بول بيّا... رجل الكاميرون القوي طامح لولاية رئاسية ثامنة

بعد 43 سنة في سدة الحكم

يرى أن دوره قد حان للعودة للحكم، في حين تتمسك إثنية «البيتي/ بولو» بالسلطة، ويسعى الناطقون بالإنجليزية للحكم أو الانفصال. بينما يعود لبول بيّا الفضل في إتاحة التعددية الحزبية فإن وعوده

بالتغيير والديمقراطية سرعان ما تحولت إلى اتهامات له بالاستبداد
يرى أن دوره قد حان للعودة للحكم، في حين تتمسك إثنية «البيتي/ بولو» بالسلطة، ويسعى الناطقون بالإنجليزية للحكم أو الانفصال. بينما يعود لبول بيّا الفضل في إتاحة التعددية الحزبية فإن وعوده بالتغيير والديمقراطية سرعان ما تحولت إلى اتهامات له بالاستبداد
TT

بول بيّا... رجل الكاميرون القوي طامح لولاية رئاسية ثامنة

يرى أن دوره قد حان للعودة للحكم، في حين تتمسك إثنية «البيتي/ بولو» بالسلطة، ويسعى الناطقون بالإنجليزية للحكم أو الانفصال. بينما يعود لبول بيّا الفضل في إتاحة التعددية الحزبية فإن وعوده

بالتغيير والديمقراطية سرعان ما تحولت إلى اتهامات له بالاستبداد
يرى أن دوره قد حان للعودة للحكم، في حين تتمسك إثنية «البيتي/ بولو» بالسلطة، ويسعى الناطقون بالإنجليزية للحكم أو الانفصال. بينما يعود لبول بيّا الفضل في إتاحة التعددية الحزبية فإن وعوده بالتغيير والديمقراطية سرعان ما تحولت إلى اتهامات له بالاستبداد

وسط أجواء مشحونة سياسياً يطمح الرئيس الكاميروني بول بيّا، البالغ من العمر 92 سنة، لولاية رئاسية ثامنة مستفيداً من تعديل دستوري سابق ألغى تحديد عدد الفترات الرئاسية، ليصبح بذلك من أطول الرؤساء حكماً في العالم. بيّا الذي تربّع على «عرش» السلطة في الكاميرون عام 1982، لا يزال بالنسبة لكثيرين حوله شخصية غامضة؛ ذلك أن «الشاب الهادئ» الذي كان يعتبر بين أقرانه «متواضعاً لا طمع لديه بالحكم»، هيمن على موقع الرئاسة 43 سنة، وما زال يطمح للمزيد، ساعياً إلى تبديد الأزمات السياسية والاقتصادية التي هزّت وتهز الكاميرون، وعلى رأسها «الأزمة الأنجلوفونية».

يرى مراقبون أن بول بيّا كان دائماً ما يتقدّم خلف قناع كي يراقِب من دون أن يُراقَب! وبالفعل، الرجل قليل الظهور إعلامياً، ويكتفي بمخاطبة شعبه ثلاث مرات في السنة تقريباً. وهذا الغموض الممتزج بشخصية تبدو صارمة منح بيّا ألقاباً عدة منها: «الأسد»، و«أبو الهول»، و«اللغز» و«مارادونا السياسة الكاميرونية» و«أبو الأمة».

وفي مطلق الأحوال، لعل وضع الكاميرون المعقّد أسهم في دعم بقاء بيّا؛ إذ إن البلاد تضم مجموعات إثنية ولغوية عدة، وهناك استقطاب حاد طرفاه الجنوب المسيحي والشمال المسلم، ناهيك بالخلافات بين المناطق الناطقة بالفرنسية وتلك الناطقة بالإنجليزية. هذا المشهد جعل من تشكيل جبهة معارضة موحّدة أمراً صعباً.

والواقع، أن مسيرة بول بيّا اتسمت بتحولات سياسية كبرى. وبينما يعود إليه الفضل في إتاحة التعددية الحزبية، وتحسين علاقات الكاميرون مع دول العالم، فإن وعوده بالتغيير والديمقراطية سرعان ما تحولت إلى اتهامات بالاستبداد وتفاقم الأزمات الداخلية... لا سيما وسط سبع سنوات من حرب أهلية بقيادة انفصاليين ناطقين بالإنجليزية. ويضاف إلى ما سبق، سجنه معارضيه، ومنهم موريس كامتو، منافسه الأقوى في الانتخابات الرئاسية لعام 2018 الذي سُجن لمدة 9 أشهر من دون تُهم قبل أن يفرج عنه بضغوط دولية.

نشأة دينية

وُلد بول بيّا يوم 13 فبراير (شباط) 1933 في قرية مفوميكا آ الصغيرة الواقعة في غابات حوض الكونغو، بجنوب الكاميرون، لعائلة كاثوليكية من إثنية «البيتي/ بولو». لكنه دائماً ما يشدد في تصريحاته على أنه «كاميروني قبل أن أكون من قبيلة البيتي». عائلته كانت تطمح إلى أن يصبح بول كاهناً؛ لذا أرسلته إلى مدرسة «القديس يوسف» الدينية في بلدو أكونو. ويومذاك كان فتًى مجتهداً لكنه هزيل البنية، حتى إنه غالباً ما احتاج الحماية من أخيه الأكبر أو أبناء عمومته.

ولقد نقلت تقارير صحافية عن أخته قولها في وصف شخصيته: «يظن البعض أن بول بارد. هذا غير صحيح؛ فهو يمكن أن يكون دافئاً واجتماعياً... كما يعرف كيف يكون متحفظاً وصامتاً».

