«لولا» يضطر إلى التخلي عن حلم قيادة البرازيل نحو دور عالمي

بسبب قوة تحدّي اليمين المعارض لرؤيته الاقتصادية

لولا خلال قمة العشرين في ريو دي جانيرو (إيبا - ايفي)
لولا خلال قمة العشرين في ريو دي جانيرو (إيبا - ايفي)
TT

«لولا» يضطر إلى التخلي عن حلم قيادة البرازيل نحو دور عالمي

لولا خلال قمة العشرين في ريو دي جانيرو (إيبا - ايفي)
لولا خلال قمة العشرين في ريو دي جانيرو (إيبا - ايفي)

عندما وقف لويس إينياسيو لولا دا سيلفا «لولا» أمام القاضي، وهو على أبواب الثمانين من عمره، يدافع عن براءته من التهم التي كانت موجهة إليه إبّان عهد الرئيس البرازيلي اليميني السابق جاير بولسونارو، قال إنه لا ينوي الفرار خارج البلاد أو اللجوء إلى إحدى السفارات الأجنبية. وأردف أنه يثق بالقضاء البرازيلي لإثبات براءته، التي انجلت بالفعل بعد أشهر عديدة أمضاها في السجن قبل شطب الدعاوى التي تسببت في الزجّ به وراء القضبان. وبعد خروج «لولا» من السجن، في عزّ جنوح البرازيل نحو أقصى اليمين، بدأت مسيرة النهوض السياسية للزعيم اليساري المخضرم. ولقد توّجها بفوزه في انتخابات عام 2022 الرئاسية بفارق ضئيل على غريمه «اللدود» بولسونارو، الذي بعدما فشل في الطعن بفوز «لولا»، حاول العودة إلى الحكم عن طريق تمرد عسكري انتهى باعتقال قادته، وإحالة بولسونارو – وهو عسكري يميني متطرف سابق – إلى القضاء، ثم تجريده من حقوقه السياسية. لكن ذلك الفوز وما رافقه من ملابسات، كان نذيراً بولاية ثالثة بالغة الصعوبة للزعيم اليساري مقارنة بالولايتين اللتين سبقتاها بين عامي 2003 و2010، راحت تتأكد شهراً بعد شهر على وقع العراقيل الداخلية الكثيرة وتفاقم الأزمات الإقليمية والدولية.

أنهى الرئيس البرازيلي اليساري لويس إينياسيو لولا دا سيلفا «لولا» النصف الأول من ولايته الرئاسية جامعاً ضمن إنجازاته تحقيق الاستقرار في مؤسسات الدولة الكبرى، وعودة البرازيل إلى المنتديات الدولية، ودفع الاقتصاد نحو نمو مطّرد، واستعادة معظم البرامج التي كانت وراء شعبيته في السابق.

غير أنه، في المقابل عانى من إخفاق معظم المبادرات الدبلوماسية التي أطلقها، خاصةً تلك التي حاول من خلالها معالجة الأزمة الفنزويلية، وأيضاً تعرّض لهزائم متكرّرة في مجلسي الشيوخ والنواب، بينما ظل المواطنون يعانون ضائقة معيشية تكاد تصبح متوطنة. كذلك، كانت تنهار طموحاته لقيادة «الثورة الخضراء العالمية» ووقف التدهور البيئي، حتى في غابات الأمازون التي كان جعل من إنقاذها عنواناً رئيساً لحملته الانتخابية.

المتاعب الشخصية و«الخلف» المحتمل

وإلى جانب كل هذا، وبينما يترقّب البرازيليون نتيجة محاكمة الرئيس السابق بولسونارو، زعيم المعارضة الحالي، بتهمة التحريض على الانقلاب العسكري، خضع «لولا» لعمليتين جراحيتين في الدماغ فتحتا النقاش على مصراعيه حول سنّه المتقدمة وحالته الصحية الصعبة، وعزمه الترشح مرة رابعة في الانتخابات الرئاسية المقبلة، وللعلم، فإن الكلام عن خلف له ما زال من المحرّمات داخل الدائرة السياسية المحيطة به.

والواقع، أن «لولا» ما زال يحافظ على دوره المحوَري في السياسة البرازيلية منذ أواخر القرن الماضي، بل وأظهرت الاستطلاعات الأخيرة أن الفوز سيكون حليفه في الانتخابات المقبلة، أيّاً كان خصمه، وهذا مع أن 48 في المائة من المواطنين ليسوا راضين عن أدائه.

الرئيس والزعيم الشعبي اليساري يحجم عن الرد على الأسئلة التي يطرحها الصحافيون أحياناً حول خليفته المحتمل. ويكتفي بالقول إنه مستعد للاستمرار إذا كان الحزب في حاجة إليه، مدركاً تمام الإدراك أن شعبيته، على الرغم من تراجعها، لا تجاريها شعبية أي مرشح محتمل لخلافته.

مع هذا، كل الأنظار تتجه إلى فرناندو حدّاد، الذي اختاره «لولا» بديلاً عنه عندما دخل السجن، وهو يتمتع بثقة الرئيس الذي كلفه حقيبة وزارة المال والذي يرافقه في جميع لقاءاته المهمة.

بعض المراقبين يرى في إحجام «لولا» عن التطرّق إلى موضوع الخلافة قلقاً منه على مستقبل حزب العمال. ويعتبرون أن حيوية اليسار البرازيلي ما زالت تعتمد بنسبة عالية على كاريزمية «لولا»، في حين تنعم القوى المحافظة واليمينية المتطرفة «بخصوبة» لافتة في قياداتها، وتتمتع بنشاط كبير على المنصات الرقمية الموجهة إلى الشباب الذين تتراجع نسبتهم بين أنصار اليسار.

