تغيير سوريا... وعلاقات العراق المستقبلية مع واشنطن وطهران وأنقرة

وسط ارتباك المعادلات الإقليمية والدولية

السوداني ويزشكيان خلال زيارة رئيس الوزراء العراق لإيران (آ ف ب)
السوداني ويزشكيان خلال زيارة رئيس الوزراء العراق لإيران (آ ف ب)
TT

تغيير سوريا... وعلاقات العراق المستقبلية مع واشنطن وطهران وأنقرة

السوداني ويزشكيان خلال زيارة رئيس الوزراء العراق لإيران (آ ف ب)
السوداني ويزشكيان خلال زيارة رئيس الوزراء العراق لإيران (آ ف ب)

لم تنتهِ، حتى بعد مرور شهرين على الزلزال السوري، ارتداداته على دول المنطقة والإقليم والعالم. ومع أن علاقات نظام الرئيس السوري السابق بشار الأسد كانت جيدة ظاهراً مع سلطات بغداد، وباطناً مع الفصائل العراقية المسلحة الموالية لإيران، تلتزم بغداد بقدر من الحذر إزاء التغيير «المفاجئ» في سوريا. وبقدر ما كان وضع النظام السوري السابق بالنسبة لبغداد مثار قلق بسبب تداخل تلك العلاقات مع عواصم تربطها ببغداد علاقات متباينة، منها طهران وأنقرة وواشنطن، فإن التغيير السوري لا بد أن يؤثر على الصلات المستقبلية بين العراق وهذه العواصم.

بغداد سعت دائماً إلى البقاء على مسافة متساوية مع دول «جارة» ومؤثرة، بعضها كان لها نفوذ في سوريا قبل التغيير، مثل إيران وتركيا وروسيا. واليوم يتزايد الاهتمام -وكذلك الحذر- بمستقبل العلاقات مع تركيا، التي تبدو المستفيد الأكبر، وإيران رغم خسارتها المدوية، وطبعاً إدارة دونالد ترمب الأميركية التي لديها مقاربات مختلفة ليس على صعيد سوريا، بل المنطقة والعالم.

وبناءً عليه، بات لزاماً على الحكومة العراقية رسم سياسة جديدة حيال هذه الدول، وكذلك الأخذ في الحساب الإشكاليات التي تحكم الحكومة مع الأطراف السياسية العراقية المتحالفة مع إيران، سواء تلك التي تنتمي إلى «الإطار التنسيقي الشيعي» الحاكم، أو الفصائل المسلحة الموالية لإيران. وكانت الأخيرة بدأت تعلن رفضها الصريح حل نفسها، أو حتى نزع سلاحها مثل «النجباء» و«أنصار الله الأوفياء».

في الوقت عينه، تريد الحكومة، التي يترأسها محمد شياع السوداني، بناء علاقة جيدة مع واشنطن رغم تكاليفها الباهظة، لا سيما طروحات ترمب على صعيدي غزة ولبنان و«الديانات الإبراهيمية» وغيرها من القضايا الحرجة.

تناقض تصريحات

اليوم، تسعى الحكومة العراقية إلى التعامل مع سلاح الفصائل وفق رؤية تخضعها لمنطق الدولة، في حين تعلن الفصائل دائماً مواقف مخالفة حيناً، ومواربة حيناً، حيال ما يجري. وبينما أعلنت بعض الفصائل، مثل حركة «النجباء» التي يتزعّمها أكرم الكعبي، «تعليق» عملياتها ضد إسرائيل والمصالح الأميركية، فإن فصيل «أنصار الله الأوفياء» أكد أنه لن ينزع سلاحه، ولن يحل نفسه.

الكلام عن حل الفصائل جاء إثر ورود «معلومات» بشأن تهديدات تلقتها بغداد من مبعوث خاص للرئيس الأميركي دونالد ترمب قبيل تنصيبه بنحو أسبوعين، إذ أوصل المبعوث رسالة أميركية واضحة حيال الفصائل المسلحة «التي يجب أن ينزع سلاحها»، وإلا فإنه لن تكون واشنطن قادرة على منع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من توجيه ضربات لها.

ولكن، بعيداً عن مضمون هذا التهديد الذي لم تؤكده الحكومة العراقية، ولم تنفه، كان رئيس الوزراء محمد شياع السوداني قد نجح سابقاً في منع إسرائيل من توجيه 3 ضربات للفصائل، من خلال وساطة مع الإدارة الأميركية خلال عهد الرئيس السابق جو بايدن. أما اللافت الآن، فإنه بعد إعلان زعيم «تيار الحكمة» عمار الحكيم، قبل تنصيب ترمب بنحو أسبوعين، أن الحكومة العراقية تلقّت تهديدات هدفها الضغط على الفصائل لنزع سلاحها، نفى وزير الخارجية فؤاد حسين، الاثنين الماضي، خلال ندوة حوارية في بغداد، سماع أي تهديدات من الإدارة الأميركية الجديدة.

بل ما يزيد الغموض، أن تصريح وزير الخارجية، النافي تلقي بغداد أي تهديدات تتعلّق بالفصائل المسلحة، وكلام الحكيم المؤكد وجود ضغوط وتهديدات، يتناقضان مع موقفين للرئيس العراقي عبد اللطيف رشيد ورئيس الوزراء السوداني.

السوداني، الذي كان قد زار إيران والتقى المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي، سمع من الأخير كلاماً عن أهمية تقوية «الحشد الشعبي»، وأن العمل جارٍ «على دمج الفصائل المسلحة ضمن الأطر القانونية والمؤسساتية». لقد قال السوداني في كلمة له، إن «العراق له خصوصية في التعامل مع إرادة البقاء»، لافتاً إلى أن «العراقي من أكثر الشخصيات اعتداداً بنفسه... ولا يمكن أن يكون خاضعاً لأحد، أياً كان». وأردف: «تصوير بلدنا بأنه يتبع لأي دولة أمر يتنافى مع الشخصية التاريخية للعراق».

