سياسات أميركا الخارجية رهينة «اللّايقين»

الرئيس العائد يبداً عهده الثاني بحرب هدفها تفكيك «الدولة العميقة»

ترمب ... الملوّح بسلاح التعريفات الجمركية (أ ب)
ترمب ... الملوّح بسلاح التعريفات الجمركية (أ ب)
TT

سياسات أميركا الخارجية رهينة «اللّايقين»

ترمب ... الملوّح بسلاح التعريفات الجمركية (أ ب)
ترمب ... الملوّح بسلاح التعريفات الجمركية (أ ب)

مع عودة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، يبدو واضحاً بالفعل أن ولايته الثانية لن تكون مثل ولايته الأولى. ففي الأسبوع الأول من تولّيه منصبه، قال إنه سيقيس نجاحه جزئياً من خلال «الحروب التي لن ندخلها أبداً». غير أنه منذ اليوم الأول لتوليه منصبه، شن هجوماً شاملاً على الحكومة الفيدرالية، وأعاد العمل بجدول وظيفي كان أنشئ في الأشهر الأخيرة من ولايته الأولى، يحرم موظفي الخدمة المدنية من الحماية ويتيح صرفهم من الخدمة في أي وقت. منذ ترشح ترمب للرئاسة للمرة الأولى عام 2016 وحتى اليوم، أقنع كثيرين من أنصاره بأن «الدولة العميقة» أحبطت ولايته الأولى وحرمته من انتخابات 2020. وقال راسل فوغت، أحد أشد أنصار «ماغا» (شعار ترمب «لنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى» والمدير المحتمل لمكتب الإدارة والميزانية): «نريد أن نصدم البيروقراطيين، وعندما يستيقظون في الصباح، نريدهم ألا يرغبوا في الذهاب إلى العمل لأنهم يُنظَر إليهم على نحو متزايد باعتبارهم الأشرار». كذلك قال كاش باتيل، مرشح ترمب لرئاسة مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي) إنه سيغلق مقر «إف بي آي» في واشنطن وتحويله متحفاً لـ«الدولة العميقة».

لقد شرع دونالد ترمب في محو «الدولة العميقة» المزعومة، مطيحاً الخبرات والتدابير التي تجعل الإدارة الفعالة ممكنة. لكن مشكلته لا تكمن في أنه يطلب الولاء لأجندته فيما يتعلق بإدارة الحكومة، والهجرة، والرسوم الجمركية، والسياسة الخارجية، بل يطالب بما أسماه جون بولتون، مستشار الأمن القومي الأطول خدمة لترمب في ولايته الأولى، بـ«الولاء وفق مفهوم العصور الوسطى الذي لا يعني مجرد الولاء، بل الخضوع».

ترمب يقول إنه يريد تجنّب تكرار فوضى رئاسته الأولى، سواءً في سياساته الداخلية أو الخارجية، ملقياً بالمسؤولية عنها على عاتق «بعض الأشخاص غير المخلصين الذين لم يكن ينبغي له أن يختارهم»، وفق ما قاله في «بودكاست» جو روغان.

إلا أن السؤال المطروح الآن هو ما إذا كان المحيطون به سيعملون على كبح جموحه، بينما هو يستعيض عن الخبراء بالمتملقين لصالح إرادة شخص واحد، وبالتالي يقلّص قدرة الحكومة على تصميم السياسات وتنفيذها؛ ما سيؤدي في نهاية المطاف إلى إضعاف «الرجل القوي» نفسه.

تطهير الإدارة من «الأعداء»

في هجوم خاطف لا سابق له، أصدر ترمب عشرات، بل مئات القرارات التنفيذية لتطرد «الأعداء» المفترضين من مجموعة من الوكالات. وألغى سياسات «التنوّع والبيئة والجنس»، وعاقب معارضيه، وفصل المفتّشين العموميين المستقلين المكلّفين الحماية من الفساد المحتمل وإساءة الاستخدام. وبعدما جمّد تريليونات الدولارات من الإنفاق الفيدرالي على برامج متنوعة، كبرامج مساعدة كبار السن والأسر الفقيرة والمحاربين القدامى، (الذي عاد فجمّده قاضٍ فيدرالي) اضطر إلى التراجع عنه بعد الفوضى والارتباك الذي تسبب بهما. وقال ترمب للجمهوريين في مجلس النواب في خلوتهم هذا الأسبوع: «نحن نعمل على صياغة غالبية سياسية جديدة تحطّم وتحلّ محل ائتلاف (الصفقة الجديدة) للرئيس فرانكلن روزفلت الذي هيمن على السياسة الأميركية لأكثر من 100 سنة».

تفكيك الدولة الإدارية

في الواقع، لم يغيّر هجوم ترمب المُباغت نهج الحكومة في التعامل مع السياسات الرئيسية فحسب، بل هو عازم على «تفكيك الدولة الإدارية»، كما قال كبير استراتيجييه السابق ستيف بانون، وهو هدف يقوم على افتراض أن البيروقراطية متحيّزة بطبيعتها ضد اليمين وأولوياته.

وبعدما منح ترمب العفو للذين هاجموا مبنى الكابيتول يوم 6 يناير (كانون الثاني) 2021، فتح تحقيقاً في تصرّفات المدعين العامين المحترفين الذين وجّهوا التهم إلى مؤيدي ترمب. كذلك فصل المدّعين العامين الذين عملوا مع المستشار الخاص جاك سميث في التحقيقات في قضية قلب نتائج انتخابات 2020، وأرسل العشرات من المسؤولين المحترفين في مجلس الأمن القومي إلى بيوتهم، ووضع العشرات من المسؤولين المحترفين الآخرين في «الوكالة الأميركية للتنمية الدولية» في إجازة للاشتباه في مقاومة أوامره، وأمرت وزارة العدل بوقف مؤقت لجميع عمليات إنفاذ الحقوق المدنية.

أيضاً ألغى ترمب الحماية الوظيفية لكبار الموظفين المدنيين، وأمر بمراجعة الأشخاص في مناصب صنع السياسات للتأكد من أنهم يتبعون أولويات إدارته أو يواجهون الفصل. وألغى التصاريح والحمايات الأمنية عن كبار الشخصيات السياسية والعسكرية، من أعضاء إدارته الأولى، رغم تقدير أجهزة الاستخبارات أن التهديد الأمني لحياتهم من قبل إيران ما زال قائماً.

