سياسات أميركا الخارجية رهينة «اللّايقين»

الرئيس العائد يبداً عهده الثاني بحرب هدفها تفكيك «الدولة العميقة»

ترمب ... الملوّح بسلاح التعريفات الجمركية (أ ب)
ترمب ... الملوّح بسلاح التعريفات الجمركية (أ ب)
TT

سياسات أميركا الخارجية رهينة «اللّايقين»

ترمب ... الملوّح بسلاح التعريفات الجمركية (أ ب)
ترمب ... الملوّح بسلاح التعريفات الجمركية (أ ب)

مع عودة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، يبدو واضحاً بالفعل أن ولايته الثانية لن تكون مثل ولايته الأولى. ففي الأسبوع الأول من تولّيه منصبه، قال إنه سيقيس نجاحه جزئياً من خلال «الحروب التي لن ندخلها أبداً». غير أنه منذ اليوم الأول لتوليه منصبه، شن هجوماً شاملاً على الحكومة الفيدرالية، وأعاد العمل بجدول وظيفي كان أنشئ في الأشهر الأخيرة من ولايته الأولى، يحرم موظفي الخدمة المدنية من الحماية ويتيح صرفهم من الخدمة في أي وقت. منذ ترشح ترمب للرئاسة للمرة الأولى عام 2016 وحتى اليوم، أقنع كثيرين من أنصاره بأن «الدولة العميقة» أحبطت ولايته الأولى وحرمته من انتخابات 2020. وقال راسل فوغت، أحد أشد أنصار «ماغا» (شعار ترمب «لنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى» والمدير المحتمل لمكتب الإدارة والميزانية): «نريد أن نصدم البيروقراطيين، وعندما يستيقظون في الصباح، نريدهم ألا يرغبوا في الذهاب إلى العمل لأنهم يُنظَر إليهم على نحو متزايد باعتبارهم الأشرار». كذلك قال كاش باتيل، مرشح ترمب لرئاسة مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي) إنه سيغلق مقر «إف بي آي» في واشنطن وتحويله متحفاً لـ«الدولة العميقة».

لقد شرع دونالد ترمب في محو «الدولة العميقة» المزعومة، مطيحاً الخبرات والتدابير التي تجعل الإدارة الفعالة ممكنة. لكن مشكلته لا تكمن في أنه يطلب الولاء لأجندته فيما يتعلق بإدارة الحكومة، والهجرة، والرسوم الجمركية، والسياسة الخارجية، بل يطالب بما أسماه جون بولتون، مستشار الأمن القومي الأطول خدمة لترمب في ولايته الأولى، بـ«الولاء وفق مفهوم العصور الوسطى الذي لا يعني مجرد الولاء، بل الخضوع».

ترمب يقول إنه يريد تجنّب تكرار فوضى رئاسته الأولى، سواءً في سياساته الداخلية أو الخارجية، ملقياً بالمسؤولية عنها على عاتق «بعض الأشخاص غير المخلصين الذين لم يكن ينبغي له أن يختارهم»، وفق ما قاله في «بودكاست» جو روغان.

إلا أن السؤال المطروح الآن هو ما إذا كان المحيطون به سيعملون على كبح جموحه، بينما هو يستعيض عن الخبراء بالمتملقين لصالح إرادة شخص واحد، وبالتالي يقلّص قدرة الحكومة على تصميم السياسات وتنفيذها؛ ما سيؤدي في نهاية المطاف إلى إضعاف «الرجل القوي» نفسه.

تطهير الإدارة من «الأعداء»

في هجوم خاطف لا سابق له، أصدر ترمب عشرات، بل مئات القرارات التنفيذية لتطرد «الأعداء» المفترضين من مجموعة من الوكالات. وألغى سياسات «التنوّع والبيئة والجنس»، وعاقب معارضيه، وفصل المفتّشين العموميين المستقلين المكلّفين الحماية من الفساد المحتمل وإساءة الاستخدام. وبعدما جمّد تريليونات الدولارات من الإنفاق الفيدرالي على برامج متنوعة، كبرامج مساعدة كبار السن والأسر الفقيرة والمحاربين القدامى، (الذي عاد فجمّده قاضٍ فيدرالي) اضطر إلى التراجع عنه بعد الفوضى والارتباك الذي تسبب بهما. وقال ترمب للجمهوريين في مجلس النواب في خلوتهم هذا الأسبوع: «نحن نعمل على صياغة غالبية سياسية جديدة تحطّم وتحلّ محل ائتلاف (الصفقة الجديدة) للرئيس فرانكلن روزفلت الذي هيمن على السياسة الأميركية لأكثر من 100 سنة».

تفكيك الدولة الإدارية

في الواقع، لم يغيّر هجوم ترمب المُباغت نهج الحكومة في التعامل مع السياسات الرئيسية فحسب، بل هو عازم على «تفكيك الدولة الإدارية»، كما قال كبير استراتيجييه السابق ستيف بانون، وهو هدف يقوم على افتراض أن البيروقراطية متحيّزة بطبيعتها ضد اليمين وأولوياته.

وبعدما منح ترمب العفو للذين هاجموا مبنى الكابيتول يوم 6 يناير (كانون الثاني) 2021، فتح تحقيقاً في تصرّفات المدعين العامين المحترفين الذين وجّهوا التهم إلى مؤيدي ترمب. كذلك فصل المدّعين العامين الذين عملوا مع المستشار الخاص جاك سميث في التحقيقات في قضية قلب نتائج انتخابات 2020، وأرسل العشرات من المسؤولين المحترفين في مجلس الأمن القومي إلى بيوتهم، ووضع العشرات من المسؤولين المحترفين الآخرين في «الوكالة الأميركية للتنمية الدولية» في إجازة للاشتباه في مقاومة أوامره، وأمرت وزارة العدل بوقف مؤقت لجميع عمليات إنفاذ الحقوق المدنية.

أيضاً ألغى ترمب الحماية الوظيفية لكبار الموظفين المدنيين، وأمر بمراجعة الأشخاص في مناصب صنع السياسات للتأكد من أنهم يتبعون أولويات إدارته أو يواجهون الفصل. وألغى التصاريح والحمايات الأمنية عن كبار الشخصيات السياسية والعسكرية، من أعضاء إدارته الأولى، رغم تقدير أجهزة الاستخبارات أن التهديد الأمني لحياتهم من قبل إيران ما زال قائماً.

