هيمنة اليمين الكاملة مأزق قد يُبكي الإسرائيليين لأجيال

قراءة في تداعيات «حرب غزة» على السلطة في تل أبيب

دمار غزة (إ.ب.أ)
دمار غزة (إ.ب.أ)
TT

هيمنة اليمين الكاملة مأزق قد يُبكي الإسرائيليين لأجيال

دمار غزة (إ.ب.أ)
دمار غزة (إ.ب.أ)

عندما دخل حزب «المعسكر الرسمي» بقيادة بيني غانتس، إلى الائتلاف الحكومي الإسرائيلي يوم 11 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، أي بعد 4 أيام من هجوم «حماس» على المواقع العسكرية والبلدات الإسرائيلية في غلاف غزة، حظيت خطوته بتقدير كبير من الجمهور. وفي أول استطلاع رأي أجرته صحيفة «معاريف» خلال تلك الفترة، في أول ديسمبر (كانون الأول) منحه الناخبون 40 مقعداً، أي أكثر من ثلاثة أضعاف قوته الانتخابية، إذ كان له 12 مقعداً فقط. وحسب تلك النتائج، هبط حزب «الليكود» بقيادة بنيامين نتنياهو من 32 مقعداً، له اليوم، إلى 18 مقعداً. ودلَّت النتائج على أن معسكر نتنياهو يهبط من 64 إلى 43 مقعداً، فيما يرتفع نصيب المعسكر المناوئ له من 54 إلى 77 مقعداً. حصاد3 – مستقبل إسرائيل تحت هيمنة اليمين المطلقة

لقد نظر الشارع الإسرائيلي إلى بيني غانتس بنهاية العام الماضي على أنه قائد متواضع يتصرّف كجندي في الاحتياط، يمتثل للأوامر العسكرية، ويضع مصلحة الدولة فوق أي اعتبار. ورأى أن الرجل، «الملسوع» من تجربة سابقة مع بنيامين نتنياهو -والذي استقال أخيراً من حكومته- عضّ على جرحه وعاد للتحالف معه مجدداً في سبيل «الوحدة الوطنية». ويذكر أن الإعجاب بغانتس قد ازداد أكثر عندما أعلن قُبيل تعيينه أنه لا يطالب بوزارات له ولرفاقه، بل كل ما يطلبه هو الشراكة الفعلية في إدارة الحرب، وكان له ما أراد.

يومها، وفقاً لشهود عيان كثيرين، كان نتنياهو محطماً نفسياً من هول الضربة. إذ تمكّنت «حماس» من مباغتة الجيش الإسرائيلي والاستخبارات وإلحاق خسائر فادحة، قتلى وجرحى، واحتلت 11 موقعاً عسكرياً و22 بلدة، فيما بدت القيادة الإسرائيلية كأنها تغطّ في سُبات عميق.

أيضاً، نتنياهو، بصفته رئيس حكومة، يتحمّل مسؤولية أساسية عن هذا الإخفاق، ولذا طالبه 84 في المائة من الإسرائيليين بالاستقالة. أما الجيش فعمد إلى فعلٍ انتقامي هستيري، وشن حرب دمار شامل أحرق فيها غزة وأهلها -وليس «حماس»- وأخذ يُعدّ لتوجيه ضربة استباقية إلى لبنان، حتى قبل أن يعلن «حزب الله» حرب «الإسناد».

الكرامة وإنقاذ الهيبة

كان غانتس، ومعه «شريكه» رئيس الأركان السابق الآخر غادي آيزنكوت، قد جاءا إلى «مجلس قيادة الحرب» ليسهما في «إنقاذ هيبة وكرامة الجيش الإسرائيلي»، وحقاً صار الجمهور يرى في غانتس أفضل المرشحين لرئاسة الحكومة بدل نتنياهو. ولكن الآن بعد مضيّ أكثر من 8 أشهر، عاد الجمهور الإسرائيلي يفتش عن رئيس حكومة آخر، بعد فقدانه الأمل في نتنياهو يقنعه... وأيضاً في غانتس وكل مرشح من الشخصيات القيادية المطروحة.

الاستطلاعات الأخيرة تشير إلى أن غانتس سيهبط إلى 27 مقعداً، ولكن إذا أُسس حزب يميني آخر سيوزّع الجمهور أصواته بين غانتس والحزب الجديد. وهذا ليس تصوراً وهمياً، بل واقعي جداً. إذ إن رئيس الوزراء الأسبق نفتالي بنيت، يسعى لتشكيل حزب يضم يوسي كوهين، رئيس «الموساد» السابق، وغدعون ساعر الوزير والحليف السابق لغانتس، وأفيغدور ليبرمان رئيس حزب «اليهود الروس»، وأشارت نتائج الاستطلاع إلى أن هذا الحزب سيحصد الأصوات من كل الأحزاب وسيصبح الحزب الأكبر، مما يعني أنه سيكلَّف بتشكيل الحكومة.

وهكذا، يخرج غانتس مرة أخرى «من المولد بلا حمص»، بعدما انفضّ الجمهور عنه. فلماذا يحصل له هذا وهو الذي يحمل على كتفه 33 سنة من الخدمة العسكرية ويتعامل مع محيطه بصدق وصراحة... ومعروف أنه لا ينتمي إلى شريحة السياسيين الفاسدين؟

نتنياهو حاضراً اجتماعاً حكومياً (رويترز)

طريقة اللعب... وتقبّل الفساد

غانتس بنفسه ليس بريئاً من هذه النتيجة، لكنَّ المسؤولية لا تنحصر به. فإسرائيل تعيش أزمة وطنية كبرى، سياسية ومجتمعية شاملة، والشارع يتجه نحو اليمين بشكل جارف، وكما في كل حرب... يتجه أكثر وأكثر إلى اليمين. بينما غانتس يُعد من الجناح الليبرالي، وكان قد أعرب عن تأييده لـ«حل الدولتين».