حداد (رويترز)

قلق وتحذيرات في معسكر اليسار

في أي حال، بعد التحذيرات العديدة التي وصلت إلى «لولا» من مستشاريه المقربين بأن شعبيته باتت على شفا منحنى تراجعي من شأنه القضاء على حظوظه أو على حظوظ حزبه في الانتخابات المقبلة، قرر الرئيس البرازيلي إعفاء وزير الإعلام واستعاض عنه باختصاصي في منصات التواصل الاجتماعي والإعلام الرقمي، وأعلن أمام أعضاء حكومته «أن الوقت قد أزف لنسوّق إنجازاتنا بشكل أفضل. هذه هي مرحلة الحصاد الكبير. لم يعُد بوسعنا أن نبتدع أي شيء، بل علينا أن نقطف ثمار ما زرعناه حتى الآن».

وشدّد على أن الأولوية القصوى هي خفض التضخّم في أسعار المواد الغذائية، مذكّراً ببرنامجه الشهير للقضاء على الجوع Fome Zero الذي أطلقه في مستهل ولايته الأولى عام 2003، وكان وراء بلوغ شعبيته مستويات قياسية.

تحذيرات عدّة وصلت إلى «لولا» بأن شعبيته باتت على شفا منحنى تراجعي

زيارات خارجية

لقد قام «لولا» خلال النصف الأول من ولايته الرئاسية الثالثة بما يزيد على 40 زيارة رسمية إلى الخارج، التقي خلالها جميع القادة الكبار في العالم، واستعاد دور البرازيل كلاعب وازن على الساحة الدولية بعد سنوات من العزلة الدبلوماسية التي فرضتها سياسات بولسونارو المتطرفة في كل الميادين. وفي هذا الإطار، عزّز التحالفات مع دول أميركا اللاتينية وأفريقيا ومجموعة «البريكس» (روسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا)، وعاد بالبرازيل إلى المنتديات الدولية صوتاً بارزاً من «الجنوب» العالمي. وبالتوازي، استضاف القمة الأخيرة لـ«مجموعة العشرين» في مدينة ريو دي جانيرو، حيث جرى تبني التحالف العالمي ضد الجوع، وهو يتأهب الآن لاستضافة الدورة الثلاثين لـ«مؤتمر الأطراف».

«الصداع» الأميركي اللاتيني وبالذات «جارات» البرازيل

إزاء هذه الإنجازات الخارجية كان «الجوار الإقليمي»، وبخاصة فنزويلا والأرجنتين، مصدر صداع دائماً للرئيس «لولا»، كما كان حائلاً دون استعادة البرازيل دور «الأخ الأكبر» الذي مارسته لسنوات في الماضي، وقضى على حلمه الكبير بتحقيق مشروع التكامل الإقليمي في أميركا اللاتينية.

وحقاً، ظهر بوضوح كم تراجع الدور البرازيلي، وبالأخص دور «لولا» الشخصي، أثناء التوسط لحل الأزمة الفنزويلية، ويُذكر أن الرئيس البرازيلي كان قد استهل ولايته بقمة هدفت إلى إخراج فنزويلا من عزلتها الإقليمية.

وبالتالي، من المستبعد جداً في الظروف الراهنة «إنقاذ» العلاقات الثنائية بين البرازيل وفنزويلا، خاصةً، أن التواصل بين «لولا» ونظيره الفنزويلي نيكولاس مادورو مقطوع منذ أشهر... بعدما رفضت البرازيل الاعتراف بنتائج الانتخابات الفنزويلية الأخيرة.وهكذا، أمام استحالة التأثير في المجريات الدولية المعاكسة، والاحتمالات الضئيلة بتغيّر المشهد الإقليمي في القريب المنظور، يركّز «لولا» على الإنجازات التي حققتها حكومته في الداخل، ومنها ارتفاع الناتج المحلي بنسبة 3 في المائة، وانخفاض مستويات الفقر بشكل ملحوظ، وارتفاع الحد الأدنى للأجور، وانخفاض معدل البطالة إلى مستوى قياسي، واستئناف نظام المساعدات للفئات الضعيفة والمهمّشة في مجالات التعليم والرعاية الصحية... التي كان قد توقف معظمها إبان حكم بولسونارو.

بولسونارو (غيتي)