وفي سياق التناقض الكلامي بين كبار المسؤولين العراقيين، نقل عن الرئيس العراقي عبد اللطيف جمال رشيد قوله في حوار متلفز أن «الفصائل المسلحة باتت تأتمر بتوجيهات الحكومة... والحشد الشعبي هو جزء من القوات الأمنية، ولا يوجد مبرّر للحديث عن دمجه بوزارتي الدفاع والداخلية». ثم أضاف أن «الفصائل، هي فصائل عراقية، وقرارات الحكومة الأخيرة نصّت على أن كل نشاطاتها يجب أن تكون بتوجيه من الحكومة، ومنذ فترة هناك هدوء». وبيّن أن «بعض الفصائل مرتبطة بالحشد الشعبي، ومن ثم فهو جزء من القوات الأمنية».

وحول ما يُقال عن دمج الحشد الشعبي بوزارتي الدفاع والداخلية، أوضح رشيد أن «الحشد الشعبي جزء من القوات الأمنية، ولا يوجد مبرر لإثارة هذه الموضوعات، والحكومة مسيطرة على الوضع، ولا توجد مشكلات منذ فترة».

بغدادان أم بغداد واحدة؟

أما بالنسبة لسوريا، فقد أحدثت المفاجأة السورية إرباكاً في الكيفية التي يمكن أن تتعامل بها بغداد مع الرئيس الجديد في سوريا، أحمد الشرع، المعروف سابقاً بـ«أبو محمد الجولاني». وحقّاً، تعددت وجهات النظر العراقية على صعيد التعامل مع الوضع السوري الجديد، سواء على صعيد الداخل العراقي، أو من خلال علاقة بغداد مع كل من طهران وأنقرة، وأيضاً واشنطن التي تنظر للوضع السوري الجديد من خلال أكثر من منظور. فهناك علاقتها الاستراتيجية مع إسرائيل، وعلاقتها التحالفية مع تركيا، مع مواصلة دعمها «قسد» التي تحاربها تركيا. وبالطبع، هناك العلاقة العدائية بين طهران وواشنطن، وتداعياتها على بغداد.

لذا تبدو بغداد حائرة، بل لعلها في سياق علاقاتها الخارجية تبدو «بغدادين» لا بغداد واحدة... فهناك «بغداد الرسمية» وأيضاً «بغداد الموازية».

«بغداد الرسمية» تمثلها الحكومة وما معها من القوى السياسية، سواء من قبل الشركاء الكرد والعرب السنة؛ حيث هم مع الحكومة الرسمية التي يُهيمن عليها الشيعة، أو من قبل بعض قوى وقيادات «الإطار التنسيقي» الشيعي الذين يميلون إلى أن يكون للحكومة دورها الأول والرئيسي في التعامل مع ملفات الخارج.

وفي المقابل نجد «بغداد الموازية»، التي تتمثل في بعض قوى «الإطار التنسيقي» التي إما لديها علاقات تحالفية مع إيران منذ زمن المعارضة، ولم تتمكن من التخلي عنها... وإما تلك القوى التي تملك أجنحة مسلحة.

على صعيد العلاقة مع دمشق، لم تتقدم حكومة السوداني كثيراً في الملف السوري، باستثناء إعادة فتح السفارة العراقية في دمشق، وإرسال وفد أمني برئاسة مدير جهاز الاستخبارات. والسبب الرئيسي في ذلك يعود إلى قوة نفوذ العراق غير الرسمي أو الموازي الذي لا يزال يتأثر برؤية طهران إلى ما يجري في سوريا؛ نظراً للخسارة الكبيرة التي لحقت بإيران بعد سقوط نظام الأسد.

الأمر نفسه ينطبق على الوضع مع أنقرة، ففي حين تسعى حكومة السوداني إلى الوصول لتفاهمات ثنائية مع أنقرة على صعيد عدد من الملفات السياسية والاقتصادية، بما فيها طريق التنمية والمياه والشراكة الاقتصادية، فإن ثمة مَن يرى أن تركيا تتدخل في الشأن العراقي، عن طريق ملف «حزب العمال الكردستاني» الـ«ب ك ك». وللعلم، امتلك الحزب علاقات جيدة مع الفصائل المسلحة في منطقة سنجار، التي تعد إحدى العقد الاستراتيجية لطهران للوصول إلى سوريا قبل خروج سوريا من المعادلة تماماً. وبينما تشجع قوى كردية وسنية خطوات السوداني حيال تركيا فإن القوى السياسية الشيعية لا تؤيده.

في أي حال، تبدو العلاقة بين بغداد وكل من طهران وواشنطن هي الأكثر التباساً، وهي مع تعثرها بوصول دونالد ترمب إلى السلطة في البيت الأبيض فإنها ملتبسة على صعيد الموقف الأميركي من طهران، والموقف الإيراني من أميركا... وبينهما العراق، الحريص على ألا تكون أرضه ساحة لتصفية الحسابات بين الطرفين، والعامل ليكون وسيطاً أو ناقل رسائل أميناً بينهما.

خلال زيارة السوداني «الخير» إلى إيران، تضاربت الآراء حول إذا كان مكلفاً بصفته «وسيطاً» بنقل رسالة إلى القيادة الإيرانية، أو أنه نقل فقط تهديداً أميركياً إلى طهران. والحال، أن الموقف الرسمي العراقي بقي كما هو حيال العلاقة المشتبكة بين طهران وواشنطن ودور العراق فيها.

التعامل و«الرمانات الثلاث»

سياسي عراقي مستقل يرى أن «السبب في تحاشي توضيح الموقف الرسمي العراقي من إيران لجهة العلاقة مع الولايات المتحدة أو العكس... هو أن العراق يسعى لأن تظل علاقته متوازنة بين الطرفين، وفي الوقت نفسه أن يكون وسيطاً مقبولاً بينهما، ويسعى مرة ثالثة ألا يكون طرفاً في أي مواجهة محتملة».

ويضيف السياسي العراقي -الذي طلب إغفال ذكر اسمه- في حواره مع «الشرق الأوسط» أن «العراق كمن يحمل ثلاث رمانات في يد واحدة، وهي مهمة تبدو صعبة في وقت كان لا أحد يعرف توجهات ترمب في اليوم التالي بعد التنصيب».