أيضاً، ليست «حماس» وحدها، بل أيضاً اليمين الحاكم نجح في تقويض هيبة ومكانة الجيش وغيره من أجهزة الأمن. ومع أن الجيش ما زال أكثر مؤسسة رسمية تحظى باحترام الناس وثقتهم، فقد انخفضت نسبة الثقة به من 87 في المائة إلى 63 في المائة. وقسم كبير من الشارع يسير وراء الشعارات العاطفية فارغة المضمون، وتفتش عن قائد «أزعر» و«فهلوي» و«يتقن اللعب والخداع» لا عن قائد «رمادي بارد».

وفي مكان ما، لم يعد الجمهور أيضاً ينفر من «القائد الفاسد»، خصوصاً في يمين الخريطة الحزبية. فوفق استطلاع أجراه «المعهد الإسرائيلي للديمقراطية»، ونُشر عام 2018، قال 47 في المائة من المستفتين إن القيادة السياسية في إسرائيل «فاسدة». وفي تحليل النتائج، تبين أن هذه النسبة تنخفض لدى ناخبي اليمين إلى 25 في المائة، أي إن غالبية 75 في المائة لا يرون أن القيادة السياسية فاسدة، مع أن رئيس الوزراء يحاكَم بتهمة الفساد، وهناك ثلاثة وزراء أُدينوا بالفساد. ثم إن الحكومة الإسرائيلية الحالية سعت لسن قوانين تجيز للوزارات تعيين مسؤولين عديدين على أساس القرب من الوزير وليس الكفاءة. وأقرت في موازنتها صرف أكثر من 1.5 مليار دولار للأحزاب تصرفها على مصالحها الذاتية من موازنة الدولة. والمستشارة القضائية للحكومة حذرت من أن إيتمار بن غفير، وزير الأمن الداخلي، يُحدث تغييراً جوهرياً في الشرطة بما يلائم سياسة حزبه المتطرف ويختار لرئاسة الدوائر والأذرع ضباطاً مقربين منه وليس وفق معيار المهنية. وبالتالي، مضى الزمن الذي كان فيه وزير ينتحر، عندما يكتشفون أنه ارتكب مخالفة فساد. فالفساد ببساطة لم يعد أمراً معيباً.

الخوف

ثمة محنة أخرى يعيشها المجتمع الإسرائيلي تدفعه إلى قرارات وسياسات متهوّرة بعيدة عن الحكمة. فالقيادة اليمينية بمجملها، وليس فقط نتنياهو، تتبنى عقيدة الخوف والتخويف، وتبني سياستها على الاعتقاد بأن عدواً ما يلاحق اليهود لإبادتهم في كل عصر. ووفق قناعات هؤلاء «اليهود شعب الله المختار» والعالم كله يغار منهم ويحسدهم، ويريد التخلص منهم.

بدأ ذلك بالعداء للسامية في الغرب -وأوروبا بشكل خاص– وتفاقم مع «المحرقة النازية»، والآن العرب والإسلام.

طبعاً، هناك أساس لهذا الاعتقاد، فالنازية فعلاً عملت على «إبادة» اليهود. وتوجد جماعات عربية وإسلامية تطلق شعارات معادية لليهود، لكنَّ هؤلاء أقلية ضئيلة، لا تزيد نسبتها -مثلاً- على نسبة اليهود الإسرائيليين الذين يريدون إبادة الشعب الفلسطيني!

في المقابل، العرب يقدمون لإسرائيل عرضاً سخياً لإنهاء الصراع الإسرائيلي - العربي من جذوره، عبر مبادرة السلام السعودية، التي غدت مبادرة عربية تقبلها «منظمة التعاون الإسلامي» وجميع القيادة الشرعية للشعب الفلسطيني. وسيشمل العرض سلاماً شاملاً بين إسرائيل والعرب والدول الإسلامية يشمل إقامة دولة فلسطينية على مساحة 22 في المائة من فلسطين التاريخية.

قصة اللاسامية

مع هذا، يحاول قادة اليمين إقناع اليهود بأنه لا أحد معهم، وبأن اللاسامية تتحكم بمؤسسات الأمم المتحدة. واستمرت تهم اللاسامية عندما خرج ملايين الناس عبر العالم في مظاهرات غضب إثر مشاهدة صور أطفال غزة يتمزقون بحمم المتفجرات الإسرائيلية. وطالت التهم حتى محكمة الجنايات الدولية ومحكمة العدل الدولية في لاهاي، اللتين قررتا التحقيق في ممارسات إسرائيل في غزة بناءً على معطيات رهيبة وأدلة كثيرة، بينها تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت، الذي أمر الجيش بالتعامل مع الفلسطينيين على أنهم «حيوانات»، ووزير آخر طلب إبادة غزة بقنبلة نووية، ووزير ثالث دعا إلى محو غزة. بل حتى الرئيس الأميركي جو بايدن، اتهمه بعض الوزراء بـ«التآمر مع حماس» عندما اختلف مع الحكومة الإسرائيلية.

تلاشي «حل الدولتين»

أخيراً، استطلاعات الرأي تشير إلى أن غالبية الشارع ما عاد متقبّلاً «حل الدولتين». بل حتى أجهزة الأمن الإسرائيلية، التي تبني مواقفها على أساس دراسات ومعطيات استخبارية، وترى أن المصلحة الوطنية العليا لإسرائيل تكمن في «حل الدولتين»، تقف عاجزة عن التصدّي لسياسات اليمين، وأبرزها مشاريع الاستيطان في الضفة الغربية الهادفة إلى إجهاض «حل الدولتين»، وحملات القمع الدموية، وحماية مخططات المستوطنين بما فيها طرد مزارعين فلسطينيين من أراضيهم وبيوتهم لكي يسيطروا هم عليها.