البرازيل تعيش أجواء محاكمة بولسونارو... وتداعياتها

يرى الخبراء أن المشكلة الكبرى التي يعاني منها الاقتصاد البرازيلي منذ سنوات، مشكلة مزدوجة: وجهها الأول تحريك عجلة التصنيع الذي ما زال متعثّراً بسبب ضعف البنى التحتية اللازمة لنهضة صناعية جديدة، ونقص الاستثمارات العامة والخاصة التي هي السبيل الوحيد لوضع الاقتصاد على مسار النمو المستدام. ووجهها الآخر أن الإصلاح الزراعي الموعود ما زال في حال من الشلل التام الذي يؤجل ترسيخ موقع البرازيل كقوة عالمية في مجال الصناعات الغذائية. الناشطون في مجال البيئة، الذين عقدوا آمالاً كبيرة على عودة «لولا» إلى الحكم، يذكّرون بأن الزيارة الأولى للرئيس البرازيلي إلى الخارج، في مستهل ولايته الثالثة، كانت للمشاركة في قمة المناخ. ويومذاك، أكّد الرئيس اليساري على الأهداف التي كان قد أطلقها خلال حملته الانتخابية بعدما سارع إلى «ترميم» وزارة البيئة والمؤسسات التابعة لها في أعقاب حكم بولسونارو الذي تركها «أرضاً محروقة» نتيجة إلغائه جميع المشاريع البيئية والمساعدات المحفّزة المرفقة بها، وفتح الباب أمام الشركات والاحتكارات الزراعية الكبرى لاستصلاح مساحات شاسعة من الأراضي في غابات الأمازون ومحيطها. ولكن الناشطين البيئيين يشكون، في المقابل، من أن معظم المساعدات البيئية التي عادت حكومة «لولا» إلى تقديمها جاءت على شكل قروض باتت تثقل كاهل الجهات التي حصلت عليها وتمنعها من مواصلة أنشطتها. ويضيف هؤلاء أن «التناقض الكبير» في سياسات «لولا» البيئية كان في قطاع الطاقة، تحديداً. إذ إنه بعد خطابه الشديد ضد التغيّر المناخي، أعلن بشكل صريح أنه يعتزم نقل البرازيل من المرتبة العالمية الثامنة كدولة مصدّرة للنفط إلى المرتبة الرابعة، مع علمه أن زيادة إنتاج النفط ستساهم في مفاقمة الأزمة المناخية. في أي حال، المدافعون عن «لولا» يشيرون أيضاً إلى أن الرئيس اليساري فاز بولايته الثالثة بفارق ضئيل حرمه من الحصول على الغالبية في مجلسي الشيوخ والنواب اللذين يسيطر عليهما التحالف اليميني العريض الذي يدعم بولسونارو. وهذا الوضع يُجبر «لولا» على تحاشي الغرق سياسياً في مياه التحالف، عبر القبول بتقديم تنازلات اقتصادية، وتوزيع المناصب على أنصار التحالف، وتهميش المواضيع الآيديولوجية مثل أوضاع المرأة والأقليات والبيئة. كل هذا حرم «لولا» من استعادة «السحر» الذي ميّز ولايتيه الأوليين عندما حقق ما يشبه «المعجزة الاقتصادية» التي هلّلت لها كل الطبقات الشعبية ومراكز السلطة المالية والاقتصادية. في غضون ذلك، تتجه كل الأنظار حالياً إلى المحاكمة المرتقبة التي سيمثُل فيها الرئيس اليميني المتطرف السابق جاير بولسونارو أمام القضاء بتهمة التمرّد لقلب النظام. هذه هي المرة الأولى التي يمثُل فيها رئيس برازيلي أمام القضاء بتهمة التخطيط لانقلاب، وإلى جانبه ثلاثة من كبار الضباط وقائد سلاح البحرية. القوات المسلحة، من جهتها، دأبت منذ فشل المحاولة الانقلابية على التركيز على أن ما حصل كان ثمرة سلوك شخصي منفرد لبعض القيادات العسكرية. ومن ثم، فإن القوات المسلحة غير معنية بذلك، بل هي حريصة على إقفال هذا الملف بأقصى سرعة ممكنة. ولكن هنا لا يغيب عن بال أحد أن بولسونارو يتمتع بشعبية واسعة في أوساط المؤسسة العسكرية، التي كان ينتمي إليها برتبة عقيد. وأنه بنى صعوده السياسي على المطالبة بتحسين أوضاعها المالية والوظيفية، التي بدأ البرازيليون يكتشفونها اليوم في دهشة كبيرة على أبواب المحاكمة، بينما يواصل بولسونارو نفسه التصرّف بحرية كاملة كزعيم للمعارضة، غير آبه بالقرار الذي جرّده من حقوقه السياسية. «لولا»، على الضفة المقابلة، من جهته يواصل الجنوح نحو المهادنة، ويتحاشى المواجهة الصدامية مع المؤسسة العسكرية، مكتفياً بما يعتبره ضرورياً لحفظ ماء الوجه، رغم ما لهذا السلوك من تأثير سلبي على شعبيته. ولكن، في حين يحاول «لولا» الحفاظ على «شعرة معاوية» مع القوات المسلحة بانتظار إقفال الملف الانقلابي وتثبيت الحكم الصادر على بولسونارو، فإنه تعرّض لانتكاسة مريرة في مجلسي الشيوخ والنواب مطلع هذا الأسبوع. إذ قرّر المجلسان إلغاء المرسوم الرئاسي الذي كان أصدره لزيادة الضريبة على الصفقات المالية، وكان يعوّل عليه لتمويل البرامج الاجتماعية التي يأمل استعاد شعبيته من خلالها. واللافت في قرار الإلغاء الذي اتخذه الكونغرس البرازيلي للمرة الأولى منذ عام 1992، أنه اتُخذ بدعم عدد من الأحزاب المشاركة في حكومة «لولا»؛ ما ينذر بمزيد من الصعاب في المجلسين اللذين تملك المعارضة الغالبية فيهما. وحقاً، سارع وزير المال فرناندو حداد للأعراب عن دهشته لما حصل، مؤكداً أن رئيسي مجلسي الشيوخ والنواب كانا أعربا له منذ أسابيع عن اتجاه المجلسين للموافقة على المرسوم الذي وصفاه بأنه ضروري في هذه المرحلة. وزاد في دهشة حداد التصريح الذي صدر عن رئيس مجلس النواب، والذي قال فيه إن المرسوم «أُلغي بغالبية برلمانية ساحقة، والبلاد ما عادت تتحمّل المزيد من الضرائب». «لولا»، من جهته، ما زال يلزم الصمت التام حيال هذه الانتكاسة البرلمانية المهينة، التي تنذر بمتاعب كبيرة طيلة ما تبقّى من ولايته. وفي هذا السياق، يقول مقرّبون من الرئيس اليساري إنه «منذ فترة... بدأ يتخلّى عن حلمه الأكبر» الذي كان يردد أنه الحافز الرئيس الذي دفعه للعودة إلى السياسة، وهو أن يقود مشروع قيام «قطب عالمي» جديد في الجنوب يتشكّل مقابل الزعامة الغربية، بفرعيها الأميركي والأوروبي، يكون للبرازيل فيه الدور الأبرز.


مقالات ذات صلة

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

حصاد الأسبوع باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسمياً، والتي

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك،

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي

حصاد الأسبوع كيريكو (آ ف ب)

بنين... الديمقراطية «المستقرة نسبياً» في أفريقيا

تُعدّ بنين، التي كانت تُعرف سابقاً باسم داهومي، والتي يقارب عدد سكانها 14 مليون نسمة، واحدة من أكثر الدول استقراراً نسبياً في أفريقيا. وسياسياً، عاصمة بنين

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
حصاد الأسبوع صورة جامعة للقادة المشاركين في «القمة» (رويترز)

«القوى التقدمية» في الغرب تسعى لاستعادة الثقة بالنفس

عندما بزغ فجر القرن الحادي والعشرين، كانت كوكبة من القيادات «التقدمية» - الاشتراكية أو من اليسار المعتدل - تتربع على قمم السلطات التنفيذية في أوروبا، من بينها:

شوقي الريّس ( مدريد)

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
TT

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)

لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسمياً، والتي لطالما أثارت شكوكاً أميركية بسبب تاريخها النووي وعلاقاتها المعقدة مع الجماعات المسلحة، كانت حتى الأمس القريب تبدو أقرب إلى هامش النظام الإقليمي الجديد منها إلى مركزه. إلا أن الحرب على إيران، وطبيعة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشخصية والصفقية، والحاجة الأميركية إلى وسيط يجمع بين القدرة على مخاطبة طهران وعدم القطيعة مع واشنطن، كلها عوامل أعادت إسلام آباد إلى الواجهة دفعة واحدة.