بهذا النوع من السياسات، يرى بعض الخبراء أن الخطر يهدّد الآن ترمب والبلاد معاً، بما يتجاوز التعسف ورفض المعرفة والعملية، وخطر التدابير القاسية. فقد أمضى الرئيس وحزبه وأتباعه ووسائل الإعلام الصديقة ما يقرب من عقد من الزمان في التنديد بـ«الدولة العميقة» المؤامراتية والتهديد بإسقاطها. وكانت النتيجة نزع الشرعية الشاملة عن المؤسسات التي تدعم القدرة الإدارية للحكومة، واعتبار الامتثال لقيودها غير ضروري ما لم تتوافق مع إرادة الرئيس.

ترمب والأمة... وعلامات الاستفهام

حقاً، منذ عام 2016، دأب ترمب على القول إنه شخص لا يمكن توقع أفعاله، بل قال: «علينا كأمة أن نكون أقل قابلية لتوقع أفعالنا». وشاركه نائبه جي دي فانس هذا التصور قائلاً: «ترمب، كما يقول منتقدوه وأنصاره، لا يمكن توقع ما يفعل» و«أنا متأكد بنسبة 100 في المائة من أن العجز عن التوقع كان لصالح الولايات المتحدة».

لكن ترمب ليس أول زعيم يتبنّى سياسة خارجية متقلبة. فقد حاول زعماء عالميون قبله أيضاً تطبيق هذه النظرية، من الزعيم السوفياتي نيكيتا خروشوف، إلى صدام حسين ومعمر القذافي، الذي وصفه الرئيس الأميركي السابق رونالد ريغان بأنه «مهرّج مجنون» و«متعصّب يستحيل التنبؤ بتصرفاته». وأخيراً اكتسب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين هذه السمعة بعد غزوه أوكرانيا. وفي فبراير (شباط) 2022، قال ماركو روبيو، عضو مجلس الشيوخ آنذاك ووزير الخارجية الآن، إن بوتين كما يبدو «يعاني بعض المشاكل الصحية العصبية الفيزيولوجية».

من ناحية أخرى، قد يكون تمسّك الرئيس الأميركي بهذه النظرية مثمراً أحياناً. فكونه شخصية يستحيل توقّع تصرفاتها، قد يكون لها تأثير رادع ضد كل من الصين التي تهدّد تايوان، وروسيا المستمرة في حربها ضد أوكرانيا وتهديداتها للقارة الأوروبية. وإذا أقنع ترمب الدولتين بأنه قد يكون جاهزاً لفعل أي شيء رداً على استفزازاتهما، قد يقلب مثل هذه الحسابات ويوقف تهديداتهما.

«اللايقين» يحكم السياسة الخارجية

وكما حدث عام 2016، دفعت رئاسة دونالد ترمب المعلقين داخل واشنطن وخارجها إلى التفكير في اتجاهات السياسة الخارجية الأميركية. وتكثر الأسئلة اليوم حول تعامله مع الصين وروسيا، وكذلك الهند والقوى الناشئة في الجنوب العالمي. وتتجه السياسة الخارجية الأميركية إلى فترة من اللايقين، حتى ولو كانت ولاية ترمب الأولى توفر نقطة مرجعية واضحة لكيفية إدارته لدور الولايات المتحدة في العالم خلال السنوات المقبلة.

ومثلما شكل الرئيسان فرانكلين روزفلت ورونالد ريغان فترتين مميزتين من تاريخ الولايات المتحدة، تُعزِّز عودة ترمب إلى البيت الأبيض مكانته في التاريخ بصفته شخصية تحويلية. كانت رئاسة روزفلت، التي أدت إلى نشوء نظام متعدد الأطراف بقيادة الولايات المتحدة، بمثابة إعلان عن فجر «القرن الأميركي». في حين سعى ريغان إلى تعظيم القوة العسكرية والاقتصادية الأميركية، وكان عصره عصر «السلام من خلال القوة».

وبينما يرث ترمب بقايا هذه الفترة، فهو يمثل أيضاً عصراً جديداً هو «عصر القومية»، الذي بدأ مع الأزمة المالية عام 2008 وأدى إلى الحمائية وتشديد الحدود وانكماش النمو في الكثير من أجزاء العالم.

عودة «القومية»، وبالذات القومية الاقتصادية والقومية العرقية، ميّزت الشؤون العالمية منذ منتصف العقد الأول من القرن الـ21، عندما شهد العالم ارتفاعاً في شعبية الشخصيات القومية، منها رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، وزعيمة اليمين المتطرف الفرنسية مارين لوبن في فرنسا، وترمب.

ترمب وبايدن و«عصر القومية»

ولكن بدلاً من التشكيك في هذا العصر الجديد من «القومية» أو تحديه، ساهمت واشنطن في بنائه. وإبّان إدارتي ترمب وجو بايدن، انشغلت واشنطن بتعزيز القوة الأميركية مع تقييد التقدّم الصيني. وبدلاً من إعطاء الأولوية لخلق فرص العمل أو النمو الاقتصادي على مستوى العالم، فرضت واشنطن التعريفات الجمركية وضوابط التصدير لإضعاف القوة الاقتصادية للصين.

ترمب تبنى «القومية» في ولايته الأولى، واستفاد من تأجيج المنافسة بين القوى العظمى، ورفع في استراتيجيته للأمن القومي لعام 2017 شعار «أميركا أولاً»، على حساب الصالح العالمي. ثم ترجم هذا إلى انسحاب الولايات المتحدة، من منظمات كـ«مجلس حقوق الإنسان» التابع للأمم المتحدة و«يونيسكو» و«منظمة الصحة العالمية» و«اتفاقية المناخ». وبعدما عاد إليها سلفه بايدن، انسحب ترمب منها مجدداً في الأسبوع الأول من تسلمه منصبه.