لم يمكث بيّا طويلاً في المدرسة الدينية؛ إذ سرعان ما غادرها ليكمل تعليمه الثانوي في مدرسة «ليسيه الجنرال لوكليرك» في العاصمة ياوندي. ولكن رغم ذلك تركت المدرسة الدينية تأثيراً في شخصيته. ووفقاً لما نُقل عن أحد زملائه هناك، فإن «أولئك الذين لم يصبحوا كهنة، خرجوا بتحوّل نفسي جعلهم رجالاً مستقيمين وهادئين».

العيش في فرنسا

في عام 1952، ذهب بيّا إلى فرنسا لدراسة القانون العام والعلوم السياسية، وهناك التقى بزوجته الأولى جيني-إيرين التي تُوفيت عام 1992. وحملته قدراته العلمية إلى ثلاثة معاهد متميزة في باريس هي: «ليسيه لوي-لو-غران»، ثم معهد باريس للعلوم السياسية «سيانس بو»، ثم المعهد العالي للإدارة «إينا».

وخلال تلك الفترة كان بيّا يتخصّص في العلوم السياسية، مع أن أساتذته رأوا أنه وإن كان تلميذاً مجتهداً، فهو «متواضع وقليل الطموح» و«غير مهتم بلعبة السياسة». ولكن كما تأثرت شخصية بيّا بالمدرسة الدينية، لعبت فرنسا دوراً مهماً في تشكيل شخصيته. وعام 1994، تزوّج بيّا من شانتال التي أصبحت السيدة الأولى للكاميرون.

صعود سياسي

بعد استقلال الكاميرون في عام 1960، بدأ بيّا مسيرته في سلك الخدمة المدنية؛ إذ شغل مناصب عدة، بينها مدير ديوان وزير التعليم الوطني (1964)، وأمين عام وزارة التعليم الوطني (1965). غير أن صعوده السياسي الحقيقي بدأ فعلياً مع تعيينه مديراً للديوان المدني الرئاسي عام 1967. وحينذاك، تولى بول بيّا ملفات حساسة للرئيس الاستقلالي أحمدو أهيدجو؛ ما جعله يحظى بثقته، لا سيما مع وصف مقرّبين له في تلك الفترة بأنه «خادم مطيع وإداري بارع».

وتوالت بعد ذلك الترقيات والمناصب؛ إذ عُيّن أميناً عاماً للرئاسة عام 1968، ثم وزير دولة في 1970. وفي عام 1975، عيّنه الرئيس أهيدجو رئيساً للحكومة، وقال معلقاً إنه اختار «الشخص الأكثر اتزاناً» في فريقه، ثم يوم 29 يونيو (حزيران) 1979، عُيّن بيّا خليفة دستورياً لأهيدجو.

في حينه، نُظر لبيّا باعتباره شخصية شابة متزنة ومتواضعة وغير سياسية... وأيضاً غير طامحة للسلطة.

كل هذا تبخّر في ما بعد؛ إذ إن صمت بيّا كان يخفي شخصية أخرى لم يفطن لها ويشكك فيها إلا جيرمين، زوجة سلفه الرئيس أحمدو أهيدجو. ولقد صدق حدس جيرمين بعد سنوات؛ فيوم 4 نوفمبر (تشرين الثاني) 1982، استقال أهيدجو بشكل مفاجئ، ليحكم بيّا البلاد.

الانقلاب على «المعلم»

كما سبقت الإشارة، بدأ بيّا حكمه حليفاً للرئيس أهيدجو الذي بقي رئيساً للحزب الحاكم «الاتحاد الوطني الكاميروني». وشكّل بيّا الحكومة في عامَي 1982 و1983 بالتشاور مع أهيدجو، إلا أنه سرعان ما اتجه لتعيين حلفاء له في مواجهة الرئيس السابق، متخذاً مسلكاً مستقلاً أدهش الجميع، ودفع إلى محاولتَي انقلاب في عامَي 1983 و1984 من أنصار أهيدجو لاستعادة السلطة، لكن تمكن بيّا من قمعهما.

باختصار، «انقلب التلميذ على أستاذه» وداعمه السياسي؛ فيوم 18 يونيو 1983، أجرى بيّا تعديلاً وزارياً من دون إبلاغ أهيدجو؛ ما أغضب الأخير الذي دعا وزراء الشمال إلى قصره، طالباً منهم الاستقالة.

وفي 22 أغسطس (آب) من العام ذاته أعلن بيّا اعتقال أشخاص على صلة بأهيدجو بتهمة «التآمر على الدولة». ويوم 6 أبريل (نيسان) 1984، وقعت محاولة انقلاب هزت ياوندي وأسفرت عن مئات القتلى، لكنها لم تفلح في إزاحة بيّا الذي أعلن يومذاك «تحقيق النصر الكامل».

كان أهيدجو غادر عام 1983، وصدر بحقه حكم بالإعدام غيابياً من محكمة عسكرية، خُفّف إلى السجن المؤبد. لكنه تُوفي عام 1989 إثر أزمة قلبية، ودُفن في السنغال، ولا يزال جثمانه هناك، بسبب رفض بيّا نقله إلى الكاميرون.

مراقبون يرون أن تلك الفترة دفعت بيّا نحو «جنون الارتياب»، ليبدأ منذ ذلك الحين بسط سيطرته على الشمال المسلم، ويشدّد سيطرته على الأجهزة الأمنية، ويعزّز قبضته على السلطة عبر ملء المناصب الحكومية والعسكرية بعناصر من مجموعته الإثنية.

أزمة صندوق النقد

لقد عانت الكاميرون من أزمة اقتصادية حادة في الثمانينات والتسعينات، نتيجة لانخفاض أسعار السلع الأساسية؛ ما دفع الحكومة إلى تنفيذ برامج تقشفية، لم تفلح في معالجة الأزمة.

ويُذكر أنه منذ الاستقلال اتبع أهيدجو سياسة اقتصادية تعتمد على «خطط خمسية تبسط فيها الدولة يدها على الاقتصاد». ومكّن هذا النظام الكاميرون من اجتياز أزمة النفط عام 1973 بشكل أفضل من جيرانها. لكن بحلول منتصف الثمانينات شهدت أسعار الكاكاو والبن والقطن والنفط تراجعاً كبيراً.

