم توترات متزايدة مع قيادة (طالبان). وهذا واقع يؤكده طرد إسلام آباد الجماعي لنحو 80 ألف لاجئ أفغاني في أوائل عام 2025، وقضايا مثل حركة (طالبان) الباكستانية. وفي ظل تدهور العلاقات بين كابل وإسلام آباد، تستشرف نيودلهي فرصة سانحة لـ(بسط نفوذ متواضع على كابل وتعزيز مكانتها كقوة إقليمية)».

أما في ما يخص الصين، فيرى باندا أن الصين «أحرزت بالفعل تقدماً في أفغانستان، وإذا لم تتحرك الهند بسرعة فقد توسّع الصين نفوذها للسيطرة على أفغانستان وتقويض الود المتنامي بين باكستان والولايات المتحدة». وبناءً عليه، فإن زيارة وزير خارجية أفغانستان ليست مجرد زيارة شرفية أو رمزية... إذ تدرك الهند أهمية هذه العلاقة في خضم إعادة تقييم الجغرافيا السياسية الإقليمية. وقد احتلت إعادة فتح السفارة الهندية في كابل مكانة مركزية في المناقشات، ومن المتوقع أن تُسرع الهند من هذه العملية بغية تأمين موطئ قدم لها في كابل بهدف مراقبة ومواجهة المخططات الباكستانية هناك. ومع قيام باكستان بقطع طرق العبور الهندية، فإن انخراط الهند مع «طالبان» مدفوع جزئياً بالرغبة في تفعيل مشاريع مثل ميناء تشابهار في إيران، والممرات التجارية التي تمر عبر أفغانستان؛ ولذا ترى نيودلهي استعداد «طالبان» للتعاون في مثل هذه المبادرات فرصة لاستعادة بعض المواطئ المفقودة.

 

ردات فعل سلبية من قوى المعارضة الهندية... وآخرين

أثارت مبادرة الهند الجريئة حيال «طالبان»، ردّات فعل قوية على الصعيدَين المحلي والدولي، وكشفت عن المخاطرة الكبيرة التي ينطوي عليها التعامل مع نظام «طالبان». إذ ندَّد قادة المعارضة الهندية، ونشطاء حقوق المرأة، وجماعات اللاجئين الأفغان بهذه الخطوة، ووصموها بـ«الخيانة». ووصفها النائب في البرلمان الهندي شاشي ثارور، عن حزب «المؤتمر» المعارض، بأنها «تنازل أخلاقي»، بحجة أنها تضفي الشرعية على نظام يحظر على النساء التعليم والحياة العامة. أيضاً، اندلعت احتجاجات خارج السفارة الأفغانية في نيو دلهي، حيث هتفت لاجئات أفغانيات «الاعتراف يعني التواطؤ في قمعنا». وحذَّر ناطق باسم وزارة الخارجية الأميركية من أن «التعامل مع الإرهابيين الخاضعين للعقوبات يهدِّد المعايير العالمية». وأصدرت الحكومة البريطانية، في خضم زيارة ستارمر، توبيخاً مبطّناً ورد فيه: «يجب ألا تُقوِّض براغماتية الهند حقوق الإنسان». وحذَّر فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، من أن ترحيب الهند بالوزير متقي «يرسل إشارة خاطئة» بشأن الفصل التمييزي بين الجنسين.


مقالات ذات صلة

سوريا: «مذكرة التفاهم» تنظّم وجود روسيا العسكري... وتفتح الباب على تفاهمات أوسع

حصاد الأسبوع صورة من الجو لقاعدة حميميم الجوية في شمال غربي سوريا، قرب مدينة جبلة (رويترز)

سوريا: «مذكرة التفاهم» تنظّم وجود روسيا العسكري... وتفتح الباب على تفاهمات أوسع

دشّن الإعلان عن التوصل إلى «مذكرة تفاهم» بين دمشق وموسكو تعيد تنظيم وهيكلة الوجود العسكري الروسي على الأراضي السورية، مرحلةً جديدة في علاقات البلدين، تفتح على

رائد جبر (موسكو)
حصاد الأسبوع ردود الفعل على انتخاب جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي

تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره

عبد القادر جامع... «رجل الملفات الشائكة» على رأس مجلس الشعب الصومالي

صعود استثنائي كتبه الصومالي «الأربعيني» عبد القادر محمد نور جامع، في وقت مبكر من شبابه، بين أروقة الدبلوماسية والأمن والسلطة في الصومال، وصولاً للتربع على كرسي

حصاد الأسبوع عناصر من «حركة الشباب» الصومالية الإرهابية (أ.ب)

مجلس الشعب الصومالي... ركيزة حاسمة في فترة عصيبة

مع تصاعد الخلافات بين الحكومة والمعارضة في الصومال، بات «مجلس الشعب» ركيزة أساسية في المشهد السياسي وصنع القرار بالبلاد، بالتزامن مع انتخاب عبد القادر محمد نور

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
حصاد الأسبوع الملك عبدالله الثاني، وبجواره إلى الشمال رئيس الوزراء جعفر حسان ومهند شحادة، وإلى اليمين وليد المصري وعزمي محافظة (الديوان الملكي الأردني)