وبينما دفع الهوس بالمنافسة بين القوى العظمى ترمب إلى فرض تعريفات جمركية على الواردات الصينية والأوروبية، وعد بايدن بالابتعاد عن «أميركا أولاً»، لكنه لم يغادر «عصر القومية». وبعدما تعهد في أوائل عام 2021، «بالبدء في إصلاح التعاون وإعادة بناء قوة التحالفات الديمقراطية التي ضمرت»، بقي هذا التعاون في إطار المنافسة بين القوى العظمى. لا، بل توسع في سياسة ترمب الحمائية ضد الصين، وعزّز بشكل كبير لجنة الاستثمار الأجنبي في الولايات المتحدة، التي تراقب وتقيد الاستثمار الأجنبي لأسباب تتعلق بالأمن القومي، ووسع عدد الشركات الصينية المدرجة في القائمة السوداء لارتباطها بالجيش الصيني، وحافظ على التعريفات الجمركية الأولية التي فرضها ترمب والتي استهدفت الصين، وفرض تعريفات جمركية جديدة على تكنولوجيا أشباه الموصلات والطاقة المتجددة الصينية، وفرض قيوداً جديدة على الاستثمار الصيني في الولايات المتحدة، وجعل الاعتمادات الضريبية الجديدة متاحة لشركات التكنولوجيا الأميركية بشرط سحب استثماراتها من الشركات الصينية.

وهكذا، ما وصفه جيك سوليفان، مستشار الأمن القومي لبايدن، في البداية بنهج «ساحة صغيرة وسياج مرتفع» صار استراتيجية اقتصادية لاحتواء الصين وتفكيك الترابط بين الولايات المتحدة والصين في قطاعات التكنولوجيا العالية في الاقتصاد العالمي. وأدى التحوّل القومي في السياسة الخارجية الأميركية في عهد بايدن إلى تمكين الشركات ذاتها التي ساهمت في التفاوت الذي يغذي القومية.

«السلام من خلال القوة» عبر العودة لـ«مبدأ مونرو»

> تهديدات دونالد ترمب الجديدة، ورغم أنها ليست غريبة عن فترة رئاسته الأولى، بعدما تحولت «آيديولوجيا» للمؤسسة السياسية الأميركية، بمعزل عن هوية ساكن البيت الأبيض، فإن المحللين متشككون بشأن الكيفية التي يخطط بها للتعامل مع معظم البلدان في ولايته الثانية. لقد أثار ترمب مخاوف الحلفاء والأعداء معاً بتبنيه شعار «السلام من خلال القوة»، وطرحه سياسة خارجية جديدة عدوانية تعود إلى «مبدأ مونرو»، وتؤسس لنصف كرة غربي خالٍ من نفوذ الصين وروسيا. وبدا واضحاً أن ترمب سيعتمد سياسة «العصا والجزَرَة»؛ إذ هدّد الأوروبيين في «منتدى دافوس الاقتصادي» بتعريفات جمركية كبيرة ما لم يستثمروا في الولايات المتحدة، وطالب منظمة «أوبك» بخفض أسعار النفط وكرّر مطالبة دول حلف شمال الأطلسي (ناتو) بزيادة الإنفاق الدفاعي من 2 إلى 5 في المائة. وفي الشرق الأوسط، هدّد «حماس» إن لم توافق على صفقة تبادل الأسرى، وأثار الجدل بعد «طلبه» ترحيل الفلسطينيين من قطاع غزة إلى مصر والأردن رغم المخاوف من انهيار اتفاقيات السلام وزعزعة استقرار المنطقة. وبعدما أوقف المساعدات الخارجية، باستثناء إسرائيل ومصر، رفع الحظر عن الأسلحة الثقيلة لإسرائيل والقيود عن المستوطنين المتهمين بأعمال إجرامية ضد الفلسطينيين. وأيضاً أوقف المساعدات الإنسانية لسكان غزة بحجة استخدام أموالها في شراء «واقيات ذكرية». وقبل تسلمه منصبه، قال إن أميركا ستستعيد قناة بنما التي بنتها بحجة معاملتها السفن الأميركية بشكل مجحف يخدم الصين، وقال إنه يريد جزيرة غرينلاند «وإنه واثق من قبول الدنمارك الفكرة» - التي رفضتها كوبنهاغن - ورغبته في ضم كندا لتغدو الولاية الأميركية الـ51، وتغيير اسم خليج المكسيك إلى خليج أميركا. أيضاً، في أميركا اللاتينية، عبر سياسته المتشددة تجاه المهاجرين، يعتزم ترمب تعزيز النفوذ الأميركي. وفي حين اختار الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو «العصا»، اختار رئيس السلفادور نجيب بو كيلة «الجزرة»، عندما وافق على قبول عودة مواطنيه المرحّلين من الولايات المتحدة، بالإضافة إلى أعضاء عصابة «ترين دي أراغوا» من أصل فنزويلي. و«تفاخر» البيت الأبيض بما جرى مع كولومبيا إثر رفضها في البداية استقبال المرحّلين، ثم رضوخها بعد ساعات لضغوط ترمب، قائلاً إن هذه الأحداث توضح للعالم أن أميركا تحظى بالاحترام مرة أخرى، وبأنها بمثابة تحذير للدول الأخرى التي قد تسعى لعرقلة خططه.


مقالات ذات صلة

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

حصاد الأسبوع من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة

وارف قميحة (بيروت)
حصاد الأسبوع خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة

إيلي يوسف ( واشنطن)
حصاد الأسبوع كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب

«الشرق الأوسط» ( واشنطن)
حصاد الأسبوع 
مظاهرة نسائية إسبانية ضد الحرب (أ.ف.ب)

سانشيز يضع مدريد في مواجهة مباشرة مع واشنطن

عندما وقف رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز على مدخل مقر رئاسة الحكومة في الرابع من هذا الشهر ليقول إن موقف بلاده من الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران

شوقي الريّس ( مدريد)
حصاد الأسبوع سانشيز يخطب امام البرلمان (آ ف ب)

سانشيز يراهن على المشاعر وتعاطف الحلفاء والأصدقاء

لا يغيب عن رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز أن الخروج عن «بيت الطاعة» الأميركي في ظل إدارة دونالد ترمب، تترتب عليه تكلفة باهظة. إلا أنه يدرك أيضاً أن له


الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
TT

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة معقدة من العلاقات في المنطقة. فبكين، التي تحوّلت خلال العقدين الأخيرين إلى أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين في الشرق الأوسط، تجد نفسها اليوم أمام معادلة شديدة الحساسية: فمن جهة كيف تحافظ على شراكتها الاستراتيجية مع إيران، ومن جهة أخرى، وفي الوقت ذاته، كيف تصون علاقاتها العميقة مع دول الخليج، وتتجنب الإضرار بعلاقاتها الاقتصادية والتكنولوجية مع إسرائيل.