وعام 1987، نشر بيّا كتابه «الليبرالية الجماعية»، وفيه دعا إلى التعددية السياسية والاقتصاد الحر. وكان يقول إن «الليبرالية الجماعية هي السبيل لتحقيق التنمية والعدالة الاجتماعية». وفي حينه، حظي بدعم البرلمان الذي صفق له في 20 يونيو من العام نفسه عندما تباهى: «لن نذهب إلى صندوق النقد الدولي». ولكن على الرغم من بدء برنامج التغيير لم تظهر النتائج، وانهارت وعود بيّا، ودخلت البلاد برنامجاً تابعاً لصندوق النقد الدولي في سبتمبر (أيلول) 1988؛ ما عدّه معارضوه «أول إخفاق حقيقي» لبيّا.

تحوّل «ديمقراطي»

مع بداية التسعينات، وفي موجة من التحوّل الديمقراطي في أفريقيا، تعرّض بيّا لضغوط طالبته بفتح المجال السياسي، فاضطرّ لإجراء تغييرات محدودة سمح عبرها بتعدّدية حزبية دفعت بأول انتخابات تعدّدية عام 1992، وفاز فيها بـ40 في المائة من الأصوات، لكن شابتها «تهمٌ واسعة بالتزوير».

وفي وجه الانتقادات الدولية والاضطرابات الداخلية، أحكم بيّا قبضته، معتمداً على انقسام المعارضة والجهاز الأمني الواسع، بل بدا أن حكم بيّا لن ينتهي. وفي 2008، دفع لتعديل الدستور لإلغاء تحديد عدد الولايات الرئاسية. ورغم الاحتجاجات العنيفة في عدة مدن كاميرونية، جرى تمرير التعديل الذي فتح الطريق أمام ترشحه إلى ما لا نهاية، ليفوز في انتخابات 2011 و2018 وسط انقسام المعارضة وسَجن بعض قادتها.

هيمنة على الرغم من كل شيء

لم يمنع تباطؤ النمو الاقتصادي ولا الصراع الداخلي - خاصة في المناطق الناطقة بالإنجليزية - بيّا من تعزيز سلطته.

وفي عام 2016 اندلعت احتجاجات في المناطق الناطقة بالإنجليزية بسبب تهميشها من قبل الحكومة المركزية. وتحولت هذه الاحتجاجات إلى مواجهات مسلحة بين الجيش والمتمردين المطالبين بالاستقلال؛ ما أسفر عن آلاف القتلى ومئات الآلاف من النازحين. وكان رد بيّا الدائم: «يستحيل السماح بتقسيم الكاميرون تحت أي ظرف». ومع أن الحكومة وُوجهت بانتقادات دولية بسبب قمعها للمعارضة، نجح بيّا في تشديد قبضته مقابل فشل سياساته عبر أربعة عقود في تحسين أوضاع البلاد التي صنفتها «منظمة الشفافية الدولية» عامَي 1998 و1999 بأنها «أكثر دول العالم فساداً». وبحسب تقديرات عالمية، يعيش نحو 23 في المائة من سكان الكاميرون راهناً تحت خط الفقر.

من جهة أخرى، انتشرت تساؤلات بشأن صحة بيّا العام الماضي، وبالأخص بعد غيابه المتكرّر عن مناسبات رسمية، فأصدرت الحكومة في العام الماضي أمراً يحظر مناقشة صحة الرئيس في وسائل الإعلام، باعتبارها مسألة «أمن قومي».يبقى القول إنه مع اقتراب الانتخابات الرئاسية المقبلة، يبدو أن بيّا سيحكم البلاد لفترة أخرى تمتد حتى 2032؛ أي إلى حين بلوغه الـ99 من العمر. وهذا تحدٍّ يزيد التساؤلات حول مستقبل الكاميرون، لا سيما أن الشمال المسلم الذي أعطى البلاد أول رؤسائها،


مقالات ذات صلة

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

حصاد الأسبوع باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسمياً، والتي

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك،

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي

حصاد الأسبوع كيريكو (آ ف ب)

بنين... الديمقراطية «المستقرة نسبياً» في أفريقيا

تُعدّ بنين، التي كانت تُعرف سابقاً باسم داهومي، والتي يقارب عدد سكانها 14 مليون نسمة، واحدة من أكثر الدول استقراراً نسبياً في أفريقيا. وسياسياً، عاصمة بنين

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
حصاد الأسبوع صورة جامعة للقادة المشاركين في «القمة» (رويترز)

«القوى التقدمية» في الغرب تسعى لاستعادة الثقة بالنفس

عندما بزغ فجر القرن الحادي والعشرين، كانت كوكبة من القيادات «التقدمية» - الاشتراكية أو من اليسار المعتدل - تتربع على قمم السلطات التنفيذية في أوروبا، من بينها:

شوقي الريّس ( مدريد)

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
TT

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)

لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسمياً، والتي لطالما أثارت شكوكاً أميركية بسبب تاريخها النووي وعلاقاتها المعقدة مع الجماعات المسلحة، كانت حتى الأمس القريب تبدو أقرب إلى هامش النظام الإقليمي الجديد منها إلى مركزه. إلا أن الحرب على إيران، وطبيعة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشخصية والصفقية، والحاجة الأميركية إلى وسيط يجمع بين القدرة على مخاطبة طهران وعدم القطيعة مع واشنطن، كلها عوامل أعادت إسلام آباد إلى الواجهة دفعة واحدة.