إسرائيل تعيش أزمة وطنية كبرى سياسية ومجتمعية شاملة

افتداء الأسرى الإسرائيليين... صار قضية كبيرة

عندما طلب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، من عائلات الرهائن المحتجزين لدى «حماس»، أن يَحذروا من أن يؤدي «نضالهم الشرعي لتحرير أبنائهم» إلى تشجيع «حماس» على تشديد مطالبها في الصفقة، اختلفوا فيما بينهم؛ بعضهم وافقه وبعضهم اعترض بحجة أن نتنياهو «مخادع ويحاول منعنا من ممارسة الضغوط عليه».وفي لقائه الثاني معهم، اقترح عليهم ممارسة الضغط على «حماس» لا عليه، وعرض عليهم السفر على حساب الدولة إلى دول أوروبا وأميركا والتقاء القادة السياسيين لـ«تجنيدهم إلى جانب إسرائيل في المعركة ضد (حماس)». وبالفعل، وافق قسم كبير منهم، وسافروا، في عدة رحلات نظَّمتها وزارة الخارجية، والتقوا عدة زعماء ووزراء، ورفض آخرون هذه الرحلات مؤكدين أن نتنياهو يخدعهم.وبعدما صارت مظاهرات عائلات الرهائن يومية، صاروا يقرأون في الشبكات الاجتماعية منشورات تهاجمهم وتتهمهم بـ«طعن الدولة في ظهرها والمساس بمعنويات الجنود الإسرائيليين الذين يقاتلون العدو»، لكنهم لم يرتدعوا. وكان ردهم: «نحن دولة ديمقراطية، حرية التعبير فيها مكفولة، والاختلافات أمر صحي». ولكن، عندما بدأوا يتعرّضون لاعتداءات جسدية من نشطاء في اليمين المتطرف ينعتونهم بالخيانة، بدا الخوف يتسلل إليهم وبعضهم ارتدع عن المشاركة في المظاهرات.وعندما أطلق الوزير المتطرف إيتمار بن غفير، الرّسَن للشرطة كي تفرّقهم بالقوة وتعتدي على كثيرين منهم، لا فرق بين شابٍّ ومسنٍّ، أو بين رجل وامرأة، أُصيب متظاهر بكسور في جمجمته، فبدأت العائلات تدرك أن الحكومة اليمينية أدخلتهم إلى «الحرب الداخلية» لا «حرب غزة»، بعد اتهامهم بأنهم «أعداء». ولقد تساءلت باسمها وباسمهم، والدة أحد الجنود الأسرى: «هل يُعقَل أن

قيادة الدولة اليهودية تفقد أهم قيمة في اليهودية، افتداء الأسرى وأبدلت بها إهدار دم الأسرى بشكل متعمَّد؟».

من مظاهرات مناوئي الحكومة الإسرائيلية في تل أبيب (إ.ب.أ)

ولكن، قبل نحو أسبوعين، أزال الوزراء في حكومة نتنياهو الستار عن عورة موقفهم عندما حضروا إلى الكنيست (البرلمان) ليخاطبوا قادتهم.كانت الأنباء تتحدث عن «قبول إسرائيل المقترح الإسرائيلي للصفقة»، حسب الرئيس الأميركي جو بايدن، ووزير خارجيته أنتوني بلينكن، ومستشار الأمن القومي في البيت الأبيض جاك سوليفان. لكنَّ وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، حضر إلى المداولات في لجنة المالية، وقال إنه لن يؤيد الصفقة الجاري العمل عليها مع «حماس». وأضاف: «ما يطلبه (يحيى) السنوار الآن هو تحرير مئات القتلة مع دم على الأيدي كي يحرّر مخطوفين. هذا الأمر من شأنه أن يؤدي إلى قتل الكثير جداً من اليهود... نحن سنقلب كل حجر كي نعيد كل المخطوفين، لكننا لن ننتحر بشكل جماعي».وفي نقاش آخر اصطدم النائب إسحاق فيندروس من «يهدوت هتوراة» لليهود المتديّنين، مع إستر بوخشتاف، أُم المخطوف ياغف بوخشتاف، بعدما طلبت الأم حق الكلام أمام اللجنة التي يترأسها فيندروف. إذ سألها: «أتريدون ممارسة نشاط سياسي حزبي؟». فصُدمت الأم وصرخت في وجهه: «أنت تتهمني بالسياسة وأنا أحاول أن أبثّ ألمي على ولدي؟ ألا تخجل من نفسك؟ أنت رجل دين وتعرف أن التوراة تعد افتداء الأسرى عملاً مقدّساً... فهل هكذا تفهم أحكام الدين؟ مَن منّا يُغلِّب السياسة الحزبية؟ مَن منّا تنازل عن القِيَم؟».في الواقع، الكلام عن القِيَم يكثر هذه الأيام في إسرائيل وسط أجواء التوتر الشديد والحرب متعددة الجبهات. فعلى هامش هذه الحرب ثمة تراجع صارخ وغير مسبوق عن قِيَم كثيرة. وهناك مَن يشعر بأن مصير القِيَم صار أخطر بكثير من السؤال عمّن يحكم إسرائيل في المرحلة التالية، بعد استقالة بيني غانتس وغادي آيزنكوت من الحكومة. وكثرة يقولون إن هناك ما يهدّد مستقبل إسرائيل برمّتها، لأنها بُنيت على أساس تلك القِيَم... وأهمها: افتداء الأسرى.وإلى جانب أحكام الدين في الموضوع، توجد مسألة استراتيجية تتعلق بها. فامتناع الحكومة عن الذهاب إلى صفقة لتحرير الأسرى، البالغ عددهم اليوم 120 أسيراً، يثير شكوكاً لدى كل جندي يحارب في الميدان حول مصيره. فيتساءل: «هل إذا وقعتُ في الأسر، سيصيبني ما يصيب هؤلاء الأسرى؟ سأتعفّن في نفق تحت الأرض ولا يسأل عني أحد؟ أهذه هي إسرائيل التي أنتمي إليها وأحارب لأجلها وأفتديها بروحي وحياتي؟».وعليه، فالقضية هي: هل يستطيع أن يحارب بإقدام وشجاعة مَن يسكنه هاجس كهذا؟


مقالات ذات صلة

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

حصاد الأسبوع باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسمياً، والتي

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك،

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي

حصاد الأسبوع كيريكو (آ ف ب)

بنين... الديمقراطية «المستقرة نسبياً» في أفريقيا

تُعدّ بنين، التي كانت تُعرف سابقاً باسم داهومي، والتي يقارب عدد سكانها 14 مليون نسمة، واحدة من أكثر الدول استقراراً نسبياً في أفريقيا. وسياسياً، عاصمة بنين