معادلات الشرق الأوسط ليست سهلة. فهذه المنطقة بالنسبة للصين ليست مجرد مساحة جغرافية بعيدة، بل منطقة حيوية تتقاطع فيها ثلاثة عناصر أساسية في الاستراتيجية الصينية: أمن الطاقة، واستقرار طرق التجارة، وتوسّع «مبادرة الحزام والطريق». ولذا؛ فإن أي حرب واسعة في المنطقة لا تشكّل تهديداً سياسياً فحسب، بل تمسّ مباشرة مصالح الصين الاقتصادية والاستراتيجية.

من هذا المنطلق، يمكن فهم الموقف الصيني من الحرب على إيران بوصفه محاولة واعية للحفاظ على سياسة التوازن الدقيق بين أطراف متعارضة، دون الانخراط في الصراع أو التحول إلى طرف فيه.

إيران وموقعها في الاستراتيجية الصينية

تحتل إيران موقعاً مهماً في الرؤية الجيوسياسية الصينية، ليس فقط بسبب مواردها الطاقوية الكبيرة، بل أيضاً بسبب موقعها الجغرافي الذي يربط آسيا الوسطى بالشرق الأوسط وأوروبا. وقد تعزّز هذا الموقع مع توقيع «اتفاقية التعاون الاستراتيجي الشامل» لمدة 25 سنة بين الصين وإيران في عام 2021، وهي الاتفاقية التي فتحت الباب أمام تعاون واسع في مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل والاستثمار.

بالنسبة لبكين، تمثل إيران عقدة مهمة في مشروع «مبادرة الحزام والطريق»؛ ذلك أنها تشكل ممراً جغرافياً رئيساً يربط الصين بالأسواق الغربية عبر آسيا الوسطى والشرق الأوسط. ثم أن إيران، بحكم استقلالية قرارها السياسي عن الغرب، تُعد شريكاً بإمكان الصين التعامل معه خارج منظومة الضغوط والعقوبات الغربية، وهو ما يفسر استمرار التعاون الاقتصادي بين البلدين رغم القيود الدولية.

لكن في الوقت ذاته، لا تنظر الصين إلى علاقتها مع إيران بوصفها تحالفاً عسكرياً أو سياسياً موجّهاً ضد طرف آخر. إذ إن بكين تدرك أن الانحياز الكامل إلى طهران سيعرّض مصالحها الواسعة في المنطقة للخطر. ولذلك؛ تحرص دائماً على إبقاء العلاقة في إطار الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية من دون أن تتحول إلى اصطفاف جيوسياسي حاد.

وزير الخارجية السعودي الأميرفيصل بن فرحان مع نظيره الصيني وانغ يي (وزارة الخارجية الصينية)

الخليج: شريان الطاقة للصين

من جانب آخر، إذا كانت إيران شريكاً مهماً للصين، فإن دول مجلس التعاون الخليجي الخليج تمثل بالنسبة للقيادة الصينية الركيزة الأساسية لأمن الطاقة.

فالصين اليوم هي أكبر مستورد للنفط في العالم، ويأتي جزء كبير من وارداتها النفطية من دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وقطر والكويت.

وهذا الاعتماد الكبير على الطاقة الخليجية جعل بكين تعمل خلال السنوات الماضية على تطوير علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول المنطقة بشكل غير مسبوق. وبالفعل، شهدت العلاقات الصينية الخليجية توسعاً كبيراً في مجالات الاستثمار والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والبنية التحتية.

ثم أن التعاون بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي لم يعد مقتصراً على النفط، بل امتد إلى مشاريع كبرى في مجالات المواني واللوجيستيات والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي؛ وهو ما يعكس تحوّل العلاقة إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.

في هذا السياق، تدرك القيادة في بكين أن أي حرب واسعة النطاق في المنطقة قد تهدّد استقرار أسواق الطاقة العالمية، وتؤدي بالتالي إلى اضطرابات في إمدادات النفط والغاز؛ وهو ما قد ينعكس سلباً على الاقتصاد الصيني. وبناءً عليه؛ ترى بكين اليوم في الاستقرار الإقليمي شرطاً أساسياً لحماية مصالحها الاقتصادية.

ولقد ظهر هذا التوجه بوضوح في الدور الذي لعبته بكين في رعاية الاتفاق التاريخي لاستئناف العلاقات بين السعودية وإيران في عام 2023، وهو اتفاق اعتبره كثيرون مؤشراً على صعود الدور الدبلوماسي الصيني في الشرق الأوسط.

العلاقة «المعقدة» مع إسرائيل

في الوقت عينه، طوّرت الصين خلال العقود الماضية علاقات اقتصادية وتكنولوجية مهمة مع إسرائيل. فقد أصبحت إسرائيل أحد الشركاء البارزين للصين في مجالات الابتكار والتكنولوجيا المتقدّمة، كما شاركت الشركات الصينية في تنفيذ مشاريع بنية تحتية مهمة داخل إسرائيل، بما في ذلك تطوير بعض المواني ومشاريع النقل.

هذه العلاقة تعكس اهتمام الصين بالاستفادة من القدرات التكنولوجية الإسرائيلية، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

لكن في ظل التصعيد العسكري في المنطقة، حرصت سلطات بكين على التأكيد أن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً. وفي هذا السياق، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي اتصالات مع الأطراف المعنية، شدّد خلالها على «ضرورة وقف العمليات العسكرية وتجنب توسيع رقعة الحرب، والعمل على إعادة فتح المسارات الدبلوماسية، بما في ذلك تواصل مع الجانب الإسرائيلي ضمن مساعي التهدئة».

