سياسات أميركا الخارجية رهينة «اللّايقين»

الرئيس العائد يبداً عهده الثاني بحرب هدفها تفكيك «الدولة العميقة»

ترمب ... الملوّح بسلاح التعريفات الجمركية (أ ب)
ترمب ... الملوّح بسلاح التعريفات الجمركية (أ ب)
TT

سياسات أميركا الخارجية رهينة «اللّايقين»

ترمب ... الملوّح بسلاح التعريفات الجمركية (أ ب)
ترمب ... الملوّح بسلاح التعريفات الجمركية (أ ب)

مع عودة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، يبدو واضحاً بالفعل أن ولايته الثانية لن تكون مثل ولايته الأولى. ففي الأسبوع الأول من تولّيه منصبه، قال إنه سيقيس نجاحه جزئياً من خلال «الحروب التي لن ندخلها أبداً». غير أنه منذ اليوم الأول لتوليه منصبه، شن هجوماً شاملاً على الحكومة الفيدرالية، وأعاد العمل بجدول وظيفي كان أنشئ في الأشهر الأخيرة من ولايته الأولى، يحرم موظفي الخدمة المدنية من الحماية ويتيح صرفهم من الخدمة في أي وقت. منذ ترشح ترمب للرئاسة للمرة الأولى عام 2016 وحتى اليوم، أقنع كثيرين من أنصاره بأن «الدولة العميقة» أحبطت ولايته الأولى وحرمته من انتخابات 2020. وقال راسل فوغت، أحد أشد أنصار «ماغا» (شعار ترمب «لنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى» والمدير المحتمل لمكتب الإدارة والميزانية): «نريد أن نصدم البيروقراطيين، وعندما يستيقظون في الصباح، نريدهم ألا يرغبوا في الذهاب إلى العمل لأنهم يُنظَر إليهم على نحو متزايد باعتبارهم الأشرار». كذلك قال كاش باتيل، مرشح ترمب لرئاسة مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي) إنه سيغلق مقر «إف بي آي» في واشنطن وتحويله متحفاً لـ«الدولة العميقة».

لقد شرع دونالد ترمب في محو «الدولة العميقة» المزعومة، مطيحاً الخبرات والتدابير التي تجعل الإدارة الفعالة ممكنة. لكن مشكلته لا تكمن في أنه يطلب الولاء لأجندته فيما يتعلق بإدارة الحكومة، والهجرة، والرسوم الجمركية، والسياسة الخارجية، بل يطالب بما أسماه جون بولتون، مستشار الأمن القومي الأطول خدمة لترمب في ولايته الأولى، بـ«الولاء وفق مفهوم العصور الوسطى الذي لا يعني مجرد الولاء، بل الخضوع».

ترمب يقول إنه يريد تجنّب تكرار فوضى رئاسته الأولى، سواءً في سياساته الداخلية أو الخارجية، ملقياً بالمسؤولية عنها على عاتق «بعض الأشخاص غير المخلصين الذين لم يكن ينبغي له أن يختارهم»، وفق ما قاله في «بودكاست» جو روغان.

إلا أن السؤال المطروح الآن هو ما إذا كان المحيطون به سيعملون على كبح جموحه، بينما هو يستعيض عن الخبراء بالمتملقين لصالح إرادة شخص واحد، وبالتالي يقلّص قدرة الحكومة على تصميم السياسات وتنفيذها؛ ما سيؤدي في نهاية المطاف إلى إضعاف «الرجل القوي» نفسه.

تطهير الإدارة من «الأعداء»

في هجوم خاطف لا سابق له، أصدر ترمب عشرات، بل مئات القرارات التنفيذية لتطرد «الأعداء» المفترضين من مجموعة من الوكالات. وألغى سياسات «التنوّع والبيئة والجنس»، وعاقب معارضيه، وفصل المفتّشين العموميين المستقلين المكلّفين الحماية من الفساد المحتمل وإساءة الاستخدام. وبعدما جمّد تريليونات الدولارات من الإنفاق الفيدرالي على برامج متنوعة، كبرامج مساعدة كبار السن والأسر الفقيرة والمحاربين القدامى، (الذي عاد فجمّده قاضٍ فيدرالي) اضطر إلى التراجع عنه بعد الفوضى والارتباك الذي تسبب بهما. وقال ترمب للجمهوريين في مجلس النواب في خلوتهم هذا الأسبوع: «نحن نعمل على صياغة غالبية سياسية جديدة تحطّم وتحلّ محل ائتلاف (الصفقة الجديدة) للرئيس فرانكلن روزفلت الذي هيمن على السياسة الأميركية لأكثر من 100 سنة».

تفكيك الدولة الإدارية

في الواقع، لم يغيّر هجوم ترمب المُباغت نهج الحكومة في التعامل مع السياسات الرئيسية فحسب، بل هو عازم على «تفكيك الدولة الإدارية»، كما قال كبير استراتيجييه السابق ستيف بانون، وهو هدف يقوم على افتراض أن البيروقراطية متحيّزة بطبيعتها ضد اليمين وأولوياته.

وبعدما منح ترمب العفو للذين هاجموا مبنى الكابيتول يوم 6 يناير (كانون الثاني) 2021، فتح تحقيقاً في تصرّفات المدعين العامين المحترفين الذين وجّهوا التهم إلى مؤيدي ترمب. كذلك فصل المدّعين العامين الذين عملوا مع المستشار الخاص جاك سميث في التحقيقات في قضية قلب نتائج انتخابات 2020، وأرسل العشرات من المسؤولين المحترفين في مجلس الأمن القومي إلى بيوتهم، ووضع العشرات من المسؤولين المحترفين الآخرين في «الوكالة الأميركية للتنمية الدولية» في إجازة للاشتباه في مقاومة أوامره، وأمرت وزارة العدل بوقف مؤقت لجميع عمليات إنفاذ الحقوق المدنية.

أيضاً ألغى ترمب الحماية الوظيفية لكبار الموظفين المدنيين، وأمر بمراجعة الأشخاص في مناصب صنع السياسات للتأكد من أنهم يتبعون أولويات إدارته أو يواجهون الفصل. وألغى التصاريح والحمايات الأمنية عن كبار الشخصيات السياسية والعسكرية، من أعضاء إدارته الأولى، رغم تقدير أجهزة الاستخبارات أن التهديد الأمني لحياتهم من قبل إيران ما زال قائماً.