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
حصاد الأسبوع صورة جامعة للقادة المشاركين في «القمة» (رويترز)

«القوى التقدمية» في الغرب تسعى لاستعادة الثقة بالنفس

عندما بزغ فجر القرن الحادي والعشرين، كانت كوكبة من القيادات «التقدمية» - الاشتراكية أو من اليسار المعتدل - تتربع على قمم السلطات التنفيذية في أوروبا، من بينها:

شوقي الريّس ( مدريد)

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
TT

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)

لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسمياً، والتي لطالما أثارت شكوكاً أميركية بسبب تاريخها النووي وعلاقاتها المعقدة مع الجماعات المسلحة، كانت حتى الأمس القريب تبدو أقرب إلى هامش النظام الإقليمي الجديد منها إلى مركزه. إلا أن الحرب على إيران، وطبيعة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشخصية والصفقية، والحاجة الأميركية إلى وسيط يجمع بين القدرة على مخاطبة طهران وعدم القطيعة مع واشنطن، كلها عوامل أعادت إسلام آباد إلى الواجهة دفعة واحدة.

عودة باكستان إلى الساحة الإقليمية الشرق أوسطية لا يجوز فهمها فقط من زاوية الوساطة الحالية، بل يجب قراءتها بوصفها نتيجة مسار أطول يتضمن:

1- إعادة تأهيل تدريجية للعلاقة الأميركية - الباكستانية بعد سنوات من التراجع لمصلحة الصين.

2- استثمار باكستان لعناصر قوتها الخاصة، من موقعها الجغرافي إلى وزنها العسكري والنووي، مروراً بعلاقاتها مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج.

3- الأهم أن هذه العودة تطرح سؤالاً أكبر هو: هل تتحوّل باكستان من مجرد «وسيط ظرفي» إلى أحد اللاعبين الذين يسهمون في إعادة صياغة توازن القوة الإقليمي، في لحظة تتعرض فيها إيران إلى ضغط غير مسبوق، وتعيد فيها القوى الكبرى والإقليمية ترتيب مواقعها؟

مخاطبة ترمب بلغته

في ولايته الأولى، لم يُخفِ ترمب ضيقه من باكستان. اتهمها يومها بأنها لم تُقدم لواشنطن سوى «الأكاذيب والخداع»، في تعبير لخّص مرحلة من الفتور العميق بين البلدين. وحقاً، كانت واشنطن ترى أن باكستان تستفيد من المساعدات الأمنية والمالية الأميركية، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بهوامش واسعة في أفغانستان، وتُبقي علاقاتها بالصين أولوية استراتيجية. غير أن ما تبدل لاحقاً لم يكن فقط سلوك إسلام آباد، بل أيضاً إدراكها العميق لطبيعة ترمب نفسه.

وفق تقرير لصحيفة «واشنطن بوست»، أدركت النخبة الباكستانية مبكراً أن ترمب لا يتجاوب مع الخطاب التقليدي القائم على التحالفات الطويلة أو اللغة الدبلوماسية المجردة، بل مع ما يُمكن تسويقه إليه بوصفه إنجازاً مباشراً وملموساً. لذلك صاغت إسلام آباد عرضها بلغة «صفقة»، أي: التعاون في مكافحة الإرهاب، والانفتاح على «صفقات» المعادن الحيوية، والإشارة إلى «شراكات» في مجال العملات الرقمية عبر اتفاقات مرتبطة بجهات على صلة بعائلة ترمب.

هذا هو ما عبّر عنه المسؤول الباكستاني السابق مشاهد حسين سيد، حين قال إن بلاده قدّمت لترمب «الثلاثية»: العملة المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب.

هنا يكمن التحوّل الأساسي، إذ إن باكستان لم تُحاول إقناع واشنطن بأنها تغيّرت جذرياً، بل حاولت إقناع ترمب بأنها مفيدة له شخصياً وسياسياً. ولقد عزّزت هذا المسار بخطوات رمزية وسياسية مدروسة، منها الإشادة المتكررة بدوره في وقف النار مع الهند، وترشيحه لجائزة نوبل للسلام، والانضمام إلى مبادرات ذات طابع احتفائي مرتبطة بخطابه الدولي. وبحلول الخريف، كان ترمب قد انتقل إلى وصف قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير بأنه «المشير المفضّل» لديه.

هذه ليست مجرد مجاملة.

إنها تعني أن باكستان نجحت في تحويل العلاقة مع واشنطن من ملف مؤسساتي ثقيل وموروث من «الحرب على الإرهاب»، إلى قناة شخصية مباشرة مع رئيس أميركي يُعلي من قيمة الولاء والجدوى الفورية أكثر من أي اعتبارات أخرى.

باكستان «وسيط» رغم عدم اعترافها بإسرائيل

المفارقة الظاهرية أن الدولة التي لا تعترف بإسرائيل أصبحت اليوم منصة للتفاوض في حرب تكون إسرائيل أحد أطرافها الرئيسيين. بيد أن هذه المفارقة تتلاشى إذا نظرنا إلى الوساطة من منظور وظيفي لا آيديولوجي. فإسلام آباد لا تلعب دور الضامن لاتفاق شامل بين طهران وتل أبيب، بل دور الميسّر لقناة أميركية - إيرانية، على قاعدة أن مفتاح التأثير الحقيقي موجود في واشنطن. ومن هذه الزاوية، فإن إحجامها عن الاعتراف بإسرائيل قد لا يكون عائقاً، بل ربما هو عنصر طمأنة إضافي للإيرانيين.

وفق الـ«واشنطن بوست» تمتلك باكستان ثلاثة عناصر تمنحها أهلية خاصة لهذا الدور: أولها، مستوى من الثقة النسبية مع إيران، بحكم الجوار البري الطويل، والحاجة المتبادلة إلى ضبط الحدود ومنع تحول المناطق المشتركة إلى بؤر فوضى دائمة. وثانيها، قدرتها على مخاطبة واشنطن من داخل علاقة أُعيد ترميمها مع دونالد ترمب شخصياً. وثالثها، ثقلها النووي والعسكري، الذي يمنحها مكانة تختلف عن مكانة الوسطاء التقليديين الأقل وزنًا.

