الانتخابات البلدية في لبنان... اختبار للنفوذ السياسي بغطاء محلي

قراءة في موازين القوى الشعبية

أحد المقترعين يدلي بصوتته خلال الجولة الأولى من الانتخابات في جبل لبنان (آ ف ب)
أحد المقترعين يدلي بصوتته خلال الجولة الأولى من الانتخابات في جبل لبنان (آ ف ب)
TT

الانتخابات البلدية في لبنان... اختبار للنفوذ السياسي بغطاء محلي

أحد المقترعين يدلي بصوتته خلال الجولة الأولى من الانتخابات في جبل لبنان (آ ف ب)
أحد المقترعين يدلي بصوتته خلال الجولة الأولى من الانتخابات في جبل لبنان (آ ف ب)

على الرغم من الطابع الإنمائي والخدماتي المحلي للانتخابات البلدية والاختيارية في لبنان، فإنها شكلت «ساحةً سياسية» بامتياز تتواجه فيها القوى والأحزاب السياسية على مختلف توجهاتها، لاختبار وتأكيد أحجامها الشعبية ونفوذها السياسي. ومع كل دورة انتخابية محلية، يتحول دور تحوّل صناديق الاقتراع إلى ما يشبه استفتاءً شعبياً، ليس فقط على المستوى المحلي، بل أيضاً على المستوى الوطني، حيث تنظر القوى السياسية إلى النتائج المتأتية عن هذه الانتخابات كمؤشرات واضحة على حجم حضورها ومتانة تحالفاتها السياسية أو المحلية.

مع أن الهدف الأساس لعمل البلديات والمخاتير (العُمُد) في لبنان يرتكز على الإنماء وخدمة المصلحة العامة المحلية، لا يمكن فصله عن الحسابات الحزبية السياسية المتداخلة مع الاعتبارات المحلية والعائلية. وهكذا تتحوّل البلديات و«المخترات» من مؤسسات إنمائية محلية إلى أدوات قد تستخدمها القوى السياسية لترسيخ وجودها في القواعد الشعبية، فترسم من خلال الصناديق معالم المرحلة المقبلة على صعيد المزاج الشعبي السياسي وخريطة موازين القوى المتنافسة.

كل 6 سنوات

تُجرى الانتخابات البلدية والاختيارية في الجمهورية اللبنانية مرة كل ست سنوات، وتتولى وزارة الداخلية والبلديات الإشراف على هذا الاستحقاق الدستوري، الذي يشمل انتخاب أعضاء المجالس البلدية والمخاتير وهيئاتهم في مختلف القرى والبلدات والمدن اللبنانية. وعلى الرغم من النص القانوني الواضح، شهدت بعض الدورات البلدية تأجيلات متكررة نتيجة ظروف استثنائية سياسية أو مالية، ما أثار تساؤلات حول انتظام العملية الديمقراطية على المستوى المحلي.

وزارة الداخلية والبلديات حددت مواعيد إجراء الانتخابات بحسب المحافظات، وفقاً للتالي: في جبل لبنان بتاريخ 4 أيار (مايو)، في لبنان الشمالي وعكّار بتاريخ 11 أيار (مايو)، في بيروت والبقاع وبعلبك - الهرمل بتاريخ 18 أيار (مايو)، وفي لبنان الجنوبي والنبطية بتاريخ 24 أيار (مايو).

وبحسب «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي»، يضم لبنان 1059 بلدية تحتوي على 12 ألفاً و741 عضواً. وبعد الانتخابات البلدية الأخيرة في عام 2016، جرى حل 108 بلديات بسبب فقدان نصف أعضائها جراء الوفاة أو الاستقالة، وأصبحت تُدار من قبل القائمقام أو المحافظ، وتمثل هذه البلديات نحو 10 في المائة من إجمالي البلديات في لبنان.

انتخابات بعد متغيرات

تتميز الانتخابات الحالية بمتغيرات كبيرة طرأت على المشهد السياسي اللبناني، لعل أبرزها الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان، والدمار الذي نتج عنها وتداعياته على بيئة «حزب الله» ومناطقه. وأيضاً انتهاء عهد الرئيس السابق ميشال عون الذي حفل بكثير من التطورات وانعكاس ذلك على وضع حزبه «التيار الوطني الحر» في الساحة المسيحية؛ إذ يخوض أولى تجاربه الانتخابية وهو خارج السلطة. ويضاف إلى ما تقدم، عزوف «تيار المستقبل» عن المشاركة في الانتخابات البلدية، ما قد يشكل مشهداً جديداً في المناطق ذات الغالبية السنية وأبرزها العاصمة بيروت.

في المقابل، تسعى قوى سياسية أخرى مثل حزبي «القوات اللبنانية» و«الكتائب» إلى ترجمة حجمهما في الأوساط المسيحية عبر صناديق الاقتراع، في محاولة للاستفادة من المتغيّرات التي طرأت على المشهد لتثبيت مزيد من النفوذ السياسي، عبر التحالف أو التفاهم مع عدد من الأطراف والفاعليات التي تلتقي معها على المفاهيم السياسية والإنمائية المشتركة.

ومع ظهور نتائج المرحلة الأولى من الانتخابات، انكبّت القوى السياسية والخبراء التقنيون على قراءة متأنية للنتائج والأرقام، لاستشراف الحضور الشعبي والتوازنات المحلية الجديدة وتأثيرها على الأحجام السياسية. وبالتالي استطلاع فرص الانتخابات النيابية المقبلة، خصوصاً في البلديات الكبيرة حيث كان التنافس حزبياً بامتياز، وإن كان «مُطعّماً» باعتبارات عائلية أو بتحالفات مع فاعليات محلية غير حزبية.

قراءة للواقع

وفي قراءة شاملة لواقع الانتخابات البلدية والاختيارية، اعتبر ربيع الهبر، المتخصص في شؤون الانتخابات ومؤسس ومدير «ستاتيستيكس ليبانون»، أن «لا رابط بين الانتخابات المحلية والنفوذ السياسي في الانتخابات النيابية، فالأولى قد تشكّل مؤشراً للقوى السياسية لكنها حتماً لا تؤسس للثانية... أي لن تكون اختباراً لحجم تمثيل القوى السياسية رغم الانخراط الكبير لهذه القوى فيها».