وحول ما يبدو مواقف متضاربة بشأن الزيارة إلى طهران وما بعدها، خصوصاً بعد تنصيب ترمب، يقول السياسي العراقي «المشكلة التي باتت تواجه المسؤول الرسمي العراقي هي أنه بات يتعامل مع إيرانيين لا إيران واحدة. وهذا ما واجهه السوداني خلال زيارته إلى إيران».

ويوضح «بينما كانت مباحثات السوداني مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان طبيعية، وفيها مساحة واسعة من التعاطي مع مختلف الملفات، بدا لقاء المرشد الإيراني على خامنئي مختلفاً، إذ إن الأخير تدخّل حتى في دعوة السوداني إلى تعزيز الحشد الشعبي، الذي هو مؤسسة عراقية، وهو ما يعني أن خامنئي استفز الإدارة الأميركية الجديدة بشأن الموقف من الفصائل المسلحة».

وحقّاً، انعكس هذا التداخل على طبيعة الأمور داخل قوى «الإطار التنسيقي» الشيعي الحاكم، التي أخذت تتناقض مواقفها، سواء على صعيد حل الفصائل المسلحة أو على صعيد العلاقة المستقبلية مع ترمب.

وفي هذا السياق، يقول عضو البرلمان العراقي، علي نعمة، عن «الإطار التنسيقي» الشيعي، إنه لا توجد مخاوف لدى «الإطار» من سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترمب. وأردف: «لا مخاوف عند (الإطار) من ترمب، والترويج لمخاوف بشأن فرض أي عقوبات على العراق أمر غير حقيقي، وبعيد عن الواقع».

ثم أضاف: «بغداد وواشنطن لديهما علاقات جيدة على مختلف الأصعدة، ونحن نسعى ونعمل على تعزيز تلك العلاقة خلال المرحلة المقبلة». وتابع: «الولايات المتحدة دولة مؤسسات، ولديها سياسة ثابتة في التعامل مع الدول. وتغير الرئيس الأميركي لا يعني تغير تلك السياسة، واتخاذ قرارات عدائية تجاه الدول الصديقة لواشنطن، ومن بينها العراق».

وزير الخارجية التركي فيدان (رويترز)

حساب الأكلاف والالتباسات العراقي مع تركيا

> علاقة بغداد مع إدارة الرئيس دونالد ترمب الجديدة، لا تزال محفوفة بمزيد من المخاوف كون مقاربة ترمب على صعيد العلاقة مع إيران لم تتضح بعد. وهو ما يعني استمرار القلق داخل العراق حيال هذا الأمر، لأن من شأن طبيعة علاقة طهران مع واشنطن تحديد مستقبل العلاقة مع بغداد. فرهاد علاء الدين، مستشار العلاقات الخارجية لرئيس الوزراء محمد شياع السوداني، كتب في «الشرق الأوسط» أخيراً أن بغداد «تريد بناء علاقة شراكة استراتيجية متكاملة مع واشنطن». وأضاف، في مقاله الذي حمل عنوان «العلاقة بين العراق وأميركا استراتيجية ومؤسساتية»، إن «العراق يمثل اليوم فرصاً كبيرة للشركات الأميركية في قطاع الطاقة؛ حيث تُجرى مناقشات مع شركات كبرى مثل (إكسون موبيل) و(شيفرون)، إلى جانب مبادرات تشمل شركات مثل (جنرال إلكتريك) و(بايكر هيوز) و(كي بي آر) و(هاليبرتون). وتُقدر قيمة المشاريع المخصصة للشركات الأميركية بعشرات المليارات من الدولارات خلال السنوات القليلة المقبلة. كما أعربت مؤسسات مالية، بما في ذلك بنك إكسيم (EXIM) وصندوق النقد الدولي، عن اهتمامها بدعم هذه الجهود». وتابع: «من المتوقع أن يعلن رئيس الوزراء عن مبادرة مالية غير مسبوقة قد تُحدث تحولاً في بيئة الأعمال في العراق وتزيد من تعزيز علاقاته بالولايات المتحدة». هذه العلاقة التي لا تتأثر بما يمكن أن تكون عليه العلاقات مع تركيا، تتأثر كثيراً في العلاقة مع واشنطن، الأمر الذي يدفع العراق لأن يناغم وتوجهات ترمب الاقتصادية والتجارية أكثر من الملف السياسي. تركيا، من جهتها، أرسلت الأسبوع الماضي وزير خارجيتها هاكان فيدان إلى بغداد، وهي تريد لبغداد أن تتقدم خطوة على صعيد مشاركتها محاربة حزب العمال الكردستاني والتقدم خطوة أخرى باتجاه العلاقة مع دمشق. ومع أن لبغداد رؤيتها المختلفة عن رؤية تركيا على صعيدي حزب العمال أو الإدارة الجديدة في دمشق فإنها تتشارك مع تركيا على الصعيد الاقتصادي. ثم إن الملف التجاري هو لصالح تركيا لكون العراق مستورداً رئيساً للسلع التركية، ولذا يهم بغداد تحمّس أنقرة لطريق التنمية الذي يعول عليه العراق كثيراً في مستقبله الاقتصادي والتنموي.