عودة باكستان إلى الساحة الإقليمية الشرق أوسطية لا يجوز فهمها فقط من زاوية الوساطة الحالية، بل يجب قراءتها بوصفها نتيجة مسار أطول يتضمن:

1- إعادة تأهيل تدريجية للعلاقة الأميركية - الباكستانية بعد سنوات من التراجع لمصلحة الصين.

2- استثمار باكستان لعناصر قوتها الخاصة، من موقعها الجغرافي إلى وزنها العسكري والنووي، مروراً بعلاقاتها مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج.

3- الأهم أن هذه العودة تطرح سؤالاً أكبر هو: هل تتحوّل باكستان من مجرد «وسيط ظرفي» إلى أحد اللاعبين الذين يسهمون في إعادة صياغة توازن القوة الإقليمي، في لحظة تتعرض فيها إيران إلى ضغط غير مسبوق، وتعيد فيها القوى الكبرى والإقليمية ترتيب مواقعها؟

مخاطبة ترمب بلغته

في ولايته الأولى، لم يُخفِ ترمب ضيقه من باكستان. اتهمها يومها بأنها لم تُقدم لواشنطن سوى «الأكاذيب والخداع»، في تعبير لخّص مرحلة من الفتور العميق بين البلدين. وحقاً، كانت واشنطن ترى أن باكستان تستفيد من المساعدات الأمنية والمالية الأميركية، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بهوامش واسعة في أفغانستان، وتُبقي علاقاتها بالصين أولوية استراتيجية. غير أن ما تبدل لاحقاً لم يكن فقط سلوك إسلام آباد، بل أيضاً إدراكها العميق لطبيعة ترمب نفسه.

وفق تقرير لصحيفة «واشنطن بوست»، أدركت النخبة الباكستانية مبكراً أن ترمب لا يتجاوب مع الخطاب التقليدي القائم على التحالفات الطويلة أو اللغة الدبلوماسية المجردة، بل مع ما يُمكن تسويقه إليه بوصفه إنجازاً مباشراً وملموساً. لذلك صاغت إسلام آباد عرضها بلغة «صفقة»، أي: التعاون في مكافحة الإرهاب، والانفتاح على «صفقات» المعادن الحيوية، والإشارة إلى «شراكات» في مجال العملات الرقمية عبر اتفاقات مرتبطة بجهات على صلة بعائلة ترمب.

هذا هو ما عبّر عنه المسؤول الباكستاني السابق مشاهد حسين سيد، حين قال إن بلاده قدّمت لترمب «الثلاثية»: العملة المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب.

هنا يكمن التحوّل الأساسي، إذ إن باكستان لم تُحاول إقناع واشنطن بأنها تغيّرت جذرياً، بل حاولت إقناع ترمب بأنها مفيدة له شخصياً وسياسياً. ولقد عزّزت هذا المسار بخطوات رمزية وسياسية مدروسة، منها الإشادة المتكررة بدوره في وقف النار مع الهند، وترشيحه لجائزة نوبل للسلام، والانضمام إلى مبادرات ذات طابع احتفائي مرتبطة بخطابه الدولي. وبحلول الخريف، كان ترمب قد انتقل إلى وصف قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير بأنه «المشير المفضّل» لديه.

هذه ليست مجرد مجاملة.

إنها تعني أن باكستان نجحت في تحويل العلاقة مع واشنطن من ملف مؤسساتي ثقيل وموروث من «الحرب على الإرهاب»، إلى قناة شخصية مباشرة مع رئيس أميركي يُعلي من قيمة الولاء والجدوى الفورية أكثر من أي اعتبارات أخرى.

باكستان «وسيط» رغم عدم اعترافها بإسرائيل

المفارقة الظاهرية أن الدولة التي لا تعترف بإسرائيل أصبحت اليوم منصة للتفاوض في حرب تكون إسرائيل أحد أطرافها الرئيسيين. بيد أن هذه المفارقة تتلاشى إذا نظرنا إلى الوساطة من منظور وظيفي لا آيديولوجي. فإسلام آباد لا تلعب دور الضامن لاتفاق شامل بين طهران وتل أبيب، بل دور الميسّر لقناة أميركية - إيرانية، على قاعدة أن مفتاح التأثير الحقيقي موجود في واشنطن. ومن هذه الزاوية، فإن إحجامها عن الاعتراف بإسرائيل قد لا يكون عائقاً، بل ربما هو عنصر طمأنة إضافي للإيرانيين.

وفق الـ«واشنطن بوست» تمتلك باكستان ثلاثة عناصر تمنحها أهلية خاصة لهذا الدور: أولها، مستوى من الثقة النسبية مع إيران، بحكم الجوار البري الطويل، والحاجة المتبادلة إلى ضبط الحدود ومنع تحول المناطق المشتركة إلى بؤر فوضى دائمة. وثانيها، قدرتها على مخاطبة واشنطن من داخل علاقة أُعيد ترميمها مع دونالد ترمب شخصياً. وثالثها، ثقلها النووي والعسكري، الذي يمنحها مكانة تختلف عن مكانة الوسطاء التقليديين الأقل وزنًا.

ويُشير ذلك بوضوح إلى أن هذا الثقل النووي يضيف إلى «هيبة» باكستان في نظر مختلف الأطراف.

لكن الأهم من ذلك أن سلطة إسلام آباد ليست وسيطاً محايداً بالكامل، بل وسيط مصلحي. ذلك أنها معنية بمنع انهيار إيراني شامل أو تفكّك داخلي على حدودها الغربية، كما أنها معنية في الوقت نفسه بمنع طهران من ترجمة أزمتها إلى ضغط أمني أو مذهبي داخل الساحة الباكستانية. وبالفعل، أظهرت التطورات الأخيرة مدى هشاشة الداخل الباكستاني أمام ارتدادات الحرب، مع وقوع اضطرابات وأعمال عنف بعد مقتل المرشد الإيراني، ومحاولة اقتحام القنصلية الأميركية في كراتشي.