الأردن: توتر العلاقة بين الحكومة والنواب وصيف ساخن

حالة من الارتباك تعيشها السلطتان الأكثر اشتباكاً (التنفيذية والتشريعية) في الأردن؛ إذ دخلت البلاد في حالة من الترقب وسط مخاوف من تنامي حالة «انعدام الثقة»

محمد خير الرواشدة (عمّان)
حصاد الأسبوع صورة ارشيفية لمركبات تابعة لقوات الـ"يونيفيل" قرب موقع للاحتلال الإسرائيلي بمنطقة كفرشوبا في أقصى جنوب شرقي لبنان (آ ف ب)

كيف تبدّلت قواعد الاشتباك بين إسرائيل و«حزب الله»؟

شهدت الحدود اللبنانية - الإسرائيلية خلال العقدين الماضيين تحوّلاً جذرياً في طبيعة المواجهة بين إسرائيل و«حزب الله». فما أفرزته حرب يوليو (تموز) 2006

«الشرق الأوسط» (بيروت)

سوريا: «مذكرة التفاهم» تنظّم وجود روسيا العسكري... وتفتح الباب على تفاهمات أوسع

صورة من الجو لقاعدة حميميم الجوية في شمال غربي سوريا، قرب مدينة جبلة (رويترز)
صورة من الجو لقاعدة حميميم الجوية في شمال غربي سوريا، قرب مدينة جبلة (رويترز)
TT

سوريا: «مذكرة التفاهم» تنظّم وجود روسيا العسكري... وتفتح الباب على تفاهمات أوسع

صورة من الجو لقاعدة حميميم الجوية في شمال غربي سوريا، قرب مدينة جبلة (رويترز)
صورة من الجو لقاعدة حميميم الجوية في شمال غربي سوريا، قرب مدينة جبلة (رويترز)

دشّن الإعلان عن التوصل إلى «مذكرة تفاهم» بين دمشق وموسكو تعيد تنظيم وهيكلة الوجود العسكري الروسي على الأراضي السورية، مرحلةً جديدة في علاقات البلدين، تفتح على توسيع التعاون في مجالات مختلفة، وإزالة واحدة من العقبات الرئيسية الموروثة من حقبة الرئيس المخلوع بشار الأسد. وفي وقت تعوّل فيه موسكو على استكمال وتسريع مسار تطبيع واسع للعلاقات، يمنح الطرفين الروسي والسوري القدرة على إعادة بنائها، ويضع آليات تتجاوز صعوبات الماضي القريب وتلبي مصالح الطرفين، فإن التحدي الأبرز الذي يواجهه الطرفان، يتمثل في الضغوط الغربية المتواصلة على دمشق لتقليص العلاقات مع روسيا إلى أدنى حد ممكن.

حملت تعليقات الطرفين الروسي والسوري، بعد الإعلان عن توقيع «مذكرة التفاهم» بينهما، تطابقاً في تقييم الوضع على صعيد العلاقات الثنائية، وقناعة بأن من شأن هذه الخطوة الحاسمة إطلاق مرحلة جديدة في علاقات البلدين.

ولكن بينما وصفت وزارة الخارجية السورية التوصل إلى «مذكرة التفاهم» بأنه خطوة «تحسم مصير القاعدتين الروسيتين في حميميم وطرطوس، وترسم ‏ملامح المرحلة المقبلة للعلاقات بين البلدين». قالت موسكو في تعليقها إن التطوّر يمنح العلاقات آفاقاً واسعة تلبي مصالح البلدين.

عملية إعادة تنظيم

بموجب التفاهم، ستبدأ فوراً عملية إعادة تنظيم الوجود الروسي في الساحل السوري، ‏على أن تتولى الدولة السورية إدارة المنشآت ذات الطابع المدني، وفي مقدمها مطار حميميم والرصيف التجاري الرابع في ‏ميناء طرطوس، بما يتيح إدخالهما تدريجياً ضمن منظومة الإدارة المدنية.

أما بالنسبة للقواعد والمنشآت ذات الطابع العسكري، فأفادت المذكرة بأن «الطرفين اتفقا على إعادة ‏صياغة وظيفتها، بحيث تتحوّل من قواعد عسكرية إلى مراكز تدريب وتأهيل مشتركة، ضمن ترتيبات جديدة تحفظ ‏المصالح المتبادلة»‏.

وحدّدت «مذكرة التفاهم» سقفاً زمنياً لا يتجاوز ثلاثة أشهر لاستكمال عملية ‌‏التحويل، لتدخل بعدها الترتيبات الجديدة حيز التنفيذ. ويعد التطور، الخطوة الأبرز منذ بدء المفاوضات قبل نحو عام ونصف عام، ويفتح، كما قال خبراء من الجانبين، «الباب ‏أمام مرحلة مختلفة نوعياً في العلاقات السورية - الروسية».‏

أسئلة حول المستقبل

ووفقاً لخبراء، فإن الإعلان عن توقيع «مذكرة التفاهم» يعكس رغبة متبادلة في «تجاوز الملفات الصعبة في العلاقات، وإيجاد آليات براغماتية لتنظيم العلاقة بشكل يلبي مصالح الطرفين».

