الاعتراف الفرنسي بفلسطين... بين الوعود والتراجع

هل تستطيع باريس تحويل إرادتها السياسية إلى خطوات عملية؟

تظاهرة مؤيدة لفلسطين في باريس (رويترز)
تظاهرة مؤيدة لفلسطين في باريس (رويترز)
TT

الاعتراف الفرنسي بفلسطين... بين الوعود والتراجع

تظاهرة مؤيدة لفلسطين في باريس (رويترز)
تظاهرة مؤيدة لفلسطين في باريس (رويترز)

في خضم التطورات المتسارعة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، وبينما تتصاعد الأصوات المطالبة بالاعتراف الدولي بدولة فلسطين، تقف فرنسا عند مفترق طرق دبلوماسي حساس. فمن جهة، تحمل باريس تاريخاً طويلاً من العلاقات مع الشعب الفلسطيني والاعتراف بحقوقه المشروعة، ومن جهة أخرى، تواجه عراقيل سياسية وقانونية ودبلوماسية تجعل من خطوة الاعتراف الرسمي بدولة فلسطين أمراً بالغ التعقيد. وهذا الواقع يظهر جلياً من خلال المسار التصاعدي الذي اتخذه قرار الاعتراف، بدءاً بالإعلان عن النيّات إلى غاية ربط القرار بشروط سياسية وأمنية، وهو ما يطرح تساؤلات جوهرية حول قدرة فرنسا على تحويل مواقفها النظرية إلى خطوات عملية، وحول الثمن السياسي والدبلوماسي لمثل هذا القرار في ظل التوازنات الدولية الراهنة.

ماكرون (رويترز)

أثارت تصريحات الرئيس إيمانويل ماكرون بوجود مشروع للاعتراف بالدولة الفلسطينية آمالاً كثيرة. وكان الرئيس الفرنسي أعلن عقب زيارته لمصر في أبريل (نيسان) 2025 أن على فرنسا المضي قدماً نحو الاعتراف واعتبار هذا القرار جزءاً من الحّل السياسي للنزاع الفلسطيني الإسرائيلي. وبعد هذه التصريحات سارعت فرنسا إلى تعزيز حوارها مع الدول العربية، خصوصاً المملكة العربية السعودية، واتُّفق على عقد مؤتمر دولي يوم 17 يونيو (حزيران) تحت رعاية الأمم المتحدة في نيويورك. بيد أنه أجِّل عقب التصعيد الإسرائيلي الإيراني. والحال، أنه بالرغم من تعذّر ترجمة الاتفاق حتى الآن إلى خطوات عملية ملموسة - بغياب الاعتراف الرسمي - فتاريخ العلاقات الثنائية يؤكد، بالفعل، أن فرنسا منحت فلسطين منذ عقود مكانة دبلوماسية ضمنية.

في عام 1974، كان وزير الخارجية الفرنسي جان سوفانيارغ أول وزير غربي يلتقي ياسر عرفات، الرئيس الراحل لمنظمة التحرير الفلسطينية في بيروت، في خطوة رمزية أظهرت رغبة فرنسا لعب دور الوسيط أو الراعي للقضية الفلسطينية.

وعام 1975 سمحت فرنسا لمنظمة التحرير الفلسطينية بفتح «مكتب للإعلام والاتصال» في باريس، رقّي إلى «الوفد العام لفلسطين» عام 1989، ثم إلى «بعثة فلسطين» عام 2010 برئاسة سفير فلسطين لدى فرنسا.

ثم إن فرنسا كانت من أوائل الدول الغربية التي دعت إلى ضرورة الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني في الأمم المتحدة، وذلك في أوائل السبعينات، وفي 1982 تكلّم الرئيس الفرنسي (يومذاك) فرنسوا ميتران أمام الكنيست الإسرائيلي عن ضرورة قيام دولة فلسطينية في خطاب تاريخي أثار جدلاً واسعاً داخل إسرائيل وخارجها.

وفي العام نفسه نشطت فرنسا في عمليات الإجلاء البحري لقوات منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت عام 1982، ما يؤكد على دورها كفاعل إنساني وسياسي في المنطقة. وأيضاً واصلت دعمها للقضية الفلسطينية بوضوح، مصوّتة في السنوات الأخيرة لصالح منح فلسطين صفة «دولة مراقب غير عضو» في الأمم المتحدة عام 2012، ولصالح رفع العلم الفلسطيني في مقر الأمم المتحدة عام 2015.

كل هذه الخطوات تثبت أن فرنسا، وإن لم تعترف رسمياً بدولة فلسطين حتى الآن، تعاملت معها باعتبارها كياناً سياسياً ذا سيادة ضمنية، وقدّمت دعماً دبلوماسياً وسياسياً واضحاً.

تعقيدات الاعتراف الرسمي

رغم كل هذه الإشارات الإيجابية، تثير مسألة الاعتراف الرسمي بدولة فلسطين تساؤلات جوهرية في القانون الدولي حول وظائف الاعتراف ومعاييره. فوفقاً لـ«اتفاقية مونتيفيديو» لعام 1933، يتطلّب تعريف «الدولة» وجود شعب دائم، وإقليم محدد، وحكومة، والقدرة على تأسيس علاقات مع الدول الأخرى. وبينما يتوافر للفلسطينيين الشعب والحكومة، تبقى مسألة السيطرة الفعلية على الإقليم محل جدل. وفرنسا، مثل باقي دول الاتحاد الأوروبي، تدعم «حل الدولتين» على أساس «حدود 1967»، وهي ترى أن القدس يجب أن تكون عاصمة لكل من إسرائيل وفلسطين. لكن الواقع على الأرض يختلف كثيراً عن هذا الطرح، إذ تواصل إسرائيل توسيع مستوطناتها في الضفة الغربية، وتسيطر بشكل كامل على القدس الشرقية، بينما تنقسم السلطة الفلسطينية بين الضفة وغزة، وتخضع الأخيرة لسيطرة حركة «حماس».