من هنا، لا تبدو الوساطة الباكستانية «عملاً خيرياً» أو مجرد إنجاز دعائي. إنها أيضاً محاولة دفاع متقدّم عن الأمن الوطني الباكستاني، فالدولة النووية الكبرى المجاورة لإيران لا تستطيع تحمل «سيناريو» الفوضى الطويلة الأمد، ولا «سيناريو» سيطرة مطلقة لـ«الحرس الثوري» على بلد مأزوم ومتفكّك، ولا كذلك «سيناريو» تدخّلات إقليمية متشابكة قد تفتح الخرائط على احتمالات يصعب ضبطها.

باكستان نجحت

في تحويل العلاقة

مع واشنطن من ملف ثقيل عن «الحرب

على الإرهاب» إلى قناة شخصية مباشرة

مع رئيس أميركي

السعودية بوابة العودة

من جهة ثانية، لم تعد العلاقة الباكستانية - الأميركية تُفهم بعيداً عن الدور السعودي. فخلال سنوات التراجع الأميركي النسبي في التعاطي مع باكستان، ومع تنامي الحضور الصيني الاقتصادي والاستراتيجي في البلاد، بقيت المملكة العربية السعودية ومعها دول خليجية صماماً مالياً وسياسياً أساسياً لإسلام آباد. ولقد اضطرت باكستان أخيراً للاعتماد على حزم إنقاذ وقروض من السعودية والإمارات، في ظل أزماتها النقدية وغلاء المعيشة، بعدما كانت تلجأ أيضاً إلى صندوق النقد الدولي.

ثم إن هذا البُعد المالي لا ينفصل عن البُعد الاستراتيجي، فالرياض كانت تاريخياً الجسر الذي يسمح لباكستان بالحفاظ على صلة وثيقة بالمنظومة الأمنية العربية الحليفة لواشنطن، حتى حين كانت العلاقات الباكستانية - الأميركية تمر بمراحل فتور. واليوم، مع توقيع «معاهدة الدفاع الاستراتيجية» بين الرياض وإسلام آباد، ومع ترجمة ذلك -ولو رمزياً- عبر إرسال طائرات حربية وقوات باكستانية إلى السعودية في رسالة ردع إلى طهران، باتت باكستان أقرب إلى موقع «الشريك الأمني المرِن» الذي يمكن توظيفه في التوازن الخليجي - الإيراني من دون وضعه في الواجهة الأولى للمواجهة.

هذا الدور المزدوج للسعودية مهم «ذهاباً وإياباً»، فهي من جهة تمنح باكستان دعماً مالياً وسياسياً يُخفف هشاشتها الداخلية، ومن جهة أخرى تفتح لها باب العودة إلى واشنطن عبر إبرازها بوصفها عنصر استقرار داخل المنظومة الإقليمية التي تريد الولايات المتحدة إعادة ضبطها. بهذا المعنى، فإن التقارب الباكستاني - الأميركي ليس بديلاً عن الصين بقدر ما هو عملية تنويع اضطرارية للمحاور، تقودها حاجة باكستان إلى تجنّب الارتهان الكامل لبكين، وحاجة واشنطن إلى شريك يملك مفاتيح في أفغانستان وإيران والخليج معاً.

والواقع أن هذه البراغماتية هي ما يُفسّر قدرة باكستان على الجمع بين خطوط تبدو متناقضة:

- شراكة وثيقة مع الصين.

- علاقة أمنية متقدمة مع السعودية.

- قناة مفتوحة مع واشنطن.

- لا جسور مقطوعة مع إيران.

إنها -أي باكستان- تُحاول أن تكون «دولة تقاطع» لا «دولة محور»، مستفيدة من موقعها الجغرافي، ومن لحظة سيولة إقليمية غير مسبوقة.

الرئيس الباكستاني شهباز شريف مع نائب الرئيس الأميركي فانس (آ ب)

توازن القوة الإقليمي

بالتوازي مع ما سبق، في حين لا تبدو باكستان مرشحة لأن تحل محل القوى الإقليمية التقليدية، فإنها باتت مرشحة جدّية لأن تصبح رقماً أصعب في معادلة التوازن. إذ إن السعودية تبقى «لاعب الثقل المالي والنفطي» العربي، وتركيا تملك أدوات نفوذ عسكرية وسياسية أكثر تمدداً في المشرق وشرق المتوسط، ومصر تحتفظ بثقل الدولة المركزية العربية، وإن كان دورها الإقليمي أكثر حذراً، في حين تبقى إسرائيل القوة العسكرية الأكثر تفوقاً تكنولوجياً والأكثر التصاقاً بالقرار الأميركي في هذه الحرب.

مع هذا، باكستان تضيف الآن شيئاً عناصر لا تتوفر مجتمِعةً لدى اللاعبين المذكورين، أبرزها: أنها دولة إسلامية نووية، وذات جيش كبير، وحدود مباشرة مع إيران، وذات قابلية للتحاور مع واشنطن وطهران والخليج في آنٍ معاً. وبهذا، المعنى، قد يتحوَّل دور إسلام آباد إلى أحد ثلاثة أشكال.

الأول: وسيط أمني - سياسي يسهّل التهدئة؛ حيث تعجز القنوات المباشرة، خصوصاً في الملفات التي تمس إيران والخليج.

الثاني: شريك ردع رمزي إلى جانب السعودية، يرسل إشارات أكثر مما يخوض مواجهات مباشرة.

والثالث: عنصر توازن يمنع أن تتحوّل أي تسوية إقليمية جديدة إلى ترتيب يستثني القوى الإسلامية غير العربية الكبرى.