عودة باكستان إلى الساحة الإقليمية الشرق أوسطية لا يجوز فهمها فقط من زاوية الوساطة الحالية، بل يجب قراءتها بوصفها نتيجة مسار أطول يتضمن:

1- إعادة تأهيل تدريجية للعلاقة الأميركية - الباكستانية بعد سنوات من التراجع لمصلحة الصين.

2- استثمار باكستان لعناصر قوتها الخاصة، من موقعها الجغرافي إلى وزنها العسكري والنووي، مروراً بعلاقاتها مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج.

3- الأهم أن هذه العودة تطرح سؤالاً أكبر هو: هل تتحوّل باكستان من مجرد «وسيط ظرفي» إلى أحد اللاعبين الذين يسهمون في إعادة صياغة توازن القوة الإقليمي، في لحظة تتعرض فيها إيران إلى ضغط غير مسبوق، وتعيد فيها القوى الكبرى والإقليمية ترتيب مواقعها؟

مخاطبة ترمب بلغته

في ولايته الأولى، لم يُخفِ ترمب ضيقه من باكستان. اتهمها يومها بأنها لم تُقدم لواشنطن سوى «الأكاذيب والخداع»، في تعبير لخّص مرحلة من الفتور العميق بين البلدين. وحقاً، كانت واشنطن ترى أن باكستان تستفيد من المساعدات الأمنية والمالية الأميركية، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بهوامش واسعة في أفغانستان، وتُبقي علاقاتها بالصين أولوية استراتيجية. غير أن ما تبدل لاحقاً لم يكن فقط سلوك إسلام آباد، بل أيضاً إدراكها العميق لطبيعة ترمب نفسه.

وفق تقرير لصحيفة «واشنطن بوست»، أدركت النخبة الباكستانية مبكراً أن ترمب لا يتجاوب مع الخطاب التقليدي القائم على التحالفات الطويلة أو اللغة الدبلوماسية المجردة، بل مع ما يُمكن تسويقه إليه بوصفه إنجازاً مباشراً وملموساً. لذلك صاغت إسلام آباد عرضها بلغة «صفقة»، أي: التعاون في مكافحة الإرهاب، والانفتاح على «صفقات» المعادن الحيوية، والإشارة إلى «شراكات» في مجال العملات الرقمية عبر اتفاقات مرتبطة بجهات على صلة بعائلة ترمب.

هذا هو ما عبّر عنه المسؤول الباكستاني السابق مشاهد حسين سيد، حين قال إن بلاده قدّمت لترمب «الثلاثية»: العملة المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب.

هنا يكمن التحوّل الأساسي، إذ إن باكستان لم تُحاول إقناع واشنطن بأنها تغيّرت جذرياً، بل حاولت إقناع ترمب بأنها مفيدة له شخصياً وسياسياً. ولقد عزّزت هذا المسار بخطوات رمزية وسياسية مدروسة، منها الإشادة المتكررة بدوره في وقف النار مع الهند، وترشيحه لجائزة نوبل للسلام، والانضمام إلى مبادرات ذات طابع احتفائي مرتبطة بخطابه الدولي. وبحلول الخريف، كان ترمب قد انتقل إلى وصف قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير بأنه «المشير المفضّل» لديه.

هذه ليست مجرد مجاملة.

إنها تعني أن باكستان نجحت في تحويل العلاقة مع واشنطن من ملف مؤسساتي ثقيل وموروث من «الحرب على الإرهاب»، إلى قناة شخصية مباشرة مع رئيس أميركي يُعلي من قيمة الولاء والجدوى الفورية أكثر من أي اعتبارات أخرى.

باكستان «وسيط» رغم عدم اعترافها بإسرائيل

المفارقة الظاهرية أن الدولة التي لا تعترف بإسرائيل أصبحت اليوم منصة للتفاوض في حرب تكون إسرائيل أحد أطرافها الرئيسيين. بيد أن هذه المفارقة تتلاشى إذا نظرنا إلى الوساطة من منظور وظيفي لا آيديولوجي. فإسلام آباد لا تلعب دور الضامن لاتفاق شامل بين طهران وتل أبيب، بل دور الميسّر لقناة أميركية - إيرانية، على قاعدة أن مفتاح التأثير الحقيقي موجود في واشنطن. ومن هذه الزاوية، فإن إحجامها عن الاعتراف بإسرائيل قد لا يكون عائقاً، بل ربما هو عنصر طمأنة إضافي للإيرانيين.

وفق الـ«واشنطن بوست» تمتلك باكستان ثلاثة عناصر تمنحها أهلية خاصة لهذا الدور: أولها، مستوى من الثقة النسبية مع إيران، بحكم الجوار البري الطويل، والحاجة المتبادلة إلى ضبط الحدود ومنع تحول المناطق المشتركة إلى بؤر فوضى دائمة. وثانيها، قدرتها على مخاطبة واشنطن من داخل علاقة أُعيد ترميمها مع دونالد ترمب شخصياً. وثالثها، ثقلها النووي والعسكري، الذي يمنحها مكانة تختلف عن مكانة الوسطاء التقليديين الأقل وزنًا.

ويُشير ذلك بوضوح إلى أن هذا الثقل النووي يضيف إلى «هيبة» باكستان في نظر مختلف الأطراف.