من الناحية القانونية، تدعم فرنسا قرار مجلس الأمن رقم 242 الذي يدعو إلى انسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة، وتعدُّ أن الاستيطان الإسرائيلي غير قانوني. وهي أيضاً مع تطبيق القانون الدولي في حل النزاع، داعيةً إلى وقف الاستيطان وإقامة دولة فلسطينية ذات سيادة. لكن المشكلة تكمن في أن القانون الدولي - رغم وضوحه نظرياً - يصطدم بواقع سياسي معقد نتيجة رفض إسرائيل الانسحاب من الأراضي المحتلة، بينما مسألة الحدود أكثر تعقيداً.

فرنسا تدعم «حدود 1967» أساساً للدولة الفلسطينية، غير أن هذه الحدود ما عادت موجودة فعلياً بسبب التوسع الاستيطاني الإسرائيلي. كذلك يطرح قطاع غزة إشكالية إضافية في أي تسوية مستقبلية. فهل يمكن الاعتراف بدولة فلسطينية من دون سيطرة فعلية على أراضيها؟ وهل تستطيع الدولة الفلسطينية ممارسة سيادتها من دون حل مشكلة غزة؟ أيضاً ثمة إشكالية حول «صيغة» هذا الاعتراف، مع أن نحو 150 دولة تعترف بفلسطين دولةً، ما يشكل غالبية واضحة في المجتمع الدولي، لكن هذا الاعتراف يتنوع في أشكاله ونطاقه. فبعض الدول تعترف بفلسطين «دولةً كاملة العضوية»، بينما تعدّوها دول أخرى «كياناً سياسياً في طور التكوين». وهذا التنوع يطرح تساؤلات حول الشكل الذي ستتخذه المبادرة الفرنسية المحتملة.

التحدّيات الأوروبية والدولية

هذا التحدّي لا تواجهه فرنسا بمعزل عن شركائها الأوروبيين، إذ تكشف دراسة المواقف الأوروبية بخصوص الاعتراف بفلسطين «فسيفساء» معقّدة من التوجهات المختلفة، بل المتضاربة.

الدول الإسكندنافية، مثلاً، اتخذت مواقف صريحة ومبكرة في الاعتراف بالدولة الفلسطينية «احتراماً للقوانين الدولية وحق الشعوب في تقرير مصيرها»، بدءاً بالسويد عام 2014 فالنرويج وآيسلندا.

في المقابل تقف مجموعة من الدول موقف الحياد المترّدد أو الرفض المبطّن، كألمانيا التي تتخذ موقفاً بالغ التعقيد والحساسية تجاه القضية الفلسطينية، تتقاطع فيه اعتبارات تاريخية عميقة تتعلق بالمحرقة النازية ومسؤولية ألمانيا الأخلاقية تجاه الشعب اليهودي، مع التزاماتها المعاصرة بالقانون الدولي وحقوق الإنسان. وأدّت هذه التعقيدات إلى تبنّي برلين موقفاً متوازناً ظاهرياً، لكنه واقعياً يميل نحو الموقف الإسرائيلي، كونها تربط الاعتراف بدولة فلسطين بالتوصل إلى «اتفاق سلام شامل بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي».

وتقدم بريطانيا، بدورها، نموذجاً آخر للتعقيدات الأوروبية على خلفية مسؤوليتها التاريخية عن نشأة الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، بدءاً من «إعلان بلفور» عام 1917 انتهاءً بالانتداب البريطاني على فلسطين. وطبعاً يتأثر الموقف البريطاني بالعلاقة الخاصة مع الولايات المتحدة، وقوة «اللوبي الإسرائيلي» فيها.

للعلم، مواقف إسبانيا وآيرلندا وإيطاليا شهدت تطوّراً ملحوظ في السنوات الأخيرة بتأثير من الضغط الشعبي المتنامي، والتغيرات التي حدثت في التركيبة السياسية لهذه البلدان، وترُجم بالاعتراف الرسمي من قبل إسبانيا وآيرلندا في مايو (أيار) 2024 وتعاطفهما المتزايد مع القضية الفلسطينية.

دول أوروبا الشرقية، خصوصاً بولندا والتشيك والمجر، تعكس نموذجاً مختلفاً في التعامل مع القضية الفلسطينية. فهذه الدول، التي كانت جزءاً من الكتلة الشرقية سابقاً، اعترفت بدولة فلسطين في إطار السياسة السوفياتية، لكن التحولات السياسية التي شهدتها بعد انهيار «جدار برلين» أدّت إلى تغيّر مواقفها الخارجية. واليوم، تعيش هذه الدول «تأرجحاً» بين الحفاظ على الاعتراف التاريخي بفلسطين والرغبة بتعزيز العلاقات مع إسرائيل والولايات المتحدة كجزء من الاندماج في الغرب. وأدى هذا التأرجح إلى مواقف متذبذبة وأحياناً متناقضة، تعكس الصراع بين الإرث السياسي والتوجّهات الجديدة.

أخيراً، اعتمدت هولندا والدنمارك نهجاً براغماتياً متميزاً في التعامل مع القضية الفلسطينية، إذ سعتا إلى التوازن بين دعم حقوق الشعب الفلسطيني والحفاظ على العلاقات الجيدة مع إسرائيل. وتجلّى هذا في الدعم المالي والإنساني الكبير الذي تقدمه الدولتان للشعب الفلسطيني، لكن من دون الاعتراف رسمياً بالدولة الفلسطينية. هذا الموقف يجسّد الفلسفة الشمال - أوروبية في التعامل مع النزاعات الدولية، معطيةً الأولوية للحلول العملية والدبلوماسية على المواقف الرمزية، والتركيز على تحسين الأوضاع الإنسانية والاقتصادية للشعوب المتضرّرة.

عودة إلى موقف فرنسا، يعدّ الموقف الأميركي الرافض للاعتراف بدولة فلسطين عاملاً مؤثراً في الحسابات الفرنسية. ومعلوم أن واشنطن تصرّ على أن يأتي الاعتراف بدولة فلسطين نتيجة «مفاوضات مباشرة» بين الطرفين لا إجراءً أحادي الجانب.