بهذا النوع من السياسات، يرى بعض الخبراء أن الخطر يهدّد الآن ترمب والبلاد معاً، بما يتجاوز التعسف ورفض المعرفة والعملية، وخطر التدابير القاسية. فقد أمضى الرئيس وحزبه وأتباعه ووسائل الإعلام الصديقة ما يقرب من عقد من الزمان في التنديد بـ«الدولة العميقة» المؤامراتية والتهديد بإسقاطها. وكانت النتيجة نزع الشرعية الشاملة عن المؤسسات التي تدعم القدرة الإدارية للحكومة، واعتبار الامتثال لقيودها غير ضروري ما لم تتوافق مع إرادة الرئيس.

ترمب والأمة... وعلامات الاستفهام

حقاً، منذ عام 2016، دأب ترمب على القول إنه شخص لا يمكن توقع أفعاله، بل قال: «علينا كأمة أن نكون أقل قابلية لتوقع أفعالنا». وشاركه نائبه جي دي فانس هذا التصور قائلاً: «ترمب، كما يقول منتقدوه وأنصاره، لا يمكن توقع ما يفعل» و«أنا متأكد بنسبة 100 في المائة من أن العجز عن التوقع كان لصالح الولايات المتحدة».

لكن ترمب ليس أول زعيم يتبنّى سياسة خارجية متقلبة. فقد حاول زعماء عالميون قبله أيضاً تطبيق هذه النظرية، من الزعيم السوفياتي نيكيتا خروشوف، إلى صدام حسين ومعمر القذافي، الذي وصفه الرئيس الأميركي السابق رونالد ريغان بأنه «مهرّج مجنون» و«متعصّب يستحيل التنبؤ بتصرفاته». وأخيراً اكتسب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين هذه السمعة بعد غزوه أوكرانيا. وفي فبراير (شباط) 2022، قال ماركو روبيو، عضو مجلس الشيوخ آنذاك ووزير الخارجية الآن، إن بوتين كما يبدو «يعاني بعض المشاكل الصحية العصبية الفيزيولوجية».

من ناحية أخرى، قد يكون تمسّك الرئيس الأميركي بهذه النظرية مثمراً أحياناً. فكونه شخصية يستحيل توقّع تصرفاتها، قد يكون لها تأثير رادع ضد كل من الصين التي تهدّد تايوان، وروسيا المستمرة في حربها ضد أوكرانيا وتهديداتها للقارة الأوروبية. وإذا أقنع ترمب الدولتين بأنه قد يكون جاهزاً لفعل أي شيء رداً على استفزازاتهما، قد يقلب مثل هذه الحسابات ويوقف تهديداتهما.

«اللايقين» يحكم السياسة الخارجية

وكما حدث عام 2016، دفعت رئاسة دونالد ترمب المعلقين داخل واشنطن وخارجها إلى التفكير في اتجاهات السياسة الخارجية الأميركية. وتكثر الأسئلة اليوم حول تعامله مع الصين وروسيا، وكذلك الهند والقوى الناشئة في الجنوب العالمي. وتتجه السياسة الخارجية الأميركية إلى فترة من اللايقين، حتى ولو كانت ولاية ترمب الأولى توفر نقطة مرجعية واضحة لكيفية إدارته لدور الولايات المتحدة في العالم خلال السنوات المقبلة.

ومثلما شكل الرئيسان فرانكلين روزفلت ورونالد ريغان فترتين مميزتين من تاريخ الولايات المتحدة، تُعزِّز عودة ترمب إلى البيت الأبيض مكانته في التاريخ بصفته شخصية تحويلية. كانت رئاسة روزفلت، التي أدت إلى نشوء نظام متعدد الأطراف بقيادة الولايات المتحدة، بمثابة إعلان عن فجر «القرن الأميركي». في حين سعى ريغان إلى تعظيم القوة العسكرية والاقتصادية الأميركية، وكان عصره عصر «السلام من خلال القوة».

وبينما يرث ترمب بقايا هذه الفترة، فهو يمثل أيضاً عصراً جديداً هو «عصر القومية»، الذي بدأ مع الأزمة المالية عام 2008 وأدى إلى الحمائية وتشديد الحدود وانكماش النمو في الكثير من أجزاء العالم.

عودة «القومية»، وبالذات القومية الاقتصادية والقومية العرقية، ميّزت الشؤون العالمية منذ منتصف العقد الأول من القرن الـ21، عندما شهد العالم ارتفاعاً في شعبية الشخصيات القومية، منها رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، وزعيمة اليمين المتطرف الفرنسية مارين لوبن في فرنسا، وترمب.

ترمب وبايدن و«عصر القومية»

ولكن بدلاً من التشكيك في هذا العصر الجديد من «القومية» أو تحديه، ساهمت واشنطن في بنائه. وإبّان إدارتي ترمب وجو بايدن، انشغلت واشنطن بتعزيز القوة الأميركية مع تقييد التقدّم الصيني. وبدلاً من إعطاء الأولوية لخلق فرص العمل أو النمو الاقتصادي على مستوى العالم، فرضت واشنطن التعريفات الجمركية وضوابط التصدير لإضعاف القوة الاقتصادية للصين.

ترمب تبنى «القومية» في ولايته الأولى، واستفاد من تأجيج المنافسة بين القوى العظمى، ورفع في استراتيجيته للأمن القومي لعام 2017 شعار «أميركا أولاً»، على حساب الصالح العالمي. ثم ترجم هذا إلى انسحاب الولايات المتحدة، من منظمات كـ«مجلس حقوق الإنسان» التابع للأمم المتحدة و«يونيسكو» و«منظمة الصحة العالمية» و«اتفاقية المناخ». وبعدما عاد إليها سلفه بايدن، انسحب ترمب منها مجدداً في الأسبوع الأول من تسلمه منصبه.

وبينما دفع الهوس بالمنافسة بين القوى العظمى ترمب إلى فرض تعريفات جمركية على الواردات الصينية والأوروبية، وعد بايدن بالابتعاد عن «أميركا أولاً»، لكنه لم يغادر «عصر القومية». وبعدما تعهد في أوائل عام 2021، «بالبدء في إصلاح التعاون وإعادة بناء قوة التحالفات الديمقراطية التي ضمرت»، بقي هذا التعاون في إطار المنافسة بين القوى العظمى. لا، بل توسع في سياسة ترمب الحمائية ضد الصين، وعزّز بشكل كبير لجنة الاستثمار الأجنبي في الولايات المتحدة، التي تراقب وتقيد الاستثمار الأجنبي لأسباب تتعلق بالأمن القومي، ووسع عدد الشركات الصينية المدرجة في القائمة السوداء لارتباطها بالجيش الصيني، وحافظ على التعريفات الجمركية الأولية التي فرضها ترمب والتي استهدفت الصين، وفرض تعريفات جمركية جديدة على تكنولوجيا أشباه الموصلات والطاقة المتجددة الصينية، وفرض قيوداً جديدة على الاستثمار الصيني في الولايات المتحدة، وجعل الاعتمادات الضريبية الجديدة متاحة لشركات التكنولوجيا الأميركية بشرط سحب استثماراتها من الشركات الصينية.