بهذا النوع من السياسات، يرى بعض الخبراء أن الخطر يهدّد الآن ترمب والبلاد معاً، بما يتجاوز التعسف ورفض المعرفة والعملية، وخطر التدابير القاسية. فقد أمضى الرئيس وحزبه وأتباعه ووسائل الإعلام الصديقة ما يقرب من عقد من الزمان في التنديد بـ«الدولة العميقة» المؤامراتية والتهديد بإسقاطها. وكانت النتيجة نزع الشرعية الشاملة عن المؤسسات التي تدعم القدرة الإدارية للحكومة، واعتبار الامتثال لقيودها غير ضروري ما لم تتوافق مع إرادة الرئيس.

ترمب والأمة... وعلامات الاستفهام

حقاً، منذ عام 2016، دأب ترمب على القول إنه شخص لا يمكن توقع أفعاله، بل قال: «علينا كأمة أن نكون أقل قابلية لتوقع أفعالنا». وشاركه نائبه جي دي فانس هذا التصور قائلاً: «ترمب، كما يقول منتقدوه وأنصاره، لا يمكن توقع ما يفعل» و«أنا متأكد بنسبة 100 في المائة من أن العجز عن التوقع كان لصالح الولايات المتحدة».

لكن ترمب ليس أول زعيم يتبنّى سياسة خارجية متقلبة. فقد حاول زعماء عالميون قبله أيضاً تطبيق هذه النظرية، من الزعيم السوفياتي نيكيتا خروشوف، إلى صدام حسين ومعمر القذافي، الذي وصفه الرئيس الأميركي السابق رونالد ريغان بأنه «مهرّج مجنون» و«متعصّب يستحيل التنبؤ بتصرفاته». وأخيراً اكتسب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين هذه السمعة بعد غزوه أوكرانيا. وفي فبراير (شباط) 2022، قال ماركو روبيو، عضو مجلس الشيوخ آنذاك ووزير الخارجية الآن، إن بوتين كما يبدو «يعاني بعض المشاكل الصحية العصبية الفيزيولوجية».

من ناحية أخرى، قد يكون تمسّك الرئيس الأميركي بهذه النظرية مثمراً أحياناً. فكونه شخصية يستحيل توقّع تصرفاتها، قد يكون لها تأثير رادع ضد كل من الصين التي تهدّد تايوان، وروسيا المستمرة في حربها ضد أوكرانيا وتهديداتها للقارة الأوروبية. وإذا أقنع ترمب الدولتين بأنه قد يكون جاهزاً لفعل أي شيء رداً على استفزازاتهما، قد يقلب مثل هذه الحسابات ويوقف تهديداتهما.

«اللايقين» يحكم السياسة الخارجية

وكما حدث عام 2016، دفعت رئاسة دونالد ترمب المعلقين داخل واشنطن وخارجها إلى التفكير في اتجاهات السياسة الخارجية الأميركية. وتكثر الأسئلة اليوم حول تعامله مع الصين وروسيا، وكذلك الهند والقوى الناشئة في الجنوب العالمي. وتتجه السياسة الخارجية الأميركية إلى فترة من اللايقين، حتى ولو كانت ولاية ترمب الأولى توفر نقطة مرجعية واضحة لكيفية إدارته لدور الولايات المتحدة في العالم خلال السنوات المقبلة.

ومثلما شكل الرئيسان فرانكلين روزفلت ورونالد ريغان فترتين مميزتين من تاريخ الولايات المتحدة، تُعزِّز عودة ترمب إلى البيت الأبيض مكانته في التاريخ بصفته شخصية تحويلية. كانت رئاسة روزفلت، التي أدت إلى نشوء نظام متعدد الأطراف بقيادة الولايات المتحدة، بمثابة إعلان عن فجر «القرن الأميركي». في حين سعى ريغان إلى تعظيم القوة العسكرية والاقتصادية الأميركية، وكان عصره عصر «السلام من خلال القوة».

وبينما يرث ترمب بقايا هذه الفترة، فهو يمثل أيضاً عصراً جديداً هو «عصر القومية»، الذي بدأ مع الأزمة المالية عام 2008 وأدى إلى الحمائية وتشديد الحدود وانكماش النمو في الكثير من أجزاء العالم.

عودة «القومية»، وبالذات القومية الاقتصادية والقومية العرقية، ميّزت الشؤون العالمية منذ منتصف العقد الأول من القرن الـ21، عندما شهد العالم ارتفاعاً في شعبية الشخصيات القومية، منها رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، وزعيمة اليمين المتطرف الفرنسية مارين لوبن في فرنسا، وترمب.

ترمب وبايدن و«عصر القومية»

ولكن بدلاً من التشكيك في هذا العصر الجديد من «القومية» أو تحديه، ساهمت واشنطن في بنائه. وإبّان إدارتي ترمب وجو بايدن، انشغلت واشنطن بتعزيز القوة الأميركية مع تقييد التقدّم الصيني. وبدلاً من إعطاء الأولوية لخلق فرص العمل أو النمو الاقتصادي على مستوى العالم، فرضت واشنطن التعريفات الجمركية وضوابط التصدير لإضعاف القوة الاقتصادية للصين.

ترمب تبنى «القومية» في ولايته الأولى، واستفاد من تأجيج المنافسة بين القوى العظمى، ورفع في استراتيجيته للأمن القومي لعام 2017 شعار «أميركا أولاً»، على حساب الصالح العالمي. ثم ترجم هذا إلى انسحاب الولايات المتحدة، من منظمات كـ«مجلس حقوق الإنسان» التابع للأمم المتحدة و«يونيسكو» و«منظمة الصحة العالمية» و«اتفاقية المناخ». وبعدما عاد إليها سلفه بايدن، انسحب ترمب منها مجدداً في الأسبوع الأول من تسلمه منصبه.