بارو (آ ف ب)

المجتمع المدني واليسار

في أي حال، تواجه فرنسا ضغوطاً داخلية متزايدة من الرأي العام والمجتمع المدني لتفعيل الاعتراف الرسمي بدولة فلسطين، ولقد نشرت صحيفة «لوموند» يوم 15 مايو 2025 عريضة، وقّع عليها سياسيون وحقوقيون وباحثون، إضافة إلى ممثلين عن تنظيمات نقابية كـ«سي جي تي» واسعة النفوذ في الأوساط العمالية و«منظمة أطباء بلا حدود» و«منظمة حقوق الإنسان»، تطالب بـ«الاعتراف العاجل بدولة فلسطين». وجاء في العريضة أن الاعتراف «لم يعد مجرد خيار دبلوماسي بين خيارات أخرى، بل بات ضرورة أخلاقية وسياسية واستراتيجية لا تحتمل التأجيل عن جدوى النداءات المتكررة لوقف إطلاق النار، بينما يزداد الوضع الإنساني سوءاً يوماً بعد يوم».

وحثّت الشخصيات الموقّعة على العريضة فرنسا على «التحلّي بالشجاعة السياسية» و«التحوّل من موقف المتفرج إلى فاعل رئيس في دعم السلام العادل والاستقرار في المنطقة». وشددت على أن الاعتراف واجب إنساني وسياسي يفرضه الواقع المرير الذي يعيشه الفلسطينيون.

الضغوط تجلّت أيضاً خلال «منتدى باريس للسلام» الذي استضاف يوم 13 يونيو 2025 مؤتمراً كبيراً للمجتمع المدني تحت شعار «نداء باريس من أجل حل الدولتين، السلام والأمن الإقليمي». وجمع المؤتمر مئات المشاركين للتأكيد على ضرورة وقف إطلاق النار الفوري والدائم، وإطلاق سراح كل المعتقلين، وتقديم مساعدات إنسانية غير مشروطة لأهالي غزة.

كذلك شّدد المؤتمر على أن الاعتراف بدولة فلسطين «يمثل ركيزة أساسية لتحقيق السلام العادل والدائم في المنطقة». الملاحظ هنا الدور الفعّال الذي تلعبه تنظيمات اليسار من أجل توجيه السياسة الخارجية نحو قرار الاعتراف بالدولة الفلسطينية، على رأسها «فرنسا الأبية» وزعيمها جان لوك ميلونشون، الذي سّجل ّمطلب الاعتراف في برنامجه الانتخابي، وكان حزبه السياسي وراء معظم الفعاليات الشعبية التي نظمت لمساندة الشعب الفلسطيني.

ضغوط العرب والمسلمين أمام ثقل الجماعات اليهودية

فرنسا تؤكد دائماً أنها لا تخضع لضغوط خارجية أو داخلية في موضوع فلسطين، وأنها تتخذ قراراتها بناءً على المصلحة الوطنية والدبلوماسية، لكن كل المعطيات تشير إلى أن رسم السياسة الخارجية بات يأخذ أيضاً في الحساب تطلعات الجالية العربية والمسلمة، وكذلك ثقل النفوذ الإسرائيلي. بالنسبة للعرب والمسلمين، ثمة عدة اعتبارات: أولها الثقل الديمغرافي، فحسب دراسة حديثة أجراها معهد «إيفوب» (IFOP)، يبلغ عدد المسلمين في فرنسا نحو 5 ملايين شخص، بينما تشير التقديرات الأخرى إلى أن هذا الرقم يتراوح بين 5.7 ملايين (تبعاً لمركز «بيو» للأبحاث) و10 ملايين وفقاً لبعض التقديرات الرسمية. وهذا يعني ما بين 6 إلى 10 في المائة من مجموع سكان فرنسا، مع توقع بأن تصل نسبتهم إلى 12 - 18 في المائة في السنوات العشر المقبلة. هذا الثقل يترجم في صناديق الاقتراع وفي الشوارع عبر الاحتجاجات الشعبية، التي تضغط على الأحزاب والسياسيين الفرنسيين لاتخاذ مواقف أكثر وضوحاً تجاه الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني. أيضاً يبرز تأثير هذه الجالية على الصعيد الاقتصادي كقوة فاعلة أيضاً، كما بيّنت دراسة «معهد إيفوب» استناداً إلى النشاط الاستهلاكي المكثّف للأسر المسلمة في مجالات الغذاء والسلع المنزلية والملابس، فإجمالي إنفاقها يصل خلال شهر رمضان مثلاً إلى نحو 400 مليون يورو. أما قطاع الصناعة «الحلال»، فهو يشكل سوقاً ضخمةً في فرنسا، تقدر قيمتها بنحو 5 مليارات يورو سنوياً. في المقابل، تناوئ قوة سياسية واجتماعية مؤثرة داخل فرنسا الضغوط المتزايدة الداعية للاعتراف بدولة فلسطين، هي الجالية اليهودية الفرنسية. بالمناسبة، تُعَد الجالية اليهودية في فرنسا الأكبر في أوروبا والثالثة عالمياً بعد إسرائيل والولايات المتحدة، بنحو خمسمائة ألف إلى سبعمائة ألف شخص. ومع أن هذا العدد أقل بكثير من تقديرات الجالية المسلمة والعربية، إلا أن تأثيرها السياسي والاقتصادي والإعلامي يفوق حجمها الديموغرافي بكثير. ومنذ زمن تقابل أي خطوة فرنسية نحو الاعتراف الأحادي الجانب بدولة فلسطين بمعارضة شديدة من قبل هذه الجالية وكياناتها الممثلة. إذ تمارس منظمات مثل «الكريف CRIF» (المجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية في فرنسا) ضغطاً سياسياً ودبلوماسياً مستمراً على الحكومة الفرنسية والبرلمانيين لتبني مواقف تُراعي مصالح إسرائيل فقط. ولقد ناشد روجيه كاروتشي، عضو مجلس الشيوخ المقّرب من تنظيم «الكريف»، الرئيس إيمانويل ماكرون، التخلي عن قرار الاعتراف بعد الإعلان عنه. ثم صرّح خلال جلسة مساءلة برلمانية لوزير الخارجية جان نويل بارو، بما يلي: «في يونيو 1940 رفض الرئيس (شارل) ديغول بشاعة النازية، فلا تشعروننا في يونيو 2025 بأن الرئيس ماكرون سينحني أمام بشاعة الإسلاميين». من جهة ثانية، تأثير هذه الجالية ليس محصوراً في القنوات السياسية الرسمية، بل يمتد إلى وسائل الإعلام والمشهد الثقافي، فهي تُسهم في تشكيل الرأي العام حول الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي. وهذا الوزن، بجانب الحساسية التاريخية الفرنسية تجاه معاداة السامية وإرث المحرقة، يجعلان أي حكومة فرنسية تتردد في الاعتراف بدولة فلسطين.