مقالات ذات صلة

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

حصاد الأسبوع باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسمياً، والتي

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك،

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي

حصاد الأسبوع كيريكو (آ ف ب)

بنين... الديمقراطية «المستقرة نسبياً» في أفريقيا

تُعدّ بنين، التي كانت تُعرف سابقاً باسم داهومي، والتي يقارب عدد سكانها 14 مليون نسمة، واحدة من أكثر الدول استقراراً نسبياً في أفريقيا. وسياسياً، عاصمة بنين

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
حصاد الأسبوع صورة جامعة للقادة المشاركين في «القمة» (رويترز)

«القوى التقدمية» في الغرب تسعى لاستعادة الثقة بالنفس

عندما بزغ فجر القرن الحادي والعشرين، كانت كوكبة من القيادات «التقدمية» - الاشتراكية أو من اليسار المعتدل - تتربع على قمم السلطات التنفيذية في أوروبا، من بينها:

شوقي الريّس ( مدريد)

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
TT

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)

لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسمياً، والتي لطالما أثارت شكوكاً أميركية بسبب تاريخها النووي وعلاقاتها المعقدة مع الجماعات المسلحة، كانت حتى الأمس القريب تبدو أقرب إلى هامش النظام الإقليمي الجديد منها إلى مركزه. إلا أن الحرب على إيران، وطبيعة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشخصية والصفقية، والحاجة الأميركية إلى وسيط يجمع بين القدرة على مخاطبة طهران وعدم القطيعة مع واشنطن، كلها عوامل أعادت إسلام آباد إلى الواجهة دفعة واحدة.

عودة باكستان إلى الساحة الإقليمية الشرق أوسطية لا يجوز فهمها فقط من زاوية الوساطة الحالية، بل يجب قراءتها بوصفها نتيجة مسار أطول يتضمن:

1- إعادة تأهيل تدريجية للعلاقة الأميركية - الباكستانية بعد سنوات من التراجع لمصلحة الصين.

2- استثمار باكستان لعناصر قوتها الخاصة، من موقعها الجغرافي إلى وزنها العسكري والنووي، مروراً بعلاقاتها مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج.

3- الأهم أن هذه العودة تطرح سؤالاً أكبر هو: هل تتحوّل باكستان من مجرد «وسيط ظرفي» إلى أحد اللاعبين الذين يسهمون في إعادة صياغة توازن القوة الإقليمي، في لحظة تتعرض فيها إيران إلى ضغط غير مسبوق، وتعيد فيها القوى الكبرى والإقليمية ترتيب مواقعها؟

مخاطبة ترمب بلغته

في ولايته الأولى، لم يُخفِ ترمب ضيقه من باكستان. اتهمها يومها بأنها لم تُقدم لواشنطن سوى «الأكاذيب والخداع»، في تعبير لخّص مرحلة من الفتور العميق بين البلدين. وحقاً، كانت واشنطن ترى أن باكستان تستفيد من المساعدات الأمنية والمالية الأميركية، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بهوامش واسعة في أفغانستان، وتُبقي علاقاتها بالصين أولوية استراتيجية. غير أن ما تبدل لاحقاً لم يكن فقط سلوك إسلام آباد، بل أيضاً إدراكها العميق لطبيعة ترمب نفسه.

وفق تقرير لصحيفة «واشنطن بوست»، أدركت النخبة الباكستانية مبكراً أن ترمب لا يتجاوب مع الخطاب التقليدي القائم على التحالفات الطويلة أو اللغة الدبلوماسية المجردة، بل مع ما يُمكن تسويقه إليه بوصفه إنجازاً مباشراً وملموساً. لذلك صاغت إسلام آباد عرضها بلغة «صفقة»، أي: التعاون في مكافحة الإرهاب، والانفتاح على «صفقات» المعادن الحيوية، والإشارة إلى «شراكات» في مجال العملات الرقمية عبر اتفاقات مرتبطة بجهات على صلة بعائلة ترمب.

هذا هو ما عبّر عنه المسؤول الباكستاني السابق مشاهد حسين سيد، حين قال إن بلاده قدّمت لترمب «الثلاثية»: العملة المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب.

هنا يكمن التحوّل الأساسي، إذ إن باكستان لم تُحاول إقناع واشنطن بأنها تغيّرت جذرياً، بل حاولت إقناع ترمب بأنها مفيدة له شخصياً وسياسياً. ولقد عزّزت هذا المسار بخطوات رمزية وسياسية مدروسة، منها الإشادة المتكررة بدوره في وقف النار مع الهند، وترشيحه لجائزة نوبل للسلام، والانضمام إلى مبادرات ذات طابع احتفائي مرتبطة بخطابه الدولي. وبحلول الخريف، كان ترمب قد انتقل إلى وصف قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير بأنه «المشير المفضّل» لديه.

هذه ليست مجرد مجاملة.

إنها تعني أن باكستان نجحت في تحويل العلاقة مع واشنطن من ملف مؤسساتي ثقيل وموروث من «الحرب على الإرهاب»، إلى قناة شخصية مباشرة مع رئيس أميركي يُعلي من قيمة الولاء والجدوى الفورية أكثر من أي اعتبارات أخرى.

باكستان «وسيط» رغم عدم اعترافها بإسرائيل

المفارقة الظاهرية أن الدولة التي لا تعترف بإسرائيل أصبحت اليوم منصة للتفاوض في حرب تكون إسرائيل أحد أطرافها الرئيسيين. بيد أن هذه المفارقة تتلاشى إذا نظرنا إلى الوساطة من منظور وظيفي لا آيديولوجي. فإسلام آباد لا تلعب دور الضامن لاتفاق شامل بين طهران وتل أبيب، بل دور الميسّر لقناة أميركية - إيرانية، على قاعدة أن مفتاح التأثير الحقيقي موجود في واشنطن. ومن هذه الزاوية، فإن إحجامها عن الاعتراف بإسرائيل قد لا يكون عائقاً، بل ربما هو عنصر طمأنة إضافي للإيرانيين.

وفق الـ«واشنطن بوست» تمتلك باكستان ثلاثة عناصر تمنحها أهلية خاصة لهذا الدور: أولها، مستوى من الثقة النسبية مع إيران، بحكم الجوار البري الطويل، والحاجة المتبادلة إلى ضبط الحدود ومنع تحول المناطق المشتركة إلى بؤر فوضى دائمة. وثانيها، قدرتها على مخاطبة واشنطن من داخل علاقة أُعيد ترميمها مع دونالد ترمب شخصياً. وثالثها، ثقلها النووي والعسكري، الذي يمنحها مكانة تختلف عن مكانة الوسطاء التقليديين الأقل وزنًا.