وبينما دفع الهوس بالمنافسة بين القوى العظمى ترمب إلى فرض تعريفات جمركية على الواردات الصينية والأوروبية، وعد بايدن بالابتعاد عن «أميركا أولاً»، لكنه لم يغادر «عصر القومية». وبعدما تعهد في أوائل عام 2021، «بالبدء في إصلاح التعاون وإعادة بناء قوة التحالفات الديمقراطية التي ضمرت»، بقي هذا التعاون في إطار المنافسة بين القوى العظمى. لا، بل توسع في سياسة ترمب الحمائية ضد الصين، وعزّز بشكل كبير لجنة الاستثمار الأجنبي في الولايات المتحدة، التي تراقب وتقيد الاستثمار الأجنبي لأسباب تتعلق بالأمن القومي، ووسع عدد الشركات الصينية المدرجة في القائمة السوداء لارتباطها بالجيش الصيني، وحافظ على التعريفات الجمركية الأولية التي فرضها ترمب والتي استهدفت الصين، وفرض تعريفات جمركية جديدة على تكنولوجيا أشباه الموصلات والطاقة المتجددة الصينية، وفرض قيوداً جديدة على الاستثمار الصيني في الولايات المتحدة، وجعل الاعتمادات الضريبية الجديدة متاحة لشركات التكنولوجيا الأميركية بشرط سحب استثماراتها من الشركات الصينية.

وهكذا، ما وصفه جيك سوليفان، مستشار الأمن القومي لبايدن، في البداية بنهج «ساحة صغيرة وسياج مرتفع» صار استراتيجية اقتصادية لاحتواء الصين وتفكيك الترابط بين الولايات المتحدة والصين في قطاعات التكنولوجيا العالية في الاقتصاد العالمي. وأدى التحوّل القومي في السياسة الخارجية الأميركية في عهد بايدن إلى تمكين الشركات ذاتها التي ساهمت في التفاوت الذي يغذي القومية.

«السلام من خلال القوة» عبر العودة لـ«مبدأ مونرو»

> تهديدات دونالد ترمب الجديدة، ورغم أنها ليست غريبة عن فترة رئاسته الأولى، بعدما تحولت «آيديولوجيا» للمؤسسة السياسية الأميركية، بمعزل عن هوية ساكن البيت الأبيض، فإن المحللين متشككون بشأن الكيفية التي يخطط بها للتعامل مع معظم البلدان في ولايته الثانية. لقد أثار ترمب مخاوف الحلفاء والأعداء معاً بتبنيه شعار «السلام من خلال القوة»، وطرحه سياسة خارجية جديدة عدوانية تعود إلى «مبدأ مونرو»، وتؤسس لنصف كرة غربي خالٍ من نفوذ الصين وروسيا. وبدا واضحاً أن ترمب سيعتمد سياسة «العصا والجزَرَة»؛ إذ هدّد الأوروبيين في «منتدى دافوس الاقتصادي» بتعريفات جمركية كبيرة ما لم يستثمروا في الولايات المتحدة، وطالب منظمة «أوبك» بخفض أسعار النفط وكرّر مطالبة دول حلف شمال الأطلسي (ناتو) بزيادة الإنفاق الدفاعي من 2 إلى 5 في المائة. وفي الشرق الأوسط، هدّد «حماس» إن لم توافق على صفقة تبادل الأسرى، وأثار الجدل بعد «طلبه» ترحيل الفلسطينيين من قطاع غزة إلى مصر والأردن رغم المخاوف من انهيار اتفاقيات السلام وزعزعة استقرار المنطقة. وبعدما أوقف المساعدات الخارجية، باستثناء إسرائيل ومصر، رفع الحظر عن الأسلحة الثقيلة لإسرائيل والقيود عن المستوطنين المتهمين بأعمال إجرامية ضد الفلسطينيين. وأيضاً أوقف المساعدات الإنسانية لسكان غزة بحجة استخدام أموالها في شراء «واقيات ذكرية». وقبل تسلمه منصبه، قال إن أميركا ستستعيد قناة بنما التي بنتها بحجة معاملتها السفن الأميركية بشكل مجحف يخدم الصين، وقال إنه يريد جزيرة غرينلاند «وإنه واثق من قبول الدنمارك الفكرة» - التي رفضتها كوبنهاغن - ورغبته في ضم كندا لتغدو الولاية الأميركية الـ51، وتغيير اسم خليج المكسيك إلى خليج أميركا. أيضاً، في أميركا اللاتينية، عبر سياسته المتشددة تجاه المهاجرين، يعتزم ترمب تعزيز النفوذ الأميركي. وفي حين اختار الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو «العصا»، اختار رئيس السلفادور نجيب بو كيلة «الجزرة»، عندما وافق على قبول عودة مواطنيه المرحّلين من الولايات المتحدة، بالإضافة إلى أعضاء عصابة «ترين دي أراغوا» من أصل فنزويلي. و«تفاخر» البيت الأبيض بما جرى مع كولومبيا إثر رفضها في البداية استقبال المرحّلين، ثم رضوخها بعد ساعات لضغوط ترمب، قائلاً إن هذه الأحداث توضح للعالم أن أميركا تحظى بالاحترام مرة أخرى، وبأنها بمثابة تحذير للدول الأخرى التي قد تسعى لعرقلة خططه.


مقالات ذات صلة

واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

حصاد الأسبوع مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)

واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

لم تعد المواجهة الأميركية - الإيرانية تدور عند هامش الهدنة، أو في منطقة الالتباس بين الحرب والتفاوض؛ فمع الضربات الجوية الأميركية، دخلت الأزمة طور

إيلي يوسف ( واشنطن)
حصاد الأسبوع صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)

أربع قضايا نووية تركز عليها أميركا وإيران في المباحثات

على الرغم من حدة الاشتباكات الميدانية، فقد كشفت التقارير الدبلوماسية عن أن خلف الكواليس تستمر مفاوضات صاغ فيها مساعدو الرئيس ترمب مع وزير الخارجية الإيراني

حصاد الأسبوع في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم

عمر أرتان... موهبة صومالية أفقدتها حسابات السياسة صافرة «المونديال»

في أحد أحياء العاصمة الصومالية مقديشو ووسط أجواء حرب أهلية، أبصر عمر أرتان النور يوم يونيو (حزيران) 1992، ليشق طريقه وسط ظروف قاسية نحو عالم كرة القدم.