وهكذا، ما وصفه جيك سوليفان، مستشار الأمن القومي لبايدن، في البداية بنهج «ساحة صغيرة وسياج مرتفع» صار استراتيجية اقتصادية لاحتواء الصين وتفكيك الترابط بين الولايات المتحدة والصين في قطاعات التكنولوجيا العالية في الاقتصاد العالمي. وأدى التحوّل القومي في السياسة الخارجية الأميركية في عهد بايدن إلى تمكين الشركات ذاتها التي ساهمت في التفاوت الذي يغذي القومية.

«السلام من خلال القوة» عبر العودة لـ«مبدأ مونرو»

> تهديدات دونالد ترمب الجديدة، ورغم أنها ليست غريبة عن فترة رئاسته الأولى، بعدما تحولت «آيديولوجيا» للمؤسسة السياسية الأميركية، بمعزل عن هوية ساكن البيت الأبيض، فإن المحللين متشككون بشأن الكيفية التي يخطط بها للتعامل مع معظم البلدان في ولايته الثانية. لقد أثار ترمب مخاوف الحلفاء والأعداء معاً بتبنيه شعار «السلام من خلال القوة»، وطرحه سياسة خارجية جديدة عدوانية تعود إلى «مبدأ مونرو»، وتؤسس لنصف كرة غربي خالٍ من نفوذ الصين وروسيا. وبدا واضحاً أن ترمب سيعتمد سياسة «العصا والجزَرَة»؛ إذ هدّد الأوروبيين في «منتدى دافوس الاقتصادي» بتعريفات جمركية كبيرة ما لم يستثمروا في الولايات المتحدة، وطالب منظمة «أوبك» بخفض أسعار النفط وكرّر مطالبة دول حلف شمال الأطلسي (ناتو) بزيادة الإنفاق الدفاعي من 2 إلى 5 في المائة. وفي الشرق الأوسط، هدّد «حماس» إن لم توافق على صفقة تبادل الأسرى، وأثار الجدل بعد «طلبه» ترحيل الفلسطينيين من قطاع غزة إلى مصر والأردن رغم المخاوف من انهيار اتفاقيات السلام وزعزعة استقرار المنطقة. وبعدما أوقف المساعدات الخارجية، باستثناء إسرائيل ومصر، رفع الحظر عن الأسلحة الثقيلة لإسرائيل والقيود عن المستوطنين المتهمين بأعمال إجرامية ضد الفلسطينيين. وأيضاً أوقف المساعدات الإنسانية لسكان غزة بحجة استخدام أموالها في شراء «واقيات ذكرية». وقبل تسلمه منصبه، قال إن أميركا ستستعيد قناة بنما التي بنتها بحجة معاملتها السفن الأميركية بشكل مجحف يخدم الصين، وقال إنه يريد جزيرة غرينلاند «وإنه واثق من قبول الدنمارك الفكرة» - التي رفضتها كوبنهاغن - ورغبته في ضم كندا لتغدو الولاية الأميركية الـ51، وتغيير اسم خليج المكسيك إلى خليج أميركا. أيضاً، في أميركا اللاتينية، عبر سياسته المتشددة تجاه المهاجرين، يعتزم ترمب تعزيز النفوذ الأميركي. وفي حين اختار الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو «العصا»، اختار رئيس السلفادور نجيب بو كيلة «الجزرة»، عندما وافق على قبول عودة مواطنيه المرحّلين من الولايات المتحدة، بالإضافة إلى أعضاء عصابة «ترين دي أراغوا» من أصل فنزويلي. و«تفاخر» البيت الأبيض بما جرى مع كولومبيا إثر رفضها في البداية استقبال المرحّلين، ثم رضوخها بعد ساعات لضغوط ترمب، قائلاً إن هذه الأحداث توضح للعالم أن أميركا تحظى بالاحترام مرة أخرى، وبأنها بمثابة تحذير للدول الأخرى التي قد تسعى لعرقلة خططه.


مقالات ذات صلة

لبنان وإسرائيل... اتفاق إطاري تراه واشنطن ممهداً لـ «سلام دائم»

حصاد الأسبوع الوزير روبيو يشارك في جلسة المفاوضات الأولى بين سفيرة لبنان وسفير إسرائيل في واشنطن يوم 14 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

لبنان وإسرائيل... اتفاق إطاري تراه واشنطن ممهداً لـ «سلام دائم»

انتهت الجولة الخامسة من المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية في واشنطن، الجمعة، بتوقيع اتفاق إطار قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إنه يمهد «لسلام دائم» بين

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع إسماعيل قاآني (آ ب)

عبر لبنان... هل يتشكّل ترتيب إقليمي جديد؟

> تضع إيران نتائج الحرب الحالية في إطار «انتصار» أجبر إسرائيل على بحث الانسحاب. وجاء تهديد قائد «فيلق القدس» إسماعيل قاآني بأن إسرائيل ستنسحب طوعاً

حصاد الأسبوع كان لافتاً في مضمون برنامجه قوله إنه إنما قرّر الترشح لرئاسة الجمهورية «لأن الله أظهر لي أن الساعة قد أزفت»!

آبيلاردو دي لا اسبيريلّا... «نسخة ترمب» الكولومبية يعزّز هيمنة اليمين المتطرف على أميركا اللاتينية

أطلق على نفسه اللقب الذي بات يعرف به اليوم: El Tigre (أي النمر)، ويقول إنه يتوكّل على الله والشعب وإن الحقيقة العارية نبراسه في السياسة. وعندما فاجأ القاصي

حصاد الأسبوع رئيس الأرجنتين ميلاي (آ ب)

رياح الإعصار اليميني تشتدّ بلا هوادة في أميركا اللاتينية

تعتبر الأوساط اليمينية في أميركا اللاتينية أن أهمية وصول آبيلاردو دي لا إسبيريلّا إلى الرئاسة في كولومبيا - ثالثة كبرى دول «منطقة» أميركا اللاتينية بعد البرازيل

«الشرق الأوسط» ( مدريد)
حصاد الأسبوع أعلام إسرائيلية على طريق شمال غور الأردن في الضفة الغربية... وثمة مخاوف في عمّان من ترحيل إسرائيل فلسطينيين إلى الضفة الشرقية لنهر الأردن (أ.ب)