ويُشير ذلك بوضوح إلى أن هذا الثقل النووي يضيف إلى «هيبة» باكستان في نظر مختلف الأطراف.

لكن الأهم من ذلك أن سلطة إسلام آباد ليست وسيطاً محايداً بالكامل، بل وسيط مصلحي. ذلك أنها معنية بمنع انهيار إيراني شامل أو تفكّك داخلي على حدودها الغربية، كما أنها معنية في الوقت نفسه بمنع طهران من ترجمة أزمتها إلى ضغط أمني أو مذهبي داخل الساحة الباكستانية. وبالفعل، أظهرت التطورات الأخيرة مدى هشاشة الداخل الباكستاني أمام ارتدادات الحرب، مع وقوع اضطرابات وأعمال عنف بعد مقتل المرشد الإيراني، ومحاولة اقتحام القنصلية الأميركية في كراتشي.

من هنا، لا تبدو الوساطة الباكستانية «عملاً خيرياً» أو مجرد إنجاز دعائي. إنها أيضاً محاولة دفاع متقدّم عن الأمن الوطني الباكستاني، فالدولة النووية الكبرى المجاورة لإيران لا تستطيع تحمل «سيناريو» الفوضى الطويلة الأمد، ولا «سيناريو» سيطرة مطلقة لـ«الحرس الثوري» على بلد مأزوم ومتفكّك، ولا كذلك «سيناريو» تدخّلات إقليمية متشابكة قد تفتح الخرائط على احتمالات يصعب ضبطها.

باكستان نجحت

في تحويل العلاقة

مع واشنطن من ملف ثقيل عن «الحرب

على الإرهاب» إلى قناة شخصية مباشرة

مع رئيس أميركي

السعودية بوابة العودة

من جهة ثانية، لم تعد العلاقة الباكستانية - الأميركية تُفهم بعيداً عن الدور السعودي. فخلال سنوات التراجع الأميركي النسبي في التعاطي مع باكستان، ومع تنامي الحضور الصيني الاقتصادي والاستراتيجي في البلاد، بقيت المملكة العربية السعودية ومعها دول خليجية صماماً مالياً وسياسياً أساسياً لإسلام آباد. ولقد اضطرت باكستان أخيراً للاعتماد على حزم إنقاذ وقروض من السعودية والإمارات، في ظل أزماتها النقدية وغلاء المعيشة، بعدما كانت تلجأ أيضاً إلى صندوق النقد الدولي.

ثم إن هذا البُعد المالي لا ينفصل عن البُعد الاستراتيجي، فالرياض كانت تاريخياً الجسر الذي يسمح لباكستان بالحفاظ على صلة وثيقة بالمنظومة الأمنية العربية الحليفة لواشنطن، حتى حين كانت العلاقات الباكستانية - الأميركية تمر بمراحل فتور. واليوم، مع توقيع «معاهدة الدفاع الاستراتيجية» بين الرياض وإسلام آباد، ومع ترجمة ذلك -ولو رمزياً- عبر إرسال طائرات حربية وقوات باكستانية إلى السعودية في رسالة ردع إلى طهران، باتت باكستان أقرب إلى موقع «الشريك الأمني المرِن» الذي يمكن توظيفه في التوازن الخليجي - الإيراني من دون وضعه في الواجهة الأولى للمواجهة.

هذا الدور المزدوج للسعودية مهم «ذهاباً وإياباً»، فهي من جهة تمنح باكستان دعماً مالياً وسياسياً يُخفف هشاشتها الداخلية، ومن جهة أخرى تفتح لها باب العودة إلى واشنطن عبر إبرازها بوصفها عنصر استقرار داخل المنظومة الإقليمية التي تريد الولايات المتحدة إعادة ضبطها. بهذا المعنى، فإن التقارب الباكستاني - الأميركي ليس بديلاً عن الصين بقدر ما هو عملية تنويع اضطرارية للمحاور، تقودها حاجة باكستان إلى تجنّب الارتهان الكامل لبكين، وحاجة واشنطن إلى شريك يملك مفاتيح في أفغانستان وإيران والخليج معاً.

والواقع أن هذه البراغماتية هي ما يُفسّر قدرة باكستان على الجمع بين خطوط تبدو متناقضة:

- شراكة وثيقة مع الصين.

- علاقة أمنية متقدمة مع السعودية.

- قناة مفتوحة مع واشنطن.

- لا جسور مقطوعة مع إيران.

إنها -أي باكستان- تُحاول أن تكون «دولة تقاطع» لا «دولة محور»، مستفيدة من موقعها الجغرافي، ومن لحظة سيولة إقليمية غير مسبوقة.

الرئيس الباكستاني شهباز شريف مع نائب الرئيس الأميركي فانس (آ ب)

توازن القوة الإقليمي

بالتوازي مع ما سبق، في حين لا تبدو باكستان مرشحة لأن تحل محل القوى الإقليمية التقليدية، فإنها باتت مرشحة جدّية لأن تصبح رقماً أصعب في معادلة التوازن. إذ إن السعودية تبقى «لاعب الثقل المالي والنفطي» العربي، وتركيا تملك أدوات نفوذ عسكرية وسياسية أكثر تمدداً في المشرق وشرق المتوسط، ومصر تحتفظ بثقل الدولة المركزية العربية، وإن كان دورها الإقليمي أكثر حذراً، في حين تبقى إسرائيل القوة العسكرية الأكثر تفوقاً تكنولوجياً والأكثر التصاقاً بالقرار الأميركي في هذه الحرب.

مع هذا، باكستان تضيف الآن شيئاً عناصر لا تتوفر مجتمِعةً لدى اللاعبين المذكورين، أبرزها: أنها دولة إسلامية نووية، وذات جيش كبير، وحدود مباشرة مع إيران، وذات قابلية للتحاور مع واشنطن وطهران والخليج في آنٍ معاً. وبهذا، المعنى، قد يتحوَّل دور إسلام آباد إلى أحد ثلاثة أشكال.

الأول: وسيط أمني - سياسي يسهّل التهدئة؛ حيث تعجز القنوات المباشرة، خصوصاً في الملفات التي تمس إيران والخليج.