لكن كان لافتاً أن المذكرة في بنودها المعلنة لم تحدّد تفاصيل عن طبيعة الوجود الروسي على الأراضي السورية مستقبلاً، سواءً لجهة عديد القوات الروسية المتفق عليه وطبيعة مهامهم وعتادهم والأسلحة التي يمكن أن تبقى في «حميميم» و«طرطوس» مستقبلاً، كما لم تحدد سقفاً زمنياً للتفاهم الجديد. وهذا أمر أثار الكثير من النقاش والتباين في التحليلات بين طرفين رأى أحدهما أن المذكرة تقلّص إلى أدنى درجة النفوذ الروسي في سوريا، وتنهي عملياً حقبة كاملة من «المكاسب» التي حصلت عليها موسكو بسبب تدخلها العسكري في هذا البلد في 2015. في حين يصرّ الموقف الرسمي في البلدين - ومعه فريق واسع من المحللين - على أن التطور «يعيد تنظيم هذا الوجود على أسس جديدة» تأخذ في الاعتبار توافقات موسكو ودمشق على إعادة هيكلة العلاقات بشكل يحفظ مبدأ الاحترام المتبادل للسيادة ويلبي أهداف ومصالح البلدين.

إلغاء الاتفاقيات السابقة

ولكن الثابت، وفقاً لأكثر من خبير، أن توقيع المذكرة «يلغي عملياً الاتفاقات السابقة» التي كانت تنظم وجوداً طويل الأمد، وصفه مسؤولون روس بأنه «إلى الأبد». وهو أيضاً يشطب كل الصلاحيات الواسعة المجحفة التي كان الأسد منحها لموسكو، كالإفادة من المناطق والمنشآت المدنية في محيط القاعدتين، والحصانة الواسعة التي كان يتمتع بها الجنود والضباط الروس على الأرض السورية. بما يعني أن المذكرة لا تعيد فقط تنظيم الوجود الروسي، بل تضع أيضاً هيكلية جديدة له تقوم على إنهاء فكرة «القواعد الروسية»، وتحوّلها إلى مراكز عمل مشتركة تخدم أهداف وتطلعات الطرفين.

توقيع «مذكرة التفاهم» يعكس رغبة متبادلة في «تجاوز الملفات الصعبة في العلاقات

وإيجاد آليات براغماتية لتنظيم العلاقة بشكل يلبي مصالح الطرفين»

ماذا تبقى لموسكو؟

في الواقع، لقاعدة حميميم وميناء طرطوس أهمية استراتيجية خاصة في الساحل السوري؛ إذ يمثل مطار حميميم منشأة جوية رئيسة، بينما يرتبط ميناء طرطوس بالموقع البحري الذي شكّل أحد أبرز أوجه الحضور الروسي في سوريا طوال السنوات الماضية.

وفي حين أن الوجود الروسي الجوي في قاعدة «حميميم» لم تكن له أهمية استراتيجية بالنسبة إلى موسكو إلا في إطار الأهداف العملياتية إبان الحرب السورية، فإن الإطلالة الروسية على البحر المتوسط في قاعدة طرطوس البحرية اكتسبت أهمية استراتيجية كبرى كون الوجود الروسي فيها شكل «حلقة لوجستية» مهمة للغاية لخدمة السفن والأساطيل الروسية التي تتحرّك في المياه الدافئة، ولضمان سلاسل الإمداد والصيانة للسفن التي تنقل المعدات والموارد إلى القارة الأفريقية.

وحقاً، كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد قال غير مرة في السابق إن بلاده مستعدة لسحب فوري لقواتها في سوريا «عندما تدعو الضرورة لذلك». وبالفعل، بدأت موسكو سحباً تدريجياً لقواتها منذ خريف عام 2016 عندما أعلنت «انتهاء الجزء النشط من العمليات العسكرية في سوريا». لكن الانسحاب الأوسع جاء مع اندلاع الحرب الأوكرانية؛ إذ نقلت موسكو معدات ثقيلة ووحدات قتالية إلى مناطق أخرى، وعاد جزء كبير منها إلى ساحة المواجهة مع أوكرانيا.

وفي وقت لاحق، عندما أدت التطورات إلى إطاحة نظام الأسد، عمدت موسكو إلى نقل الجزء الأكبر المتبقي في حميميم إلى مطار القامشلي، الذي حوّلته موسكو بالتفاهم مع تركيا والولايات المتحدة إلى قاعدة جوية ضخمة، قبل أن تنسحب منه في مطلع العام استجابة لطلب من القيادة السورية الجديدة.

والحال أن القوات الروسية، التي كانت تنتشر في 114 قاعدة ونقطة ارتكاز على الأرض السورية عشية إطاحة نظام الأسد، قلّصت هذا الوجود إلى أدنى درجة ممكنة، ولم تعد تحتفظ بقوات إلا في القاعدتين الأكبر في حميميم وطرطوس.

وبعد المذكرة الحالية، يرى خبراء أن موسكو ستواصل تقليص حضورها في القاعدة الجوية، التي ستتحول فعلاً إلى مركز تدريب مشترك لم يتضح بعد ما إذا كان الطرفان سيتقاسمان الإدارة والسيطرة فيه.