ويشير الهبر إلى أن «العوامل المناطقية والعائلية والشخصية تأخذ حيّزاً كبيراً في الانتخابات البلدية أكثر من العوامل السياسية، لا سيما أن نطاق العمل البلدي المحلي مغاير تماماً عن النطاق النيابي الأوسع». ولفت إلى أن «الانتخابات البلدية قد تعطي بعض المؤشرات عن الحجم الشعبي للأحزاب، لكنها تبقى بعيدة عن الواقع الحقيقي للأحجام بفعل الاعتبارات العائلية وغيرها. وعليه، لا يمكن البناء عليها في الانتخابات النيابية التي تقوم على أساس تحالفات سياسية كبيرة مغايرة للتحالفات التي قد نشهدها في الانتخابات المحلية».

صبايا وأعلام لبنانية (أ ف ب)

واقع المناطق المسيحية

شكل إنجاز المرحلة الأولى من الانتخابات البلدية والاختيارية في جبل لبنان نقطة إيجابية في انطلاقة العهد الجديد، الذي وَفِيَ بوعده بإجراء الانتخابات في موعدها، فخرج لبنان من مربع التأجيلات والتمديدات التي طالت الكثير من الاستحقاقات الانتخابية في العهود السابقة، وليس فقط الانتخابات البلدية التي تأخرت ثلاث سنوات عن موعدها الأصلي بفعل ظروف سياسية واقتصادية صعبة مر بها لبنان.

وعن الواقع في الساحة المسيحية، يقول الهبر: «الانتخابات البلدية التي أجريت، الأحد الماضي، في جبل لبنان أظهرت أن القوى الحيّة داخل الأحزاب لا تزال قوية وفاعلة على الأرض ولا يمكن الاستهانة بها».

وفي هذا السياق، ذكر الهبر أن «حزب (القوات اللبنانية) أظهر قوة تنظيمية هائلة على المستوى العملاني، وكأنك أمام تركيبة حديدية شبه عسكرية تعمل انتخابياً على الأرض... وهذه القوة التنظيمية، إضافة إلى الشعبية الكبيرة التي يتمتع بها، شكلت عاملاً أساسياً في بروز (القوات) كقوة انتخابية لا يستهان بها».

في المقابل، حسب الهبر، فإن «الكلام عن تراجع (التيار الوطني الحر) ليس في مكانه، وهو غير صحيح؛ لأن الدينامية الشبابية والشعبية لا تزال موجودة داخل التيار، رغم ما تعرض له من خروج لعدد من قياداته السياسية والتنظيمية. والتيار أثبت أنه موجود كقوة صامتة وقادرة». ويضيف: «من جهته، تمكن حزب (الكتائب) من إثبات وجوده التنظيمي والشعبي من خلال مرونته بشبك التحالفات، كما أثبت عدد من الزعامات والقيادات المحلية وجودهم على الساحة السياسية».

وكانت المناطق المسيحية في محافظة جبل لبنان قد شهدت معارك سياسية محتدمة، خصوصاً بين «التيار الوطني الحر» و«القوات اللبنانية»، إضافة إلى أحزاب أخرى؛ لاعتبارات مناطقية وعائلية.

النتائج في مناطق ذات غالبيات مسلمة

في الضاحية الجنوبية لبيروت، ذات الغالبية الشيعية، أخذت الانتخابات البلدية طابعاً آخر؛ إذ خاض «حزب الله» اختباره الانتخابي الأول بعد الحرب الإسرائيلية على لبنان، العام الماضي، ووسط دمار كبير تعرّضت له مناطق الضاحية الجنوبية، وهو أمر سينسحب حكماً على مناطق الجنوب والبقاع ذات الغالبية الشيعية.

وفي هذا الإطار، اعتبر ربيع الهبر أنه «يمكن التوقف جدياً عند القدرة الهائلة لـ(حزب الله) و(حركة أمل) على ضبط الشارع الشيعي والإمساك به، رغم ما تعرض له من ضربات خلال الحرب الأخيرة طالت قياداته الأساسية ومناطق بيئته. وما حصل في الضاحية الجنوبية لبيروت من توافقات وتزكيات في البلديات يتوقع أن ينسحب على قرى وبلدات الجنوب والبقاع».

أما في المناطق ذات الغالبية السنّية، مثل إقليم الخروب في الشوف، فغابت المنافسات السياسية، وبخاصة، مع نأي «تيار المستقبل» عن المشاركة في المعركة لتحل مكانها المنافسات ذات الاعتبار العائلي والعشائري. ولا يُخفي الهبر أن «لانكفاء (تيار المستقبل) تأثيراً كبيراً على المشهد السياسي في هذه المناطق، والذي سيتقاسم ساحته عدد من القيادات والزعامات المحلية والفاعليات العائلية كما حصل في إقليم الخروب، وهذا أمر من الطبيعي أن ينسحب لاحقاً على المناطق السنّية الأخرى، حيث لـ(المستقبل) حضور جدّي».

وأخيراً، في قضاءي عاليه والشوف، حيث الكثافة الدرزية الكبيرة، اختلطت التحالفات وتشعّبت بين السياسي والعائلي. وغابت المنافسات السياسية، خصوصاً في المدن الكبرى، حيث سجلت مواجهات بين تحالف «الحزب التقدمي الاشتراكي» و«الحزب الديمقراطي اللبناني» ولوائح مؤلفة من العائلات أو ناشطي المجتمع المدني. وهنا يرى الهبر أن «الواقع في المناطق ذات الغالبية الدرزية يُظهر وجود خلل ما أو أقله تضاؤل الاهتمام الحزبي بالانتخابات المحلية، أدى إلى ظهور بوادر عجز عن الإمساك بالشارع. وهذا الأمر تجلى في قلة الالتزام بالتوجهات الحزبية في عدد من البلدات، حيث أظهرت النتائج هامشاً لا يستهان به للعائلات».