الثاني: شريك ردع رمزي إلى جانب السعودية، يرسل إشارات أكثر مما يخوض مواجهات مباشرة.

والثالث: عنصر توازن يمنع أن تتحوّل أي تسوية إقليمية جديدة إلى ترتيب يستثني القوى الإسلامية غير العربية الكبرى.

إلا أن هذا الطموح يصطدم بقيود واضحة. وتقول الـ«واشنطن بوست» إن معظم الباكستانيين لن يلمسوا من هذه الوساطات شيئاً ما لم تنجح الدولة في معالجة أزماتها الاقتصادية البنيوية. كما ينبه مسؤولون وخبراء سابقون إلى أن بعض الصفقات المعلنة مع واشنطن قد يكون أقرب إلى الضجيج السياسي منه إلى التحوّل الاقتصادي الحقيقي. وفضلاً عن ذلك، فإن خصوم القيادة الباكستانية الحالية يرون في انخراطها الخارجي محاولة لصرف الأنظار عن الصراعات الداخلية، وتعزيز شرعية المؤسسة العسكرية.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إسلام آباد نجحت في كسب ود ترمب؛ هي فعلت ذلك بالفعل إلى حد بعيد، بل السؤال هو ما إذا كانت قادرة على تحويل هذا الود إلى نفوذ مستدام، لا إلى لقطة دبلوماسية عابرة.

نجاحها في ذلك سيتوقف على ثلاثة شروط: أولاً، أن تُحافظ على خط توازن دقيق مع إيران يمنع التدهور الحدودي والفوضى. وثانياً، أن تترجم تقاربها مع واشنطن إلى مكاسب اقتصادية ومؤسساتية فعلية لا صفقات دعائية. وثالثاً، أن تدير شراكتها مع الرياض بطريقة تُعزز موقعها الإقليمي من دون أن تزجّ بها في مواجهة مباشرة مفتوحة مع طهران.

وهكذا، في المحصلة، عادت باكستان إلى أميركا؛ لأنها فهمت كيف تُخاطب ترمب، ولأن الحرب على إيران رفعت قيمة موقعها الجغرافي والسياسي في لحظة حرجة. لكنها عادت أيضاً لأن الإقليم نفسه بات يبحث عن قوى وسيطة تملك القدرة على وصل الخطوط المتباعدة.وإذا كانت السنوات الماضية قد كرّست صورة باكستان بوصفها دولة تتأرجح بين الأزمات، فإن الأشهر الأخيرة توحي بأنها تحاول إعادة تقديم نفسها بوصفها دولة مفصلية في إعادة تركيب توازنات المنطقة. غير أن هذه العودة، مهما بدت لافتة، ستظل ناقصة ما لم تنجح إسلام آباد في تحويل الدور الخارجي إلى استقرار داخلي، وفي إثبات أن الوساطة ليست فقط طريقاً إلى رضا ترمب، بل أيضاً إلى مكانة إقليمية يصعب تجاوزها.


أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
TT

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك، الجنرال عاصم منير، قائد الجيش، بوصفه الرجل الأقوى في باكستان وصاحب التأثير الأكبر في ملفات الأمن والسياسة الخارجية.

وأهمية منير لا تعود فقط إلى موقعه الداخلي، بل إلى نجاحه في بناء قناة مباشرة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى حد أن الأخير عدّه «المشير المفضل» لديه بحلول أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في إشارة رمزية إلى حجم التحول في العلاقة.

إلى جانب منير، لعب رئيس الوزراء شهباز شريف دور الواجهة السياسية لهذا التقارب. فالحكومة الباكستانية كثفت الإشادة العلنية بترمب، وشكرته مراراً على تدخله لوقف إطلاق النار مع الهند، كما رشحته إسلام آباد لجائزة نوبل للسلام، في خطوات هدفت إلى مخاطبة ترمب بلغته السياسية القائمة على التقدير الشخصي والرمزية الإعلامية.

مشاهد حسين سيد(فايسبوك)

كذلك برز مشاهد حسين سيد، الرئيس السابق للجنة الدفاع في مجلس الشيوخ الباكستاني، بوصفه من أبرز من شرحوا فلسفة هذا التحول. إذ قال إن باكستان «قرأت ترمب جيداً»، وقدمت له ما سماها «الثلاثية»: العملات المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب. وتكشف هذه العبارة عن أن إسلام آباد تعمّدت إعادة «تسويق» نفسها في واشنطن من زاوية «المنفعة المباشرة»، لا من زاوية التحالفات التقليدية فقط.

وبالطبع، لا يقل أهمية عن هؤلاء فريق الدولة الاقتصادي والدبلوماسي، الذي أسهم في ترجمة الانفتاح إلى صفقات وممرّات تواصل، من اتفاق المعادن الحيوية إلى الترتيبات المالية والسياسية التي حسّنت صورة باكستان داخل إدارة ترمب. وعليه، يمكن القول إن عاصم منير كان «مهندس» القناة الاستراتيجية، وشهباز شريف واجهتها السياسية، فيما وفّر مشاهد حسين سيد الإطار التفسيري لهذا التحوّل.


روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
TT

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي رئاسة جمهورية بنين، الواقعة في غرب أفريقيا. واداني يخلف الرئيس المنتهية ولايته باتريك تالون، الذي لا يحق له الترشح مجدداً بعدما أمضى ولايتين رئاسيتين مدة كل منهما 5 سنوات. وللعلم، حصل الرئيس الجديد، الذي يلقب بين أقرانه اختصاراً لاسمه بـ«رو»، على أكثر من 94 في المائة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية التي أجريت يوم 12 أبريل (نيسان) الحالي، متفوقاً على منافسه المعارض بول هونكبي، في انتخابات بلغت نسبة المشاركة فيها 58.78 في المائة.