ويُشير ذلك بوضوح إلى أن هذا الثقل النووي يضيف إلى «هيبة» باكستان في نظر مختلف الأطراف.

لكن الأهم من ذلك أن سلطة إسلام آباد ليست وسيطاً محايداً بالكامل، بل وسيط مصلحي. ذلك أنها معنية بمنع انهيار إيراني شامل أو تفكّك داخلي على حدودها الغربية، كما أنها معنية في الوقت نفسه بمنع طهران من ترجمة أزمتها إلى ضغط أمني أو مذهبي داخل الساحة الباكستانية. وبالفعل، أظهرت التطورات الأخيرة مدى هشاشة الداخل الباكستاني أمام ارتدادات الحرب، مع وقوع اضطرابات وأعمال عنف بعد مقتل المرشد الإيراني، ومحاولة اقتحام القنصلية الأميركية في كراتشي.

من هنا، لا تبدو الوساطة الباكستانية «عملاً خيرياً» أو مجرد إنجاز دعائي. إنها أيضاً محاولة دفاع متقدّم عن الأمن الوطني الباكستاني، فالدولة النووية الكبرى المجاورة لإيران لا تستطيع تحمل «سيناريو» الفوضى الطويلة الأمد، ولا «سيناريو» سيطرة مطلقة لـ«الحرس الثوري» على بلد مأزوم ومتفكّك، ولا كذلك «سيناريو» تدخّلات إقليمية متشابكة قد تفتح الخرائط على احتمالات يصعب ضبطها.

باكستان نجحت

في تحويل العلاقة

مع واشنطن من ملف ثقيل عن «الحرب

على الإرهاب» إلى قناة شخصية مباشرة

مع رئيس أميركي

السعودية بوابة العودة

من جهة ثانية، لم تعد العلاقة الباكستانية - الأميركية تُفهم بعيداً عن الدور السعودي. فخلال سنوات التراجع الأميركي النسبي في التعاطي مع باكستان، ومع تنامي الحضور الصيني الاقتصادي والاستراتيجي في البلاد، بقيت المملكة العربية السعودية ومعها دول خليجية صماماً مالياً وسياسياً أساسياً لإسلام آباد. ولقد اضطرت باكستان أخيراً للاعتماد على حزم إنقاذ وقروض من السعودية والإمارات، في ظل أزماتها النقدية وغلاء المعيشة، بعدما كانت تلجأ أيضاً إلى صندوق النقد الدولي.

ثم إن هذا البُعد المالي لا ينفصل عن البُعد الاستراتيجي، فالرياض كانت تاريخياً الجسر الذي يسمح لباكستان بالحفاظ على صلة وثيقة بالمنظومة الأمنية العربية الحليفة لواشنطن، حتى حين كانت العلاقات الباكستانية - الأميركية تمر بمراحل فتور. واليوم، مع توقيع «معاهدة الدفاع الاستراتيجية» بين الرياض وإسلام آباد، ومع ترجمة ذلك -ولو رمزياً- عبر إرسال طائرات حربية وقوات باكستانية إلى السعودية في رسالة ردع إلى طهران، باتت باكستان أقرب إلى موقع «الشريك الأمني المرِن» الذي يمكن توظيفه في التوازن الخليجي - الإيراني من دون وضعه في الواجهة الأولى للمواجهة.

هذا الدور المزدوج للسعودية مهم «ذهاباً وإياباً»، فهي من جهة تمنح باكستان دعماً مالياً وسياسياً يُخفف هشاشتها الداخلية، ومن جهة أخرى تفتح لها باب العودة إلى واشنطن عبر إبرازها بوصفها عنصر استقرار داخل المنظومة الإقليمية التي تريد الولايات المتحدة إعادة ضبطها. بهذا المعنى، فإن التقارب الباكستاني - الأميركي ليس بديلاً عن الصين بقدر ما هو عملية تنويع اضطرارية للمحاور، تقودها حاجة باكستان إلى تجنّب الارتهان الكامل لبكين، وحاجة واشنطن إلى شريك يملك مفاتيح في أفغانستان وإيران والخليج معاً.

والواقع أن هذه البراغماتية هي ما يُفسّر قدرة باكستان على الجمع بين خطوط تبدو متناقضة:

- شراكة وثيقة مع الصين.

- علاقة أمنية متقدمة مع السعودية.

- قناة مفتوحة مع واشنطن.

- لا جسور مقطوعة مع إيران.

إنها -أي باكستان- تُحاول أن تكون «دولة تقاطع» لا «دولة محور»، مستفيدة من موقعها الجغرافي، ومن لحظة سيولة إقليمية غير مسبوقة.

الرئيس الباكستاني شهباز شريف مع نائب الرئيس الأميركي فانس (آ ب)

توازن القوة الإقليمي

بالتوازي مع ما سبق، في حين لا تبدو باكستان مرشحة لأن تحل محل القوى الإقليمية التقليدية، فإنها باتت مرشحة جدّية لأن تصبح رقماً أصعب في معادلة التوازن. إذ إن السعودية تبقى «لاعب الثقل المالي والنفطي» العربي، وتركيا تملك أدوات نفوذ عسكرية وسياسية أكثر تمدداً في المشرق وشرق المتوسط، ومصر تحتفظ بثقل الدولة المركزية العربية، وإن كان دورها الإقليمي أكثر حذراً، في حين تبقى إسرائيل القوة العسكرية الأكثر تفوقاً تكنولوجياً والأكثر التصاقاً بالقرار الأميركي في هذه الحرب.

مع هذا، باكستان تضيف الآن شيئاً عناصر لا تتوفر مجتمِعةً لدى اللاعبين المذكورين، أبرزها: أنها دولة إسلامية نووية، وذات جيش كبير، وحدود مباشرة مع إيران، وذات قابلية للتحاور مع واشنطن وطهران والخليج في آنٍ معاً. وبهذا، المعنى، قد يتحوَّل دور إسلام آباد إلى أحد ثلاثة أشكال.