إلا أن هذا الطموح يصطدم بقيود واضحة. وتقول الـ«واشنطن بوست» إن معظم الباكستانيين لن يلمسوا من هذه الوساطات شيئاً ما لم تنجح الدولة في معالجة أزماتها الاقتصادية البنيوية. كما ينبه مسؤولون وخبراء سابقون إلى أن بعض الصفقات المعلنة مع واشنطن قد يكون أقرب إلى الضجيج السياسي منه إلى التحوّل الاقتصادي الحقيقي. وفضلاً عن ذلك، فإن خصوم القيادة الباكستانية الحالية يرون في انخراطها الخارجي محاولة لصرف الأنظار عن الصراعات الداخلية، وتعزيز شرعية المؤسسة العسكرية.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إسلام آباد نجحت في كسب ود ترمب؛ هي فعلت ذلك بالفعل إلى حد بعيد، بل السؤال هو ما إذا كانت قادرة على تحويل هذا الود إلى نفوذ مستدام، لا إلى لقطة دبلوماسية عابرة.

نجاحها في ذلك سيتوقف على ثلاثة شروط: أولاً، أن تُحافظ على خط توازن دقيق مع إيران يمنع التدهور الحدودي والفوضى. وثانياً، أن تترجم تقاربها مع واشنطن إلى مكاسب اقتصادية ومؤسساتية فعلية لا صفقات دعائية. وثالثاً، أن تدير شراكتها مع الرياض بطريقة تُعزز موقعها الإقليمي من دون أن تزجّ بها في مواجهة مباشرة مفتوحة مع طهران.

وهكذا، في المحصلة، عادت باكستان إلى أميركا؛ لأنها فهمت كيف تُخاطب ترمب، ولأن الحرب على إيران رفعت قيمة موقعها الجغرافي والسياسي في لحظة حرجة. لكنها عادت أيضاً لأن الإقليم نفسه بات يبحث عن قوى وسيطة تملك القدرة على وصل الخطوط المتباعدة.وإذا كانت السنوات الماضية قد كرّست صورة باكستان بوصفها دولة تتأرجح بين الأزمات، فإن الأشهر الأخيرة توحي بأنها تحاول إعادة تقديم نفسها بوصفها دولة مفصلية في إعادة تركيب توازنات المنطقة. غير أن هذه العودة، مهما بدت لافتة، ستظل ناقصة ما لم تنجح إسلام آباد في تحويل الدور الخارجي إلى استقرار داخلي، وفي إثبات أن الوساطة ليست فقط طريقاً إلى رضا ترمب، بل أيضاً إلى مكانة إقليمية يصعب تجاوزها.


أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
TT

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك، الجنرال عاصم منير، قائد الجيش، بوصفه الرجل الأقوى في باكستان وصاحب التأثير الأكبر في ملفات الأمن والسياسة الخارجية.

وأهمية منير لا تعود فقط إلى موقعه الداخلي، بل إلى نجاحه في بناء قناة مباشرة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى حد أن الأخير عدّه «المشير المفضل» لديه بحلول أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في إشارة رمزية إلى حجم التحول في العلاقة.

إلى جانب منير، لعب رئيس الوزراء شهباز شريف دور الواجهة السياسية لهذا التقارب. فالحكومة الباكستانية كثفت الإشادة العلنية بترمب، وشكرته مراراً على تدخله لوقف إطلاق النار مع الهند، كما رشحته إسلام آباد لجائزة نوبل للسلام، في خطوات هدفت إلى مخاطبة ترمب بلغته السياسية القائمة على التقدير الشخصي والرمزية الإعلامية.

مشاهد حسين سيد(فايسبوك)

كذلك برز مشاهد حسين سيد، الرئيس السابق للجنة الدفاع في مجلس الشيوخ الباكستاني، بوصفه من أبرز من شرحوا فلسفة هذا التحول. إذ قال إن باكستان «قرأت ترمب جيداً»، وقدمت له ما سماها «الثلاثية»: العملات المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب. وتكشف هذه العبارة عن أن إسلام آباد تعمّدت إعادة «تسويق» نفسها في واشنطن من زاوية «المنفعة المباشرة»، لا من زاوية التحالفات التقليدية فقط.

وبالطبع، لا يقل أهمية عن هؤلاء فريق الدولة الاقتصادي والدبلوماسي، الذي أسهم في ترجمة الانفتاح إلى صفقات وممرّات تواصل، من اتفاق المعادن الحيوية إلى الترتيبات المالية والسياسية التي حسّنت صورة باكستان داخل إدارة ترمب. وعليه، يمكن القول إن عاصم منير كان «مهندس» القناة الاستراتيجية، وشهباز شريف واجهتها السياسية، فيما وفّر مشاهد حسين سيد الإطار التفسيري لهذا التحوّل.


روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
TT

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي رئاسة جمهورية بنين، الواقعة في غرب أفريقيا. واداني يخلف الرئيس المنتهية ولايته باتريك تالون، الذي لا يحق له الترشح مجدداً بعدما أمضى ولايتين رئاسيتين مدة كل منهما 5 سنوات. وللعلم، حصل الرئيس الجديد، الذي يلقب بين أقرانه اختصاراً لاسمه بـ«رو»، على أكثر من 94 في المائة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية التي أجريت يوم 12 أبريل (نيسان) الحالي، متفوقاً على منافسه المعارض بول هونكبي، في انتخابات بلغت نسبة المشاركة فيها 58.78 في المائة.

روموالد واداني، الذي كان يوصف بأنه «الخليفة المختار» للرئيس باتريك تالون، أعلن في أول تصريحاته عقب فوزه برئاسة بنين اعتزامه البناء على ما وصفه بـ«الأسس الصلبة» التي أرساها سلفه، وأنه سيكرس مساراً سياسياً يقوم على الاستمرارية أكثر من التغيير، مع تأكيد حرصه على «التماسك الوطني»، الذي مثّله حجم فوزه في الانتخابات.