الأردن أمام «مرحلة مفصلية»... تحديات إقليمية واستحقاقات داخلية

تتزاحم التحديات التي يواجهها الأردن. وأمام حالة عدم اليقين التي تعيشها المنطقة، بفعل الاضطرابات المُرشحة للتوسُّع، واحتمالات استمرار الصراع بين أطراف الحرب

محمد خير الرواشدة (عمّان)

لبنان وإسرائيل... اتفاق إطاري تراه واشنطن ممهداً لـ «سلام دائم»

الوزير روبيو يشارك في جلسة المفاوضات الأولى بين سفيرة لبنان وسفير إسرائيل في واشنطن يوم 14 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
الوزير روبيو يشارك في جلسة المفاوضات الأولى بين سفيرة لبنان وسفير إسرائيل في واشنطن يوم 14 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

لبنان وإسرائيل... اتفاق إطاري تراه واشنطن ممهداً لـ «سلام دائم»

الوزير روبيو يشارك في جلسة المفاوضات الأولى بين سفيرة لبنان وسفير إسرائيل في واشنطن يوم 14 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
الوزير روبيو يشارك في جلسة المفاوضات الأولى بين سفيرة لبنان وسفير إسرائيل في واشنطن يوم 14 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

انتهت الجولة الخامسة من المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية في واشنطن، الجمعة، بتوقيع اتفاق إطار قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إنه يمهد «لسلام دائم» بين البلدين. وقال روبيو خلال حفل التوقيع الذي رفعت فيه أعلام الولايات المتحدة ولبنان وإسرائيل جنباً الى جنب «يسرنا الاعلان عن اتفاق إطار بين الحكومة اللبنانية ذات السيادة وبالطبع حكومة إسرائيل، بوساطة ودعم من الولايات المتحدة»، بحسب «وكالة الصحافة الفرنسية». وأشار الى أن هذا الاتفاق يمّهد الطريق «لإطار من أجل سلام دائم وأمن».وتناولت جولة المفاوضات التي رعتها الولايات المتحدة، الانتقال من البحث في وقف النار إلى مناقشة نموذج ميداني يفترض أن تنسحب بموجبه إسرائيل تدريجياً من أراضٍ تحتلها في جنوب لبنان، ليتولى الجيش اللبناني السيطرة عليها ويمنع عودة الوجود العسكري لـ«حزب الله».

الفريق الأميركي في المفاوضات ممثلاً بوزير الخارجية روبيو يحط به السفير الأميركي لدى لدى ميشال عيسى (يمين الصورة) والمسؤول في الخارجية مايكل نيدهام (غيتي/آ ف ب)

وخلف الأبواب وقبيل توقيع الاتفاق وفي غمرة الضجيج الإعلامي الصادر من طهران وأذرعها حول «الانتصارات والمقاومة»، تكشف التفاصيل المسرّبة من غرف التفاوض المغلقة في العاصمة الأميركية واشنطن وسويسرا عن مشهد مغاير تماماً. إنه مشهد تتقاطع فيه الضغوط الأميركية الحازمة مع رغبة إسرائيلية في انتزاع مكاسب أمنية جوهرية، وتنازلات إيرانية هيكلية تعيد صياغة نفوذها الإقليمي من بيروت إلى بغداد.

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قال إن الطرفين الإسرائيلي واللبناني أحرزا تقدماً وباتا قريبين جداً من «التزام نيات» (كلامه هذا جاء قبل إعلان الاتفاق الإطاري الجمعة). في حين أكد الرئيس اللبناني جوزيف عون أن المفاوضات تتناول الإجراءات الأمنية اللازمة لإعادة الاستقرار وبسط سلطة الدولة حتى الحدود المعترف بها دولياً. غير أن مسؤولين إسرائيليين ولبنانيين نفوا كلاماً أميركياً عن انسحاب من جزء من «المنطقة العازلة» باعتباره «بادرة حسن نية».

هذه الفجوة لا تلغي أهمية الجولة، لكنها تحدد طبيعتها؛ فما تحقق هو تفاهم أوّلي على الاتجاه، لا اتفاق على التنفيذ. لذا تبدو الجولة بداية مسار سياسي وأمني جديد أكثر منها خاتمة لمسار عسكري قائم.

والأهم أن المفاوضات اللبنانية باتت متصلة، من دون أن تكون مندمجة بالكامل، بالتفاوض الأميركي مع إيران؛ إذ تصر واشنطن على أن مستقبل لبنان يناقش مع حكومته، لكنها تحمّل طهران في الوقت نفسه مسؤولية ضبط «حزب الله» ووقف تمويله وتسليحه، بما يجعل الجولة جزءاً من اختبار أوسع لترتيب إقليمي مختلف عمّا ساد قبل الحرب.

من «التزام النيات» إلى اختبار الانسحاب

أبرز ما خرجت به الجولة هو قبول مبدئي بفكرة «المناطق النموذجية» أو «التجريبية». وتقوم الخطة على اختيار مساحة محدّدة تنسحب منها القوات الإسرائيلية بعد التحقق من إزالة البنية العسكرية لـ«حزب الله»، ثم تدخلها وحدات من الجيش اللبناني وتتولّى تأمينها، قبل تكرار النموذج في مناطق أخرى. وهذه صيغة تجمع بين المطلب اللبناني بالانسحاب واستعادة السيادة، والمطلب الإسرائيلي بضمان ألا تتحوّل الأرض المُخلاة إلى منصّة يعيد الحزب منها بناء قدراته.

لكن عبارة «التزام نيات» التي استخدمها روبيو تكشف عن حدود الإنجاز بقدر ما تعكسه؛ فهي تشير إلى توافق على الهدف العام، من دون أن تعني اتفاقاً على الخرائط والجداول الزمنية وقواعد المراقبة.

كذلك، لا يزال الخلاف قائماً حول موقع المنطقة الأولى: هل تبدأ من مساحة تقع شمال الليطاني، كما أفادت معلومات لبنانية، أم من داخل «المنطقة العازلة» التي أقامتها إسرائيل؟

وهل يكون الانسحاب خطوة نحو خريطة شاملة، أم قراراً منفصلاً يخضع في كل مرة إلى تقييم أمني إسرائيلي؟

لقد جاء الالتباس حول الانسحاب ليؤكد أن هذه الأسئلة لم تحسم بعد؛ فالمسؤول الأميركي قال إن إسرائيل «سحبت قوات من جزء من المنطقة»، من دون تحديد مساحته أو موقعه. وفي المقابل، بينما قال مسؤول أمني إسرائيلي إن الجيش لم ينسحب، أفاد مسؤول لبناني كبير بأن بيروت لا تعلم شيئاً عن الخطوة. وقد يعني ذلك أن واشنطن أعلنت عن موافقة سياسية إسرائيلية قبل تنفيذها، أو أن ما جرى إعادة انتشار محدودة لا تعدّها إسرائيل انسحاباً ولا تملك بيروت معلومات عملياتية عنها.