الأول: وسيط أمني - سياسي يسهّل التهدئة؛ حيث تعجز القنوات المباشرة، خصوصاً في الملفات التي تمس إيران والخليج.

الثاني: شريك ردع رمزي إلى جانب السعودية، يرسل إشارات أكثر مما يخوض مواجهات مباشرة.

والثالث: عنصر توازن يمنع أن تتحوّل أي تسوية إقليمية جديدة إلى ترتيب يستثني القوى الإسلامية غير العربية الكبرى.

إلا أن هذا الطموح يصطدم بقيود واضحة. وتقول الـ«واشنطن بوست» إن معظم الباكستانيين لن يلمسوا من هذه الوساطات شيئاً ما لم تنجح الدولة في معالجة أزماتها الاقتصادية البنيوية. كما ينبه مسؤولون وخبراء سابقون إلى أن بعض الصفقات المعلنة مع واشنطن قد يكون أقرب إلى الضجيج السياسي منه إلى التحوّل الاقتصادي الحقيقي. وفضلاً عن ذلك، فإن خصوم القيادة الباكستانية الحالية يرون في انخراطها الخارجي محاولة لصرف الأنظار عن الصراعات الداخلية، وتعزيز شرعية المؤسسة العسكرية.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إسلام آباد نجحت في كسب ود ترمب؛ هي فعلت ذلك بالفعل إلى حد بعيد، بل السؤال هو ما إذا كانت قادرة على تحويل هذا الود إلى نفوذ مستدام، لا إلى لقطة دبلوماسية عابرة.

نجاحها في ذلك سيتوقف على ثلاثة شروط: أولاً، أن تُحافظ على خط توازن دقيق مع إيران يمنع التدهور الحدودي والفوضى. وثانياً، أن تترجم تقاربها مع واشنطن إلى مكاسب اقتصادية ومؤسساتية فعلية لا صفقات دعائية. وثالثاً، أن تدير شراكتها مع الرياض بطريقة تُعزز موقعها الإقليمي من دون أن تزجّ بها في مواجهة مباشرة مفتوحة مع طهران.

وهكذا، في المحصلة، عادت باكستان إلى أميركا؛ لأنها فهمت كيف تُخاطب ترمب، ولأن الحرب على إيران رفعت قيمة موقعها الجغرافي والسياسي في لحظة حرجة. لكنها عادت أيضاً لأن الإقليم نفسه بات يبحث عن قوى وسيطة تملك القدرة على وصل الخطوط المتباعدة.وإذا كانت السنوات الماضية قد كرّست صورة باكستان بوصفها دولة تتأرجح بين الأزمات، فإن الأشهر الأخيرة توحي بأنها تحاول إعادة تقديم نفسها بوصفها دولة مفصلية في إعادة تركيب توازنات المنطقة. غير أن هذه العودة، مهما بدت لافتة، ستظل ناقصة ما لم تنجح إسلام آباد في تحويل الدور الخارجي إلى استقرار داخلي، وفي إثبات أن الوساطة ليست فقط طريقاً إلى رضا ترمب، بل أيضاً إلى مكانة إقليمية يصعب تجاوزها.


أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
TT

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك، الجنرال عاصم منير، قائد الجيش، بوصفه الرجل الأقوى في باكستان وصاحب التأثير الأكبر في ملفات الأمن والسياسة الخارجية.

وأهمية منير لا تعود فقط إلى موقعه الداخلي، بل إلى نجاحه في بناء قناة مباشرة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى حد أن الأخير عدّه «المشير المفضل» لديه بحلول أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في إشارة رمزية إلى حجم التحول في العلاقة.

إلى جانب منير، لعب رئيس الوزراء شهباز شريف دور الواجهة السياسية لهذا التقارب. فالحكومة الباكستانية كثفت الإشادة العلنية بترمب، وشكرته مراراً على تدخله لوقف إطلاق النار مع الهند، كما رشحته إسلام آباد لجائزة نوبل للسلام، في خطوات هدفت إلى مخاطبة ترمب بلغته السياسية القائمة على التقدير الشخصي والرمزية الإعلامية.

مشاهد حسين سيد(فايسبوك)

كذلك برز مشاهد حسين سيد، الرئيس السابق للجنة الدفاع في مجلس الشيوخ الباكستاني، بوصفه من أبرز من شرحوا فلسفة هذا التحول. إذ قال إن باكستان «قرأت ترمب جيداً»، وقدمت له ما سماها «الثلاثية»: العملات المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب. وتكشف هذه العبارة عن أن إسلام آباد تعمّدت إعادة «تسويق» نفسها في واشنطن من زاوية «المنفعة المباشرة»، لا من زاوية التحالفات التقليدية فقط.

وبالطبع، لا يقل أهمية عن هؤلاء فريق الدولة الاقتصادي والدبلوماسي، الذي أسهم في ترجمة الانفتاح إلى صفقات وممرّات تواصل، من اتفاق المعادن الحيوية إلى الترتيبات المالية والسياسية التي حسّنت صورة باكستان داخل إدارة ترمب. وعليه، يمكن القول إن عاصم منير كان «مهندس» القناة الاستراتيجية، وشهباز شريف واجهتها السياسية، فيما وفّر مشاهد حسين سيد الإطار التفسيري لهذا التحوّل.


روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
TT

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي رئاسة جمهورية بنين، الواقعة في غرب أفريقيا. واداني يخلف الرئيس المنتهية ولايته باتريك تالون، الذي لا يحق له الترشح مجدداً بعدما أمضى ولايتين رئاسيتين مدة كل منهما 5 سنوات. وللعلم، حصل الرئيس الجديد، الذي يلقب بين أقرانه اختصاراً لاسمه بـ«رو»، على أكثر من 94 في المائة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية التي أجريت يوم 12 أبريل (نيسان) الحالي، متفوقاً على منافسه المعارض بول هونكبي، في انتخابات بلغت نسبة المشاركة فيها 58.78 في المائة.