محمد الريس (القاهرة)
حصاد الأسبوع غرب العراق... في صميم أخبار الحرب الإقليمية الحالية (آ ف ب)

هل تكون صحراء العراق الغربية قنبلة مؤجلة بين إيران وإسرائيل؟

على الرغم من الإجراءات التي بدأتها الحكومة العراقية الجديدة برئاسة علي الزيدي لجهة «حصر السلاح بيد الدولة»، يظل باب المفاجآت مفتوحاً. للعلم بند «حصر السلاح»

حمزة مصطفى (بغداد)
حصاد الأسبوع اللواء مقداد ميري (واع)

قصة «القواعد الإسرائيلية» تقابل بنفي وارتباك عراقيين

نفت كل من وزارتي الداخلية والدفاع العراقيتين التقارير الصحافية الأميركية عن وجود قواعد إسرائيلية داخل الأراضي العراقية، لكن الأمر يبقى لغزاً من الألغاز.


واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
TT

واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)

لم تعد المواجهة الأميركية - الإيرانية تدور عند هامش الهدنة، أو في منطقة الالتباس بين الحرب والتفاوض؛ فمع الضربات الجوية الأميركية، دخلت الأزمة طور «التفاوض تحت النار»؛ إذ نفّذ الرئيس الأميركي دونالد ترمب تهديداته بعدما اتهم طهران بالمماطلة و«اللعب على الوقت»، وأمر بموجة ضربات على أهداف في جنوب إيران، شملت، بحسب مسؤولين أميركيين، منظومات دفاع جوي ورادارات ووحدات قيادة وسيطرة للطائرات المسيّرة. كذلك، لم تعد واشنطن تعرض القوة باعتبارها رداً محدوداً على إسقاط مروحية «أباتشي» أميركية قرب مضيق هرمز فحسب، بل كأداة ضغط لإجبار إيران على القبول باتفاق بشروط أميركية. وبهذا المعنى، انتقلت إدارة ترمب من الردع الدفاعي إلى «الدبلوماسية القسرية» المكشوفة. وتصريحات وزير الدفاع بيت هيغسيث، بأن واشنطن «ستفاوض بالقنابل إذا لزم الأمر»، أوضحت الهدف السياسي من الضربات. لكن المفارقة الخطرة أن استخدام القوة لتقصير طريق الاتفاق قد يدفع طهران إلى رد يوسّع الاشتباك، ويفتح الباب أمام حرب تقول واشنطن إنها لا تريدها.

بدأ التصعيد الأخير في «الحرب الإيرانية - الأميركية - الإسرائيلية» بردّ أميركي على إسقاط مروحية من نوع «أباتشي» في منطقة مضيق هرمز. وفي حينه بدت الضربات الأولى محسوبة: استهداف رادارات ومنظومات دفاعية ومواقع تحكّم، مع الحرص على تجنب سقوط قتلى إيرانيين يفرضون على طهران ردّاً أكبر. إلا أن موجة الأربعاء غيّرت المعنى السياسي والعسكري للعملية. ذلك أن الضربة الثانية لم تُقدَّم فقط بوصفها انتقاماً من حادث بعينه، بل كجزء من قرار أميركي بزيادة الكلفة على إيران كلما تأخرت في توقيع اتفاق.

أكبر من رسالة وأقل من حرب

هذا التدرّج يشرح حسابات ترمب، أي: ضربات كبيرة بما يكفي لإيصال رسالة، ومحدودة بما يكفي لتجنب حرب شاملة.

إنه يريد إثبات أن تهديداته ليست كلاماً انتخابياً، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام صفقة. غير أن المعادلة باتت أكثر هشاشة، بعدما تحوّلت التهديدات إلى ضربات مباشرة داخل أراضٍ إيرانية حساسة بجنوب البلاد وقرب مضيق هرمز.

فرزين نديمي، الباحث المتخصص في شؤون الأمن والدفاع في إيران ومنطقة الخليج في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى»، رأى في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن الطرفين يحاولان في هذه المرحلة «فرض إرادتيهما ووضع القواعد». وهنا لا يستبعد نديمي كلياً أن يكون اصطدام المسيّرة الإيرانية بالمروحية الأميركية حادثاً غير مقصود، لكنه يقرأ السلوك الإيراني في سياقه الأوسع، أي أنه محاولة لإظهار مَن يملك اليد العليا في المضيق، والتدخل في العمليات الأميركية، واختبار حدود الردع الأميركي. ولذا، في رأيه، جاء رد ترمب السريع على أهداف عسكرية داخل إيران لإفهام طهران أن العبث بحرية الحركة الأميركية في الخليج لن يبقى بلا ثمن.

في المقابل، تدرك واشنطن أن مقتل جنود أميركيين أو إصابة منشآت خليجية كبرى قد يخرج الأزمة من دائرة «الضغط من أجل الاتفاق» إلى دائرة الحرب. ولهذا فإن عبارة «الضرب من أجل التفاوض» لا تلغي خطر الانزلاق، بل تكشف عنه. فالقوة هنا محاولة لإعادة ترتيب الطاولة قبل الجلوس إليها، لكن الطرف الآخر قد يردّ على الطاولة نفسها بالقوة أيضاً.

ربط الساحات

في خلفية التصعيد، تواصل إيران العمل بمنطق «ربط الساحات». وهي اليوم لا تتعامل مع مضيق هرمز، والملف النووي، ولبنان، وإسرائيل، والقواعد الأميركية كملفات منفصلة، بل تحاول تحويلها إلى أوراق داخل مساومة واحدة مع واشنطن: فإذا ضُغط عليها نووياً، لوّحت بالملاحة؛ وإذا استُنزف «حزب الله» في لبنان، أمكنها التصعيد ضد إسرائيل أو في الخليج؛ وإذا طُلبت منها تنازلات قاسية، حضرت ورقة القواعد الأميركية والسفن ومنشآت النفط.