غير أن هذه العلاقة شهدت خلال السنوات الأخيرة بعض التعقيدات، خصوصاً في ظل الضغوط الأميركية على إسرائيل لتقليص تعاونها التكنولوجي مع الصين. كما أن التصعيد العسكري المتكرّر في المنطقة وضع بكين أمام تحدٍ إضافي في إدارة علاقاتها مع إسرائيل دون أن تبدو منحازة في الصراعات الإقليمية.

موقف الصين من الحرب

انطلاقاً من هذه الشبكة المعقدة من العلاقات، جاء الموقف الصيني من الحرب على إيران منسجماً مع نهج بكين التقليدي في السياسة الخارجية، لكنه في ضوء التطورات الأخيرة بات أكثر حذراً وواقعية.

ذلك أن التصعيد الذي شهدته المنطقة خلال الأيام الماضية، من ضربات واسعة واستهدافات مباشرة وردود متبادلة طالت مصالح وقواعد، وضع الصين أمام مشهد يتجاوز الحسابات التقليدية. والقصد هنا أن الحرب لم تعد مجرد احتمال، بل صارت مساراً قائماً يتّسع تدريجياً.

في هذا السياق، كثّفت بكين تحركاتها الدبلوماسية بشكل لافت، فأرسلت مبعوثها الخاص إلى الشرق الأوسط، حيث أجرى لقاءات مع عدد من المسؤولين، أبرزها مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في خطوة تعكس إدراك الصين لأهمية التنسيق مع القوى المحوَرية في استقرار المنطقة. وبالتوازي، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي سلسلة اتصالات مع أطراف إقليمية ودولية، شملت أيضاً تواصلاً مع الجانب الإسرائيلي، ركّز خلالها على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، ورفض توسيع دائرة الحرب، والدفع نحو إعادة فتح المسارات السياسية.

أيضاً شددت القيادة الصينية على أهمية «احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها»، ورفضت أي سياسات تقوم على تغيير الأنظمة بالقوة أو فرض الوقائع العسكرية خارج إطار الشرعية الدولية.

غير أن ما يلفت في الموقف الصيني هو إدراكه أن هذه الحرب، إذا ما استمرت، لن تبقى محصورة في حدود إيران، بل ستصبح مرشحة لإعادة رسم توازنات المنطقة بأكملها، بما في ذلك الخليج وشرق المتوسط. وهذا الأمر، بالذات، يفسّر الحذر الشديد في الخطاب السياسي الصيني إزاء الحرب الراهنة، فهو من جهة يتجنب الانحياز العلني، لكنه من جهة ثانية - وفي الوقت ذاته - يرفض منطق الحسم العسكري.

بكين ترى أن هذه الحرب - إذا استمرت - لن تبقى محصورة في حدود إيران... بل ربما تؤدي لرسم توازنات المنطقة بأكملها

قراءات الصين بين الاستفادة والحذر

وسط هذا المشهد، يُطرح سؤال يتكرر في الأوساط السياسية: هل تُعدّ الصين الرابح من تعثر الولايات المتحدة في إدارة الحرب؟

الواقع أن الإجابة ليست بهذه البساطة.

إذ بكين تراقب، من دون أدنى شك، كيف تواجه واشنطن صعوبات في تحقيق حسم سريع، وما قد يرافق ذلك من «تآكل في صورة» القوة القادرة على فرض نتائجها. وبالطبع، هذا ربما يمنح الصين هامشاً سياسياً أوسع لتعزيز خطابها حول عالم متعدد الأقطاب، وإعادة طرح تساؤلات حول فاعلية السياسات القائمة على القوة العسكرية.

ولكن في المقابل، لا تنظر الصين إلى هذا التعثر بوصفه «نصراً» لها بقدر ما تراه مؤشراً على بيئة دولية أكثر اضطراباً وخطورة. ذلك أن «الحروب المفتوحة» في منطقة الشرق الأوسط لا تخدم المصالح الصينية، بل، بالعكس، تهدد مباشرة أمن الطاقة واستقرار طرق التجارة وسلاسل الإمداد التي يقوم عليها صعودها الاقتصادي.

لذلك؛ يمكن القول إن الصين ليست رابحاً مباشراً في هذه الحرب، بل فاعل حذر يستفيد من أخطاء الآخرين دون أن يتمنى استمرارها... ويدرك أن أي انفلات واسع في المنطقة قد يتجاوز الجميع ويعيد رسم قواعد اللعبة الدولية بشكل لا يمكن التحكم به.

الشرق الأوسط في الرؤية الصينية

خلال السنوات الأخيرة، بدأت الصين تنظر إلى الشرق الأوسط من منظور أوسع يتجاوز البُعد الاقتصادي وحده. فالمنطقة أصبحت ساحة مهمة في التنافس الدولي، لكنها - وفقاً للمسؤولين الصينيين - تمثّل في الوقت نفسه فرصة لبكين لتعزيز دورها كقوة دولية كبيرة تسعى إلى دعم الاستقرار والتنمية.

وفي هذا السياق، طرحت الصين مجموعة من المبادرات الدولية التي تهدف إلى إعادة صياغة آليات التعاون الدولي، من أبرزها: «مبادرة التنمية العالمية»، و«مبادرة الأمن العالمي»، و«مبادرة الحوكمة العالمية» التي تركز على إصلاح منظومة الحوكمة الدولية وتعزيز التعددية واحترام سيادة الدول.

وفق مسؤولين في بكين، تنسجم هذه المبادرات مع رؤية الرئيس الصيني شي جينبينغ، الذي يؤمن بأن العالم يحتاج إلى نظام دولي «أكثر توازناً وعدالة»، يقوم على «التعاون المتكافئ بين الدول واحترام خصوصياتها التنموية والثقافية».

«دبلوماسية التوازن»

في ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن السياسة الصينية في الشرق الأوسط تقوم راهناً على ما يمكن تسميته «دبلوماسية التوازن». إذ إن الصين تحاول الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الأطراف الإقليمية، من دون الانحياز إلى محور ضد آخر. وهذه الدبلوماسية تقوم على ثلاث معادلات أساسية:

- الحفاظ على الشراكة مع إيران

- ضمان أمن الطاقة عبر الخليج

- الاستمرار في التعاون مع إسرائيل.