روموالد واداني، الذي كان يوصف بأنه «الخليفة المختار» للرئيس باتريك تالون، أعلن في أول تصريحاته عقب فوزه برئاسة بنين اعتزامه البناء على ما وصفه بـ«الأسس الصلبة» التي أرساها سلفه، وأنه سيكرس مساراً سياسياً يقوم على الاستمرارية أكثر من التغيير، مع تأكيد حرصه على «التماسك الوطني»، الذي مثّله حجم فوزه في الانتخابات.

الفوز كان متوقعاً

الفوز في حد ذاته لم يكن مفاجئاً، لا سيما أن واداني (49 سنة)، يمثل نموذج «التكنوقراطي الصاعد» في أفريقيا؛ إذ جاء إلى الحكم من بوابة الإدارة المالية لا السياسة التقليدية. وطوال عقد كامل شغل خلاله منصب وزير الاقتصاد والمالية، منذ عام 2016، ارتبط اسم واداني بتغييرات هيكلية أعادت ضبط المالية العامة، وخفّضت عجز الموازنة إلى نحو 3 في المائة من الناتج المحلي، في حين حقق الاقتصاد معدلات نمو تجاوزت 6 في المائة سنوياً في المتوسط. وهذه النتائج هي ما بنى عليه الرجل برنامجه الانتخابي للوصول إلى سدة الحكم، بعدما اكتسب ثقة المستثمرين مرسّخاً اسمه كمهندس «الاستقرار المالي» في واحد من أسرع اقتصادات غرب أفريقيا نمواً.

يوصف روموالد وادني بأنه «هادئ الطباع»، لا سيما مع قلة ظهوره الإعلامي، بيد أنه وفق محللين سياسيين كان «العقل المدبر» خلف التغييرات الاقتصادية في بنين طوال العقد الماضي؛ ما جعله يتصدّر المشهد كخليفة لتالون. وبالفعل، تحوّل «البيروقراطي» الذي لطالما عمل خلف الكواليس شخصاً جماهيرياً يجوب البلاد ويخطب في تجمّعات جماهيرية، متخلياً عن ربطة العنق والخطاب المكتوب، في محاولة للتقرّب من الشارع وكسر صورة «التكنوقراطي الاقتصادي الصارم».

نقلت وكالة «أ.ف.ب» الفرنسية، من جهتها، عن أحد حلفائه قوله إن الحملة «أظهرت وجه واداني الحقيقي كشخص قريب من الناس»، في تحوّل لافت لرجل ظل لسنوات يعمل بعيداً عن الأضواء. أما عن السباق الرئاسي نفسه، فقد خاضه واداني مدعوماً من أحزاب الائتلاف الحاكم. وأقرّ منافسه الوحيد، بول هونكبي، بالهزيمة قبل إعلان النتائج رسمياً، وهو ما اعتبره واداني بعد الفوز «مؤشراً على النضج الديمقراطي».

نشأة اقتصادية

وُلد روموالد واداني يوم 20 يونيو (حزيران) 1976 في مدينة لوكوسا بجنوب غربي بنين، قرب الحدود مع توغو، لأسرة متعلّمة ذات خلفية اقتصادية. ونشأ بين صرامة والده مهندس الإحصاء وأستاذ الرياضيات وروح المبادرة عند والدته رائدة الأعمال، وانعكس هذا الواقع فيما بعد على مسيرته التعليمية والمهنية.

إذ اتجه الشاب الطموح لدراسة الإدارة والمحاسبة والتمويل في «المدرسة العليا لإدارة الأعمال» بمدينة غرونوبل الفرنسية قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة للدراسة في معهد إدارة الأعمال بجامعة هارفارد الأميركية العريقة. ولكن، مع أن تكوين واداني العملي والعملي الأساسي كان خارج البلاد، فإنه دائماً ما أبدى حرصه على تأكيد ارتباطه بجذوره، عبر إشارات متكرّرة إلى امتلاكه مزرعة في بنين.

مهنياً، يتمتع واداني بصفة محاسب قانوني معتمد في كل من فرنسا والولايات المتحدة، كما أنه حصل على درجة الماجستير في التمويل، وتلقى تدريباً متخصصاً في مجالات الاستثمار المباشر ومخاطر رأس المال. وقبل دخوله العمل الحكومي، راكم «رو» خبرة دولية عملية داخل شركة «ديلويت» المحاسبية العالمية الشهيرة، حيث بدأ مسيرته المهنية في فرنسا عام 1998، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة عام 2003. وخلال هذه الفترة، طوّر واداني خبرات في مجالات عدة، وقدّم خدمات استشارية لقطاعات متنوعة من بينها: التعدين، والتكنولوجيا والإعلام والاتصالات، والقطاع المالي، والقطاع العام، والتجزئة، فضلاً عن تعاونه مع حكومات وجهات مانحة دولية.

ثم في عام 2012، عندما كان لا يزال في سن الـ36، رُقّي واداني إلى منصب شريك ومدير إداري في «ديلويت»، وبعد ذلك بثلاث سنوات، كُلّف إنشاء مكتب جديد للشركة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، كما تولى مسؤولية إدارة التدقيق والممارسة المهنية لأنشطة «ديلويت» في دول أفريقيا الناطقة بالفرنسية.

وزيراً للاقتصاد والمالية

تجربة واداني المهنية الدولية دفعت لتعيينه في منصب وزير دولة للاقتصاد والمالية يوم 7 أبريل (نيسان) 2016 ضمن أول حكومة للرئيس باتريك تالون، وفيها كُلّف تنفيذ برنامج تغييري طموح، قبل أن يُعاد تعيينه في مايو (أيار) 2021، ويواصل لعب دور محوَري في رسم السياسات الاقتصادية لبنين.

بعد ذلك، تولى واداني حقيبة الاقتصاد عندما كانت بنين تشكو فيه ارتفاع عجز الموازنة، وسوء إدارة الدين العام، وتراجع ثقة المستثمرين. وبالفعل، قاد سياسة تغييرية تقوم على محورَين رئيسين: الأول يتمثل في إدارة مالية عامة تتّسم بالشفافية لتحقيق «انضباط» الميزانية وتعبئة التمويل الدولي وتعزيز ثقة المانحين الدوليين من القطاعين العام والخاص. والآخر يركّز على تحسين مناخ الأعمال وتعزيز قدرة القطاع الخاص على مواجهة الصدمات الخارجية.