لكن الأهم من ذلك أن سلطة إسلام آباد ليست وسيطاً محايداً بالكامل، بل وسيط مصلحي. ذلك أنها معنية بمنع انهيار إيراني شامل أو تفكّك داخلي على حدودها الغربية، كما أنها معنية في الوقت نفسه بمنع طهران من ترجمة أزمتها إلى ضغط أمني أو مذهبي داخل الساحة الباكستانية. وبالفعل، أظهرت التطورات الأخيرة مدى هشاشة الداخل الباكستاني أمام ارتدادات الحرب، مع وقوع اضطرابات وأعمال عنف بعد مقتل المرشد الإيراني، ومحاولة اقتحام القنصلية الأميركية في كراتشي.

من هنا، لا تبدو الوساطة الباكستانية «عملاً خيرياً» أو مجرد إنجاز دعائي. إنها أيضاً محاولة دفاع متقدّم عن الأمن الوطني الباكستاني، فالدولة النووية الكبرى المجاورة لإيران لا تستطيع تحمل «سيناريو» الفوضى الطويلة الأمد، ولا «سيناريو» سيطرة مطلقة لـ«الحرس الثوري» على بلد مأزوم ومتفكّك، ولا كذلك «سيناريو» تدخّلات إقليمية متشابكة قد تفتح الخرائط على احتمالات يصعب ضبطها.

باكستان نجحت

في تحويل العلاقة

مع واشنطن من ملف ثقيل عن «الحرب

على الإرهاب» إلى قناة شخصية مباشرة

مع رئيس أميركي

السعودية بوابة العودة

من جهة ثانية، لم تعد العلاقة الباكستانية - الأميركية تُفهم بعيداً عن الدور السعودي. فخلال سنوات التراجع الأميركي النسبي في التعاطي مع باكستان، ومع تنامي الحضور الصيني الاقتصادي والاستراتيجي في البلاد، بقيت المملكة العربية السعودية ومعها دول خليجية صماماً مالياً وسياسياً أساسياً لإسلام آباد. ولقد اضطرت باكستان أخيراً للاعتماد على حزم إنقاذ وقروض من السعودية والإمارات، في ظل أزماتها النقدية وغلاء المعيشة، بعدما كانت تلجأ أيضاً إلى صندوق النقد الدولي.

ثم إن هذا البُعد المالي لا ينفصل عن البُعد الاستراتيجي، فالرياض كانت تاريخياً الجسر الذي يسمح لباكستان بالحفاظ على صلة وثيقة بالمنظومة الأمنية العربية الحليفة لواشنطن، حتى حين كانت العلاقات الباكستانية - الأميركية تمر بمراحل فتور. واليوم، مع توقيع «معاهدة الدفاع الاستراتيجية» بين الرياض وإسلام آباد، ومع ترجمة ذلك -ولو رمزياً- عبر إرسال طائرات حربية وقوات باكستانية إلى السعودية في رسالة ردع إلى طهران، باتت باكستان أقرب إلى موقع «الشريك الأمني المرِن» الذي يمكن توظيفه في التوازن الخليجي - الإيراني من دون وضعه في الواجهة الأولى للمواجهة.

هذا الدور المزدوج للسعودية مهم «ذهاباً وإياباً»، فهي من جهة تمنح باكستان دعماً مالياً وسياسياً يُخفف هشاشتها الداخلية، ومن جهة أخرى تفتح لها باب العودة إلى واشنطن عبر إبرازها بوصفها عنصر استقرار داخل المنظومة الإقليمية التي تريد الولايات المتحدة إعادة ضبطها. بهذا المعنى، فإن التقارب الباكستاني - الأميركي ليس بديلاً عن الصين بقدر ما هو عملية تنويع اضطرارية للمحاور، تقودها حاجة باكستان إلى تجنّب الارتهان الكامل لبكين، وحاجة واشنطن إلى شريك يملك مفاتيح في أفغانستان وإيران والخليج معاً.

والواقع أن هذه البراغماتية هي ما يُفسّر قدرة باكستان على الجمع بين خطوط تبدو متناقضة:

- شراكة وثيقة مع الصين.

- علاقة أمنية متقدمة مع السعودية.

- قناة مفتوحة مع واشنطن.

- لا جسور مقطوعة مع إيران.

إنها -أي باكستان- تُحاول أن تكون «دولة تقاطع» لا «دولة محور»، مستفيدة من موقعها الجغرافي، ومن لحظة سيولة إقليمية غير مسبوقة.

الرئيس الباكستاني شهباز شريف مع نائب الرئيس الأميركي فانس (آ ب)

توازن القوة الإقليمي

بالتوازي مع ما سبق، في حين لا تبدو باكستان مرشحة لأن تحل محل القوى الإقليمية التقليدية، فإنها باتت مرشحة جدّية لأن تصبح رقماً أصعب في معادلة التوازن. إذ إن السعودية تبقى «لاعب الثقل المالي والنفطي» العربي، وتركيا تملك أدوات نفوذ عسكرية وسياسية أكثر تمدداً في المشرق وشرق المتوسط، ومصر تحتفظ بثقل الدولة المركزية العربية، وإن كان دورها الإقليمي أكثر حذراً، في حين تبقى إسرائيل القوة العسكرية الأكثر تفوقاً تكنولوجياً والأكثر التصاقاً بالقرار الأميركي في هذه الحرب.

مع هذا، باكستان تضيف الآن شيئاً عناصر لا تتوفر مجتمِعةً لدى اللاعبين المذكورين، أبرزها: أنها دولة إسلامية نووية، وذات جيش كبير، وحدود مباشرة مع إيران، وذات قابلية للتحاور مع واشنطن وطهران والخليج في آنٍ معاً. وبهذا، المعنى، قد يتحوَّل دور إسلام آباد إلى أحد ثلاثة أشكال.

الأول: وسيط أمني - سياسي يسهّل التهدئة؛ حيث تعجز القنوات المباشرة، خصوصاً في الملفات التي تمس إيران والخليج.