مقالات ذات صلة

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

حصاد الأسبوع باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسمياً، والتي

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك،

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي

حصاد الأسبوع كيريكو (آ ف ب)

بنين... الديمقراطية «المستقرة نسبياً» في أفريقيا

تُعدّ بنين، التي كانت تُعرف سابقاً باسم داهومي، والتي يقارب عدد سكانها 14 مليون نسمة، واحدة من أكثر الدول استقراراً نسبياً في أفريقيا. وسياسياً، عاصمة بنين

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
حصاد الأسبوع صورة جامعة للقادة المشاركين في «القمة» (رويترز)

«القوى التقدمية» في الغرب تسعى لاستعادة الثقة بالنفس

عندما بزغ فجر القرن الحادي والعشرين، كانت كوكبة من القيادات «التقدمية» - الاشتراكية أو من اليسار المعتدل - تتربع على قمم السلطات التنفيذية في أوروبا، من بينها:

شوقي الريّس ( مدريد)

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
TT

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)

لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسمياً، والتي لطالما أثارت شكوكاً أميركية بسبب تاريخها النووي وعلاقاتها المعقدة مع الجماعات المسلحة، كانت حتى الأمس القريب تبدو أقرب إلى هامش النظام الإقليمي الجديد منها إلى مركزه. إلا أن الحرب على إيران، وطبيعة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشخصية والصفقية، والحاجة الأميركية إلى وسيط يجمع بين القدرة على مخاطبة طهران وعدم القطيعة مع واشنطن، كلها عوامل أعادت إسلام آباد إلى الواجهة دفعة واحدة.

عودة باكستان إلى الساحة الإقليمية الشرق أوسطية لا يجوز فهمها فقط من زاوية الوساطة الحالية، بل يجب قراءتها بوصفها نتيجة مسار أطول يتضمن:

1- إعادة تأهيل تدريجية للعلاقة الأميركية - الباكستانية بعد سنوات من التراجع لمصلحة الصين.

2- استثمار باكستان لعناصر قوتها الخاصة، من موقعها الجغرافي إلى وزنها العسكري والنووي، مروراً بعلاقاتها مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج.

3- الأهم أن هذه العودة تطرح سؤالاً أكبر هو: هل تتحوّل باكستان من مجرد «وسيط ظرفي» إلى أحد اللاعبين الذين يسهمون في إعادة صياغة توازن القوة الإقليمي، في لحظة تتعرض فيها إيران إلى ضغط غير مسبوق، وتعيد فيها القوى الكبرى والإقليمية ترتيب مواقعها؟

مخاطبة ترمب بلغته

في ولايته الأولى، لم يُخفِ ترمب ضيقه من باكستان. اتهمها يومها بأنها لم تُقدم لواشنطن سوى «الأكاذيب والخداع»، في تعبير لخّص مرحلة من الفتور العميق بين البلدين. وحقاً، كانت واشنطن ترى أن باكستان تستفيد من المساعدات الأمنية والمالية الأميركية، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بهوامش واسعة في أفغانستان، وتُبقي علاقاتها بالصين أولوية استراتيجية. غير أن ما تبدل لاحقاً لم يكن فقط سلوك إسلام آباد، بل أيضاً إدراكها العميق لطبيعة ترمب نفسه.

وفق تقرير لصحيفة «واشنطن بوست»، أدركت النخبة الباكستانية مبكراً أن ترمب لا يتجاوب مع الخطاب التقليدي القائم على التحالفات الطويلة أو اللغة الدبلوماسية المجردة، بل مع ما يُمكن تسويقه إليه بوصفه إنجازاً مباشراً وملموساً. لذلك صاغت إسلام آباد عرضها بلغة «صفقة»، أي: التعاون في مكافحة الإرهاب، والانفتاح على «صفقات» المعادن الحيوية، والإشارة إلى «شراكات» في مجال العملات الرقمية عبر اتفاقات مرتبطة بجهات على صلة بعائلة ترمب.

هذا هو ما عبّر عنه المسؤول الباكستاني السابق مشاهد حسين سيد، حين قال إن بلاده قدّمت لترمب «الثلاثية»: العملة المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب.

هنا يكمن التحوّل الأساسي، إذ إن باكستان لم تُحاول إقناع واشنطن بأنها تغيّرت جذرياً، بل حاولت إقناع ترمب بأنها مفيدة له شخصياً وسياسياً. ولقد عزّزت هذا المسار بخطوات رمزية وسياسية مدروسة، منها الإشادة المتكررة بدوره في وقف النار مع الهند، وترشيحه لجائزة نوبل للسلام، والانضمام إلى مبادرات ذات طابع احتفائي مرتبطة بخطابه الدولي. وبحلول الخريف، كان ترمب قد انتقل إلى وصف قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير بأنه «المشير المفضّل» لديه.

هذه ليست مجرد مجاملة.

إنها تعني أن باكستان نجحت في تحويل العلاقة مع واشنطن من ملف مؤسساتي ثقيل وموروث من «الحرب على الإرهاب»، إلى قناة شخصية مباشرة مع رئيس أميركي يُعلي من قيمة الولاء والجدوى الفورية أكثر من أي اعتبارات أخرى.

باكستان «وسيط» رغم عدم اعترافها بإسرائيل

المفارقة الظاهرية أن الدولة التي لا تعترف بإسرائيل أصبحت اليوم منصة للتفاوض في حرب تكون إسرائيل أحد أطرافها الرئيسيين. بيد أن هذه المفارقة تتلاشى إذا نظرنا إلى الوساطة من منظور وظيفي لا آيديولوجي. فإسلام آباد لا تلعب دور الضامن لاتفاق شامل بين طهران وتل أبيب، بل دور الميسّر لقناة أميركية - إيرانية، على قاعدة أن مفتاح التأثير الحقيقي موجود في واشنطن. ومن هذه الزاوية، فإن إحجامها عن الاعتراف بإسرائيل قد لا يكون عائقاً، بل ربما هو عنصر طمأنة إضافي للإيرانيين.