في الحالتين، تحاول الإدارة الأميركية، على ما يبدو، منع انهيار المفاوضات تحت ضغط المناوشات والضربات. فالجنوب لا يزال منطقة حرب فعلية بالنسبة إلى عشرات آلاف النازحين الذين لا يستطيعون العودة، إما بسبب بقاء القوات الإسرائيلية وإما بسبب الدمار الواسع، ولذلك تقاس قيمة الجولة بقدرتها على إنتاج أول تسليم واضح وموثق للأرض إلى الجيش.

«المناطق النموذجية»

تختلف دلالة الخطة باختلاف الطرف الذي ينظر إليها؛ فبالنسبة إلى لبنان، ينبغي أن تكون «المنطقة النموذجية» أول حلقة في مسار ينتهي بانسحاب إسرائيلي كامل، ووقف الغارات والاغتيالات، وعودة السكان، وانتشار الدولة حتى الحدود الدولية.

أما بالنسبة إلى إسرائيل، فهي «اختبار لقدرة» الجيش اللبناني على إزالة منشآت «حزب الله»، وضبط طرق الإمداد، ومنع عودة عناصر الحزب بصفة مدنية أو عبر هياكل محلية.

لذلك تتمسك إسرائيل بمقاربة «منطقة بعد أخرى»؛ لأنها لا تريد الالتزام سلفاً بخريطة انسحاب شاملة قبل أن ترى نتائج المرحلة الأولى. كما أنها تربط أي تراجع بنزع سلاح الحزب أو، في الحد الأدنى، بتجريد المنطقة المعنية من البنية العسكرية والأسلحة القادرة على تهديد مستوطنات الشمال. في المقابل، تخشى بيروت أن تتحوّل الخطة إلى «إعادة تنظيم للاحتلال»، بانسحاب من نقاط ثانوية والإبقاء على شريط أمني أضيق.

هذا الخلاف يترك سؤالاً أساسياً بلا جواب: ما المقصود حقاً بنزع سلاح «حزب الله»؟ هل يقتصر في المرحلة الأولى على إبعاد السلاح والمقاتلين عن المناطق التي ستنتشر فيها الدولة؟ أم يشمل ترسانة الحزب على مستوى لبنان؟

وما الأولوية بين الصواريخ الدقيقة والبعيدة، والطائرات المسيّرة، والدفاعات الجوية، والصواريخ المضادة للدروع، والأنفاق ومراكز القيادة؟

المُعلن حتى الآن لا يثبت اتفاقاً نهائياً على نوع السلاح أو جدول جمعه. والأرجح أن واشنطن تحاول «تفكيك» المشكلة إلى مراحل: تثبيت مناطق خالية من الوجود العسكري أولاً، ثم الانتقال إلى السلاح الثقيل والاستراتيجي، مع ترك ملف السلاح الفردي والبنية التنظيمية إلى عملية لبنانية أطول. لكن بينما تقول إسرائيل إنها تخشى أن يمنح التدرّج الحزب وقتاً لإعادة التموضع، يخشى لبنان صداماً داخلياً يعجز الجيش عن احتوائه.

«الضمانة الأميركية»

هنا تبرز أهمية الضمانة الأميركية؛ فنجاح النموذج يتطلب آلية تحقق تحدّد من يقرّر أن المنطقة أصبحت خالية من السلاح، وكيف ترصد الخروق، وما الذي يحدث إذا حاول الحزب العودة إليها، وما حدود الحق الإسرائيلي في التحرك. ذلك أنه من دون اتفاق على هذه القواعد، قد يصبح كل خرق ذريعة لاستئناف الغارات، وكل غارة سبباً لعودة لقتال.

فصل مسار لبنان ومسؤولية إيران

للوهلة الأولى، تبدو السياسة الأميركية حيال لبنان «مزدوجة».

وزير الخارجية روبيو يؤكد أن المفاوضات بين لبنان وإسرائيل «منفصلة» عن المباحثات مع إيران؛ لأن لبنان دولة ذات سيادة، ولديه حكومة تتعامل واشنطن معها مباشرة. لكن نائب الرئيس جي دي فانس يقود في موازاة ذلك مساراً تفاوضياً مع طهران يتضمّن وقف القتال في لبنان، وبين هذا وذاك، يهدد الرئيس دونالد ترمب بضرب إيران مجدداً إذا لم تمنع «حزب الله» من «إثارة المتاعب».

غير أن هذا «التعدّد» قد يكون توزيعاً للأدوار أكثر منه تناقضاً. فمسار روبيو يحدد صاحب الحق في القرار... أي الحكومة اللبنانية، لا إيران ولا «حزب الله». أما مسار فانس فيتعامل مع الطرف القادر على تعطيل القرار عبر التمويل والتسليح والتوجيه السياسي. وبهذا المعنى، تحاول واشنطن الفصل بين «شرعية» التفاوض و«مسؤولية» التخريب: إنها تتفاوض على مستقبل لبنان مع بيروت، لكنها تتفاوض مع طهران على وقف دعم القوة التي تستطيع إفشال أي ترتيب. ومن ثم، تستخدم الإدارة حاجة طهران إلى تثبيت وقف الحرب وتخفيف العقوبات للضغط عليها في ملف «حزب الله»، من دون منحها وصاية على لبنان.

لذلك تبدو تصريحات ترمب أكثر من تهديد عابر؛ فهي تنقل المسؤولية عن عمليات الحزب من مستوى التنظيم المحلي إلى الدولة الراعية، وتقول عملياً إن استمرار العنف في لبنان قد تكون له كلفة مباشرة على إيران.

بيد أن هذه الاستراتيجية تنطوي على مخاطرة واضحة؛ فإدراج لبنان في «مذكرة التفاهم الأميركية - الإيرانية» يمنح طهران ورقة للقول إن انسحاب إسرائيل تحقق نتيجة ضغطها ومفاوضاتها، لا نتيجة المسار اللبناني. وأيضاً، يثير خشية في بيروت وتل أبيب من أن تصبح تفاصيل الأمن اللبناني جزءاً من مساومات تتعلق بالنووي والعقوبات ومضيق هرمز. ولهذا يصرّ روبيو على الفصل العلني، حتى وهو يقرّ بأنه لا يمكن تجاهل البُعد الإيراني بسبب علاقة طهران بـ«حزب الله».