قاعدة طرطوس

في المقابل، فإن الحاجة للمحافظة على الوجود الروسي في طرطوس، كونها نقطة ارتكاز لوجستية حيوية لحركة السفن الروسية، لم تتراجع. بل ستزداد أهمية بسبب اتساع نطاق الضغوط الغربية على موسكو وعلى تحرّكات الأساطيل الروسية. وتنطلق موسكو، في حال فتح الطرفان جولات مفاوضات جديدة لتحديد الوضع النهائي للوجود العسكري الروسي على الأراضي السورية، من إمكانية العودة إلى اتفاقية مبرمة في عام 1972 تنظم وجوداً محدوداً لروسيا في إطار مركز فني لخدمة وصيانة السفن وإمدادها بالوقود والمستلزمات الأخرى.

انفتاح على تعاون أوسع

في كل الأحوال، رأى خبراء أن من شأن إبرام المذكرة حالياً إزالة عائق رئيس أمام تطوير التعاون في مجالات عدة. وبحسب المستشار المقرّب من الخارجية الروسي، رامي الشاعر، فإن توقيع المذكرة شكّل استجابة عملية لإعلانات الرئيسين فلاديمير بوتين وأحمد الشرع حول وضع «آلية براغماتية» لإعادة رسم ملامح العلاقات على أرضية جديدة، وبما يتفق مع احترام متبادل للسيادة وتعزيز آليات المنفعة المتبادلة.

ورأى الشاعر أن أهمية المذكرة تكمن في كونها تطلق مرحلة جديدة للتفاهم في مجالات عدة. وأشار إلى أن روسيا ساهمت في الماضي في بناء أهم مرافق البنية التحتية، وبخاصة في مجالي الطاقة والزراعة، بالإضافة إلى تجهيز الكوادر في جميع المجالات، فضلاً عن المساهمة في بناء الجيش السوري وتزويده بكل ما يلزم. وزاد أن المذكرة الجديدة تضع أساساً لتطوير التعاون في كل هذه المجالات على أرضية جديدة.

بدوره، رأى رئيس مجلس الأعمال الروسي - السوري لؤي يوسف في توقيع هذه المذكرة «طيّاً لصفحة الماضي، وتحويلاً للعلاقة الثنائية إلى إطار قائم على المصالح المشتركة، وإعادة هيكلة براغماتية للعلاقات الروسية - السورية».

وأردف: «لا كما يروّج البعض من أنَّها انسحاب روسي من سوريا. فكل طرف يسعى للحفاظ على مكاسبه الأساسية ضمن مظلة جديدة».

وتابع أن العلاقة بين موسكو ودمشق تشهد تطوراً مستمراً بعد سقوط نظام الأسد، و«تتعدد المؤشرات على ذلك، ومنها تركيز الرئيسين الشرع وبوتين على تفعيل وتوسيع الدور الاستراتيجي للشركات الروسية وقطاع الأعمال في إعادة الإعمار. وهذا ما نعمل عليه في مجلس الأعمال الروسي - السوري، حيث نخطط لتنظيم منتدى الأعمال الروسي - السوري في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، بمشاركة الطرف السوري، وبحضور نحو 50 شركة روسية من مختلف المجالات لبحث آفاق التعاون».

تعيين سفير مخضرم

وأشاد الشاعر بتعيين سفير جديد لروسيا في دمشق له خبرة واسعة في الشأن السوري وشؤون المنطقة، وعدَّها خطوة لتنظيم آفاق أوسع للعلاقة والتعاون. وكان بوتين أصدر قبل أيام، مرسوماً يقضي بتعيين الدبلوماسي دميتري دوغادكين سفيراً فوق العادة ومفوضاً للاتحاد الروسي لدى الجمهورية العربية السورية خلفاً للسفير السابق ألكسندر يفيموف.

ويُعدّ دوغادكين دبلوماسياً مخضرماً عمل لسنوات طويلة في المنطقة، وتنقل خلال العقدين الماضيين في مناصب عدة بين مصر وسوريا وسلطنة عمان وقطر، كما تسلم بين عامي 2013 و2017 منصب مدير دائرة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في الخارجية الروسية، ما منحه خبرة واسعة في شؤون المنطقة واطلاعاً وثيقاً على ملفات العلاقة الروسية العربية عموماً، والعلاقات الروسية السورية على وجه الخصوص.

ويعود دوغاكين، الذي يتقن العربية، إلى سوريا سفيراً، بعدما كان قد عمل في هذا البلد مستشاراً أول ونائباً للسفير الروسي بين عامي 2009 و2013، ما يعني أنه عاصر التطورات العاصفة التي شهدتها البلاد، وتحوّل الحراك الشعبي الذي اندلع في 2011 ضد نظام بشار الأسد إلى مواجهة عسكرية طاحنة، دفعت لاحقاً إلى تدخل روسيا عسكرياً بشكل مباشر في 2015.