الجانب الإنمائي

إلى ذلك، شدد الهبر على أن الانتخابات البلدية والاختيارية البلدية «يجب أن تنحصر بالجانب الإنمائي، بعيداً عن لعبة شد الحبال بين القوى السياسية لكي يبقى لهذا الاستحقاق طابعه المحلي الإنمائي، فتتشكل المجالس البلدية على أساس الكفاءات والطاقات المنتجة، وخصوصاً الشبابية، بعيداً عن التوازنات والمحاصصات السياسية».

واختتم الهبر أن «أهم إيجابية في الانتخابات البلدية الحالية هي العودة القوية للدولة اللبنانية من خلال التنظيم الجبار والهائل الذي قامت به وزارة الداخلية ولو بإمكانات محدودة. فقد أثبتت الدولة نزاهتها وجدارتها في القيام بمهامها على أكمل وجه وأعطت صورة جدية عن العمل المؤسساتي المنظم والمقدّر».

خاض «حزب الله» اختباره الانتخابي الأول بعد

الحرب الإسرائيلية على لبنان العام الماضي

ووسط دمار كبير تعرّضت له مناطق الضاحية الجنوبية

الصراع على رئاسة اتحادات البلديات: نفوذ يتجاوز الإنماء

يشهد لبنان مع كل انتخابات بلدية تنافساً سياسياً كبيراً على رئاسة اتحادات البلديات؛ ما يعكس الأهمية المتزايدة لهذا الموقع كأداة فاعلة في المعادلة المحلية والوطنية إنمائياً وسياسياً. ومع أن اتحادات البلديات تُشكّل إطاراً إدارياً وتنموياً لتنسيق العمل بين البلديات المنضوية ضمنها، تحوّل موقع رئيس الاتحاد منصباً ذا ثقل سياسي، يُتيح لشاغله القدرة على التأثير في السياسات المحلية وإدارة المشاريع الإنمائية واستقطاب الدعم المالي من الجهات الرسمية والدولية. وبالتالي، يعكس التنافس السياسي الحاد على هذا المنصب إدراك القوى السياسية المتزايد أهمية اتحاد البلديات في تعزيز حضورها في المناطق، وضمان السيطرة على مقومات الإنماء المحلي. لذا؛ لا تقل المنافسة على هذا المنصب بالنسبة للقوى السياسية أهميةً عن السباق على المواقع النيابية أو الوزارية؛ لِما توفّره رئاسة الاتحاد من أدوات للتمكين السياسي والإنمائي في آنٍ واحد. في هذا السياق، أوضح وزير الداخلية والبلديات السابق زياد بارود أن «اتحادات البلديات تمتلك صلاحيات واسعة جداً، أهمها وضع المشاريع والخطط الإنمائية في نطاق البلديات المنضوية ضمنه. وهذا يشمل كل المشاريع العامة ذات المنفعة المشتركة بين البلديات الأعضاء (طرقات، نفايات، صرف صحي، استملاكات مواصلات...). ثم إن لرئيس الاتحاد صلاحيات كبيرة أيضاً تتعلق بالإشراف المباشر على إدارة الاتحاد وماليته ومشاريعه، وهو مَن يأمر بصرف الموازنات، وعقد النفقات ويوقّع الاتفاقات، ويمثل الاتحاد لدى الجهات الرسمية وغير الرسمية، وهذه صلاحيات تعطيه هامشاً واسعاً من السلطة في نطاق اتحاده». ويشير بارود إلى أن «القوى السياسية قد تلجأ في إطار خدماتها السياسية إلى استخدام رئاسة الاتحادات لاستجلاب المشاريع الإنمائية الكبيرة من الجهات المانحة التي لا تدعم عادة المشاريع المُعدَّة من خلال السلطات المحلية كالبلديات واتحادات البلديات». وتابع بارود: «إضافة الى ذلك، فإن الفوز في رئاسة الاتحاد يأخذ أيضاً طابعاً معنوياً مهماً عند جمهور الفريق الفائز، وهو أمر تعمل عليه القوى السياسية في إطار حشد الجمهور وتحفيزه على مواصلة دعم الفريق الذي يؤمّن له الخدمات الأساسية». من جهة ثانية، قال جان خشّان، رئيس جمعية «أكاديمية البلدية الذكية» SMA المتخصصة بتطوير العمل البلدي في لبنان: «بما أن اتحاد البلديات أداة تنموية خدماتية أساسية، من الطبيعي أن تسعى القوى السياسية إلى محاولة التحكم بقراراته ونشاطاته أو بالحد الأدنى التأثير بها. وبحكم أنها هي من تشكل الحكومة وتتقاسم الحقائب الوزارية، وخصوصاً الخدماتية منها، فقد تلجأ إلى تحويل الاتحادات أدواتٍ انتخابيةً لقاء تقديم الخدمات المباشرة لها، ومن هنا ممكن أن نفهم احتدام المنافسة السياسية على رئاسة هذه الاتحادات». وتابع خشان: «في المقابل قد تتحكم اتحادات البلديات بمجريات الحركة السياسية بحكم أن هذه الاتحادات ترتبط مباشرة بشبكة الإنماء والخدمات. وهذا عامل أساسي عند الكثير من المواطنين في تحديد خياراتهم السياسية او الانتخابية، خصوصاً في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يمر بها لبنان. ومن هنا تكمن أهمية هذا الاتحاد أو ذاك في الحركة السياسية، خصوصاً عندما يتبنى أو يسوّق لسياسات إنمائية معينة أو لجهة سياسية ما». وأوضح أن «اتحادات البلديات قد تكون تجربة مصغرة عن المجالس المحلية التي تشكّل ركيزة اللامركزية الإدارية الموسعة المطروحة في لبنان، ولكن مع آليات إدارية وتمثيلية مختلفة وصلاحيات موسعة وهوامش مالية أعلى». هذا، وينشأ اتحاد البلديات بمرسوم من مجلس الوزراء ويتألف مجلسه من رؤساء البلديات التي يضمها الاتحاد، كذلك يمكن أن ينتدب المجلس البلدي أياً من أعضائه لتمثيله. ويتكون الاتحاد من سلطة تنفيذية يتولاها رئيس الاتحاد وسلطة تقريرية يتولّاها مجلسه.