لكن مع اتساع رقعة التصعيد، لم يعُد هذا التوازن مجرّد خيار دبلوماسي مريح، بل تحوّل ضرورة استراتيجية معقدة، تتطلّب إدارة دقيقة لتفادي الانزلاق إلى مواقف قد تضرّ بمصالح الصين أو تقيّد حركتها في المنطقة.

وفي لحظة تتقدّم فيها لغة القوة على ما عداها، تحاول سلطات بكين أن تطرح رؤيتها كصوت مختلف، لا يملك أدوات الحسم العسكري، لكن لديه رؤية تقوم على منع الانهيار الشامل بدل من الاكتفاء بإدارة نتائجه. أخيراً، مع اتساع رقعة المواجهة في المنطقة، سيبقى اختبار بكين الحقيقي ليس فقط قدرتها على الحفاظ على توازن علاقاتها، بل في مدى نجاحها في تحويل هذا التوازن دوراً فاعلاً يمنع الانزلاق نحو حرب أكبر.

وبخاصة، أنه في شرق أوسط يشتعل على أكثر من جبهة، لم يعد التوازن خياراً دبلوماسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية... للصين وللعالم.

 

* رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث ورئيس الرابطة العربية الصينيةللحوار والتواصل


ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
TT

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة أُنهكت بالفضائح والاحتجاجات وسوء التواصل مع الكونغرس، بل عن شخصية تعكس، بأسلوبها وطباعها، المرحلة نفسها: صدامية، وهجومية، ومشدودة بالكامل إلى أولوية الهجرة والأمن الحدودي قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. فمَلين لا يأتي من مدرسة الأمن القومي التقليدية، ولا من أجهزة إنفاذ القانون أو الاستخبارات، بل من عالم الأعمال العائلية والرياضة القتالية والسياسة الشعبوية. لذا يبدو ترشيحه، في جوهره، رسالة سياسية أكثر منه تعييناً تكنوقراطياً. ترمب يريد وزيراً قادراً على الدفاع عن نهجه، وامتصاص غضب الجمهوريين من فوضى نويم، ومواجهة الديمقراطيين الذين يربطون تمويل الوزارة بإصلاحات تحدّ من أساليب وكالة الهجرة والجمارك (آيس)، وهيئة الجمارك وحماية الحدود (سي بي بي). لكن هذا الاختيار نفسه يفتح أسئلة ثقيلة منها: هل تصلح شخصية قتالية لإدارة جهاز ضخم يضم أكثر من 20 وكالة ومئات آلاف الموظفين؟ وهل يستطيع مَلين أن يكون رجل ضبط مؤسسي، لا مجرد رأس حربة سياسي؟

ماركواين مَلين، المولود في مدينة تولسا، ثاني كبرى مدن ولاية أوكلاهوما، عام 1977، هو أصغر الأبناء السبعة لجيم مارتن مولين وبريندا غايل موريس مَلين، وابن بيئة ريفية محافظة في أوكلاهوما، نشأ في مزرعة العائلة ببلدة وستفيل. وبصفته عضواً في «أمة الشيروكي»، أكبر قبيلة من شعوب أميركا الأصلية (الهنود الحُمر)، يُعد أول سيناتور من السكان الأصليين منذ تقاعد السيناتور بن نايتهورس كامبل عام 2005. كما أنه ثاني مواطن من «الشيروكي» يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ منذ عام 1925.

خلفية ريفية

خلال الفترة من 2013 إلى 2023، شغل مَلين منصب الممثل الأميركي عن الدائرة الانتخابية الثانية لولاية أوكلاهوما. وكان قد تخرج في مدرسة ستيلويل الثانوية بمدينة ستيلويل بأوكلاهوما، والتحق بكلية ميسوري فالي، إلا أنه تركها مؤقتاً في سن العشرين بعدما مرض والده، ليتولّى مع زوجته كريستي إنقاذ شركة العائلة «مَلين لأعمال السباكة»، ثم توسيعها إلى شبكة أعمال شملت مجالات أخرى.

ولاحقاً، تابع دراسته الجامعية في تكنولوجيا البناء بمعهد التكنولوجيا الملحق بجامعة ولاية أوكلاهوما، وبنى صورته السياسية على أنه «رجل من خارج المؤسسة» يعرف الاقتصاد الحقيقي والأعمال الصغيرة أكثر مما يعرف «بيروقراطية» واشنطن.

خلفيته هذه هي التي جعلته جذاباً داخل الحزب الجمهوري، وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين؛ فهو رجل ناجح، ريفي، متديّن، قريب من المزاج المحافظ في أوكلاهوما (أكثر ولايات أميركا محافظةً)، ويمكن تسويقه بسهولة بوصفه نموذجاً لـ«الأميركي المنتج» لا السياسي المحترف.

هذه السيرة الشخصية تحمل أيضاً عنصراً رمزياً مهماً: مَلين سيكون، إذا ثُبّت، من أبرز الشخصيات المنتمية إلى «أمة الشيروكي» في أعلى هرم السلطة الفيدرالية الأمنية.

غير أن هذا البُعد الرمزي لا يكفي وحده لرد الانتقادات؛ فخصومه لا ينازعونه في قصة الصعود الاجتماعي، بل في صلتها الفعلية بالمنصب الجديد. ومَن انتقل من السباكة والأعمال إلى مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ، لم يمرّ عبر مسار مهني تقليدي في الأمن الداخلي، أو إدارة الحدود، أو الاستجابة للكوارث... وهذه ملفات تمثل عصب الوزارة التي سيقودها. ولهذا فإن ما يُحسب له انتخابياً بوصفه «قريباً من الناس»، قد يُحسب عليه إدارياً بوصفه نقصاً في الخبرة النوعية.

«المقاتل الخشن»

ما ميّز مَلين في واشنطن ليس فقط خطه المحافظ، بل أسلوبه الشخصي؛ فهو مقاتل فنون قتالية مختلطة سابق، وسيرته الرسمية تذكر سجلّه الاحترافي غير المهزوم، كذلك بُني حضوره العام طويلاً على صورة الرجل القوي، السريع الغضب، المستعد للمواجهة المباشرة.