نديمي، بالتالي، يضع المسألة في إطارها السياسي الأوضح. فهو يقول إن النظام الإيراني يريد إدخال لبنان، أو على الأقل بيروت وضواحيها، في أي «صفقة» مع الولايات المتحدة، لكنه يستبعد قبول إسرائيل بذلك. وبحسب هذه القراءة، لا يقتصر «ربط الساحات» على تحريك حلفاء أو إطلاق صواريخ، بل يشمل أيضاً استخدام خطر اشتعال الجبهة الإيرانية - الإسرائيلية، وتهديد المضيق والقواعد الأميركية، من أجل منع إسرائيل من استكمال تقويض «حزب الله» في لبنان، ومنع الدولة اللبنانية من احتكار القرارين الأمني والعسكري.

لكن هذه الاستراتيجية تعكس القدرة على التعطيل أكثر مما تعكس قدرة على فرض تسوية مستقرة؛ فإيران تستطيع إرباك الملاحة، لكنها لا تتحمل إغلاقاً طويلاً للمضيق من دون رد عسكري واقتصادي واسع. وهي تستطيع أيضاً استخدام «حزب الله» كورقة ردع، لكنها لا تستطيع بسهولة إعادة بناء موقعه السابق بعد الحرب والضربات الإسرائيلية والضغط الأميركي. ثم إن تفوّق الولايات المتحدة وإسرائيل الجوي والاستخباراتي يجعل كلفة المواجهة المفتوحة باهظة.

لا تتعامل واشنطن مع هرمز والنووي ولبنان وإسرائيل والقواعد الأميركية كملفات منفصلة

مضيق هرمز: ورقة الضغط الأخطر

يبقى مضيق هرمز قلب الأزمة. فإسقاط المروحية الأميركية، والحديث عن مضايقة السفن، والضربات على الرادارات والدفاعات الجوية في الجنوب الإيراني، عناصر تؤكد أن الصراع على المضيق صار أحد مفاتيح التفاوض.

واشنطن تريد تثبيت أن المرور في هذا الشريان العالمي لن يخضع لإذن إيراني، وأن أي محاولة لفرض «رسوم سياسية» أو أمنية على الملاحة ستواجه بالقوة. أما إيران فتريد إثبات أن أي اتفاق يتجاهل قدرتها على التأثير في المضيق سيكون اتفاقاً ناقصاً.

وتنسجم هذه القراءة مع ما يقوله نديمي عن أن طهران لا تختبر فقط قدرة واشنطن على الرد، بل تختبر أيضاً مدى استعدادها لفرض قواعد اشتباك جديدة في الممر البحري الأكثر حساسية في العالم. وهي مع محاولة إظهار اليد العليا في المضيق لا تهدف فقط إلى إحراج الجيش الأميركي، بل إلى تثبيت فكرة أن أي تفاهم حول النووي أو العقوبات أو خفض التصعيد لا يمكن أن يتجاهل موقع إيران الجغرافي وقدرتها على تهديد خطوط الطاقة.

هذه النقطة تكتسب أهمية أكبر بعد كشف ترمب عن عمليات أميركية لمرافقة سفن تجارية عبر المضيق، وكلامه عن استمرار تدفق كميات كبيرة من النفط على الرغم من التهديدات الإيرانية. وحتى لو بالغ في تصوير العملية باعتبارها «سرية»، تظل الرسالة السياسية واضحة وهي واشنطن تريد كسر الانطباع بأن إيران تستطيع خنق السوق النفطية العالمية متى شاءت. فاضطراب التأمين والشحن يمنح طهران ورقة ضغط، بينما نجاح واشنطن في تأمين المرور يضعفها.

... لبنان داخل «الصفقة الكبرى»

وسط هذه المواجهة، لا يغيب لبنان عن الحسابات الإيرانية والأميركية والإسرائيلية. فإيران تنظر إلى «حزب الله» باعتباره آخر أوراق نفوذها الكبرى في المشرق، وأي تسوية لا تحمي موقعه أو تمنع استكمال إضعافه ستُقرأ في طهران كهزيمة استراتيجية. لذا تحاول إيران، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إدخال لبنان في أي تفاهم مع واشنطن، أو على الأقل منع إسرائيل من استثمار اللحظة لإعادة رسم ميزان القوى جنوب لبنان.

في المقابل، لا تريد واشنطن أن تتحوّل المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية إلى رهينة إيرانية. ويشرح ديفيد شينكر، نائب وزير الخارجية الأميركي الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، أن إدارة ترمب تدرك مخاوف الحكومة اللبنانية من مواجهة مباشرة مع «حزب الله»، لذلك تدفع بخطة تقلل احتمالات الصدام تتضمن نشر وحدات الجيش اللبناني في مناطق تكون إسرائيل قد أخلتها من عناصر الحزب ومخازنه، ثم تتولى منع عودة المقاتلين والسلاح إليها. ويضيف شينكر أن عودة السكان، وبالذات الشيعة، قد تمنح الحكومة رصيداً إذا نجحت في تأمين المناطق. لكنه يحذّر من أن «حزب الله» سيختبر الجيش ويحاول إعادة بناء حضوره، وأن الخطة ستفشل ما لم يتخذ الجيش خطوات فعلية لمنع ذلك.

هنا تدخل العقوبات الأميركية كأداة ضغط موازية للضغط العسكري في الخليج. وبحسب شينكر، فإن صدور عقوبات جديدة مسألة «شبه مضمونة»، وأن استهداف معاوني رئيس مجلس النواب نبيه برّي الأمنيين «كان رسالة بأنه نفسه سيحاسَب إذا عرقل المسارين السياسي والعسكري بين لبنان وإسرائيل». أما العقوبات على ضباط في الأمن العام واستخبارات الجيش، فهي في رأيه أهم؛ لأنها تستهدف نمطاً قديماً من التنسيق والتسريب والتعايش بين مؤسسات أمنية لبنانية و«حزب الله». وبالتالي، فالرسالة الأميركية ليست موجهة إلى الحزب وحده، بل أيضاً إلى بنية الدولة التي سمحت له بالبقاء داخل القرار الأمني.

عقدة «النووي» والصفقة الناقصة

في سياق متصل، في قلب التصعيد كله، تبقى المفاوضات النووية. فواشنطن لا تريد تهدئة عسكرية فقط، بل «اتفاقاً ذا معنى»، كما قال ترمب، يقيّد البرنامج النووي الإيراني لسنوات.