مقالات ذات صلة

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

حصاد الأسبوع باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسمياً، والتي

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك،

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي

حصاد الأسبوع كيريكو (آ ف ب)

بنين... الديمقراطية «المستقرة نسبياً» في أفريقيا

تُعدّ بنين، التي كانت تُعرف سابقاً باسم داهومي، والتي يقارب عدد سكانها 14 مليون نسمة، واحدة من أكثر الدول استقراراً نسبياً في أفريقيا. وسياسياً، عاصمة بنين

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
حصاد الأسبوع صورة جامعة للقادة المشاركين في «القمة» (رويترز)

«القوى التقدمية» في الغرب تسعى لاستعادة الثقة بالنفس

عندما بزغ فجر القرن الحادي والعشرين، كانت كوكبة من القيادات «التقدمية» - الاشتراكية أو من اليسار المعتدل - تتربع على قمم السلطات التنفيذية في أوروبا، من بينها:

شوقي الريّس ( مدريد)

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
TT

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)

لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسمياً، والتي لطالما أثارت شكوكاً أميركية بسبب تاريخها النووي وعلاقاتها المعقدة مع الجماعات المسلحة، كانت حتى الأمس القريب تبدو أقرب إلى هامش النظام الإقليمي الجديد منها إلى مركزه. إلا أن الحرب على إيران، وطبيعة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشخصية والصفقية، والحاجة الأميركية إلى وسيط يجمع بين القدرة على مخاطبة طهران وعدم القطيعة مع واشنطن، كلها عوامل أعادت إسلام آباد إلى الواجهة دفعة واحدة.

عودة باكستان إلى الساحة الإقليمية الشرق أوسطية لا يجوز فهمها فقط من زاوية الوساطة الحالية، بل يجب قراءتها بوصفها نتيجة مسار أطول يتضمن:

1- إعادة تأهيل تدريجية للعلاقة الأميركية - الباكستانية بعد سنوات من التراجع لمصلحة الصين.

2- استثمار باكستان لعناصر قوتها الخاصة، من موقعها الجغرافي إلى وزنها العسكري والنووي، مروراً بعلاقاتها مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج.

3- الأهم أن هذه العودة تطرح سؤالاً أكبر هو: هل تتحوّل باكستان من مجرد «وسيط ظرفي» إلى أحد اللاعبين الذين يسهمون في إعادة صياغة توازن القوة الإقليمي، في لحظة تتعرض فيها إيران إلى ضغط غير مسبوق، وتعيد فيها القوى الكبرى والإقليمية ترتيب مواقعها؟

مخاطبة ترمب بلغته

في ولايته الأولى، لم يُخفِ ترمب ضيقه من باكستان. اتهمها يومها بأنها لم تُقدم لواشنطن سوى «الأكاذيب والخداع»، في تعبير لخّص مرحلة من الفتور العميق بين البلدين. وحقاً، كانت واشنطن ترى أن باكستان تستفيد من المساعدات الأمنية والمالية الأميركية، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بهوامش واسعة في أفغانستان، وتُبقي علاقاتها بالصين أولوية استراتيجية. غير أن ما تبدل لاحقاً لم يكن فقط سلوك إسلام آباد، بل أيضاً إدراكها العميق لطبيعة ترمب نفسه.

وفق تقرير لصحيفة «واشنطن بوست»، أدركت النخبة الباكستانية مبكراً أن ترمب لا يتجاوب مع الخطاب التقليدي القائم على التحالفات الطويلة أو اللغة الدبلوماسية المجردة، بل مع ما يُمكن تسويقه إليه بوصفه إنجازاً مباشراً وملموساً. لذلك صاغت إسلام آباد عرضها بلغة «صفقة»، أي: التعاون في مكافحة الإرهاب، والانفتاح على «صفقات» المعادن الحيوية، والإشارة إلى «شراكات» في مجال العملات الرقمية عبر اتفاقات مرتبطة بجهات على صلة بعائلة ترمب.

هذا هو ما عبّر عنه المسؤول الباكستاني السابق مشاهد حسين سيد، حين قال إن بلاده قدّمت لترمب «الثلاثية»: العملة المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب.

هنا يكمن التحوّل الأساسي، إذ إن باكستان لم تُحاول إقناع واشنطن بأنها تغيّرت جذرياً، بل حاولت إقناع ترمب بأنها مفيدة له شخصياً وسياسياً. ولقد عزّزت هذا المسار بخطوات رمزية وسياسية مدروسة، منها الإشادة المتكررة بدوره في وقف النار مع الهند، وترشيحه لجائزة نوبل للسلام، والانضمام إلى مبادرات ذات طابع احتفائي مرتبطة بخطابه الدولي. وبحلول الخريف، كان ترمب قد انتقل إلى وصف قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير بأنه «المشير المفضّل» لديه.

هذه ليست مجرد مجاملة.

إنها تعني أن باكستان نجحت في تحويل العلاقة مع واشنطن من ملف مؤسساتي ثقيل وموروث من «الحرب على الإرهاب»، إلى قناة شخصية مباشرة مع رئيس أميركي يُعلي من قيمة الولاء والجدوى الفورية أكثر من أي اعتبارات أخرى.

باكستان «وسيط» رغم عدم اعترافها بإسرائيل

المفارقة الظاهرية أن الدولة التي لا تعترف بإسرائيل أصبحت اليوم منصة للتفاوض في حرب تكون إسرائيل أحد أطرافها الرئيسيين. بيد أن هذه المفارقة تتلاشى إذا نظرنا إلى الوساطة من منظور وظيفي لا آيديولوجي. فإسلام آباد لا تلعب دور الضامن لاتفاق شامل بين طهران وتل أبيب، بل دور الميسّر لقناة أميركية - إيرانية، على قاعدة أن مفتاح التأثير الحقيقي موجود في واشنطن. ومن هذه الزاوية، فإن إحجامها عن الاعتراف بإسرائيل قد لا يكون عائقاً، بل ربما هو عنصر طمأنة إضافي للإيرانيين.