وفق الـ«واشنطن بوست» تمتلك باكستان ثلاثة عناصر تمنحها أهلية خاصة لهذا الدور: أولها، مستوى من الثقة النسبية مع إيران، بحكم الجوار البري الطويل، والحاجة المتبادلة إلى ضبط الحدود ومنع تحول المناطق المشتركة إلى بؤر فوضى دائمة. وثانيها، قدرتها على مخاطبة واشنطن من داخل علاقة أُعيد ترميمها مع دونالد ترمب شخصياً. وثالثها، ثقلها النووي والعسكري، الذي يمنحها مكانة تختلف عن مكانة الوسطاء التقليديين الأقل وزنًا.

ويُشير ذلك بوضوح إلى أن هذا الثقل النووي يضيف إلى «هيبة» باكستان في نظر مختلف الأطراف.

لكن الأهم من ذلك أن سلطة إسلام آباد ليست وسيطاً محايداً بالكامل، بل وسيط مصلحي. ذلك أنها معنية بمنع انهيار إيراني شامل أو تفكّك داخلي على حدودها الغربية، كما أنها معنية في الوقت نفسه بمنع طهران من ترجمة أزمتها إلى ضغط أمني أو مذهبي داخل الساحة الباكستانية. وبالفعل، أظهرت التطورات الأخيرة مدى هشاشة الداخل الباكستاني أمام ارتدادات الحرب، مع وقوع اضطرابات وأعمال عنف بعد مقتل المرشد الإيراني، ومحاولة اقتحام القنصلية الأميركية في كراتشي.

من هنا، لا تبدو الوساطة الباكستانية «عملاً خيرياً» أو مجرد إنجاز دعائي. إنها أيضاً محاولة دفاع متقدّم عن الأمن الوطني الباكستاني، فالدولة النووية الكبرى المجاورة لإيران لا تستطيع تحمل «سيناريو» الفوضى الطويلة الأمد، ولا «سيناريو» سيطرة مطلقة لـ«الحرس الثوري» على بلد مأزوم ومتفكّك، ولا كذلك «سيناريو» تدخّلات إقليمية متشابكة قد تفتح الخرائط على احتمالات يصعب ضبطها.

باكستان نجحت

في تحويل العلاقة

مع واشنطن من ملف ثقيل عن «الحرب

على الإرهاب» إلى قناة شخصية مباشرة

مع رئيس أميركي

السعودية بوابة العودة

من جهة ثانية، لم تعد العلاقة الباكستانية - الأميركية تُفهم بعيداً عن الدور السعودي. فخلال سنوات التراجع الأميركي النسبي في التعاطي مع باكستان، ومع تنامي الحضور الصيني الاقتصادي والاستراتيجي في البلاد، بقيت المملكة العربية السعودية ومعها دول خليجية صماماً مالياً وسياسياً أساسياً لإسلام آباد. ولقد اضطرت باكستان أخيراً للاعتماد على حزم إنقاذ وقروض من السعودية والإمارات، في ظل أزماتها النقدية وغلاء المعيشة، بعدما كانت تلجأ أيضاً إلى صندوق النقد الدولي.

ثم إن هذا البُعد المالي لا ينفصل عن البُعد الاستراتيجي، فالرياض كانت تاريخياً الجسر الذي يسمح لباكستان بالحفاظ على صلة وثيقة بالمنظومة الأمنية العربية الحليفة لواشنطن، حتى حين كانت العلاقات الباكستانية - الأميركية تمر بمراحل فتور. واليوم، مع توقيع «معاهدة الدفاع الاستراتيجية» بين الرياض وإسلام آباد، ومع ترجمة ذلك -ولو رمزياً- عبر إرسال طائرات حربية وقوات باكستانية إلى السعودية في رسالة ردع إلى طهران، باتت باكستان أقرب إلى موقع «الشريك الأمني المرِن» الذي يمكن توظيفه في التوازن الخليجي - الإيراني من دون وضعه في الواجهة الأولى للمواجهة.

هذا الدور المزدوج للسعودية مهم «ذهاباً وإياباً»، فهي من جهة تمنح باكستان دعماً مالياً وسياسياً يُخفف هشاشتها الداخلية، ومن جهة أخرى تفتح لها باب العودة إلى واشنطن عبر إبرازها بوصفها عنصر استقرار داخل المنظومة الإقليمية التي تريد الولايات المتحدة إعادة ضبطها. بهذا المعنى، فإن التقارب الباكستاني - الأميركي ليس بديلاً عن الصين بقدر ما هو عملية تنويع اضطرارية للمحاور، تقودها حاجة باكستان إلى تجنّب الارتهان الكامل لبكين، وحاجة واشنطن إلى شريك يملك مفاتيح في أفغانستان وإيران والخليج معاً.

والواقع أن هذه البراغماتية هي ما يُفسّر قدرة باكستان على الجمع بين خطوط تبدو متناقضة:

- شراكة وثيقة مع الصين.

- علاقة أمنية متقدمة مع السعودية.

- قناة مفتوحة مع واشنطن.

- لا جسور مقطوعة مع إيران.

إنها -أي باكستان- تُحاول أن تكون «دولة تقاطع» لا «دولة محور»، مستفيدة من موقعها الجغرافي، ومن لحظة سيولة إقليمية غير مسبوقة.

الرئيس الباكستاني شهباز شريف مع نائب الرئيس الأميركي فانس (آ ب)

توازن القوة الإقليمي

بالتوازي مع ما سبق، في حين لا تبدو باكستان مرشحة لأن تحل محل القوى الإقليمية التقليدية، فإنها باتت مرشحة جدّية لأن تصبح رقماً أصعب في معادلة التوازن. إذ إن السعودية تبقى «لاعب الثقل المالي والنفطي» العربي، وتركيا تملك أدوات نفوذ عسكرية وسياسية أكثر تمدداً في المشرق وشرق المتوسط، ومصر تحتفظ بثقل الدولة المركزية العربية، وإن كان دورها الإقليمي أكثر حذراً، في حين تبقى إسرائيل القوة العسكرية الأكثر تفوقاً تكنولوجياً والأكثر التصاقاً بالقرار الأميركي في هذه الحرب.