من هنا، يرى البعض أن واشنطن لا تستطيع الفصل الكامل بين المسارين، لكنها تمنع دمجهما سياسياً، وأن نجاحها يتوقّف على قدرتها على استخدام النفوذ الإيراني لضبط الحزب من دون تحويل إيران إلى شريك في تقرير شكل الدولة اللبنانية أو حدود الترتيبات مع إسرائيل.

من افتتاح جلسة المفاوضات الخامسة في واشنطن (الوكالة الوطنية للأنباء - لبنان)

مخاوف إسرائيل وامتحان الجيش اللبناني

ينطلق القلق الإسرائيلي من أن التفاهم الأميركي مع إيران قد ينقذ «حزب الله» من نتائج الحرب؛ فمسؤولون إسرائيليون يخشون أن تنتقل الأولوية الأميركية من تفكيك الحزب وإخراج النفوذ الإيراني إلى مجرد وقف النار ومنع الاحتكاك، وأن تضغط واشنطن على إسرائيل للانسحاب قبل قيام ضمانات أمنية قادرة على الصمود.

ولهذا تتمسّك إسرائيل بحرية العمل ضد ما تعتبره إعادة تسلح أو تهديداً وشيكاً، وترفض حتى الآن تقديم التزام غير مشروط بالعودة إلى الحدود. وبالفعل، باتت «المنطقة العازلة» ورقة تفاوض وضمانة أمنية؛ وبالتالي، فإن التخلي عنها بلا نزع للسلاح يعرّض نتنياهو لانتقادات داخلية.

في المقابل، يواجه الجيش اللبناني امتحاناً يتجاوز دخول الأرض التي تنسحب منها إسرائيل؛ إذ عليه أن يثبت قدرته على البقاء فيها وضبطها، وأيضاً منع عودة الحزب، والتعامل مع مخازن السلاح والأنفاق، من دون الانجرار إلى مواجهة أهلية. يضاف إلى ذلك أنه يحتاج إلى عديد وتجهيز وتمويل وغطاء سياسي، لا تزال كلها موضع سؤال، خصوصاً مع اتساع الدمار والحاجة إلى حماية عودة السكان وتأمين الحدود.

في هذه الأثناء، تبحث الولايات المتحدة تدريب الوحدات اللبنانية والتحقق من جاهزيتها وموثوقيتها. ولقد تداولت تقارير دوراً محتملاً للقيادة الوسطى الأميركية (سينتكوم) في الإشراف أو المراقبة، لكن لم يصدر حتى الآن أي إعلان نهائي يحدّد ما إذا كانت الـ«سينتكوم» ستتولى تدقيقاً مباشراً في العناصر... أم ستكتفي بالدعم والتنسيق.

محللون يرون أن المشكلة الأعمق هي أن انتشار الجيش ليس مرادفاً لنزع السلاح؛ إذ يمكن للجيش أن يتولى الإشراف على منطقة محدّدة إذا انسحبت إسرائيل منها وتوافرت له المساعدة، لكن تفكيك منظومة «حزب الله» في أنحاء لبنان يحتاج إلى قرار سياسي وطني وآلية تدريجية وضمانات للطائفة الشيعية، إضافة إلى منع إيران من إعادة بناء قنوات التمويل والتسليح.

وإذا حمّلت واشنطن الجيش وحده أكثر مما يستطيع تحمّله، فقد يتحول النموذج من اختبار لسيادة الدولة إلى اختبار يكشف عن حدودها.


عبر لبنان... هل يتشكّل ترتيب إقليمي جديد؟

إسماعيل قاآني (آ ب)
إسماعيل قاآني (آ ب)
TT

عبر لبنان... هل يتشكّل ترتيب إقليمي جديد؟

إسماعيل قاآني (آ ب)
إسماعيل قاآني (آ ب)

تضع إيران نتائج الحرب الحالية في إطار «انتصار» أجبر إسرائيل على بحث الانسحاب. وجاء تهديد قائد «فيلق القدس» إسماعيل قاآني بأن إسرائيل ستنسحب طوعاً أو «تفرّ مهزومة»؛ في محاولة واضحة لتقديم المسار التفاوضي باعتباره ثمرة صمود محور طهران.

ومع أن تصريح قاآني لا يخفي بأنه خطاب تعبوي موجّه إلى الداخل ولأذرع إيران في المنطقة، لا يمكن تجاهل حقيقة أن إيران نجحت في إدراج وقف القتال في لبنان ضمن تفاهماتها مع واشنطن، وأنها حافظت على النظام وعلى ورقة تفاوض إقليمية رغم الضربات.

في المقابل، صورة القوة الإيرانية تبدو مختلفة عند قياسها بما اضطرت طهران إلى قبوله. فلبنان يخوض «مفاوضات مباشرة» مع إسرائيل حول انتشار الجيش ونزع سلاح أبرز حلفائها. وواشنطن تحمّل إيران علناً مسؤولية سلوك «حزب الله»، في حين تواجه الفصائل الموالية لطهران في العراق ضغوطاً للاندماج في مؤسسات الدولة أو تقليص مظاهر سلاحها المستقل. وهذا، بجانب أن التفاوض على العقوبات والملف النووي بات مرتبطاً بدرجة ما بقدرة إيران على ضبط شبكتها الإقليمية.

هنا، يرى السفير الأميركي السابق جيمس جيفري في «فورين أفيرز» أن الإخفاق في تحقيق الأهداف القصوى لا يعني انتصار إيران؛ لأن المواجهات منذ 2023 أضعفت قدراتها وشبكة وكلائها وعززت موقع واشنطن. غير أن هذا التقييم يظل موضع نقاش، خصوصاً أن «حزب الله» لم يختف، والفصائل العراقية لم تُنزع أسلحتها، وإيران أظهرت قدرة على استخدام هرمز وملفات المنطقة لفرض تفاوض مباشر.

بناءً عليه، قد يكون من الأدق القول إن المنطقة تدخل «مرحلة انتقال»، لا نهاية مكتملة لمحور إيران. إذ تنتقل طهران من الاعتماد على تنظيمات كبيرة ومعلنة تملك ترسانات واسعة إلى شبكات أصغر وأكثر سرّيّة، أو تقبل بدمج شكلي لبعض الفصائل مع احتفاظها بنفوذ داخل مؤسسات الدولة.

لذلك؛ سيكون نجاح النموذج اللبناني مهماً أبعد من حدوده: فإذا انسحبت إسرائيل، وانتشر الجيش، ومُنع الحزب من استعادة وجوده، يصبح هذا الواقع سابقة لحصر السلاح بيد الدولة. وعندها فقط يمكن القول إن الجولة الخامسة دشّنت مرحلة مختلفة في لبنان والمنطقة. أما إذا بقي الانسحاب معلقاً أو عاد الحزب إلى المناطق المُخلاة، فستتحول الجولة الخامسة هدنة تفاوضية أخرى.