وفق الـ«واشنطن بوست» تمتلك باكستان ثلاثة عناصر تمنحها أهلية خاصة لهذا الدور: أولها، مستوى من الثقة النسبية مع إيران، بحكم الجوار البري الطويل، والحاجة المتبادلة إلى ضبط الحدود ومنع تحول المناطق المشتركة إلى بؤر فوضى دائمة. وثانيها، قدرتها على مخاطبة واشنطن من داخل علاقة أُعيد ترميمها مع دونالد ترمب شخصياً. وثالثها، ثقلها النووي والعسكري، الذي يمنحها مكانة تختلف عن مكانة الوسطاء التقليديين الأقل وزنًا.

ويُشير ذلك بوضوح إلى أن هذا الثقل النووي يضيف إلى «هيبة» باكستان في نظر مختلف الأطراف.

لكن الأهم من ذلك أن سلطة إسلام آباد ليست وسيطاً محايداً بالكامل، بل وسيط مصلحي. ذلك أنها معنية بمنع انهيار إيراني شامل أو تفكّك داخلي على حدودها الغربية، كما أنها معنية في الوقت نفسه بمنع طهران من ترجمة أزمتها إلى ضغط أمني أو مذهبي داخل الساحة الباكستانية. وبالفعل، أظهرت التطورات الأخيرة مدى هشاشة الداخل الباكستاني أمام ارتدادات الحرب، مع وقوع اضطرابات وأعمال عنف بعد مقتل المرشد الإيراني، ومحاولة اقتحام القنصلية الأميركية في كراتشي.

من هنا، لا تبدو الوساطة الباكستانية «عملاً خيرياً» أو مجرد إنجاز دعائي. إنها أيضاً محاولة دفاع متقدّم عن الأمن الوطني الباكستاني، فالدولة النووية الكبرى المجاورة لإيران لا تستطيع تحمل «سيناريو» الفوضى الطويلة الأمد، ولا «سيناريو» سيطرة مطلقة لـ«الحرس الثوري» على بلد مأزوم ومتفكّك، ولا كذلك «سيناريو» تدخّلات إقليمية متشابكة قد تفتح الخرائط على احتمالات يصعب ضبطها.

باكستان نجحت

في تحويل العلاقة

مع واشنطن من ملف ثقيل عن «الحرب

على الإرهاب» إلى قناة شخصية مباشرة

مع رئيس أميركي

السعودية بوابة العودة

من جهة ثانية، لم تعد العلاقة الباكستانية - الأميركية تُفهم بعيداً عن الدور السعودي. فخلال سنوات التراجع الأميركي النسبي في التعاطي مع باكستان، ومع تنامي الحضور الصيني الاقتصادي والاستراتيجي في البلاد، بقيت المملكة العربية السعودية ومعها دول خليجية صماماً مالياً وسياسياً أساسياً لإسلام آباد. ولقد اضطرت باكستان أخيراً للاعتماد على حزم إنقاذ وقروض من السعودية والإمارات، في ظل أزماتها النقدية وغلاء المعيشة، بعدما كانت تلجأ أيضاً إلى صندوق النقد الدولي.

ثم إن هذا البُعد المالي لا ينفصل عن البُعد الاستراتيجي، فالرياض كانت تاريخياً الجسر الذي يسمح لباكستان بالحفاظ على صلة وثيقة بالمنظومة الأمنية العربية الحليفة لواشنطن، حتى حين كانت العلاقات الباكستانية - الأميركية تمر بمراحل فتور. واليوم، مع توقيع «معاهدة الدفاع الاستراتيجية» بين الرياض وإسلام آباد، ومع ترجمة ذلك -ولو رمزياً- عبر إرسال طائرات حربية وقوات باكستانية إلى السعودية في رسالة ردع إلى طهران، باتت باكستان أقرب إلى موقع «الشريك الأمني المرِن» الذي يمكن توظيفه في التوازن الخليجي - الإيراني من دون وضعه في الواجهة الأولى للمواجهة.

هذا الدور المزدوج للسعودية مهم «ذهاباً وإياباً»، فهي من جهة تمنح باكستان دعماً مالياً وسياسياً يُخفف هشاشتها الداخلية، ومن جهة أخرى تفتح لها باب العودة إلى واشنطن عبر إبرازها بوصفها عنصر استقرار داخل المنظومة الإقليمية التي تريد الولايات المتحدة إعادة ضبطها. بهذا المعنى، فإن التقارب الباكستاني - الأميركي ليس بديلاً عن الصين بقدر ما هو عملية تنويع اضطرارية للمحاور، تقودها حاجة باكستان إلى تجنّب الارتهان الكامل لبكين، وحاجة واشنطن إلى شريك يملك مفاتيح في أفغانستان وإيران والخليج معاً.

والواقع أن هذه البراغماتية هي ما يُفسّر قدرة باكستان على الجمع بين خطوط تبدو متناقضة:

- شراكة وثيقة مع الصين.

- علاقة أمنية متقدمة مع السعودية.

- قناة مفتوحة مع واشنطن.

- لا جسور مقطوعة مع إيران.

إنها -أي باكستان- تُحاول أن تكون «دولة تقاطع» لا «دولة محور»، مستفيدة من موقعها الجغرافي، ومن لحظة سيولة إقليمية غير مسبوقة.

الرئيس الباكستاني شهباز شريف مع نائب الرئيس الأميركي فانس (آ ب)

توازن القوة الإقليمي

بالتوازي مع ما سبق، في حين لا تبدو باكستان مرشحة لأن تحل محل القوى الإقليمية التقليدية، فإنها باتت مرشحة جدّية لأن تصبح رقماً أصعب في معادلة التوازن. إذ إن السعودية تبقى «لاعب الثقل المالي والنفطي» العربي، وتركيا تملك أدوات نفوذ عسكرية وسياسية أكثر تمدداً في المشرق وشرق المتوسط، ومصر تحتفظ بثقل الدولة المركزية العربية، وإن كان دورها الإقليمي أكثر حذراً، في حين تبقى إسرائيل القوة العسكرية الأكثر تفوقاً تكنولوجياً والأكثر التصاقاً بالقرار الأميركي في هذه الحرب.