مع هذا، باكستان تضيف الآن شيئاً عناصر لا تتوفر مجتمِعةً لدى اللاعبين المذكورين، أبرزها: أنها دولة إسلامية نووية، وذات جيش كبير، وحدود مباشرة مع إيران، وذات قابلية للتحاور مع واشنطن وطهران والخليج في آنٍ معاً. وبهذا، المعنى، قد يتحوَّل دور إسلام آباد إلى أحد ثلاثة أشكال.

الأول: وسيط أمني - سياسي يسهّل التهدئة؛ حيث تعجز القنوات المباشرة، خصوصاً في الملفات التي تمس إيران والخليج.

الثاني: شريك ردع رمزي إلى جانب السعودية، يرسل إشارات أكثر مما يخوض مواجهات مباشرة.

والثالث: عنصر توازن يمنع أن تتحوّل أي تسوية إقليمية جديدة إلى ترتيب يستثني القوى الإسلامية غير العربية الكبرى.

إلا أن هذا الطموح يصطدم بقيود واضحة. وتقول الـ«واشنطن بوست» إن معظم الباكستانيين لن يلمسوا من هذه الوساطات شيئاً ما لم تنجح الدولة في معالجة أزماتها الاقتصادية البنيوية. كما ينبه مسؤولون وخبراء سابقون إلى أن بعض الصفقات المعلنة مع واشنطن قد يكون أقرب إلى الضجيج السياسي منه إلى التحوّل الاقتصادي الحقيقي. وفضلاً عن ذلك، فإن خصوم القيادة الباكستانية الحالية يرون في انخراطها الخارجي محاولة لصرف الأنظار عن الصراعات الداخلية، وتعزيز شرعية المؤسسة العسكرية.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إسلام آباد نجحت في كسب ود ترمب؛ هي فعلت ذلك بالفعل إلى حد بعيد، بل السؤال هو ما إذا كانت قادرة على تحويل هذا الود إلى نفوذ مستدام، لا إلى لقطة دبلوماسية عابرة.

نجاحها في ذلك سيتوقف على ثلاثة شروط: أولاً، أن تُحافظ على خط توازن دقيق مع إيران يمنع التدهور الحدودي والفوضى. وثانياً، أن تترجم تقاربها مع واشنطن إلى مكاسب اقتصادية ومؤسساتية فعلية لا صفقات دعائية. وثالثاً، أن تدير شراكتها مع الرياض بطريقة تُعزز موقعها الإقليمي من دون أن تزجّ بها في مواجهة مباشرة مفتوحة مع طهران.

وهكذا، في المحصلة، عادت باكستان إلى أميركا؛ لأنها فهمت كيف تُخاطب ترمب، ولأن الحرب على إيران رفعت قيمة موقعها الجغرافي والسياسي في لحظة حرجة. لكنها عادت أيضاً لأن الإقليم نفسه بات يبحث عن قوى وسيطة تملك القدرة على وصل الخطوط المتباعدة.وإذا كانت السنوات الماضية قد كرّست صورة باكستان بوصفها دولة تتأرجح بين الأزمات، فإن الأشهر الأخيرة توحي بأنها تحاول إعادة تقديم نفسها بوصفها دولة مفصلية في إعادة تركيب توازنات المنطقة. غير أن هذه العودة، مهما بدت لافتة، ستظل ناقصة ما لم تنجح إسلام آباد في تحويل الدور الخارجي إلى استقرار داخلي، وفي إثبات أن الوساطة ليست فقط طريقاً إلى رضا ترمب، بل أيضاً إلى مكانة إقليمية يصعب تجاوزها.


أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
TT

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك، الجنرال عاصم منير، قائد الجيش، بوصفه الرجل الأقوى في باكستان وصاحب التأثير الأكبر في ملفات الأمن والسياسة الخارجية.

وأهمية منير لا تعود فقط إلى موقعه الداخلي، بل إلى نجاحه في بناء قناة مباشرة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى حد أن الأخير عدّه «المشير المفضل» لديه بحلول أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في إشارة رمزية إلى حجم التحول في العلاقة.

إلى جانب منير، لعب رئيس الوزراء شهباز شريف دور الواجهة السياسية لهذا التقارب. فالحكومة الباكستانية كثفت الإشادة العلنية بترمب، وشكرته مراراً على تدخله لوقف إطلاق النار مع الهند، كما رشحته إسلام آباد لجائزة نوبل للسلام، في خطوات هدفت إلى مخاطبة ترمب بلغته السياسية القائمة على التقدير الشخصي والرمزية الإعلامية.

مشاهد حسين سيد(فايسبوك)

كذلك برز مشاهد حسين سيد، الرئيس السابق للجنة الدفاع في مجلس الشيوخ الباكستاني، بوصفه من أبرز من شرحوا فلسفة هذا التحول. إذ قال إن باكستان «قرأت ترمب جيداً»، وقدمت له ما سماها «الثلاثية»: العملات المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب. وتكشف هذه العبارة عن أن إسلام آباد تعمّدت إعادة «تسويق» نفسها في واشنطن من زاوية «المنفعة المباشرة»، لا من زاوية التحالفات التقليدية فقط.

وبالطبع، لا يقل أهمية عن هؤلاء فريق الدولة الاقتصادي والدبلوماسي، الذي أسهم في ترجمة الانفتاح إلى صفقات وممرّات تواصل، من اتفاق المعادن الحيوية إلى الترتيبات المالية والسياسية التي حسّنت صورة باكستان داخل إدارة ترمب. وعليه، يمكن القول إن عاصم منير كان «مهندس» القناة الاستراتيجية، وشهباز شريف واجهتها السياسية، فيما وفّر مشاهد حسين سيد الإطار التفسيري لهذا التحوّل.


روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
TT

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي رئاسة جمهورية بنين، الواقعة في غرب أفريقيا. واداني يخلف الرئيس المنتهية ولايته باتريك تالون، الذي لا يحق له الترشح مجدداً بعدما أمضى ولايتين رئاسيتين مدة كل منهما 5 سنوات. وللعلم، حصل الرئيس الجديد، الذي يلقب بين أقرانه اختصاراً لاسمه بـ«رو»، على أكثر من 94 في المائة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية التي أجريت يوم 12 أبريل (نيسان) الحالي، متفوقاً على منافسه المعارض بول هونكبي، في انتخابات بلغت نسبة المشاركة فيها 58.78 في المائة.