ضغوط غربية

في المقابل، يواجه السفير الروسي الجديد لدى سوريا ملفات معقدة وتحديات كبرى. وكان أحدث تطور على هذا الصعيد، الإشارة الأميركية التي تلقتها دمشق بضرورة وقف مشتريات النفط الروسي أو تقليصها إلى أدنى درجة ممكنة. وعمدت موسكو خلال السنة الأخيرة إلى تنشيط صادراتها من النفط والوقود إلى سوريا في إطار تفاهمات مع الحكومة السورية لمساعدتها على تجاوز الصعوبات الاقتصادية والمعيشية. وخلال الأشهر الست الأولى من هذه السنة نشطت موسكو صادراتها بشكل قوي.

وقفزت شحنات النفط الروسي إلى سوريا 75 في المائة لتصل إلى نحو 60 ألف برميل يومياً هذه السنة، وهي نسبة ضئيلة من إجمالي صادرات روسيا النفطية اليومية للعالم، لكنها جعلت موسكو المورّد الرئيس للنفط الخام إلى سوريا. ووفقاً لمصادر محلية فإن هذه الشحنات غطت ما يزيد على ثلث حاجة سوريا من النفط.

كذلك، كان مصدر سوري قد أعلن أن «سوريا تعتمد حالياً على النفط الروسي بدافع الضرورة لا التفضيل». ورد مسؤولون سوريون على الضغوط المتواصلة من جانب واشنطن بالإشارة إلى أنه على الولايات المتحدة رفع تصنيف الدول الراعية للإرهاب، لتتمكن سوريا من تنويع مصادرها في مشتريات النفط. وأبلغ مسؤول سوري في قطاع الطاقة «رويترز» أن دمشق تسعى بالفعل إلى إيجاد مورّدين جدد، وأنه من المتوقع حدوث «تغيير جذري» خلال الفترة القريبة المقبلة.

ولكن، قبل بروز هذا الملف، كانت دمشق تعرضت لضغوط مباشرة لدفعها إلى إبطاء مسار تطبيع العلاقات مع موسكو. ومع أن اللهجة الغربية تراجعت جزئياً في السنة الأخيرة، ظل هذا المطلب مطروحاً على طاولة المباحثات السورية - الأوروبية، والسورية - الغربية عموماً.

رؤية روسية

في مواجهة الضغوط الغربية، تنطلق موسكو من حاجة الطرفين إلى وضع ترتيبات جديدة للعلاقة تلبي مصالحهما. وكانت روسيا أعلنت استعدادها للمساعدة في إعادة تأهيل جزء مهم من البنى التحتية، وخصوصاً تلك التي أسهمت موسكو في السابق بشكل نشط في تشييدها، ويدور الكلام عن شبكة إمدادات الكهرباء وقطاعات عديدة أخرى ما زالت الشركات الروسية تنشط فيها. أيضاً عمدت موسكو إلى دعم دمشق بالمحروقات ومواد أخرى حيوية، وأبدت استعدادها للعمل بشكل غير مباشر على تعويض دمشق من خلال تلميح إلى احتمال إعفائها من الديون الروسية وتنشيط تعاون اقتصادي واستثماري في قطاعات عدة.

وناقش الطرفان الروسي والسوري تطوير التعاون العسكري في سياق حاجة دمشق إلى إعادة تأهيل جيشها.

بدورها، أكدت دمشق رغبتها بإعادة بناء العلاقة مع موسكو على أسس جديدة. ووضعت دمشق العلاقة مع موسكو في إطار الحاجة إلى تنويع العلاقات والإفادة من الانفتاح على كل الأطراف الدولية والإقليمية، لكنها طالبت مراراً بتحرك روسي يدعم مبدأ «العدالة الانتقالية». وبالتالي رغم الانفتاح على العلاقة المتجددة مع موسكو يبقى ملف وجود الرئيس المخلوع ورموز قيادته تحت الحماية الروسية عنصر توتر يعرقل بناء الثقة الكاملة بين الطرفين.

وفي هذا الإطار، فإن الضغوط الغربية المتواصلة على دمشق، تسعى - بين أهداف عدة - إلى عرقلة بناء علاقات متجددة بين موسكو ودمشق. وسارت واشنطن أخيراً خطوات عملية في هذا المجال، ويوم 8 يوليو (تموز)، أبلغ الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكونغرس بنيّته شطب سوريا من «قائمة الدول الراعية للإرهاب»، وهو بحاجة لتبرير هذا القرار خلال 45 يوماً. ومع أن هذا القرار لا يرتبط مباشرةً بروسيا، أوضحت واشنطن أخيراً رغبتها في إضعاف علاقات روسيا مع سوريا. وكلف الكونغرس وزارة الحرب (البنتاغون) بدراسة الخيارات المتاحة لتقليص النفوذ الروسي، وضمان انسحاب قواتها من القاعدة البحرية في طرطوس والقاعدة الجوية في حميميم.


عبد القادر جامع... «رجل الملفات الشائكة» على رأس مجلس الشعب الصومالي

ردود الفعل على انتخاب جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي

تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره
ردود الفعل على انتخاب جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره
TT

عبد القادر جامع... «رجل الملفات الشائكة» على رأس مجلس الشعب الصومالي

ردود الفعل على انتخاب جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي

تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره
ردود الفعل على انتخاب جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره

صعود استثنائي كتبه الصومالي «الأربعيني» عبد القادر محمد نور جامع، في وقت مبكر من شبابه، بين أروقة الدبلوماسية والأمن والسلطة في الصومال، وصولاً للتربع على كرسي المنصب الثاني من حيث القوة والنفوذ في هيكل الدولة رئيساً لمجلس الشعب (البرلمان). وهو اليوم يتولّى المنصب في مرحلة مفصلية وسط خلافات سياسية حادة، وترقُّب انتخابات رئاسية وتشريعية في منتصف عام 2027.