روموالد واداني، الذي كان يوصف بأنه «الخليفة المختار» للرئيس باتريك تالون، أعلن في أول تصريحاته عقب فوزه برئاسة بنين اعتزامه البناء على ما وصفه بـ«الأسس الصلبة» التي أرساها سلفه، وأنه سيكرس مساراً سياسياً يقوم على الاستمرارية أكثر من التغيير، مع تأكيد حرصه على «التماسك الوطني»، الذي مثّله حجم فوزه في الانتخابات.

الفوز كان متوقعاً

الفوز في حد ذاته لم يكن مفاجئاً، لا سيما أن واداني (49 سنة)، يمثل نموذج «التكنوقراطي الصاعد» في أفريقيا؛ إذ جاء إلى الحكم من بوابة الإدارة المالية لا السياسة التقليدية. وطوال عقد كامل شغل خلاله منصب وزير الاقتصاد والمالية، منذ عام 2016، ارتبط اسم واداني بتغييرات هيكلية أعادت ضبط المالية العامة، وخفّضت عجز الموازنة إلى نحو 3 في المائة من الناتج المحلي، في حين حقق الاقتصاد معدلات نمو تجاوزت 6 في المائة سنوياً في المتوسط. وهذه النتائج هي ما بنى عليه الرجل برنامجه الانتخابي للوصول إلى سدة الحكم، بعدما اكتسب ثقة المستثمرين مرسّخاً اسمه كمهندس «الاستقرار المالي» في واحد من أسرع اقتصادات غرب أفريقيا نمواً.

يوصف روموالد وادني بأنه «هادئ الطباع»، لا سيما مع قلة ظهوره الإعلامي، بيد أنه وفق محللين سياسيين كان «العقل المدبر» خلف التغييرات الاقتصادية في بنين طوال العقد الماضي؛ ما جعله يتصدّر المشهد كخليفة لتالون. وبالفعل، تحوّل «البيروقراطي» الذي لطالما عمل خلف الكواليس شخصاً جماهيرياً يجوب البلاد ويخطب في تجمّعات جماهيرية، متخلياً عن ربطة العنق والخطاب المكتوب، في محاولة للتقرّب من الشارع وكسر صورة «التكنوقراطي الاقتصادي الصارم».

نقلت وكالة «أ.ف.ب» الفرنسية، من جهتها، عن أحد حلفائه قوله إن الحملة «أظهرت وجه واداني الحقيقي كشخص قريب من الناس»، في تحوّل لافت لرجل ظل لسنوات يعمل بعيداً عن الأضواء. أما عن السباق الرئاسي نفسه، فقد خاضه واداني مدعوماً من أحزاب الائتلاف الحاكم. وأقرّ منافسه الوحيد، بول هونكبي، بالهزيمة قبل إعلان النتائج رسمياً، وهو ما اعتبره واداني بعد الفوز «مؤشراً على النضج الديمقراطي».

نشأة اقتصادية

وُلد روموالد واداني يوم 20 يونيو (حزيران) 1976 في مدينة لوكوسا بجنوب غربي بنين، قرب الحدود مع توغو، لأسرة متعلّمة ذات خلفية اقتصادية. ونشأ بين صرامة والده مهندس الإحصاء وأستاذ الرياضيات وروح المبادرة عند والدته رائدة الأعمال، وانعكس هذا الواقع فيما بعد على مسيرته التعليمية والمهنية.

إذ اتجه الشاب الطموح لدراسة الإدارة والمحاسبة والتمويل في «المدرسة العليا لإدارة الأعمال» بمدينة غرونوبل الفرنسية قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة للدراسة في معهد إدارة الأعمال بجامعة هارفارد الأميركية العريقة. ولكن، مع أن تكوين واداني العملي والعملي الأساسي كان خارج البلاد، فإنه دائماً ما أبدى حرصه على تأكيد ارتباطه بجذوره، عبر إشارات متكرّرة إلى امتلاكه مزرعة في بنين.

مهنياً، يتمتع واداني بصفة محاسب قانوني معتمد في كل من فرنسا والولايات المتحدة، كما أنه حصل على درجة الماجستير في التمويل، وتلقى تدريباً متخصصاً في مجالات الاستثمار المباشر ومخاطر رأس المال. وقبل دخوله العمل الحكومي، راكم «رو» خبرة دولية عملية داخل شركة «ديلويت» المحاسبية العالمية الشهيرة، حيث بدأ مسيرته المهنية في فرنسا عام 1998، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة عام 2003. وخلال هذه الفترة، طوّر واداني خبرات في مجالات عدة، وقدّم خدمات استشارية لقطاعات متنوعة من بينها: التعدين، والتكنولوجيا والإعلام والاتصالات، والقطاع المالي، والقطاع العام، والتجزئة، فضلاً عن تعاونه مع حكومات وجهات مانحة دولية.

ثم في عام 2012، عندما كان لا يزال في سن الـ36، رُقّي واداني إلى منصب شريك ومدير إداري في «ديلويت»، وبعد ذلك بثلاث سنوات، كُلّف إنشاء مكتب جديد للشركة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، كما تولى مسؤولية إدارة التدقيق والممارسة المهنية لأنشطة «ديلويت» في دول أفريقيا الناطقة بالفرنسية.

وزيراً للاقتصاد والمالية

تجربة واداني المهنية الدولية دفعت لتعيينه في منصب وزير دولة للاقتصاد والمالية يوم 7 أبريل (نيسان) 2016 ضمن أول حكومة للرئيس باتريك تالون، وفيها كُلّف تنفيذ برنامج تغييري طموح، قبل أن يُعاد تعيينه في مايو (أيار) 2021، ويواصل لعب دور محوَري في رسم السياسات الاقتصادية لبنين.

بعد ذلك، تولى واداني حقيبة الاقتصاد عندما كانت بنين تشكو فيه ارتفاع عجز الموازنة، وسوء إدارة الدين العام، وتراجع ثقة المستثمرين. وبالفعل، قاد سياسة تغييرية تقوم على محورَين رئيسين: الأول يتمثل في إدارة مالية عامة تتّسم بالشفافية لتحقيق «انضباط» الميزانية وتعبئة التمويل الدولي وتعزيز ثقة المانحين الدوليين من القطاعين العام والخاص. والآخر يركّز على تحسين مناخ الأعمال وتعزيز قدرة القطاع الخاص على مواجهة الصدمات الخارجية.