بفضل هذه السياسة، سجلت بنين نمواً بنسبة 8 في المائة عام 2025، وهو مستوى غير مسبوق لمدة ثلاثة عقود، وفق ما ذكره موقع الحملة الانتخابية لواداني. وحسب الموقع أيضاً، سُجّل رفع نصيب الفرد من الدخل بنسبة 50 في المائة خلال أقل من عشر سنوات، وتحديث أكثر من 14 ألف كيلومتر من الطرق، وبناء مستشفيات ومدارس جديدة، بالإضافة إلى برنامج المقصف المدرسي الذي يسمح لنحو 1.3 مليون طفل بالاستفادة من وجبة ساخنة يومياً.

أيضاً، تمكّن واداني من إجراء تغييرات على المالية العامة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 في المائة من الناتج المحلي، كما أطلق خلال ولايته مشاريع بنية تحتية كبرى حققت نمواً اقتصادياً واستقراراً، عزّزا ثقة المستثمرين الدوليين، ورسّخا صورة بنين كنموذج إصلاحي صاعد في المنطقة.

وعلى الصعيد الإقليمي، لعب واداني دوراً بارزاً في غرب أفريقيا، حيث ترأس المجلس القانوني لوزراء مالية «الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا»، وقاد مفاوضات مع فرنسا تُوجت بتوقيع اتفاق في ديسمبر (كانون الأول) 2019 لإنهاء العمل بعملة الفرنك الأفريقي (CFA) في المنطقة، في خطوة اعتُبرت تحولاً مهماً في مسار السيادة النقدية لدول الإقليم.

القائد الشاب... والمرشح الرئاسي

خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 أعلن روموالد واداني اعتزامه الترشح للرئاسة رغبةً منه في إكمال مسار التغيير، وتحقيق مزيد من التقدّم. وتعهد أيضاً بتوفير فرص عمل والقضاء على الفقر لتصل ثمار التغيير إلى كل بيت في بنين رافعاً شعار «نبني معاً بنين أحلامنا».

واليوم، وفق صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية، يعكس فوز واداني بالرئاسة «توجّهاً نحو تجديد الطبقة السياسية الحاكمة وتطوّراً للعقلية السياسية» في بنين «باختيار جيل من الحكّام أقرب للواقع». وهو بذا، ينضم إلى مجموعة محدودة من الرؤساء الشباب في قارة أفريقيا.

ثم إنه ممّا يزيد أهمية الحدث كون واداني وصل إلى قمة السلطة عبر انتخابات، اعتبر مراقبون دوليون أنها «أجريت بشكل سلمي ومنظم»، وأن ما سُجّل من ملاحظات محدودة لا يمسّ صدقية النتائج، وإن غابت عنها التعدّدية الفعلية.

التحديات الأمنية

من جهة ثانية، لانتخابات الرئاسة في بنين أهمية إضافية؛ كونها نُظّمت وسط تحديات أمنية كادت تهدّد إجراءها من الأساس. ففي ديسمبر الماضي، سيطر عدد من أفراد الجيش على محطة التلفزيون الرئيسة، وهاجموا قصر الرئاسة في محاولة انقلاب فاشلة احتجاجاً على تدهور الوضع الأمني في شمال البلاد وتصاعد تهديد الإرهاب. وبالتالي، جاءت الانتخابات بعد تعرّض بنين لإحدى أكثر سنواتها عنفاً على الإطلاق في 2025، وسلّطت المحاولة الانقلابية الضوء على هشاشة الأوضاع السياسية في دولة تعدّ واحدة من الديمقراطيات الأفريقية المستقرة نسبياً. وفي أي حال، نجحت الانتخابات الرئاسية الأخيرة في تحقيق خامس انتقال سلمي للسلطة منذ استقلال بنين عام 1960. كما أنه بالنسبة لمؤيدي واداني يمثل صعوده «بروز جيل جديد من القادة، أقل اهتماماً بالشعارات وأكثر تركيزاً على النتائج» حسب الـ«نيويورك تايمز»، لكن معارضيه يرون فيه «استمراراً لنظام سياسي يضيق فيه هامش التعدّدية».

إرث مثقل بالتحديات

في الواقع، يمكن القول إن روموالد واداني يتولّى محمّلاً بإرث مثقل بالتحدّيات السياسية والأمنية والاتهامات بتقييد المعارضة، ومسار اقتصادي تغييري حقّق قدراً من النمو والازدهار؛ ما يضعه أمام معادلة صعبة لاستكمال مسار التغيير الاقتصادي ومواجهة التحدّيات الأمنية مع الحفاظ على استقرار البلاد سياسياً.

ويُعدّ الفقر أحد أخطر التحديات التي تواجه واداني، لا سيما مع تجاوز نسبته أكثر من 30 في المائة من السكان. ويضاف إلى ذلك تصاعد الهجمات «الإرهابية» في الشمال؛ ما يفرض ضغوطاً على الجيش والسلطة، وانتقادات المعارضة لغياب التعددية و«الانفتاح السياسي الحقيقي».

وبينما يرى مراقبون أن الرئيس الجديد سيواصل النهج الاقتصادي الذي قاده خلال فترة سلفه تالون، فهم يؤكدون أن قياس نجاحه سيظل رهناً بقدرته على تحقيق تنمية أكثر شمولاً من جهة واحتواء التهديدات الأمنية وإعادة التوازن للحياة السياسية من جهة أخرى.وهكذا، بين الاستمرارية وضغوط الانفتاح والتغيير الديمقراطي، يدخل واداني عازماً على تحقيق مستقبل أفضل لشعب بنين. ويرى مراقبون أن سنواته الأولى في الحكم ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان سيُرسّخ نموذجاً ناجحاً للحكم الرشيد، أم سيواجه أزمات تعيد طرح الأسئلة القديمة حول الديمقراطية والتنمية في غرب أفريقيا.