يوم 10 أغسطس (آب) 2026، كتب عبد القادر محمد نور جامع، المولود يوم 21 أكتوبر (تشرين الأول) 1985 في مدينة بيدوا الصومالية، مرحلة جديدة في حياته السياسية مع فوزه برئاسة مجلس الشعب، لتنضم هذه المرحلة لسجل حافل بالمناصب والعلاقات المتينة مع القصر الرئاسي ورئيس البلاد حسن شيخ محمود.

في ذلك اليوم، كان جامع وزيراً للموانئ والنقل البحري، واستطاع حصد 142 صوتاً خلال جلسة انتخابية عقدت في مقر البرلمان بالعاصمة مقديشو، عقب شهرين من شغور مقعد رئاسة البرلمان إثر انتخاب رئيسه السابق، الشيخ عدن محمد نور مدوبي، رئيساً لولاية جنوب غربي الصومال في شهر يونيو (حزيران) من عام 2026.

وفي حينه حصد منافسه النائب عبد القادر عمر معلم، أحد أبرز وجوه الموالاة بالبلاد 30 صوتاً فقط، وسط غياب نواب مؤيدين للمعارضة التي ما عادت تعترف بشرعية البرلمان بعد إقرار الدستور في مارس (آذار) الماضي، ومن ثم تمديد فترتي البرلمان والرئاسة سنة حتى منتصف 2027.

اللغة التي قدم بها جامع نفسه بعد الانتخاب توحي بأنه «رجل دولة» يقدّم نفسه لمرحلة تبدو -بحسب مراقبين- مفصلية، مع ارتفاع «لاءات» المعارضة في وجه رئيس البلاد والحكومة الفيدرالية، وتمسّكها برفض الاعتراف به وبالمؤسسة التشريعية. ووفق المراقبين حاول الرجل الابتعاد عن الضغوط السياسية التي قد تستغل «قربه» من الرئيس حسن شيخ محمود.

إنها تقديرات يلخّصها خطاب فوزه، إذ وعد جامع بالتخلي عن مناصبه الحكومية والسياسية، حفاظاً على الحياد الذي يقتضيه منصب رئيس المجلس، وكذلك تعهّد بالتواصل مع النواب المعارضين الذين تغيبوا عن جلسة الانتخابات بسبب الخلافات السياسية.

أيضاً أكد رئيس البرلمان الجديد استعداده للعمل مع نائبي رئيس المجلس واللجان البرلمانية «لأداء عمل البرلمان بشكل كامل». ودعا، بعد أن غدا «الرجل الثاني» في هرم السلطة، إلى الوحدة، والمساواة، مؤكداً أن قيادته «ستسعى إلى تمثيل جميع الصوماليين، ودعم حقوقهم الاجتماعية والسياسية»، وأنه سيعمل على تعزيز التعاون مع مجلس الشيوخ، والمجالس التشريعية للولايات الفيدرالية الصومالية.

سجلّ حافل مع أروقة السلطة

خلف حضور جامع وفوزه الكبير سجل حافل، يشمل دراسته العلوم السياسية في جامعة أنقرة بتركيا بفضل منحة دراسية، وتخرجه عام 2016. وخلال هذه الفترة شغل جامع منصب السكرتير الأول في السفارة الصومالية بأنقرة بين عامي 2012 و2016، وقبل ذلك تولى منصب السكرتير الثاني في السفارة بين 2009 و2012، قبل انضمامه إلى وزارة الخارجية.

أكثر من هذا، شغل جامع منصب نائب مدير وكالة المخابرات والأمن الوطني، والقائم بأعمال المدير بعد استقالة المدير السابق حسن عثمان حسين يوم 13 أكتوبر 2018 وحتى 22 أغسطس 2018. وشغل منصب وزير العدل في الحكومة الفيدرالية الصومالية ما بين 24 أكتوبر 2020 و26 ديسمبر (كانون الأول) 2021. ثم تولّى حقيبة وزارة الدفاع في الفترة ما بين ديسمبر 2021، وحتى مارس من عام 2025، قبل أن يصبح وزيراً للموانئ والنقل البحري، حتى انتخابه الرجل الثاني بالدولة الصومالية.

رئيس مجلس الشعب

من جهة ثانية، تشير تقارير إعلامية محلية تنسب لسيرة جامع الذاتية أنه كان رئيساً للأمن في القصر الرئاسي الصومالي، وإدارة الملفات الشائكة بالدولة. وإبان توليه حقيبة وزارة الدفاع، شارك جامع في توقيع إطار للتعاون الدفاعي والاقتصادي بين الصومال وتركيا عام 2024، بهدف تعزيز التعاون الأمني والدفاعي بين البلدين.