روموالد واداني، الذي كان يوصف بأنه «الخليفة المختار» للرئيس باتريك تالون، أعلن في أول تصريحاته عقب فوزه برئاسة بنين اعتزامه البناء على ما وصفه بـ«الأسس الصلبة» التي أرساها سلفه، وأنه سيكرس مساراً سياسياً يقوم على الاستمرارية أكثر من التغيير، مع تأكيد حرصه على «التماسك الوطني»، الذي مثّله حجم فوزه في الانتخابات.

الفوز كان متوقعاً

الفوز في حد ذاته لم يكن مفاجئاً، لا سيما أن واداني (49 سنة)، يمثل نموذج «التكنوقراطي الصاعد» في أفريقيا؛ إذ جاء إلى الحكم من بوابة الإدارة المالية لا السياسة التقليدية. وطوال عقد كامل شغل خلاله منصب وزير الاقتصاد والمالية، منذ عام 2016، ارتبط اسم واداني بتغييرات هيكلية أعادت ضبط المالية العامة، وخفّضت عجز الموازنة إلى نحو 3 في المائة من الناتج المحلي، في حين حقق الاقتصاد معدلات نمو تجاوزت 6 في المائة سنوياً في المتوسط. وهذه النتائج هي ما بنى عليه الرجل برنامجه الانتخابي للوصول إلى سدة الحكم، بعدما اكتسب ثقة المستثمرين مرسّخاً اسمه كمهندس «الاستقرار المالي» في واحد من أسرع اقتصادات غرب أفريقيا نمواً.

يوصف روموالد وادني بأنه «هادئ الطباع»، لا سيما مع قلة ظهوره الإعلامي، بيد أنه وفق محللين سياسيين كان «العقل المدبر» خلف التغييرات الاقتصادية في بنين طوال العقد الماضي؛ ما جعله يتصدّر المشهد كخليفة لتالون. وبالفعل، تحوّل «البيروقراطي» الذي لطالما عمل خلف الكواليس شخصاً جماهيرياً يجوب البلاد ويخطب في تجمّعات جماهيرية، متخلياً عن ربطة العنق والخطاب المكتوب، في محاولة للتقرّب من الشارع وكسر صورة «التكنوقراطي الاقتصادي الصارم».

نقلت وكالة «أ.ف.ب» الفرنسية، من جهتها، عن أحد حلفائه قوله إن الحملة «أظهرت وجه واداني الحقيقي كشخص قريب من الناس»، في تحوّل لافت لرجل ظل لسنوات يعمل بعيداً عن الأضواء. أما عن السباق الرئاسي نفسه، فقد خاضه واداني مدعوماً من أحزاب الائتلاف الحاكم. وأقرّ منافسه الوحيد، بول هونكبي، بالهزيمة قبل إعلان النتائج رسمياً، وهو ما اعتبره واداني بعد الفوز «مؤشراً على النضج الديمقراطي».

نشأة اقتصادية

وُلد روموالد واداني يوم 20 يونيو (حزيران) 1976 في مدينة لوكوسا بجنوب غربي بنين، قرب الحدود مع توغو، لأسرة متعلّمة ذات خلفية اقتصادية. ونشأ بين صرامة والده مهندس الإحصاء وأستاذ الرياضيات وروح المبادرة عند والدته رائدة الأعمال، وانعكس هذا الواقع فيما بعد على مسيرته التعليمية والمهنية.

إذ اتجه الشاب الطموح لدراسة الإدارة والمحاسبة والتمويل في «المدرسة العليا لإدارة الأعمال» بمدينة غرونوبل الفرنسية قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة للدراسة في معهد إدارة الأعمال بجامعة هارفارد الأميركية العريقة. ولكن، مع أن تكوين واداني العملي والعملي الأساسي كان خارج البلاد، فإنه دائماً ما أبدى حرصه على تأكيد ارتباطه بجذوره، عبر إشارات متكرّرة إلى امتلاكه مزرعة في بنين.

مهنياً، يتمتع واداني بصفة محاسب قانوني معتمد في كل من فرنسا والولايات المتحدة، كما أنه حصل على درجة الماجستير في التمويل، وتلقى تدريباً متخصصاً في مجالات الاستثمار المباشر ومخاطر رأس المال. وقبل دخوله العمل الحكومي، راكم «رو» خبرة دولية عملية داخل شركة «ديلويت» المحاسبية العالمية الشهيرة، حيث بدأ مسيرته المهنية في فرنسا عام 1998، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة عام 2003. وخلال هذه الفترة، طوّر واداني خبرات في مجالات عدة، وقدّم خدمات استشارية لقطاعات متنوعة من بينها: التعدين، والتكنولوجيا والإعلام والاتصالات، والقطاع المالي، والقطاع العام، والتجزئة، فضلاً عن تعاونه مع حكومات وجهات مانحة دولية.

ثم في عام 2012، عندما كان لا يزال في سن الـ36، رُقّي واداني إلى منصب شريك ومدير إداري في «ديلويت»، وبعد ذلك بثلاث سنوات، كُلّف إنشاء مكتب جديد للشركة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، كما تولى مسؤولية إدارة التدقيق والممارسة المهنية لأنشطة «ديلويت» في دول أفريقيا الناطقة بالفرنسية.

وزيراً للاقتصاد والمالية

تجربة واداني المهنية الدولية دفعت لتعيينه في منصب وزير دولة للاقتصاد والمالية يوم 7 أبريل (نيسان) 2016 ضمن أول حكومة للرئيس باتريك تالون، وفيها كُلّف تنفيذ برنامج تغييري طموح، قبل أن يُعاد تعيينه في مايو (أيار) 2021، ويواصل لعب دور محوَري في رسم السياسات الاقتصادية لبنين.