بفضل هذه السياسة، سجلت بنين نمواً بنسبة 8 في المائة عام 2025، وهو مستوى غير مسبوق لمدة ثلاثة عقود، وفق ما ذكره موقع الحملة الانتخابية لواداني. وحسب الموقع أيضاً، سُجّل رفع نصيب الفرد من الدخل بنسبة 50 في المائة خلال أقل من عشر سنوات، وتحديث أكثر من 14 ألف كيلومتر من الطرق، وبناء مستشفيات ومدارس جديدة، بالإضافة إلى برنامج المقصف المدرسي الذي يسمح لنحو 1.3 مليون طفل بالاستفادة من وجبة ساخنة يومياً.

أيضاً، تمكّن واداني من إجراء تغييرات على المالية العامة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 في المائة من الناتج المحلي، كما أطلق خلال ولايته مشاريع بنية تحتية كبرى حققت نمواً اقتصادياً واستقراراً، عزّزا ثقة المستثمرين الدوليين، ورسّخا صورة بنين كنموذج إصلاحي صاعد في المنطقة.

وعلى الصعيد الإقليمي، لعب واداني دوراً بارزاً في غرب أفريقيا، حيث ترأس المجلس القانوني لوزراء مالية «الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا»، وقاد مفاوضات مع فرنسا تُوجت بتوقيع اتفاق في ديسمبر (كانون الأول) 2019 لإنهاء العمل بعملة الفرنك الأفريقي (CFA) في المنطقة، في خطوة اعتُبرت تحولاً مهماً في مسار السيادة النقدية لدول الإقليم.

القائد الشاب... والمرشح الرئاسي

خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 أعلن روموالد واداني اعتزامه الترشح للرئاسة رغبةً منه في إكمال مسار التغيير، وتحقيق مزيد من التقدّم. وتعهد أيضاً بتوفير فرص عمل والقضاء على الفقر لتصل ثمار التغيير إلى كل بيت في بنين رافعاً شعار «نبني معاً بنين أحلامنا».

واليوم، وفق صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية، يعكس فوز واداني بالرئاسة «توجّهاً نحو تجديد الطبقة السياسية الحاكمة وتطوّراً للعقلية السياسية» في بنين «باختيار جيل من الحكّام أقرب للواقع». وهو بذا، ينضم إلى مجموعة محدودة من الرؤساء الشباب في قارة أفريقيا.

ثم إنه ممّا يزيد أهمية الحدث كون واداني وصل إلى قمة السلطة عبر انتخابات، اعتبر مراقبون دوليون أنها «أجريت بشكل سلمي ومنظم»، وأن ما سُجّل من ملاحظات محدودة لا يمسّ صدقية النتائج، وإن غابت عنها التعدّدية الفعلية.

التحديات الأمنية

من جهة ثانية، لانتخابات الرئاسة في بنين أهمية إضافية؛ كونها نُظّمت وسط تحديات أمنية كادت تهدّد إجراءها من الأساس. ففي ديسمبر الماضي، سيطر عدد من أفراد الجيش على محطة التلفزيون الرئيسة، وهاجموا قصر الرئاسة في محاولة انقلاب فاشلة احتجاجاً على تدهور الوضع الأمني في شمال البلاد وتصاعد تهديد الإرهاب. وبالتالي، جاءت الانتخابات بعد تعرّض بنين لإحدى أكثر سنواتها عنفاً على الإطلاق في 2025، وسلّطت المحاولة الانقلابية الضوء على هشاشة الأوضاع السياسية في دولة تعدّ واحدة من الديمقراطيات الأفريقية المستقرة نسبياً. وفي أي حال، نجحت الانتخابات الرئاسية الأخيرة في تحقيق خامس انتقال سلمي للسلطة منذ استقلال بنين عام 1960. كما أنه بالنسبة لمؤيدي واداني يمثل صعوده «بروز جيل جديد من القادة، أقل اهتماماً بالشعارات وأكثر تركيزاً على النتائج» حسب الـ«نيويورك تايمز»، لكن معارضيه يرون فيه «استمراراً لنظام سياسي يضيق فيه هامش التعدّدية».

إرث مثقل بالتحديات

في الواقع، يمكن القول إن روموالد واداني يتولّى محمّلاً بإرث مثقل بالتحدّيات السياسية والأمنية والاتهامات بتقييد المعارضة، ومسار اقتصادي تغييري حقّق قدراً من النمو والازدهار؛ ما يضعه أمام معادلة صعبة لاستكمال مسار التغيير الاقتصادي ومواجهة التحدّيات الأمنية مع الحفاظ على استقرار البلاد سياسياً.

ويُعدّ الفقر أحد أخطر التحديات التي تواجه واداني، لا سيما مع تجاوز نسبته أكثر من 30 في المائة من السكان. ويضاف إلى ذلك تصاعد الهجمات «الإرهابية» في الشمال؛ ما يفرض ضغوطاً على الجيش والسلطة، وانتقادات المعارضة لغياب التعددية و«الانفتاح السياسي الحقيقي».

وبينما يرى مراقبون أن الرئيس الجديد سيواصل النهج الاقتصادي الذي قاده خلال فترة سلفه تالون، فهم يؤكدون أن قياس نجاحه سيظل رهناً بقدرته على تحقيق تنمية أكثر شمولاً من جهة واحتواء التهديدات الأمنية وإعادة التوازن للحياة السياسية من جهة أخرى.وهكذا، بين الاستمرارية وضغوط الانفتاح والتغيير الديمقراطي، يدخل واداني عازماً على تحقيق مستقبل أفضل لشعب بنين. ويرى مراقبون أن سنواته الأولى في الحكم ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان سيُرسّخ نموذجاً ناجحاً للحكم الرشيد، أم سيواجه أزمات تعيد طرح الأسئلة القديمة حول الديمقراطية والتنمية في غرب أفريقيا.