الملفات المطروحة معقدة: تعليق التخصيب، التعامل مع مخزون اليورانيوم المخصب، تعطيل أو تفكيك منشآت رئيسية، وقبول تفتيش مفاجئ. وهذه ليست تنازلات تقنية بسيطة، بل تمسّ ما تعدّه إيران سيادة وطنية ورمزاً لقدرتها على تحدي الضغوط الغربية.

لذلك، تبدو طهران مترددة. فهي تريد تخفيف العقوبات والإفراج عن الأموال المجمّدة والاعتراف بدورها الإقليمي، لكنها لا تريد الظهور كأنها وقّعت تحت القصف.

ثم إنها تخشى من أن يؤدي اتفاق نووي صارم إلى تقليص أوراق قوتها من دون ضمانات لبقاء نفوذها الإقليمي. لكن مغادرة الوفد القطري المفاوض للعاصمة طهران، مساء الأربعاء، من دون تحقيق أي خرق دبلوماسي، أكدت أن الفجوة لا تزال عميقة. وفي المقابل، يعتقد ترمب أن الوقت الذي منحته واشنطن لإيران استُهلك بلا نتيجة، وأن الضربات قد تكسر المراوحة وتدفع طهران إلى قرار سريع.

الدبلوماسي الأميركي المخضرم دينيس روس رأى في مقالة رأي أن لجوء ترمب لسياسات الضغط القصوى دفع القادة الإيرانيين إلى الشعور بأنه ليس لديهم ما يخسرونه، فاستخدموا أوراقاً قصوى كتعطيل الملاحة. لكن روس يشدد على أن الاقتصاد الإيراني بات على حافة الانهيار، وأن تدمير الرادارات والدفاعات الجوية وشبكات المياه - كما حدث في مقاطعة سيريك الإيرانية - يعمّق أزمات النظام الداخلية.

ويضيف روس أن «الخطر الأكبر ليس في انهيار المفاوضات فقط، بل في التوصل إلى صفقة ناقصة». فقد ينجح الطرفان في وقف الضربات وفتح المضيق وتجميد بعض عناصر البرنامج النووي، لكن من دون معالجة آليات التصعيد الأخرى، مثل: المضايقات البحرية، ونشاط «حزب الله» في لبنان، وحرية إسرائيل في تنفيذ ضربات ضد أهداف إيرانية أو حليفة لإيران. عندها لن تنتهي الحرب، بل سيعاد تنظيمها في اشتباكات محسوبة قابلة للانفجار في أي لحظة.

أيضاً فإن تخفيفاً اقتصادياً واسعاً وغير مشروط للعقوبات قد يمنح النظام الإيراني فرصة لإعادة ترميم قدراته وشبكاته الإقليمية، بينما قد يدفعه الضغط بلا أفق سياسي إلى تصعيد أوسع. لذلك تبدو واشنطن أمام توازن بالغ الدقة: أن تقدم لإيران مخرجاً لا يبدو إنقاذاً مجانياً، وأن تفرض قيوداً لا تجعل التوقيع مستحيلاً، وأن تردع من دون أن تنزلق إلى حرب لا تريدها.


أربع قضايا نووية تركز عليها أميركا وإيران في المباحثات

صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

أربع قضايا نووية تركز عليها أميركا وإيران في المباحثات

صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)

على الرغم من حدة الاشتباكات الميدانية، فقد كشفت التقارير الدبلوماسية عن أن خلف الكواليس تستمر مفاوضات صاغ فيها مساعدو الرئيس ترمب مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الخطوط العريضة لاتفاق نووي محتمل مدته 15 سنة، يتجاوز مجرد تأمين حرية الملاحة في مضيق هرمز المغلق منذ ما يزيد على 100 يوم. وبحسب صحيفة الـ«نيويورك تايمز»، الخلاصات الأساسية لهذه المفاوضات المعقدة، تتمحور حول أربعة ملفات شائكة:

- مدة تعليق التخصيب: تطالب واشنطن بوقف كامل لتخصيب اليورانيوم لمدة لا تقل عن 20 عاماً، في حين تصر طهران على 10 سنوات، مع وجود مؤشرات على إمكانية التسوية عند 15 عاماً.

- مصير المخزون المخصب: تسعى الولايات المتحدة بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية لـ«تخفيف» كامل المخزون الإيراني البالغ 11 طناً (بما في ذلك الوقود القريب من درجة إنتاج الأسلحة)، وسط خلاف حول ما إذا كان التدمير سيجري محلياً أم بنقله خارج البلاد.

- تفكيك المنشآت الحصينة: تصرّ واشنطن على التفكيك التام لمواقع نطنز وفوردو وأصفهان، التي تضررت سابقاً في ضربات «مطرقة منتصف الليل»، بينما ترفض إيران التخلي عما تسميه «حق التخصيب» وتطالب بالإبقاء على منشأة واحدة مفتوحة.

- التفتيش الفجائي والصارم: يطالب الجانب الأميركي بمنح المفتشين الدوليين صلاحية الدخول «في أي وقت وإلى أي مكان»، وهو ما يواجه ممانعة إيرانية شديدة؛ نظراً لوجود العديد من المواقع المشتبه بها داخل القواعد العسكرية المغلقة التابعة لـ«الحرس الثوري».

وتُظهر الخلاصات أن أي اتفاق نووي مستقبلي - رغم أفضليته الفنية مقارنة باتفاق عام 2015 - سيبقى رهينة لمدى التزام النظام الإيراني على أرض الواقع، وقدرته على كبح جماح التيار المتشدد داخل «الحرس الثوري»، الذي يرى في هذه الشروط استسلاماً كاملاً. وهو ما يفسر لجوء طهران لرفع وتيرة التصعيد العسكري كأداة لتحسين شروط التفاوض هرباً من تقديم تنازلات استراتيجية تمس جوهر بقاء النظام ونفوذه الإقليمي.