بعد ذلك، تولى واداني حقيبة الاقتصاد عندما كانت بنين تشكو فيه ارتفاع عجز الموازنة، وسوء إدارة الدين العام، وتراجع ثقة المستثمرين. وبالفعل، قاد سياسة تغييرية تقوم على محورَين رئيسين: الأول يتمثل في إدارة مالية عامة تتّسم بالشفافية لتحقيق «انضباط» الميزانية وتعبئة التمويل الدولي وتعزيز ثقة المانحين الدوليين من القطاعين العام والخاص. والآخر يركّز على تحسين مناخ الأعمال وتعزيز قدرة القطاع الخاص على مواجهة الصدمات الخارجية.

بفضل هذه السياسة، سجلت بنين نمواً بنسبة 8 في المائة عام 2025، وهو مستوى غير مسبوق لمدة ثلاثة عقود، وفق ما ذكره موقع الحملة الانتخابية لواداني. وحسب الموقع أيضاً، سُجّل رفع نصيب الفرد من الدخل بنسبة 50 في المائة خلال أقل من عشر سنوات، وتحديث أكثر من 14 ألف كيلومتر من الطرق، وبناء مستشفيات ومدارس جديدة، بالإضافة إلى برنامج المقصف المدرسي الذي يسمح لنحو 1.3 مليون طفل بالاستفادة من وجبة ساخنة يومياً.

أيضاً، تمكّن واداني من إجراء تغييرات على المالية العامة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 في المائة من الناتج المحلي، كما أطلق خلال ولايته مشاريع بنية تحتية كبرى حققت نمواً اقتصادياً واستقراراً، عزّزا ثقة المستثمرين الدوليين، ورسّخا صورة بنين كنموذج إصلاحي صاعد في المنطقة.

وعلى الصعيد الإقليمي، لعب واداني دوراً بارزاً في غرب أفريقيا، حيث ترأس المجلس القانوني لوزراء مالية «الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا»، وقاد مفاوضات مع فرنسا تُوجت بتوقيع اتفاق في ديسمبر (كانون الأول) 2019 لإنهاء العمل بعملة الفرنك الأفريقي (CFA) في المنطقة، في خطوة اعتُبرت تحولاً مهماً في مسار السيادة النقدية لدول الإقليم.

القائد الشاب... والمرشح الرئاسي

خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 أعلن روموالد واداني اعتزامه الترشح للرئاسة رغبةً منه في إكمال مسار التغيير، وتحقيق مزيد من التقدّم. وتعهد أيضاً بتوفير فرص عمل والقضاء على الفقر لتصل ثمار التغيير إلى كل بيت في بنين رافعاً شعار «نبني معاً بنين أحلامنا».

واليوم، وفق صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية، يعكس فوز واداني بالرئاسة «توجّهاً نحو تجديد الطبقة السياسية الحاكمة وتطوّراً للعقلية السياسية» في بنين «باختيار جيل من الحكّام أقرب للواقع». وهو بذا، ينضم إلى مجموعة محدودة من الرؤساء الشباب في قارة أفريقيا.

ثم إنه ممّا يزيد أهمية الحدث كون واداني وصل إلى قمة السلطة عبر انتخابات، اعتبر مراقبون دوليون أنها «أجريت بشكل سلمي ومنظم»، وأن ما سُجّل من ملاحظات محدودة لا يمسّ صدقية النتائج، وإن غابت عنها التعدّدية الفعلية.

التحديات الأمنية

من جهة ثانية، لانتخابات الرئاسة في بنين أهمية إضافية؛ كونها نُظّمت وسط تحديات أمنية كادت تهدّد إجراءها من الأساس. ففي ديسمبر الماضي، سيطر عدد من أفراد الجيش على محطة التلفزيون الرئيسة، وهاجموا قصر الرئاسة في محاولة انقلاب فاشلة احتجاجاً على تدهور الوضع الأمني في شمال البلاد وتصاعد تهديد الإرهاب. وبالتالي، جاءت الانتخابات بعد تعرّض بنين لإحدى أكثر سنواتها عنفاً على الإطلاق في 2025، وسلّطت المحاولة الانقلابية الضوء على هشاشة الأوضاع السياسية في دولة تعدّ واحدة من الديمقراطيات الأفريقية المستقرة نسبياً. وفي أي حال، نجحت الانتخابات الرئاسية الأخيرة في تحقيق خامس انتقال سلمي للسلطة منذ استقلال بنين عام 1960. كما أنه بالنسبة لمؤيدي واداني يمثل صعوده «بروز جيل جديد من القادة، أقل اهتماماً بالشعارات وأكثر تركيزاً على النتائج» حسب الـ«نيويورك تايمز»، لكن معارضيه يرون فيه «استمراراً لنظام سياسي يضيق فيه هامش التعدّدية».

إرث مثقل بالتحديات

في الواقع، يمكن القول إن روموالد واداني يتولّى محمّلاً بإرث مثقل بالتحدّيات السياسية والأمنية والاتهامات بتقييد المعارضة، ومسار اقتصادي تغييري حقّق قدراً من النمو والازدهار؛ ما يضعه أمام معادلة صعبة لاستكمال مسار التغيير الاقتصادي ومواجهة التحدّيات الأمنية مع الحفاظ على استقرار البلاد سياسياً.

ويُعدّ الفقر أحد أخطر التحديات التي تواجه واداني، لا سيما مع تجاوز نسبته أكثر من 30 في المائة من السكان. ويضاف إلى ذلك تصاعد الهجمات «الإرهابية» في الشمال؛ ما يفرض ضغوطاً على الجيش والسلطة، وانتقادات المعارضة لغياب التعددية و«الانفتاح السياسي الحقيقي».

وبينما يرى مراقبون أن الرئيس الجديد سيواصل النهج الاقتصادي الذي قاده خلال فترة سلفه تالون، فهم يؤكدون أن قياس نجاحه سيظل رهناً بقدرته على تحقيق تنمية أكثر شمولاً من جهة واحتواء التهديدات الأمنية وإعادة التوازن للحياة السياسية من جهة أخرى.وهكذا، بين الاستمرارية وضغوط الانفتاح والتغيير الديمقراطي، يدخل واداني عازماً على تحقيق مستقبل أفضل لشعب بنين. ويرى مراقبون أن سنواته الأولى في الحكم ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان سيُرسّخ نموذجاً ناجحاً للحكم الرشيد، أم سيواجه أزمات تعيد طرح الأسئلة القديمة حول الديمقراطية والتنمية في غرب أفريقيا.