هذه الصورة بلغت ذروتها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 حين تحدّى شون أوبراين، رئيس النقابة الدولية لعمال النقل (التيمسترز)، إلى عراك داخل جلسة استماع في مجلس الشيوخ، في مشهد تحوّل إلى اختصار رمزي لشخصيته السياسية: هجومية، واستعراضية، وغير معنية كثيراً بخطوط الوقار المؤسسي التقليدية.

حتى جلسة تثبيته نفسها لم تخلُ من هذا الإرث؛ إذ افتتحها رئيس لجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية في مجلس الشيوخ السيناتور الجمهوري راند بول، بمواجهة شخصية قاسية، مذكّراً بخلافاتهما السابقة، وباللغة التي استخدمها مَلين بحقه، ما جعل الجلسة منذ بدايتها اختباراً للمزاج والطباع بقدر ما كانت اختباراً للسياسات.

هنا تكمن المعضلة الأساسية؛ فترمب يرى في «الصلابة» ميزة، وكثيرون من الجمهوريين يؤمنون بأن وزارة الأمن الداخلي، بعد شهور من الفوضى والارتباك، تحتاج إلى شخص «يمسكها بقبضة قوية». لكن ما يراه البيت الأبيض حزماً، يراه الديمقراطيون وبعض الجمهوريين اندفاعاً قد يزيد تأزيم وكالة تعمل أصلاً تحت ضغط سياسي ومالي وشعبي غير مسبوق.

«غموض» السيرة الأمنية

لكن أخطر ما يلاحق مَلين راهناً ليس افتقاره إلى الخبرة الإدارية فحسب، بل أيضاً الغموض الذي أحاط به شخصياً حول ما وصفه مراراً بأنه خبرات أو «مهمات خاصة» خارج وزارة الدفاع وفي الخارج؛ إذ تكلّم في مناسبات مختلفة عن وجوده في «بيئات حرب»، وعن «رائحة الحرب». وأشار بعد اقتحام «الكابيتول» يوم 6 يناير (كانون الثاني) 2021 إلى أنه «دافع عن المبنى»؛ لأنه أدرك سريعاً خطورة الموقف؛ لأنه «كان في مثل هذه الظروف في الخارج» من قبل، بيد أنه أحجم مراراً عن تقديم تفاصيل. وعندما سُئل، عاد لمكتبه هذا الأسبوع ليقول إن الأمر يتعلق بأعمال تبشيرية ودعم معنوي للجنود الأميركيين العائدين، إضافة إلى رحلات وفود برلمانية اعتيادية. هذه الفجوة بين الإيحاء الأمني والتفسير المتأخر هي ما جعل منتقديه يتكلمون عن محاولة لصناعة «رصيد بطولة ضمني» لا تدعمه سيرة معلنة أو خدمة عسكرية فعلية.

تتصل بهذه النقطة أيضاً «حكاية أفغانستان» في صيف 2021، حين حاول مَلين - وكان آنذاك نائباً في مجلس النواب - الوصول إلى المنطقة للمساعدة في إجلاء أميركيين وحلفاء بعد الانسحاب الأميركي الفوضوي.

بالنسبة لمؤيديه، كانت تلك الحلقة دليلاً على نزعة فعلية للمبادرة والمخاطرة... ولكن بالنسبة لمنتقديه جسّدت ميلاً إلى الأداء الفردي الملتبس عند تقاطع الأمن والسياسة والاستعراض.

هذا السجال مهمٌّ؛ لأن المنصب المطروح اليوم ليس منصب «رسول أزمة»، بل رئاسة مؤسسة عملاقة تحتاج إلى وضوح في التسلسل القيادي، وتحديد قانوني دقيق للمهام، وانضباط في الخطاب العام.

6 يناير... والولاء لترمب

في السياسة، يُقرأ مَلين أولاً كحليف شديد الوفاء لترمب. صحيح أنه حاول بعد هجوم «الكابيتول» أن يقدّم نفسه كأحد الذين استشعروا الخطر وساعدوا شرطة «الكابيتول». والمشكلة ليست في تلك اللحظة وحدها، ولكن عندما لم يتحوّل بعد 6 يناير إلى جمهوري ناقد لترمب، بل بقي داخل الدائرة المخلصة له سياسياً.

هذا الولاء هو بالضبط ما يطمئن البيت الأبيض اليوم، ويجعل كثيراً من الديمقراطيين مقتنعين بأن تغيير الاسم على باب الوزارة لن يعني تغييراً حقيقياً في سياساتها. فمَلين، في ملفات الهجرة خاصة، كان في حالة تطابق شبه كامل مع خط الإدارة، ودافع عن عناصر «آيس» حتى بعد حوادث القتل التي فاقمت الغضب العام.

وهنا تأتي المفارقة: الرجل يُسوَّق جمهورياً على أنه بديل عن كيرستي نويم، لكنه يُفهم ديمقراطياً على أنه استمرار أكثر انضباطاً لنهجها، لا قطيعة معه، ثم إن الديمقراطيين لا يرون أن مشكلتهم كانت مع شخصية نويم وحدها، بل مع بنية القرار نفسها داخل البيت الأبيض، حيث لا يزال ستيفن ميلر، مستشار ترمب ونائب كبير موظفي البيت الأبيض، صاحب التأثير الأكبر في ملف الأمن الداخلي والهجرة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن مَلين قد ينجح في تحسين العلاقة مع الكونغرس، أو في إعادة شيء من الانضباط الإداري، لكنه لن يكون حراً في قلب فلسفة الوزارة، أو تخفيف القبضة على إنفاذ الهجرة.

ما الذي يرثه مَلين بعد نويم؟

خروج كيرستي نويم لم يكن مجرد تبديل روتيني؛ فبحسب «رويترز» ووسائل أميركية عدة، جاء بعد تراكم أزمات: مقتل مواطنين أميركيين في مينيابوليس خلال عمليات مرتبطة بإنفاذ الهجرة، وغضب من الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما)، وتأخر المساعدات، ومأزق إعلان حكومي ضخم بقيمة تفوق 200 مليون دولار ارتبط باسمها، وأثار امتعاض ترمب نفسه حين قال إنه لم يوافق عليه.