الثاني: شريك ردع رمزي إلى جانب السعودية، يرسل إشارات أكثر مما يخوض مواجهات مباشرة.

والثالث: عنصر توازن يمنع أن تتحوّل أي تسوية إقليمية جديدة إلى ترتيب يستثني القوى الإسلامية غير العربية الكبرى.

إلا أن هذا الطموح يصطدم بقيود واضحة. وتقول الـ«واشنطن بوست» إن معظم الباكستانيين لن يلمسوا من هذه الوساطات شيئاً ما لم تنجح الدولة في معالجة أزماتها الاقتصادية البنيوية. كما ينبه مسؤولون وخبراء سابقون إلى أن بعض الصفقات المعلنة مع واشنطن قد يكون أقرب إلى الضجيج السياسي منه إلى التحوّل الاقتصادي الحقيقي. وفضلاً عن ذلك، فإن خصوم القيادة الباكستانية الحالية يرون في انخراطها الخارجي محاولة لصرف الأنظار عن الصراعات الداخلية، وتعزيز شرعية المؤسسة العسكرية.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إسلام آباد نجحت في كسب ود ترمب؛ هي فعلت ذلك بالفعل إلى حد بعيد، بل السؤال هو ما إذا كانت قادرة على تحويل هذا الود إلى نفوذ مستدام، لا إلى لقطة دبلوماسية عابرة.

نجاحها في ذلك سيتوقف على ثلاثة شروط: أولاً، أن تُحافظ على خط توازن دقيق مع إيران يمنع التدهور الحدودي والفوضى. وثانياً، أن تترجم تقاربها مع واشنطن إلى مكاسب اقتصادية ومؤسساتية فعلية لا صفقات دعائية. وثالثاً، أن تدير شراكتها مع الرياض بطريقة تُعزز موقعها الإقليمي من دون أن تزجّ بها في مواجهة مباشرة مفتوحة مع طهران.

وهكذا، في المحصلة، عادت باكستان إلى أميركا؛ لأنها فهمت كيف تُخاطب ترمب، ولأن الحرب على إيران رفعت قيمة موقعها الجغرافي والسياسي في لحظة حرجة. لكنها عادت أيضاً لأن الإقليم نفسه بات يبحث عن قوى وسيطة تملك القدرة على وصل الخطوط المتباعدة.وإذا كانت السنوات الماضية قد كرّست صورة باكستان بوصفها دولة تتأرجح بين الأزمات، فإن الأشهر الأخيرة توحي بأنها تحاول إعادة تقديم نفسها بوصفها دولة مفصلية في إعادة تركيب توازنات المنطقة. غير أن هذه العودة، مهما بدت لافتة، ستظل ناقصة ما لم تنجح إسلام آباد في تحويل الدور الخارجي إلى استقرار داخلي، وفي إثبات أن الوساطة ليست فقط طريقاً إلى رضا ترمب، بل أيضاً إلى مكانة إقليمية يصعب تجاوزها.


أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
TT

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك، الجنرال عاصم منير، قائد الجيش، بوصفه الرجل الأقوى في باكستان وصاحب التأثير الأكبر في ملفات الأمن والسياسة الخارجية.

وأهمية منير لا تعود فقط إلى موقعه الداخلي، بل إلى نجاحه في بناء قناة مباشرة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى حد أن الأخير عدّه «المشير المفضل» لديه بحلول أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في إشارة رمزية إلى حجم التحول في العلاقة.

إلى جانب منير، لعب رئيس الوزراء شهباز شريف دور الواجهة السياسية لهذا التقارب. فالحكومة الباكستانية كثفت الإشادة العلنية بترمب، وشكرته مراراً على تدخله لوقف إطلاق النار مع الهند، كما رشحته إسلام آباد لجائزة نوبل للسلام، في خطوات هدفت إلى مخاطبة ترمب بلغته السياسية القائمة على التقدير الشخصي والرمزية الإعلامية.

مشاهد حسين سيد(فايسبوك)

كذلك برز مشاهد حسين سيد، الرئيس السابق للجنة الدفاع في مجلس الشيوخ الباكستاني، بوصفه من أبرز من شرحوا فلسفة هذا التحول. إذ قال إن باكستان «قرأت ترمب جيداً»، وقدمت له ما سماها «الثلاثية»: العملات المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب. وتكشف هذه العبارة عن أن إسلام آباد تعمّدت إعادة «تسويق» نفسها في واشنطن من زاوية «المنفعة المباشرة»، لا من زاوية التحالفات التقليدية فقط.

وبالطبع، لا يقل أهمية عن هؤلاء فريق الدولة الاقتصادي والدبلوماسي، الذي أسهم في ترجمة الانفتاح إلى صفقات وممرّات تواصل، من اتفاق المعادن الحيوية إلى الترتيبات المالية والسياسية التي حسّنت صورة باكستان داخل إدارة ترمب. وعليه، يمكن القول إن عاصم منير كان «مهندس» القناة الاستراتيجية، وشهباز شريف واجهتها السياسية، فيما وفّر مشاهد حسين سيد الإطار التفسيري لهذا التحوّل.


روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
TT

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي رئاسة جمهورية بنين، الواقعة في غرب أفريقيا. واداني يخلف الرئيس المنتهية ولايته باتريك تالون، الذي لا يحق له الترشح مجدداً بعدما أمضى ولايتين رئاسيتين مدة كل منهما 5 سنوات. وللعلم، حصل الرئيس الجديد، الذي يلقب بين أقرانه اختصاراً لاسمه بـ«رو»، على أكثر من 94 في المائة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية التي أجريت يوم 12 أبريل (نيسان) الحالي، متفوقاً على منافسه المعارض بول هونكبي، في انتخابات بلغت نسبة المشاركة فيها 58.78 في المائة.