مرحلة مفصلية

ردود الفعل التي لاحقت انتخاب عبد القادر محمد نور جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره، في ظل خلافات سياسية في الصومال جاوزت العامين بشأن الدستور، والعملية الانتخابية، والعلاقات بين الحكومة الفيدرالية وقوى المعارضة.

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، بطبيعة الحال، هنأ جامع على انتخابه رئيساً جديداً لمجلس الشعب الفيدرالي الصومالي. وأعرب محمود عن تمنياته لرئيس المجلس الجديد بالتوفيق في أداء مسؤولياته الدستورية، مؤكداً أهمية اضطلاع مجلس الشعب بدوره في سنّ القوانين، وتمثيل الشعب، وتعزيز المساءلة داخل مؤسسات الدولة. ومن ثم دعاه إلى قيادة المجلس وفقاً للدستور، وإعطاء الأولوية للوحدة، والتشاور، والمصلحة العامة، مشدداً على أهمية الدور الذي يضطلع به البرلمان في عملية بناء الدولة الصومالية.

ومن جانبه، أعرب رئيس الوزراء حمزة عبدي بري، أيضاً، عن تمنياته لرئيس البرلمان الجديد بالتوفيق في أداء مهامه، «بما يعزز دور البرلمان، ويطور عمله التشريعي والرقابي»، مثمناً أهمية التعاون والتنسيق بين مؤسسات الدولة، ولا سيما الحكومة والبرلمان، بما يساهم في تسريع تنفيذ الخطط والبرامج الوطنية، وخدمة الشعب الصومالي. والخميس، تلقى جامع برقية تهنئة من رئيس البرلمان الأفريقي، فاتح بوطبيق، بمناسبة انتخابه رئيساً للمجلس، متمنياً له التوفيق في مهامه القيادية، وتعزيز دور المؤسسة التشريعية، بحسب «وكالة الأنباء الصومالية الرسمية».

في المقابل، أعلن «مجلس المستقبل الصومالي» المعارض، في بيان، بعد إعلان نتائج انتخابات رئيس البرلمان الفيدرالي، رفضه وإدانته ما وصفه بـ«الانتخاب المزعوم» لرئيس مجلس الشعب الصومالي المنتهية ولايته. واعتبر المجلس، في بيان، أن الولاية الدستورية للبرلمان الفيدرالي الصومالي انتهت يوم 14 أبريل (نيسان) 2026، وبالتالي، ما عاد البرلمان يتمتع بالشرعية الدستورية والسياسية التي تخوله انتخاب رئيس جديد للمجلس، كما أنه لا يملك صلاحية تمديد ولايته.

تحذير من المستقبل

أيضاً اعتبر «المجلس» أن «الطريقة التي استغل بها الرئيس المنتهية ولايته الانتخاب المزعوم، تجسّد مثالاً واضحاً على الخطة التي يسعى -بحسب البيان- إلى اتباعها لإدارة الانتخابات المقبلة للبرلمان الفيدرالي، ورئاسة الجمهورية، من خلال السيطرة على العملية الانتخابية، وإقصاء المنافسين الأقوياء، وتحديد نتائج الانتخابات مسبقاً». هذا، ويتمسك النواب الرافضون المشاركة في جلسات البرلمان بموقفهم حول «انتهاء الولاية الدستورية لمجلس الشعب في أبريل الماضي». ويؤكدون أن مدة ولاية البرلمان محددة بأربع سنوات بموجب الدستور المؤقت المعتمد عام 2012، ولذا فهم غير معترفين بالدستور الجديد الذي سمح بتمديد فترة الرئاسة والبرلمان لمدة عام وذلك لمنتصف 2027.وسط هذا الجدل، تتّجه الأنظار إلى جامع ليس باعتباره ممثلاً لصعود استثنائي في عالم السلطة فقط... بل لمتابعة إدارته للأزمة السياسية باعتباره الرجل الثاني بالدولة، والذي تضعه المعارضة بجوار الرجل الأول رئيس البلاد في خانة «رفض الاعتراف».


مجلس الشعب الصومالي... ركيزة حاسمة في فترة عصيبة

عناصر من «حركة الشباب» الصومالية الإرهابية (أ.ب)
عناصر من «حركة الشباب» الصومالية الإرهابية (أ.ب)
TT

مجلس الشعب الصومالي... ركيزة حاسمة في فترة عصيبة

عناصر من «حركة الشباب» الصومالية الإرهابية (أ.ب)
عناصر من «حركة الشباب» الصومالية الإرهابية (أ.ب)

مع تصاعد الخلافات بين الحكومة والمعارضة في الصومال، بات «مجلس الشعب» ركيزة أساسية في المشهد السياسي وصنع القرار بالبلاد، بالتزامن مع انتخاب عبد القادر محمد نور جامع رئيساً جديداً له يوم 10 أغسطس (آب).