آبيلاردو دي لا اسبيريلّا... «نسخة ترمب» الكولومبية يعزّز هيمنة اليمين المتطرف على أميركا اللاتينية

كان لافتاً في مضمون برنامجه قوله إنه إنما قرّر الترشح لرئاسة الجمهورية «لأن الله أظهر لي أن الساعة قد أزفت»!
كان لافتاً في مضمون برنامجه قوله إنه إنما قرّر الترشح لرئاسة الجمهورية «لأن الله أظهر لي أن الساعة قد أزفت»!
TT

آبيلاردو دي لا اسبيريلّا... «نسخة ترمب» الكولومبية يعزّز هيمنة اليمين المتطرف على أميركا اللاتينية

كان لافتاً في مضمون برنامجه قوله إنه إنما قرّر الترشح لرئاسة الجمهورية «لأن الله أظهر لي أن الساعة قد أزفت»!
كان لافتاً في مضمون برنامجه قوله إنه إنما قرّر الترشح لرئاسة الجمهورية «لأن الله أظهر لي أن الساعة قد أزفت»!

أطلق على نفسه اللقب الذي بات يعرف به اليوم: El Tigre (أي النمر)، ويقول إنه يتوكّل على الله والشعب وإن الحقيقة العارية نبراسه في السياسة. وعندما فاجأ القاصي والداني بفوزه في الجولة الأولى للانتخابات الرئاسية في كولومبيا قال إن انتصاره يعني «الهزيمة الكاملة لجميع السياسيين والأحزاب التي حكمت البلاد إلى اليوم». ولكن على الرغم من خطاب آبيلاردو دي لا اسبيريلّا، الذي أكّد فيه على امتداد حملة الانتخابات الرئاسية بأنه «نزل إلى الميدان» ليطوي صفحة الماضي إلى غير رجعة، جاء فوزه بفارق صغير جداً على منافسه اليساري، ليضع بلاده كولومبيا ضمن المعسكر اليميني المتطرف الذي انضمت إليه 12 دولة في أميركا اللاتينية خلال السنوات الثلاث الماضية.

عندما ظهرت النتائج النهائية للدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية في كولومبيا، معلنة فوز المرشح اليميني المتطرف آبيلاردو دي لا اسبيريلّا بنسبة 49.66 في المائة من الأصوات مقابل 48.70 في المائة لمنافسه اليساري إيفان سيبيدا المدعوم من الرئيس الحالي غوستافو بترو، خرج الرئيس المنتخب أمام أنصاره في مدينة بارّانكيّا، ليقول: «أرث بلداً صعباً، بلداً منقسماً على ذاته، مثقلاً بالديون وفي حاجة إلى إعادة الإعمار. لن أعدكم بالمعجزات ولن أخادع الشعب بحلول سحرية. النهوض من الهاوية يقتضي جهداً وتضحيات وانضباطاً ومثابرة». ثم أضاف: «أعرف أننا قد ورثنا كارثة، لكن ما إن أتولى السلطة في السابع من أغسطس (آب) المقبل، سأكشف النقاب عن تسعين مرسوماً في الأمن والاقتصاد والصحة والتعليم، من شأنها أن تغيّر ملامح البلاد إلى الأبد».

وبالمناسبة، فإن بارانكيّا، ميناء البلاد الأول، دارت فيه أحداث رائعة غابرييل غارسيّا ماركيز «وقائع موت معلن»، التي تروي قصة حقيقية بطلها مهاجر متحدر من أصول لبنانية يدعى سانتياغو نصّار.

سياسياً، على رغم التأييد الشعبي الواسع الذي ناله دي لا اسبيريلّا في هذه الانتخابات وناهز 13 مليوناً من الأصوات، أي ربع عدد السكان تقريباً، فإنه كان يعلم أن منافسه اليساري حصد هو أيضاً نسبة عالية من الأصوات تقارب ما حصل عليه هو. ومن ثم، فبرنامجه لتحقيق «المعجزة الكولومبية» الموعودة وتعهده بإحداث تغيير جذري في كل القطاعات، ستكون دونهما عقبات كثيرة ليس أقلّها أن نصف البلاد تقريباً يعارض سياسته بشدة.

البداية والمسيرة

ولد آبيلاردو دي لا اسبيريلّا في بوغوتا عاصمة كولومبيا قبل 47 سنة، وبعد نيله شهادة الحقوق من جامعة بوغوتا أسّس مكتباً للمحاماة سرعان ما اكتسب شهرة واسعة بعدما تولّى الدفاع في قضايا عدة عن متهمين بأعمال احتيال ضخمة واغتيالات تعرّض لها زعماء نقابيون وسياسيون. وكذلك تولّى أيضاً الدفاع عن رجل الأعمال المعروف أليكس صعب الذي كان الذراع المالية لنظام الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو.

وإلى جانب نشاطه في المحاماة، خاض دي لا اسبيريلّا أيضاً مجال الأعمال، حيث أسس مؤسسات عدة للملابس الرجالية الفاخرة والمشروبات والمطاعم، إلا أنه بعد فشلها، قرّر إقفالها جميعاً مطالع العام الماضي في أعقاب تسجيلها خسائر تقدّر بملايين الدولارات. كذلك، سبق للرجل دخول مجال الغناء كمغنٍ يؤدي وصلات من الأغاني الشعبية الإيطالية المشهورة والأوبرا.

الترشّح للرئاسة

مطلع الصيف الماضي أعلن دي لا اسبيريلّا عن نيّته الترشّح للانتخابات الرئاسية، علماً بأنه لم يسبق أن تولّى أي وظيفة رسمية، ولم يشارك في أي نشاط سياسي. ولم يطل الوقت حتى أطلق حملة لجمع التواقيع دعماً للتيّار الذي ترشّح باسمه «المدافعون عن الوطن»، وتحالف مع الوزير السابق خوسيه مانويل رستريبو، الذي يحظى بتأييد واسع في الأوساط اليمينية، كمرشح لمنصب نائب الرئيس.