روموالد واداني، الذي كان يوصف بأنه «الخليفة المختار» للرئيس باتريك تالون، أعلن في أول تصريحاته عقب فوزه برئاسة بنين اعتزامه البناء على ما وصفه بـ«الأسس الصلبة» التي أرساها سلفه، وأنه سيكرس مساراً سياسياً يقوم على الاستمرارية أكثر من التغيير، مع تأكيد حرصه على «التماسك الوطني»، الذي مثّله حجم فوزه في الانتخابات.

الفوز كان متوقعاً

الفوز في حد ذاته لم يكن مفاجئاً، لا سيما أن واداني (49 سنة)، يمثل نموذج «التكنوقراطي الصاعد» في أفريقيا؛ إذ جاء إلى الحكم من بوابة الإدارة المالية لا السياسة التقليدية. وطوال عقد كامل شغل خلاله منصب وزير الاقتصاد والمالية، منذ عام 2016، ارتبط اسم واداني بتغييرات هيكلية أعادت ضبط المالية العامة، وخفّضت عجز الموازنة إلى نحو 3 في المائة من الناتج المحلي، في حين حقق الاقتصاد معدلات نمو تجاوزت 6 في المائة سنوياً في المتوسط. وهذه النتائج هي ما بنى عليه الرجل برنامجه الانتخابي للوصول إلى سدة الحكم، بعدما اكتسب ثقة المستثمرين مرسّخاً اسمه كمهندس «الاستقرار المالي» في واحد من أسرع اقتصادات غرب أفريقيا نمواً.

يوصف روموالد وادني بأنه «هادئ الطباع»، لا سيما مع قلة ظهوره الإعلامي، بيد أنه وفق محللين سياسيين كان «العقل المدبر» خلف التغييرات الاقتصادية في بنين طوال العقد الماضي؛ ما جعله يتصدّر المشهد كخليفة لتالون. وبالفعل، تحوّل «البيروقراطي» الذي لطالما عمل خلف الكواليس شخصاً جماهيرياً يجوب البلاد ويخطب في تجمّعات جماهيرية، متخلياً عن ربطة العنق والخطاب المكتوب، في محاولة للتقرّب من الشارع وكسر صورة «التكنوقراطي الاقتصادي الصارم».

نقلت وكالة «أ.ف.ب» الفرنسية، من جهتها، عن أحد حلفائه قوله إن الحملة «أظهرت وجه واداني الحقيقي كشخص قريب من الناس»، في تحوّل لافت لرجل ظل لسنوات يعمل بعيداً عن الأضواء. أما عن السباق الرئاسي نفسه، فقد خاضه واداني مدعوماً من أحزاب الائتلاف الحاكم. وأقرّ منافسه الوحيد، بول هونكبي، بالهزيمة قبل إعلان النتائج رسمياً، وهو ما اعتبره واداني بعد الفوز «مؤشراً على النضج الديمقراطي».

نشأة اقتصادية

وُلد روموالد واداني يوم 20 يونيو (حزيران) 1976 في مدينة لوكوسا بجنوب غربي بنين، قرب الحدود مع توغو، لأسرة متعلّمة ذات خلفية اقتصادية. ونشأ بين صرامة والده مهندس الإحصاء وأستاذ الرياضيات وروح المبادرة عند والدته رائدة الأعمال، وانعكس هذا الواقع فيما بعد على مسيرته التعليمية والمهنية.

إذ اتجه الشاب الطموح لدراسة الإدارة والمحاسبة والتمويل في «المدرسة العليا لإدارة الأعمال» بمدينة غرونوبل الفرنسية قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة للدراسة في معهد إدارة الأعمال بجامعة هارفارد الأميركية العريقة. ولكن، مع أن تكوين واداني العملي والعملي الأساسي كان خارج البلاد، فإنه دائماً ما أبدى حرصه على تأكيد ارتباطه بجذوره، عبر إشارات متكرّرة إلى امتلاكه مزرعة في بنين.

مهنياً، يتمتع واداني بصفة محاسب قانوني معتمد في كل من فرنسا والولايات المتحدة، كما أنه حصل على درجة الماجستير في التمويل، وتلقى تدريباً متخصصاً في مجالات الاستثمار المباشر ومخاطر رأس المال. وقبل دخوله العمل الحكومي، راكم «رو» خبرة دولية عملية داخل شركة «ديلويت» المحاسبية العالمية الشهيرة، حيث بدأ مسيرته المهنية في فرنسا عام 1998، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة عام 2003. وخلال هذه الفترة، طوّر واداني خبرات في مجالات عدة، وقدّم خدمات استشارية لقطاعات متنوعة من بينها: التعدين، والتكنولوجيا والإعلام والاتصالات، والقطاع المالي، والقطاع العام، والتجزئة، فضلاً عن تعاونه مع حكومات وجهات مانحة دولية.

ثم في عام 2012، عندما كان لا يزال في سن الـ36، رُقّي واداني إلى منصب شريك ومدير إداري في «ديلويت»، وبعد ذلك بثلاث سنوات، كُلّف إنشاء مكتب جديد للشركة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، كما تولى مسؤولية إدارة التدقيق والممارسة المهنية لأنشطة «ديلويت» في دول أفريقيا الناطقة بالفرنسية.

وزيراً للاقتصاد والمالية

تجربة واداني المهنية الدولية دفعت لتعيينه في منصب وزير دولة للاقتصاد والمالية يوم 7 أبريل (نيسان) 2016 ضمن أول حكومة للرئيس باتريك تالون، وفيها كُلّف تنفيذ برنامج تغييري طموح، قبل أن يُعاد تعيينه في مايو (أيار) 2021، ويواصل لعب دور محوَري في رسم السياسات الاقتصادية لبنين.

بعد ذلك، تولى واداني حقيبة الاقتصاد عندما كانت بنين تشكو فيه ارتفاع عجز الموازنة، وسوء إدارة الدين العام، وتراجع ثقة المستثمرين. وبالفعل، قاد سياسة تغييرية تقوم على محورَين رئيسين: الأول يتمثل في إدارة مالية عامة تتّسم بالشفافية لتحقيق «انضباط» الميزانية وتعبئة التمويل الدولي وتعزيز ثقة المانحين الدوليين من القطاعين العام والخاص. والآخر يركّز على تحسين مناخ الأعمال وتعزيز قدرة القطاع الخاص على مواجهة الصدمات الخارجية.