محمود علي كلني، الباحث في الشؤون الأفريقية، قال لـ«الشرق الأوسط» إن تاريخ البرلمان الصومالي مرّ بعدة فترات عصيبة؛ إذ تعود جذوره إلى مرحلة الاستقلال عام 1960، عندما قامت الجمهورية الصومالية على نظام برلماني ومجلس تشريعي عُرف باسم «الجمعية الوطنية». واستمر هذا الوضع خلال عقد الستينات إلى أن أطاح انقلاب عسكري عام 1969 بالنظام المدني، وعندها دخلت البلاد مرحلة مختلفة أصبحت فيها المؤسسة التشريعية خاضعة بصورة أكبر للنظام السياسي القائم.

ثم بعد انهيار الدولة المركزية عام 1991، دخل الصومال مرحلة طويلة من الفراغ المؤسسي والحرب الأهلية، قبل أن تبدأ عملية إعادة بناء الدولة عبر مؤتمرات المصالحة الوطنية. وفي عام 2004، أُنشئ النظام الفيدرالي الانتقالي، ثم جاءت نقطة التحوّل الأساسية، وفق كلني، عام 2012 مع اعتماد الدستور الفيدرالي المؤقت، الذي أعاد تأسيس البرلمان ضمن نظام اتحادي «ثنائي الغرف» يضم «مجلس الشعب» و«مجلس الشيوخ».

اليوم، يتكوّن «مجلس الشعب» الصومالي من 275 نائباً منتخبين بشكل غير مباشر، ويتولّى إلى جانب سنّ التشريعات، مهام الرقابة على الحكومة والمشاركة في عمليات صنع القرار السياسي في البلاد، في حين يتألف «مجلس الشيوخ» الصومالي من 54 عضواً ينتخبون بشكل غير مباشر من قبل مجالس الولايات لمدة 4 سنوات.

بين أبرز مهام البرلمان إقرار الدستور الكامل للبلاد في مارس (آذار) الماضي دون توافق شامل؛ إذ ترفضه المعارضة لعدة أسباب بينها «الحد من صلاحيات الولايات وتعظيم سلطة رئيس البلاد وتمديد فترة البرلمان والرئاسة عاما لتنتهي في منتصف 2027».

وبسبب هذا الموقف فقد البرلمان عملياً اعتراف المعارضة التي يطالب ممثلوها بإجراء انتخابات فورية، في حين تتمسك السلطة بإجراء انتخابات مباشرة من دون الالتزام بالنظام القبلي، الذي تميل إليه المعارضة باعتباره غير ممثل لإرادة جميع المواطنين.

أربعة قتلى من أفراد تنظيم "حركة الشباب" إثر هجوم شنته الحركة في العاصمة الصومالية مقديشو (آ ف ب)

أيضاً واجه البرلمان تحديات أمنية جسيمة في عام 2014، حين شهد هجومين بسيارتين مفخختين في مايو (أيار) ويوليو (تموز)، من جانب انتحاريين في «حركة الشباب» الإرهابية التابعة لتنظيم «القاعدة». وتسبّب الهجوم الأول بمقتل وإصابة 10 على الأقل بينهم نواب وعناصر أمن، وأسفر الحادث لاحقاً عن استقالة وزير الأمن القومي عبد الكريم حسين جوليد.

وعلى الرغم من تراجع الهجمات الإرهابية من «حركة الشباب» ضد مؤسسات الدولة في الآونة الأخيرة، تبقى الخلافات السياسية الهمّ الأكبر عند البرلمان في ظل رفض المعارضة الاعتراف به.

وباعتقاد الباحث محمود علي كلني، فإن البرلمان «نجح في السنوات الأخيرة في أن يصبح لاعباً يستحيل تجاوزه، وركيزة حاسمة في صناعة القرار السياسي، وامتلك أدوات دستورية وتشريعية ورقابية مهمة». غير أنه يستدرك فيقول: «مع هذا، فإنه لم ينجح بعد في ترسيخ نفسه بصورة كاملة كمؤسسة مستقلة عن منطق التوازنات السياسية الضيقة».

ويضيف كلني: «بناءً عليه، مع دخول الصومال مرحلة جديدة من إعادة تعريف النظام الدستوري والانتخابي، ستتحدد أهمية البرلمان؛ ليس بعدد القوانين التي يصدرها، بل بمدى قدرته على بناء توافق سياسي قابل للحياة حيال قواعد تداول السلطة في مرحلة عصيبة بتاريخ البلاد». وبالتالي، إذا ما نجح البرلمان في ذلك، فإنه قد يتحول من ساحة للصراع على الدولة إلى مؤسسة لصناعة الدولة. أما إذا أخفق، فقد يجد الصوماليون أنفسهم أمام دورة جديدة من الأزمات السياسية، يكون البرلمان فيها ليس جزءاً من الحل، بل أحد أهم ميادين الصراع على مستقبل البلاد، كما يرى كلني.

وأخيراً يخلص الباحث والخبير إلى أن القول إن «مستقبل البرلمان الصومالي لن يُحسم داخل قاعة البرلمان وحدها، بل في قدرته على تحقيق المعادلة الأصعب عبر الانتقال من منطق تقاسم السلطة إلى منطق التمثيل السياسي، ومن شرعية التوافق بين النخب إلى شرعية الإرادة الشعبية، من دون أن يؤدي هذا الانتقال إلى تفكيك التوازن الهشّ الذي أبقى الدولة الصومالية موحّدة طوال مرحلة ما بعد الحرب».