عمر أرتان... موهبة صومالية أفقدتها حسابات السياسة صافرة «المونديال»

في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
TT

عمر أرتان... موهبة صومالية أفقدتها حسابات السياسة صافرة «المونديال»

في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم

في أحد أحياء العاصمة الصومالية مقديشو ووسط أجواء حرب أهلية، أبصر عمر أرتان النور يوم يونيو (حزيران) 1992، ليشق طريقه وسط ظروف قاسية نحو عالم كرة القدم. لم يكن نجماً يطارد الأهداف؛ بل كان حكماً حمل الصافرة ليصبح وجهاً صومالياً بارزاً في الملاعب الأفريقية. وبعد 34 سنة وبالشهر ذاته، يونيو 2026، كاد أرتان يولد من جديد ويدخل منصة الكبار عبر حلم «المونديال» بالمشاركة في نهائيات كأس العالم التي انطلقت الخميس، لولا «كارت أحمر» أصدرته واشنطن ضده في مطار ميامي الأميركي، بزعم «تطبيق قانون يمنع دخول جنسيات من بينها الصومال». وهكذا تحوّل عمر إلى «أيقونة عالمية»، وتصدّر اسمه النشرات الإخبارية وسط مواقف دعم من مختلف البلدان، واستقبلته بلاده استقبال الملوك في احتفال غير مسبوق، وتقدّم المستقبلين الرئيس حسن شيخ محمود.

في مسيرة الـ34 سنة، نجاحات عديدة خطّها عمر عبد القادر أرتان، الحاصل على بكالوريوس في التنمية. وفي دولة أنهكتها الحرب الأهلية، يواجه كثيرون تحدّيات جمة في رسم مستقبل ناجح، ولكن كان لأرتان رأي آخر تكشفه الأرقام؛ إذ سرعان ما حصل على الشارة الدولية في عام 2018، وأدرج رسمياً في قائمة حكام «الفيفا» (الاتحاد الدولي لكرة القدم) الدوليين بعد سنتين فقط من حصوله على فرصة التحكيم في دوري الدرجة الأولى الصومالي عام 2016، و4 سنوات من ولوجه تدريبات التحكيم الرياضي عام 2014، وبدء إدارة الدرجة الثالثة بالدوري الصومالي.

اعتماده حكماً دولياً

كانت أول مباراة تولّى أرتان تحكيمها خارج النطاق المحلي، بعد اعتماده حكماً دولياً، مباراة أجريت في كينيا بين فريقي ناديين من كينيا ومدغشقر. وبعدها شارك أرتان حكماً في دورة اتحاد شمال أفريقيا تحت 20 سنة في عام 2022، وفي كأس الأمم الأفريقية تحت 23 سنة في عام 2023.

ثم، في يناير (كانون الثاني) 2024، أصبح أول صومالي يدير مباراة في كأس الأمم الأفريقية بكوت ديفوار، لدى إشرافه على لقاء تونس وناميبيا ضمن دور المجموعات، وقد وصفت وكالة الأنباء الصومالية (صونا) تلك المباراة يومذاك، بـ«المباراة الصعبة».

هذا السجل المشرّف لم يتوقف؛ إذ صار أرتان أول صومالي يحكم مباراة نهائي أفريقيا، حين أدار مباراة الإياب بين بيراميدز المصري وماميلودي صنداونز الجنوب أفريقي في القاهرة، وكانت تلك الخطوة المتفردة في شهر يونيو (حزيران) في عام 2025.

وفي يوليو (تموز) 2025، اختير الحكم الصومالي الموهوب ضمن قائمة «الفيفا» التي يدير حكامها مباريات كأس العالم للشباب تحت 20 سنة، التي نظمت في تشيلي. وبعدها، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، عرف أرتان نجاحاً جديداً وكبيراً عندما توّج بجائزة «أفضل حكم في أفريقيا» لعام 2025، خلال حفل جوائز الاتحاد الأفريقي لكرة القدم (الكاف) الذي استضافته العاصمة المغربية الرباط، وكان هذا الإنجاز وفق وكالة الأنباء الصومالية «الأكبر في تاريخ التحكيم الصومالي».

حكم أفريقيا البارز

جاء اختيار أرتان، في حينه، بعد منافسة قوية مع حكمين من جنوب أفريقيا وموريشيوس. وأعلنت لجنة الجوائز في «الكاف» فوزه تقديراً لأدائه الاستثنائي خلال العام الحالي، وإدارته عدداً من أهم المباريات القارية والدولية، وعلى رأسها نهائي دوري أبطال أفريقيا، ومباريات كأس العالم تحت 20 سنة التي تُوِّج بها المنتخب المغربي.

وحقاً، يُعدّ هذا التتويج محطة بارزة في مسيرة أرتان، الذي لمع اسمه خلال السنوات الأخيرة بفضل انضباطه، وحرفيته، وقراراته الدقيقة داخل الملعب، ما جعله - بحسب وكالة الأنباء الصومالية - واحداً من أبرز حكام القارة.

ومن ثم، دفع هذا التتويج رئيس الصومال، حسن شيخ محمود، للقاء أرتان والإشادة به، واعتبار نجاحه «إنجازاً تاريخياً يعكس صورة مشرقة للشباب الصومالي وقدرته على التنافس في الميادين الدولية». وأردف أنه «يمثل نموذجاً للإصرار والتميز... وفوزه يشرف الصومال وشعبها».

في مصاف «الكبار»... وصدمة مؤلمة

في أبريل (نيسان) 2026، دخل عمر أرتان مكانة الكبار في كرة القدم باختياره للمشاركة في نهائيات كأس العالم لكرة القدم، ليصبح بذلك أول حكم صومالي يبلغ هذا الإنجاز التاريخي في مسيرة الرياضة الوطنية. وهذه المحطة دفعت رئيس البلاد لتهنئته للمرة الثانية، واعتباره «نموذجاً مُلهماً ومصدر فخر للأجيال الصاعدة من الشباب الطامح إلى التميز».

غير أن فرحة مقديشو وعمر أرتان لم تدُم سوى شهرين؛ إذ صدمه قرار رسمي أميركي من واشنطن منعه في يونيو الحالي من دخول البلاد.

فلقد أوقف أرتان في مطار ميامي ومنع من دخول الولايات المتحدة، ونقلت وكالة «رويترز» الأربعاء، عن إدارة الجمارك وحماية الحدود الأميركية في بيان، أن مواطناً صومالياً، دون ذكر اسمه، وصل إلى مطار ميامي الدولي آتياً من إسطنبول يوم السبت الماضي، واعتُبر غير مسموح له بالدخول بسبب مخاوف تتعلق بالتحريات الأمنية. وجاء القرار بعد أشهر من فرض واشنطن حظراً شاملاً على سفر مواطني 12 دولة منها الصومال في عام 2025.