الفوز كان متوقعاً

الفوز في حد ذاته لم يكن مفاجئاً، لا سيما أن واداني (49 سنة)، يمثل نموذج «التكنوقراطي الصاعد» في أفريقيا؛ إذ جاء إلى الحكم من بوابة الإدارة المالية لا السياسة التقليدية. وطوال عقد كامل شغل خلاله منصب وزير الاقتصاد والمالية، منذ عام 2016، ارتبط اسم واداني بتغييرات هيكلية أعادت ضبط المالية العامة، وخفّضت عجز الموازنة إلى نحو 3 في المائة من الناتج المحلي، في حين حقق الاقتصاد معدلات نمو تجاوزت 6 في المائة سنوياً في المتوسط. وهذه النتائج هي ما بنى عليه الرجل برنامجه الانتخابي للوصول إلى سدة الحكم، بعدما اكتسب ثقة المستثمرين مرسّخاً اسمه كمهندس «الاستقرار المالي» في واحد من أسرع اقتصادات غرب أفريقيا نمواً.

يوصف روموالد وادني بأنه «هادئ الطباع»، لا سيما مع قلة ظهوره الإعلامي، بيد أنه وفق محللين سياسيين كان «العقل المدبر» خلف التغييرات الاقتصادية في بنين طوال العقد الماضي؛ ما جعله يتصدّر المشهد كخليفة لتالون. وبالفعل، تحوّل «البيروقراطي» الذي لطالما عمل خلف الكواليس شخصاً جماهيرياً يجوب البلاد ويخطب في تجمّعات جماهيرية، متخلياً عن ربطة العنق والخطاب المكتوب، في محاولة للتقرّب من الشارع وكسر صورة «التكنوقراطي الاقتصادي الصارم».

نقلت وكالة «أ.ف.ب» الفرنسية، من جهتها، عن أحد حلفائه قوله إن الحملة «أظهرت وجه واداني الحقيقي كشخص قريب من الناس»، في تحوّل لافت لرجل ظل لسنوات يعمل بعيداً عن الأضواء. أما عن السباق الرئاسي نفسه، فقد خاضه واداني مدعوماً من أحزاب الائتلاف الحاكم. وأقرّ منافسه الوحيد، بول هونكبي، بالهزيمة قبل إعلان النتائج رسمياً، وهو ما اعتبره واداني بعد الفوز «مؤشراً على النضج الديمقراطي».

نشأة اقتصادية

وُلد روموالد واداني يوم 20 يونيو (حزيران) 1976 في مدينة لوكوسا بجنوب غربي بنين، قرب الحدود مع توغو، لأسرة متعلّمة ذات خلفية اقتصادية. ونشأ بين صرامة والده مهندس الإحصاء وأستاذ الرياضيات وروح المبادرة عند والدته رائدة الأعمال، وانعكس هذا الواقع فيما بعد على مسيرته التعليمية والمهنية.

إذ اتجه الشاب الطموح لدراسة الإدارة والمحاسبة والتمويل في «المدرسة العليا لإدارة الأعمال» بمدينة غرونوبل الفرنسية قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة للدراسة في معهد إدارة الأعمال بجامعة هارفارد الأميركية العريقة. ولكن، مع أن تكوين واداني العملي والعملي الأساسي كان خارج البلاد، فإنه دائماً ما أبدى حرصه على تأكيد ارتباطه بجذوره، عبر إشارات متكرّرة إلى امتلاكه مزرعة في بنين.

مهنياً، يتمتع واداني بصفة محاسب قانوني معتمد في كل من فرنسا والولايات المتحدة، كما أنه حصل على درجة الماجستير في التمويل، وتلقى تدريباً متخصصاً في مجالات الاستثمار المباشر ومخاطر رأس المال. وقبل دخوله العمل الحكومي، راكم «رو» خبرة دولية عملية داخل شركة «ديلويت» المحاسبية العالمية الشهيرة، حيث بدأ مسيرته المهنية في فرنسا عام 1998، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة عام 2003. وخلال هذه الفترة، طوّر واداني خبرات في مجالات عدة، وقدّم خدمات استشارية لقطاعات متنوعة من بينها: التعدين، والتكنولوجيا والإعلام والاتصالات، والقطاع المالي، والقطاع العام، والتجزئة، فضلاً عن تعاونه مع حكومات وجهات مانحة دولية.

ثم في عام 2012، عندما كان لا يزال في سن الـ36، رُقّي واداني إلى منصب شريك ومدير إداري في «ديلويت»، وبعد ذلك بثلاث سنوات، كُلّف إنشاء مكتب جديد للشركة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، كما تولى مسؤولية إدارة التدقيق والممارسة المهنية لأنشطة «ديلويت» في دول أفريقيا الناطقة بالفرنسية.

وزيراً للاقتصاد والمالية

تجربة واداني المهنية الدولية دفعت لتعيينه في منصب وزير دولة للاقتصاد والمالية يوم 7 أبريل (نيسان) 2016 ضمن أول حكومة للرئيس باتريك تالون، وفيها كُلّف تنفيذ برنامج تغييري طموح، قبل أن يُعاد تعيينه في مايو (أيار) 2021، ويواصل لعب دور محوَري في رسم السياسات الاقتصادية لبنين.

بعد ذلك، تولى واداني حقيبة الاقتصاد عندما كانت بنين تشكو فيه ارتفاع عجز الموازنة، وسوء إدارة الدين العام، وتراجع ثقة المستثمرين. وبالفعل، قاد سياسة تغييرية تقوم على محورَين رئيسين: الأول يتمثل في إدارة مالية عامة تتّسم بالشفافية لتحقيق «انضباط» الميزانية وتعبئة التمويل الدولي وتعزيز ثقة المانحين الدوليين من القطاعين العام والخاص. والآخر يركّز على تحسين مناخ الأعمال وتعزيز قدرة القطاع الخاص على مواجهة الصدمات الخارجية.