مع هذا، باكستان تضيف الآن شيئاً عناصر لا تتوفر مجتمِعةً لدى اللاعبين المذكورين، أبرزها: أنها دولة إسلامية نووية، وذات جيش كبير، وحدود مباشرة مع إيران، وذات قابلية للتحاور مع واشنطن وطهران والخليج في آنٍ معاً. وبهذا، المعنى، قد يتحوَّل دور إسلام آباد إلى أحد ثلاثة أشكال.

الأول: وسيط أمني - سياسي يسهّل التهدئة؛ حيث تعجز القنوات المباشرة، خصوصاً في الملفات التي تمس إيران والخليج.

الثاني: شريك ردع رمزي إلى جانب السعودية، يرسل إشارات أكثر مما يخوض مواجهات مباشرة.

والثالث: عنصر توازن يمنع أن تتحوّل أي تسوية إقليمية جديدة إلى ترتيب يستثني القوى الإسلامية غير العربية الكبرى.

إلا أن هذا الطموح يصطدم بقيود واضحة. وتقول الـ«واشنطن بوست» إن معظم الباكستانيين لن يلمسوا من هذه الوساطات شيئاً ما لم تنجح الدولة في معالجة أزماتها الاقتصادية البنيوية. كما ينبه مسؤولون وخبراء سابقون إلى أن بعض الصفقات المعلنة مع واشنطن قد يكون أقرب إلى الضجيج السياسي منه إلى التحوّل الاقتصادي الحقيقي. وفضلاً عن ذلك، فإن خصوم القيادة الباكستانية الحالية يرون في انخراطها الخارجي محاولة لصرف الأنظار عن الصراعات الداخلية، وتعزيز شرعية المؤسسة العسكرية.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إسلام آباد نجحت في كسب ود ترمب؛ هي فعلت ذلك بالفعل إلى حد بعيد، بل السؤال هو ما إذا كانت قادرة على تحويل هذا الود إلى نفوذ مستدام، لا إلى لقطة دبلوماسية عابرة.

نجاحها في ذلك سيتوقف على ثلاثة شروط: أولاً، أن تُحافظ على خط توازن دقيق مع إيران يمنع التدهور الحدودي والفوضى. وثانياً، أن تترجم تقاربها مع واشنطن إلى مكاسب اقتصادية ومؤسساتية فعلية لا صفقات دعائية. وثالثاً، أن تدير شراكتها مع الرياض بطريقة تُعزز موقعها الإقليمي من دون أن تزجّ بها في مواجهة مباشرة مفتوحة مع طهران.

وهكذا، في المحصلة، عادت باكستان إلى أميركا؛ لأنها فهمت كيف تُخاطب ترمب، ولأن الحرب على إيران رفعت قيمة موقعها الجغرافي والسياسي في لحظة حرجة. لكنها عادت أيضاً لأن الإقليم نفسه بات يبحث عن قوى وسيطة تملك القدرة على وصل الخطوط المتباعدة.وإذا كانت السنوات الماضية قد كرّست صورة باكستان بوصفها دولة تتأرجح بين الأزمات، فإن الأشهر الأخيرة توحي بأنها تحاول إعادة تقديم نفسها بوصفها دولة مفصلية في إعادة تركيب توازنات المنطقة. غير أن هذه العودة، مهما بدت لافتة، ستظل ناقصة ما لم تنجح إسلام آباد في تحويل الدور الخارجي إلى استقرار داخلي، وفي إثبات أن الوساطة ليست فقط طريقاً إلى رضا ترمب، بل أيضاً إلى مكانة إقليمية يصعب تجاوزها.


أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
TT

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك، الجنرال عاصم منير، قائد الجيش، بوصفه الرجل الأقوى في باكستان وصاحب التأثير الأكبر في ملفات الأمن والسياسة الخارجية.

وأهمية منير لا تعود فقط إلى موقعه الداخلي، بل إلى نجاحه في بناء قناة مباشرة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى حد أن الأخير عدّه «المشير المفضل» لديه بحلول أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في إشارة رمزية إلى حجم التحول في العلاقة.

إلى جانب منير، لعب رئيس الوزراء شهباز شريف دور الواجهة السياسية لهذا التقارب. فالحكومة الباكستانية كثفت الإشادة العلنية بترمب، وشكرته مراراً على تدخله لوقف إطلاق النار مع الهند، كما رشحته إسلام آباد لجائزة نوبل للسلام، في خطوات هدفت إلى مخاطبة ترمب بلغته السياسية القائمة على التقدير الشخصي والرمزية الإعلامية.

مشاهد حسين سيد(فايسبوك)

كذلك برز مشاهد حسين سيد، الرئيس السابق للجنة الدفاع في مجلس الشيوخ الباكستاني، بوصفه من أبرز من شرحوا فلسفة هذا التحول. إذ قال إن باكستان «قرأت ترمب جيداً»، وقدمت له ما سماها «الثلاثية»: العملات المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب. وتكشف هذه العبارة عن أن إسلام آباد تعمّدت إعادة «تسويق» نفسها في واشنطن من زاوية «المنفعة المباشرة»، لا من زاوية التحالفات التقليدية فقط.

وبالطبع، لا يقل أهمية عن هؤلاء فريق الدولة الاقتصادي والدبلوماسي، الذي أسهم في ترجمة الانفتاح إلى صفقات وممرّات تواصل، من اتفاق المعادن الحيوية إلى الترتيبات المالية والسياسية التي حسّنت صورة باكستان داخل إدارة ترمب. وعليه، يمكن القول إن عاصم منير كان «مهندس» القناة الاستراتيجية، وشهباز شريف واجهتها السياسية، فيما وفّر مشاهد حسين سيد الإطار التفسيري لهذا التحوّل.


روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
TT

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي رئاسة جمهورية بنين، الواقعة في غرب أفريقيا. واداني يخلف الرئيس المنتهية ولايته باتريك تالون، الذي لا يحق له الترشح مجدداً بعدما أمضى ولايتين رئاسيتين مدة كل منهما 5 سنوات. وللعلم، حصل الرئيس الجديد، الذي يلقب بين أقرانه اختصاراً لاسمه بـ«رو»، على أكثر من 94 في المائة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية التي أجريت يوم 12 أبريل (نيسان) الحالي، متفوقاً على منافسه المعارض بول هونكبي، في انتخابات بلغت نسبة المشاركة فيها 58.78 في المائة.