والواقع، أنه عندما أعلن دي لا اسبيريلّا ترشحه الرسمي وكشف عن برنامجه السياسي الذي يتضمّن مقترحات راديكالية لم يسبق أن طرحها أي حزب أو زعيم سياسي في كولومبيا، لم تكن شعبيته تتجاوز 10 في المائة من الناخبين وفق استطلاعات الرأي الأولى. وكان من مقترحات برنامجه: إنهاء جميع عمليات السلام مع الجماعات المسلحة وإلغاء الاتفاقات الموقّعة في إطارها، وترخيص حمل السلاح للمدنيين، وإلغاء عدد من الوزارات والانسحاب من منظمات دولية مثل محكمة البلدان الأميركية لحقوق الإنسان ومنظمة الأمم المتحدة، وترميم العلاقات مع إسرائيل بعدما كان قرّر قطعها الرئيس الحالي غوستافو بترو... بل وفتح سفارة لكولومبيا في مدينة القدس.

«إيمان» متأخر... وتقارب مع إسرائيل

أيضاً، أعلن المرشح اليميني المتطرف أنه سيقارب العلاقات مع «الجارة» فنزويلا، ولكن عن طريق وزارة الخارجية الأميركية لا عن طريق حكومة الرئيسة دلسي رودريغيز. وكان لافتاً في مضمون برنامجه قوله إنه إنما قرّر الترشح لرئاسة الجمهورية «لأن الله أظهر لي أن الساعة قد أزفت»، مع الإشارة إلى أنه كان ملحداً حتى عام 2021 عندما أعلن اعتناقه الكاثوليكية. وأيضاً، هناك توعّده الضرب بيد من حديد لمكافحة الجريمة، والدفاع عن الأسرة التقليدية والملكية الخاصة، ومنع الإجهاض والموت الرحيم والسماح للمثليين بالتبنّي، كما تعهد إقفال محكمة السلام التي أسّست لمحاكمة الثوار والعسكريين السابقين الذين ارتكبوا جرائم ضد الإنسانية.

من ناحية ثانية، ملفّات كثيرة حول علاقات دي لا اسبيريلّا بأشخاص ضالعين في قضايا فساد وجرائم، أثارت جدلاً واسعاً حول أهليته للترشح في الانتخابات الرئاسية، وأيضاً حيازته الجنسية الأميركية التي نالها خلال فترة قصيرة عندما أقام في ميامي؛ ما أثار شبهات حول الأسباب وراء حصوله عليه بسرعة وسهولة. وتقدّمت جهات عدة بطعون في ترشيحه، لكن القضاء بتّ لصاح أهليته للترشح.

حليف طبيعي لترمب ... ولليمين التقليدي

النتائج النهائية بيّنت أن دي لا اسبيريلّا حصل على تأييد واسع بين الناخبين الذين كانوا دعموا المرشحة المحافظة بالوما فالنسيا في الدورة الأولى. والأخيرة كانت مدعومة بدورها من القيادات اليمينية التقليدية، وبخاصة، الرئيس الأسبق مانويل أوريبي، وأيضاً من مجتمع الأعمال والنخب الاقتصادية الذي كان يخشى ولاية يسارية ثانية بعد الرئيس الحالي بترو.

ولكن، بناءً على كل ما سبق ذكره، لم يكن مستغرباً أبداً أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب كان أول مهنئي الرئيس الكولومبي الجديد. وللعلم، غرّد ترمب على حسابه «تشرّفت كثيراً بدعم (النمر)، وأتطلع إلى العمل معه لبناء علاقة وطيدة بين كولومبيا والولايات المتحدة تعود بالخير والعظمة على البلدين». أيضاً الرئيس الأرجنتيني اليميني المتطرف خافيير ميلاي، الذي يطلق هو أيضاً على نفسه لقب «الأسد»، صرّح قائلاً: «الأسد والنمر يُسمع زئيرهما الآن في أرجاء أميركا اللاتينية».

أما الرئيس المنتخب نفسه، فقد عرض في تصريحاته الأولى بعد الفوز على منافسه اليساري إيفان سيبيدا توقيع «اتفاق وطني» عوضاً عن فتح جبهة سياسية واجتماعية بينهما، بيد أنه حذّر في الوقت نفسه من أنه لن يتهاون في التعاطي مع التعبئة الشعبية والاحتجاجات والإضرابات التي هددت بها النقابات العمالية والتنظيمات الاجتماعية.

وعود انتخابية ومصاعب معيشية

للتذكير، كان دي لا اسبيريلّا قد وعد بخفض الضرائب وتقديم محفّزات مالية للشركات المنتجة؛ بهدف تسريع وتيرة النمو الاقتصادي وخفض العجز المالي الذي سجّل ارتفاعاً ملحوظاً خلال ولاية بترو. كان العجز قد ارتفع خصوصاً بسبب المشاريع الاجتماعية التي أقرَّتها حكومة بترو دعماً للطبقات العاملة والفقيرة والمناطق الريفية التي يقطنها السكان الأصليون.

بالتوازي، كان بين التدابير التي وعد بها الرئيس الجديد في برنامجه الانتخابي، ولقيت ترحيباً واسعاً في الأوساط المحافظة، القضاء على زراعة الكوكايين بواسطة رشّ 330 ألف هكتار من المساحات الزراعية بالمبيدات. إلا أنه من المتوقع، في حال تنفيذه هذا الوعد، أن يواجه معارضة شديدة من سكان الريف الذين يعيشون بنسبة كبيرة على هذه الزراعة، ويطالبون بتحويلها إلى الاستهلاك الطبي.

أيضاً، تعهّد دي لا اسبيريلّا في برنامجه ببناء 10 سجون ضخمة في مناطق نائية عن المدن الكبرى، واعتقال 10 من كبار زعماء التنظيمات المسلحة في البلاد وإحالتهم إلى القضاء، واستعادة سيطرة الأجهزة الأمنية ومؤسّسات الدولة على ما أسماه «الأراضي الضائعة»، أي تلك التي تقع تحت سيطرة الجماعات المسلحة منذ عقود.

ومن الأزمات الأخرى المستعصية منذ سنوات في كولومبيا تراجع الخدمات الصحية، خاصة في الأرياف، ونقص الأدوية الأساسية في مرافق كثيرة، ناهيك من هجرة الأطباء سعياً وراء رواتب لائقة. ولقد تعهّد دي لا اسبيريلّا بـ«ضخ ما يلزم من أموال» في القطاع الصحي لإنهاضه، بل وقال إن لديه خطة لتحويل كولومبيا مركزاً إقليمياً لصناعة الأدوية.

المراقبون يرون أن دي لا اسبيريلّا نجح، كما فعل دونالد ترمب في الولايات المتحدة، في تسويق أسلوب عيشه الفاخر كعلامة للنجاح، لكنه سيصطدم قريباً - على الأرجح - بواقع اجتماعي مختلف جداً، وبنقابات عمالية في حال من التعبئة والجهوزية للدفاع عن المكتسبات التي حققتها خلال ولاية بترو.