بفضل هذه السياسة، سجلت بنين نمواً بنسبة 8 في المائة عام 2025، وهو مستوى غير مسبوق لمدة ثلاثة عقود، وفق ما ذكره موقع الحملة الانتخابية لواداني. وحسب الموقع أيضاً، سُجّل رفع نصيب الفرد من الدخل بنسبة 50 في المائة خلال أقل من عشر سنوات، وتحديث أكثر من 14 ألف كيلومتر من الطرق، وبناء مستشفيات ومدارس جديدة، بالإضافة إلى برنامج المقصف المدرسي الذي يسمح لنحو 1.3 مليون طفل بالاستفادة من وجبة ساخنة يومياً.

أيضاً، تمكّن واداني من إجراء تغييرات على المالية العامة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 في المائة من الناتج المحلي، كما أطلق خلال ولايته مشاريع بنية تحتية كبرى حققت نمواً اقتصادياً واستقراراً، عزّزا ثقة المستثمرين الدوليين، ورسّخا صورة بنين كنموذج إصلاحي صاعد في المنطقة.

وعلى الصعيد الإقليمي، لعب واداني دوراً بارزاً في غرب أفريقيا، حيث ترأس المجلس القانوني لوزراء مالية «الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا»، وقاد مفاوضات مع فرنسا تُوجت بتوقيع اتفاق في ديسمبر (كانون الأول) 2019 لإنهاء العمل بعملة الفرنك الأفريقي (CFA) في المنطقة، في خطوة اعتُبرت تحولاً مهماً في مسار السيادة النقدية لدول الإقليم.

القائد الشاب... والمرشح الرئاسي

خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 أعلن روموالد واداني اعتزامه الترشح للرئاسة رغبةً منه في إكمال مسار التغيير، وتحقيق مزيد من التقدّم. وتعهد أيضاً بتوفير فرص عمل والقضاء على الفقر لتصل ثمار التغيير إلى كل بيت في بنين رافعاً شعار «نبني معاً بنين أحلامنا».

واليوم، وفق صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية، يعكس فوز واداني بالرئاسة «توجّهاً نحو تجديد الطبقة السياسية الحاكمة وتطوّراً للعقلية السياسية» في بنين «باختيار جيل من الحكّام أقرب للواقع». وهو بذا، ينضم إلى مجموعة محدودة من الرؤساء الشباب في قارة أفريقيا.

ثم إنه ممّا يزيد أهمية الحدث كون واداني وصل إلى قمة السلطة عبر انتخابات، اعتبر مراقبون دوليون أنها «أجريت بشكل سلمي ومنظم»، وأن ما سُجّل من ملاحظات محدودة لا يمسّ صدقية النتائج، وإن غابت عنها التعدّدية الفعلية.

التحديات الأمنية

من جهة ثانية، لانتخابات الرئاسة في بنين أهمية إضافية؛ كونها نُظّمت وسط تحديات أمنية كادت تهدّد إجراءها من الأساس. ففي ديسمبر الماضي، سيطر عدد من أفراد الجيش على محطة التلفزيون الرئيسة، وهاجموا قصر الرئاسة في محاولة انقلاب فاشلة احتجاجاً على تدهور الوضع الأمني في شمال البلاد وتصاعد تهديد الإرهاب. وبالتالي، جاءت الانتخابات بعد تعرّض بنين لإحدى أكثر سنواتها عنفاً على الإطلاق في 2025، وسلّطت المحاولة الانقلابية الضوء على هشاشة الأوضاع السياسية في دولة تعدّ واحدة من الديمقراطيات الأفريقية المستقرة نسبياً. وفي أي حال، نجحت الانتخابات الرئاسية الأخيرة في تحقيق خامس انتقال سلمي للسلطة منذ استقلال بنين عام 1960. كما أنه بالنسبة لمؤيدي واداني يمثل صعوده «بروز جيل جديد من القادة، أقل اهتماماً بالشعارات وأكثر تركيزاً على النتائج» حسب الـ«نيويورك تايمز»، لكن معارضيه يرون فيه «استمراراً لنظام سياسي يضيق فيه هامش التعدّدية».

إرث مثقل بالتحديات

في الواقع، يمكن القول إن روموالد واداني يتولّى محمّلاً بإرث مثقل بالتحدّيات السياسية والأمنية والاتهامات بتقييد المعارضة، ومسار اقتصادي تغييري حقّق قدراً من النمو والازدهار؛ ما يضعه أمام معادلة صعبة لاستكمال مسار التغيير الاقتصادي ومواجهة التحدّيات الأمنية مع الحفاظ على استقرار البلاد سياسياً.

ويُعدّ الفقر أحد أخطر التحديات التي تواجه واداني، لا سيما مع تجاوز نسبته أكثر من 30 في المائة من السكان. ويضاف إلى ذلك تصاعد الهجمات «الإرهابية» في الشمال؛ ما يفرض ضغوطاً على الجيش والسلطة، وانتقادات المعارضة لغياب التعددية و«الانفتاح السياسي الحقيقي».

وبينما يرى مراقبون أن الرئيس الجديد سيواصل النهج الاقتصادي الذي قاده خلال فترة سلفه تالون، فهم يؤكدون أن قياس نجاحه سيظل رهناً بقدرته على تحقيق تنمية أكثر شمولاً من جهة واحتواء التهديدات الأمنية وإعادة التوازن للحياة السياسية من جهة أخرى.وهكذا، بين الاستمرارية وضغوط الانفتاح والتغيير الديمقراطي، يدخل واداني عازماً على تحقيق مستقبل أفضل لشعب بنين. ويرى مراقبون أن سنواته الأولى في الحكم ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان سيُرسّخ نموذجاً ناجحاً للحكم الرشيد، أم سيواجه أزمات تعيد طرح الأسئلة القديمة حول الديمقراطية والتنمية في غرب أفريقيا.