روموالد واداني، الذي كان يوصف بأنه «الخليفة المختار» للرئيس باتريك تالون، أعلن في أول تصريحاته عقب فوزه برئاسة بنين اعتزامه البناء على ما وصفه بـ«الأسس الصلبة» التي أرساها سلفه، وأنه سيكرس مساراً سياسياً يقوم على الاستمرارية أكثر من التغيير، مع تأكيد حرصه على «التماسك الوطني»، الذي مثّله حجم فوزه في الانتخابات.

الفوز كان متوقعاً

الفوز في حد ذاته لم يكن مفاجئاً، لا سيما أن واداني (49 سنة)، يمثل نموذج «التكنوقراطي الصاعد» في أفريقيا؛ إذ جاء إلى الحكم من بوابة الإدارة المالية لا السياسة التقليدية. وطوال عقد كامل شغل خلاله منصب وزير الاقتصاد والمالية، منذ عام 2016، ارتبط اسم واداني بتغييرات هيكلية أعادت ضبط المالية العامة، وخفّضت عجز الموازنة إلى نحو 3 في المائة من الناتج المحلي، في حين حقق الاقتصاد معدلات نمو تجاوزت 6 في المائة سنوياً في المتوسط. وهذه النتائج هي ما بنى عليه الرجل برنامجه الانتخابي للوصول إلى سدة الحكم، بعدما اكتسب ثقة المستثمرين مرسّخاً اسمه كمهندس «الاستقرار المالي» في واحد من أسرع اقتصادات غرب أفريقيا نمواً.

يوصف روموالد وادني بأنه «هادئ الطباع»، لا سيما مع قلة ظهوره الإعلامي، بيد أنه وفق محللين سياسيين كان «العقل المدبر» خلف التغييرات الاقتصادية في بنين طوال العقد الماضي؛ ما جعله يتصدّر المشهد كخليفة لتالون. وبالفعل، تحوّل «البيروقراطي» الذي لطالما عمل خلف الكواليس شخصاً جماهيرياً يجوب البلاد ويخطب في تجمّعات جماهيرية، متخلياً عن ربطة العنق والخطاب المكتوب، في محاولة للتقرّب من الشارع وكسر صورة «التكنوقراطي الاقتصادي الصارم».

نقلت وكالة «أ.ف.ب» الفرنسية، من جهتها، عن أحد حلفائه قوله إن الحملة «أظهرت وجه واداني الحقيقي كشخص قريب من الناس»، في تحوّل لافت لرجل ظل لسنوات يعمل بعيداً عن الأضواء. أما عن السباق الرئاسي نفسه، فقد خاضه واداني مدعوماً من أحزاب الائتلاف الحاكم. وأقرّ منافسه الوحيد، بول هونكبي، بالهزيمة قبل إعلان النتائج رسمياً، وهو ما اعتبره واداني بعد الفوز «مؤشراً على النضج الديمقراطي».

نشأة اقتصادية

وُلد روموالد واداني يوم 20 يونيو (حزيران) 1976 في مدينة لوكوسا بجنوب غربي بنين، قرب الحدود مع توغو، لأسرة متعلّمة ذات خلفية اقتصادية. ونشأ بين صرامة والده مهندس الإحصاء وأستاذ الرياضيات وروح المبادرة عند والدته رائدة الأعمال، وانعكس هذا الواقع فيما بعد على مسيرته التعليمية والمهنية.

إذ اتجه الشاب الطموح لدراسة الإدارة والمحاسبة والتمويل في «المدرسة العليا لإدارة الأعمال» بمدينة غرونوبل الفرنسية قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة للدراسة في معهد إدارة الأعمال بجامعة هارفارد الأميركية العريقة. ولكن، مع أن تكوين واداني العملي والعملي الأساسي كان خارج البلاد، فإنه دائماً ما أبدى حرصه على تأكيد ارتباطه بجذوره، عبر إشارات متكرّرة إلى امتلاكه مزرعة في بنين.

مهنياً، يتمتع واداني بصفة محاسب قانوني معتمد في كل من فرنسا والولايات المتحدة، كما أنه حصل على درجة الماجستير في التمويل، وتلقى تدريباً متخصصاً في مجالات الاستثمار المباشر ومخاطر رأس المال. وقبل دخوله العمل الحكومي، راكم «رو» خبرة دولية عملية داخل شركة «ديلويت» المحاسبية العالمية الشهيرة، حيث بدأ مسيرته المهنية في فرنسا عام 1998، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة عام 2003. وخلال هذه الفترة، طوّر واداني خبرات في مجالات عدة، وقدّم خدمات استشارية لقطاعات متنوعة من بينها: التعدين، والتكنولوجيا والإعلام والاتصالات، والقطاع المالي، والقطاع العام، والتجزئة، فضلاً عن تعاونه مع حكومات وجهات مانحة دولية.

ثم في عام 2012، عندما كان لا يزال في سن الـ36، رُقّي واداني إلى منصب شريك ومدير إداري في «ديلويت»، وبعد ذلك بثلاث سنوات، كُلّف إنشاء مكتب جديد للشركة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، كما تولى مسؤولية إدارة التدقيق والممارسة المهنية لأنشطة «ديلويت» في دول أفريقيا الناطقة بالفرنسية.

وزيراً للاقتصاد والمالية

تجربة واداني المهنية الدولية دفعت لتعيينه في منصب وزير دولة للاقتصاد والمالية يوم 7 أبريل (نيسان) 2016 ضمن أول حكومة للرئيس باتريك تالون، وفيها كُلّف تنفيذ برنامج تغييري طموح، قبل أن يُعاد تعيينه في مايو (أيار) 2021، ويواصل لعب دور محوَري في رسم السياسات الاقتصادية لبنين.

بعد ذلك، تولى واداني حقيبة الاقتصاد عندما كانت بنين تشكو فيه ارتفاع عجز الموازنة، وسوء إدارة الدين العام، وتراجع ثقة المستثمرين. وبالفعل، قاد سياسة تغييرية تقوم على محورَين رئيسين: الأول يتمثل في إدارة مالية عامة تتّسم بالشفافية لتحقيق «انضباط» الميزانية وتعبئة التمويل الدولي وتعزيز ثقة المانحين الدوليين من القطاعين العام والخاص. والآخر يركّز على تحسين مناخ الأعمال وتعزيز قدرة القطاع الخاص على مواجهة الصدمات الخارجية.