كذلك اشتكى جمهوريون من ضعف التواصل بين الوزارة والكونغرس، وهذه نقطة تكرّرت بقوة خلال الأيام التي سبقت جلسة مَلين. وبهذا المعنى، أُخرجت نويم بوصفها «كبش فداء» جزئياً، لكن أيضاً بوصفها عنواناً لفشل سياسي وإداري صار مكلفاً انتخابياً.

بالتالي، ما يرثه مَلين ليس جهازاً متماسكاً، بل وزارة مأزومة: نزاع أدى إلى تعطل تمويل بعض أنشطة الوزارة، وضغط ديمقراطي لفرض قيود على سلوك عناصر الهجرة، وتراجع في الرأي العام تجاه أساليب «آيس»، واستنزاف معنوي داخل أجهزة مثل إدارة أمن النقل (تي إس إيه) و«فيما». ففي استطلاع «رويترز - إبسوس» في يناير الماضي، قال 58 في المائة إن حملة «آيس» قد «ذهبت بعيداً»، في حين هبطت شعبية ترمب بموضوع الهجرة إلى 39 في المائة، رغم بقاء الجمهوريين متقدمين نسبياً على الديمقراطيين في ثقة الناخبين بهذه القضية.

هذه الأرقام تفسر سبب حاجة ترمب إلى شخصية قادرة على الجمع بين أمرين متناقضين ظاهرياً؛ أي مواصلة التشدد، لكن من دون إعادة إنتاج الفوضى البصرية والسياسية التي التصقت بنويم.

انتخابات نوفمبر

على الأرجح، لن يُقاس نجاح مَلين خلال الأشهر القليلة المقبلة بمعيار الإصلاح المؤسسي العميق، بل بثلاثة اختبارات أكثر مباشرة:

الأول، هل يستطيع تهدئة الجبهة الجمهورية الداخلية عبر تحسين إدارة «فيما»، والرد على شكاوى أعضاء الكونغرس من انقطاع التواصل؟

الثاني، هل ينجح في تمرير تمويل الوزارة، أو على الأقل تخفيف تكلفة الاشتباك مع الديمقراطيين حوله؟

والثالث، هل سيستطيع مواصلة حملة ترمب على الهجرة بطريقة أقل فوضى وأقل تكلفة دعائية؟

لكن حدود نجاحه واضحة أيضاً؛ فالديمقراطيون سيواصلون استخدامه منصة لإبراز ما يعتبرونه «قانونية منفلتة» داخل «آيس»، وهيئة الجمارك وحماية الحدود «سي بي بي»، لا سيما بعد حوادث مينيابوليس، ثم إن افتقاره إلى الخبرة المباشرة في ملفات الأمن الداخلي يمنح خصومه مادة جاهزة للتشكيك في قدرته على إدارة وزارة بهذا التعقيد. وإضافة إلى ذلك، فإن أي محاولة منه لتقديم نفسه مصلحاً معتدلاً ستصطدم بولائه السياسي لترمب، وأي انحياز كامل إلى خط البيت الأبيض سيعني تثبيت الانطباع بأنه مجرد منفذ سياسي لسياسات صاغها آخرون.

لذا يُرجَّح أن يكون مَلين «وزير احتواء» أكثر منه «وزير إعادة تأسيس»؛ أي رجل مهمته تنظيم الفوضى لا تغيير الاتجاه، وترميم صورة التشدد لا التخلي عنه.

في المحصلة، يختصر ماركواين مَلين مفارقة «الترمبية» في ولايتها الثانية: شخصيات من خارج الاختصاص تُدفع إلى مواقع سيادية؛ لأنها تتقن لغة الصدام السياسي والولاء الشخصي أكثر مما تتقن البيروقراطية الحكومية... قوته الحقيقية لا تكمن في خبرة أمنية مثبتة، بل في قدرته على تمثيل مزاج ترمب أمام الكونغرس والشاشات والقاعدة الجمهورية.


وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
TT

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب والهجمات العابرة للحدود، إلى الهجرة غير النظامية، والكوارث الطبيعية، والهجمات السيبرانية.

لقد أُنشئت الوزارة بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بهدف توحيد عمل أجهزة أمنية كانت موزّعة على عدة مؤسسات، بحيث تغدو الاستجابة أسرع، ويغدو التنسيق أقوى بين الأمن الحدودي، والاستخبارات، وإدارة الطوارئ، وحماية البنية التحتية. وحقاً تقول الوزارة إن مهمتها الأساسية هي «حماية الشعب الأميركي والوطن والقيم الأميركية»، وهذه مهمة تتجاوز المعنى التقليدي للأمن، لتشمل أيضاً ضمان استمرارية السفر والتجارة الشرعيين وحماية المؤسسات الحيوية.

تكمن أهمية الوزارة أيضاً في أنها لا تتعامل فقط مع الأخطار الخارجية، بل أيضاً مع التهديدات الداخلية التي قد تمسّ الحياة اليومية مباشرة، مثل أمن المطارات، وحماية الحدود البرية والبحرية، والاستجابة للأعاصير والفيضانات، وتأمين الانتخابات والبنية التحتية الرقمية، ومكافحة تهريب البشر والمخدرات، وحماية كبار المسؤولين. ولهذا فهي من أكثر الوزارات تشعّباً وحساسية سياسياً، إذ إنها تضم أكثر من 260 ألف موظف، وتعمل عند تقاطع الأمن، والهجرة، والحريات المدنية، وإدارة الأزمات.

أما أبرز أجهزة الوزارة ومكوّناتها الأمنية والتنفيذية فهي: هيئة الجمارك وحماية الحدود (سي ب بي) وهي المسؤولة عن المعابر والحدود، ووكالة الهجرة والجمارك (آيس) التي تتولى التحقيقات وعمليات الترحيل، وإدارة أمن النقل (تي إس إيه) المكلفة بأمن المطارات ووسائل النقل، وخفر السواحل الأميركي والخدمة السرية والوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما) ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية، بالإضافة إلى خدمات المواطنة والهجرة، ومكتب الاستخبارات والتحليل. وبذلك تُعد الوزارة مركزاً جامعاً للأمن الحدودي، والأمن الداخلي، وإدارة الكوارث، والدفاع عن البنية التحتية الحيوية في آنٍ واحد.