الاتحاد الدولي (الفيفا) أكد الاثنين الماضي، أن أرتان لن يتمكن من التدريب والتحكيم في نهائيات كأس العالم، التي انطلقت الخميس في كل من الولايات المتحدة وكندا والمكسيك. ولم يجد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، تبريراً في مواجهة انتقاد رياضي بدأ يتزايد إلى أن يخرج الأربعاء، مدّعياً أن الولايات المتحدة منعت دخول الحكم الصومالي بسبب صلته بأفراد «يشتبه في انتمائهم إلى منظمات إرهابية»، من دون أن يقدم دليلاً على ذلك.

غير أن اتهام ترمب كان بلا صدى؛ إذ كان ضجيج الاحتفالات والتضامن مع الحكم الصومالي الأعلى أصداءً. وأفادت وكالة الأنباء الصومالية الأربعاء، بأن «أرتان وصل إلى العاصمة مقديشو وسط استقبال حافل في مطار آدم عبد الله الدولي، تقدمه وزراء ونواب في البرلمان الفيدرالي، وممثلون عن الاتحاد الوطني لكرة القدم، بالإضافة إلى مسؤولين آخرين وشرائح المجتمع المدني المختلفة، بخلاف دعم دولي».

وبحسب الصورة التي نشرتها الوكالة، كانت ملامح وجه أرتان تشع بالفرحة وسط زحام كبير، عزّزته لغة صمود بدت في تصريحاته، وقال أثناء تلويح مئات الجماهير بعلم الصومال: «أعدكم، بمشيئة الله، أنني سأحضر البطولة التالية. أريد أن يطمئنّ الشعب الصومالي إلى هذا، وأن يظل واثقاً».

أما «وكالة الصحافة الفرنسية» (أ.ف.ب) فنقلت عن أرتان قوله: «على الرغم من الظروف التي أمرّ بها، فإنني في مزاج إيجابي وأركّز على التحدّيات المقبلة في مسيرتي التحكيمية». وتابع: «أود أن أشكر عائلة كرة القدم على رسائلها، وأتمنى لزملائي كل التوفيق والنجاح خلال كأس العالم، وأتطلع إلى الانضمام إليهم مجدّداً في مسابقات مستقبلية».

تعليقات صومالية

سعاد جالو، الرئيسة بالإنابة للجنة الأولمبية الوطنية الصومالية، قالت لـ«الشرق الأوسط» معلّقة، إنها «حزينة لما يحدث... وإذا كانت هناك اعتبارات أمنية، فلماذا مُنحت له التأشيرة أصلاً؟»، قبل أن تجيب: «عندما تغيب الشفافية عن الإجراءات، تتراجع الثقة في النظام بأكمله وتمسّ مصداقية (الفيفا)، وتتناقض مع الإرث الطويل من الانفتاح والاستضافة للولايات المتحدة».

أما المحلل السياسي الصومالي حسن نور، فقد اعتبر أن «الصومال ربح أكثر من مرة من هذا الحكم الصومالي المتميز»، وأضاف لـ«الشرق الأوسط»، أن أرتان «رمز رياضي كبير استطاع أن يجمع الشعب الصومالي حكومة ومعارضة عليه، رغم خلافاتهما التي تجاوزت أكثر من سنة، والجميع توحّد خلف دعمه، في موقف غير مسبوق».

من جهة أخرى، رأى نور أن كأس العالم خسرت حكماً متميزاً، «وعرف العالم أن الصومال يضم نجوماً كباراً، فضلاً عن الاحتفاء الواسع والتضامن الكبير الذي لاقاه أرتان عقب عودته إلى بلاده، بخلاف دعم غير منقطع النظير من السلطات الحكومية».

بدوره، أعرب الاتحاد الصومالي لكرة القدم في بيان، عن «حزنه إزاء ما حدث»، واصفاً تعيين أرتان لإدارة مباريات كأس العالم بأنه إنجاز تاريخي للبلاد نتج عن سنوات من التفاني والمهنية والنزاهة. وتابع أنه «رغم أن نهائيات كأس العالم انطلقت الخميس بمشاركة 48 منتخباً، بحثاً عن تتويج وفوز عالمي يوم الختام 19 يوليو، فإن الحكم الصومالي المبعد عمر أرتان كان أول الفائزين باحتفاء عالمي غير مسبوق، كان ربما لا يصل إليه حال استمر بالبطولة، وكأنه ينطبق عليه عبارة (من رحم المعاناة يولد الأمل)».

على الصعيد الرسمي

أما على الصعيد الرسمي، فقد أعربت وزارة الخارجية الصومالية في بيان الأربعاء، عن أسفها الشديد إزاء قرار السلطات الأميركية منع دخول الحكم الدولي الصومالي، مشددة على أن أرتان «أحد أبرز الرموز الرياضية في الصومال، ومصدر فخر واعتزاز وطني لإسهاماته الكبيرة وإنجازاته التي ألهمت الشباب الصومالي».وقالت الوزارة إن الحكومة الفيدرالية بذلت جهوداً دبلوماسية مكثفة مع الجهات المعنية لتسهيل سفر أرتان، إلا أن تلك المساعي لم تفضِ إلى النتيجة المرجوة. وبالتالي، عاد الحكم إلى مقديشو وسيواصل أداء مهامه ومسؤولياته الوطنية والقارية بالمستوى نفسه من التفاني والمهنية العالية التي عُرف بها طوال مسيرته الرياضية. ووجّهت «الخارجية» الصومالية خالص شكرها وتقديرها لجميع الدول الشقيقة، والأفراد، والهيئات والمؤسسات الرياضية التي عبّرت عن تضامنها ودعمها خلال هذه الفترة. وشدد البيان على أن «الخارجية» ستواصل اتصالاتها مع الشركاء المعنيين للحصول على إيضاحات إضافية بشأن هذه المسألة، مؤكدةً التزامها الثابت بصون كرامة مواطنيها وحماية حقوقهم في الخارج.