بفضل هذه السياسة، سجلت بنين نمواً بنسبة 8 في المائة عام 2025، وهو مستوى غير مسبوق لمدة ثلاثة عقود، وفق ما ذكره موقع الحملة الانتخابية لواداني. وحسب الموقع أيضاً، سُجّل رفع نصيب الفرد من الدخل بنسبة 50 في المائة خلال أقل من عشر سنوات، وتحديث أكثر من 14 ألف كيلومتر من الطرق، وبناء مستشفيات ومدارس جديدة، بالإضافة إلى برنامج المقصف المدرسي الذي يسمح لنحو 1.3 مليون طفل بالاستفادة من وجبة ساخنة يومياً.

أيضاً، تمكّن واداني من إجراء تغييرات على المالية العامة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 في المائة من الناتج المحلي، كما أطلق خلال ولايته مشاريع بنية تحتية كبرى حققت نمواً اقتصادياً واستقراراً، عزّزا ثقة المستثمرين الدوليين، ورسّخا صورة بنين كنموذج إصلاحي صاعد في المنطقة.

وعلى الصعيد الإقليمي، لعب واداني دوراً بارزاً في غرب أفريقيا، حيث ترأس المجلس القانوني لوزراء مالية «الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا»، وقاد مفاوضات مع فرنسا تُوجت بتوقيع اتفاق في ديسمبر (كانون الأول) 2019 لإنهاء العمل بعملة الفرنك الأفريقي (CFA) في المنطقة، في خطوة اعتُبرت تحولاً مهماً في مسار السيادة النقدية لدول الإقليم.

القائد الشاب... والمرشح الرئاسي

خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 أعلن روموالد واداني اعتزامه الترشح للرئاسة رغبةً منه في إكمال مسار التغيير، وتحقيق مزيد من التقدّم. وتعهد أيضاً بتوفير فرص عمل والقضاء على الفقر لتصل ثمار التغيير إلى كل بيت في بنين رافعاً شعار «نبني معاً بنين أحلامنا».

واليوم، وفق صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية، يعكس فوز واداني بالرئاسة «توجّهاً نحو تجديد الطبقة السياسية الحاكمة وتطوّراً للعقلية السياسية» في بنين «باختيار جيل من الحكّام أقرب للواقع». وهو بذا، ينضم إلى مجموعة محدودة من الرؤساء الشباب في قارة أفريقيا.

ثم إنه ممّا يزيد أهمية الحدث كون واداني وصل إلى قمة السلطة عبر انتخابات، اعتبر مراقبون دوليون أنها «أجريت بشكل سلمي ومنظم»، وأن ما سُجّل من ملاحظات محدودة لا يمسّ صدقية النتائج، وإن غابت عنها التعدّدية الفعلية.

التحديات الأمنية

من جهة ثانية، لانتخابات الرئاسة في بنين أهمية إضافية؛ كونها نُظّمت وسط تحديات أمنية كادت تهدّد إجراءها من الأساس. ففي ديسمبر الماضي، سيطر عدد من أفراد الجيش على محطة التلفزيون الرئيسة، وهاجموا قصر الرئاسة في محاولة انقلاب فاشلة احتجاجاً على تدهور الوضع الأمني في شمال البلاد وتصاعد تهديد الإرهاب. وبالتالي، جاءت الانتخابات بعد تعرّض بنين لإحدى أكثر سنواتها عنفاً على الإطلاق في 2025، وسلّطت المحاولة الانقلابية الضوء على هشاشة الأوضاع السياسية في دولة تعدّ واحدة من الديمقراطيات الأفريقية المستقرة نسبياً. وفي أي حال، نجحت الانتخابات الرئاسية الأخيرة في تحقيق خامس انتقال سلمي للسلطة منذ استقلال بنين عام 1960. كما أنه بالنسبة لمؤيدي واداني يمثل صعوده «بروز جيل جديد من القادة، أقل اهتماماً بالشعارات وأكثر تركيزاً على النتائج» حسب الـ«نيويورك تايمز»، لكن معارضيه يرون فيه «استمراراً لنظام سياسي يضيق فيه هامش التعدّدية».

إرث مثقل بالتحديات

في الواقع، يمكن القول إن روموالد واداني يتولّى محمّلاً بإرث مثقل بالتحدّيات السياسية والأمنية والاتهامات بتقييد المعارضة، ومسار اقتصادي تغييري حقّق قدراً من النمو والازدهار؛ ما يضعه أمام معادلة صعبة لاستكمال مسار التغيير الاقتصادي ومواجهة التحدّيات الأمنية مع الحفاظ على استقرار البلاد سياسياً.

ويُعدّ الفقر أحد أخطر التحديات التي تواجه واداني، لا سيما مع تجاوز نسبته أكثر من 30 في المائة من السكان. ويضاف إلى ذلك تصاعد الهجمات «الإرهابية» في الشمال؛ ما يفرض ضغوطاً على الجيش والسلطة، وانتقادات المعارضة لغياب التعددية و«الانفتاح السياسي الحقيقي».

وبينما يرى مراقبون أن الرئيس الجديد سيواصل النهج الاقتصادي الذي قاده خلال فترة سلفه تالون، فهم يؤكدون أن قياس نجاحه سيظل رهناً بقدرته على تحقيق تنمية أكثر شمولاً من جهة واحتواء التهديدات الأمنية وإعادة التوازن للحياة السياسية من جهة أخرى.وهكذا، بين الاستمرارية وضغوط الانفتاح والتغيير الديمقراطي، يدخل واداني عازماً على تحقيق مستقبل أفضل لشعب بنين. ويرى مراقبون أن سنواته الأولى في الحكم ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان سيُرسّخ نموذجاً ناجحاً للحكم الرشيد، أم سيواجه أزمات تعيد طرح الأسئلة القديمة حول الديمقراطية والتنمية في غرب أفريقيا.