بفضل هذه السياسة، سجلت بنين نمواً بنسبة 8 في المائة عام 2025، وهو مستوى غير مسبوق لمدة ثلاثة عقود، وفق ما ذكره موقع الحملة الانتخابية لواداني. وحسب الموقع أيضاً، سُجّل رفع نصيب الفرد من الدخل بنسبة 50 في المائة خلال أقل من عشر سنوات، وتحديث أكثر من 14 ألف كيلومتر من الطرق، وبناء مستشفيات ومدارس جديدة، بالإضافة إلى برنامج المقصف المدرسي الذي يسمح لنحو 1.3 مليون طفل بالاستفادة من وجبة ساخنة يومياً.

أيضاً، تمكّن واداني من إجراء تغييرات على المالية العامة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 في المائة من الناتج المحلي، كما أطلق خلال ولايته مشاريع بنية تحتية كبرى حققت نمواً اقتصادياً واستقراراً، عزّزا ثقة المستثمرين الدوليين، ورسّخا صورة بنين كنموذج إصلاحي صاعد في المنطقة.

وعلى الصعيد الإقليمي، لعب واداني دوراً بارزاً في غرب أفريقيا، حيث ترأس المجلس القانوني لوزراء مالية «الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا»، وقاد مفاوضات مع فرنسا تُوجت بتوقيع اتفاق في ديسمبر (كانون الأول) 2019 لإنهاء العمل بعملة الفرنك الأفريقي (CFA) في المنطقة، في خطوة اعتُبرت تحولاً مهماً في مسار السيادة النقدية لدول الإقليم.

القائد الشاب... والمرشح الرئاسي

خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 أعلن روموالد واداني اعتزامه الترشح للرئاسة رغبةً منه في إكمال مسار التغيير، وتحقيق مزيد من التقدّم. وتعهد أيضاً بتوفير فرص عمل والقضاء على الفقر لتصل ثمار التغيير إلى كل بيت في بنين رافعاً شعار «نبني معاً بنين أحلامنا».

واليوم، وفق صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية، يعكس فوز واداني بالرئاسة «توجّهاً نحو تجديد الطبقة السياسية الحاكمة وتطوّراً للعقلية السياسية» في بنين «باختيار جيل من الحكّام أقرب للواقع». وهو بذا، ينضم إلى مجموعة محدودة من الرؤساء الشباب في قارة أفريقيا.

ثم إنه ممّا يزيد أهمية الحدث كون واداني وصل إلى قمة السلطة عبر انتخابات، اعتبر مراقبون دوليون أنها «أجريت بشكل سلمي ومنظم»، وأن ما سُجّل من ملاحظات محدودة لا يمسّ صدقية النتائج، وإن غابت عنها التعدّدية الفعلية.

التحديات الأمنية

من جهة ثانية، لانتخابات الرئاسة في بنين أهمية إضافية؛ كونها نُظّمت وسط تحديات أمنية كادت تهدّد إجراءها من الأساس. ففي ديسمبر الماضي، سيطر عدد من أفراد الجيش على محطة التلفزيون الرئيسة، وهاجموا قصر الرئاسة في محاولة انقلاب فاشلة احتجاجاً على تدهور الوضع الأمني في شمال البلاد وتصاعد تهديد الإرهاب. وبالتالي، جاءت الانتخابات بعد تعرّض بنين لإحدى أكثر سنواتها عنفاً على الإطلاق في 2025، وسلّطت المحاولة الانقلابية الضوء على هشاشة الأوضاع السياسية في دولة تعدّ واحدة من الديمقراطيات الأفريقية المستقرة نسبياً. وفي أي حال، نجحت الانتخابات الرئاسية الأخيرة في تحقيق خامس انتقال سلمي للسلطة منذ استقلال بنين عام 1960. كما أنه بالنسبة لمؤيدي واداني يمثل صعوده «بروز جيل جديد من القادة، أقل اهتماماً بالشعارات وأكثر تركيزاً على النتائج» حسب الـ«نيويورك تايمز»، لكن معارضيه يرون فيه «استمراراً لنظام سياسي يضيق فيه هامش التعدّدية».

إرث مثقل بالتحديات

في الواقع، يمكن القول إن روموالد واداني يتولّى محمّلاً بإرث مثقل بالتحدّيات السياسية والأمنية والاتهامات بتقييد المعارضة، ومسار اقتصادي تغييري حقّق قدراً من النمو والازدهار؛ ما يضعه أمام معادلة صعبة لاستكمال مسار التغيير الاقتصادي ومواجهة التحدّيات الأمنية مع الحفاظ على استقرار البلاد سياسياً.

ويُعدّ الفقر أحد أخطر التحديات التي تواجه واداني، لا سيما مع تجاوز نسبته أكثر من 30 في المائة من السكان. ويضاف إلى ذلك تصاعد الهجمات «الإرهابية» في الشمال؛ ما يفرض ضغوطاً على الجيش والسلطة، وانتقادات المعارضة لغياب التعددية و«الانفتاح السياسي الحقيقي».

وبينما يرى مراقبون أن الرئيس الجديد سيواصل النهج الاقتصادي الذي قاده خلال فترة سلفه تالون، فهم يؤكدون أن قياس نجاحه سيظل رهناً بقدرته على تحقيق تنمية أكثر شمولاً من جهة واحتواء التهديدات الأمنية وإعادة التوازن للحياة السياسية من جهة أخرى.وهكذا، بين الاستمرارية وضغوط الانفتاح والتغيير الديمقراطي، يدخل واداني عازماً على تحقيق مستقبل أفضل لشعب بنين. ويرى مراقبون أن سنواته الأولى في الحكم ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان سيُرسّخ نموذجاً ناجحاً للحكم الرشيد، أم سيواجه أزمات تعيد طرح الأسئلة القديمة حول الديمقراطية والتنمية في غرب أفريقيا.