سباق «ضد الزمن» بين قيس سعيّد ومعارضيه

تونس بعد سادس «استفتاء شعبي» خلال سنتين

أحمد نجيب الشابي (آ ف ب)
أحمد نجيب الشابي (آ ف ب)
TT

سباق «ضد الزمن» بين قيس سعيّد ومعارضيه

أحمد نجيب الشابي (آ ف ب)
أحمد نجيب الشابي (آ ف ب)

أنجز الرئيس التونسي قيس سعيّد وحكومته «خارطة الطريق» التي أعلن عنها في سبتمبر (أيلول) 2021، بعد شهرين من قرارات الإطاحة بالبرلمان والحكومة وكامل «منظومة الحكم السابقة». وكان الرئيس قد حمّلها مسؤوليات «الإخفاقات» الاقتصادية والاجتماعية والسياسية خلال العقود الماضية وخاصة بعد «ثورة يناير (كانون الثاني) 2011». وتمثّلت المحطة الأحدث بتنظيم انتخابات عامة لاختيار أعضاء المجالس المحلية والجهوية في 277 مدينة و24 محافظة. مع العلم أنه سيصار إلى اختيار الأعضاء الـ77 للغرفة الثانية للبرلمان من بينهم دون تنظيم انتخابات عامة جديدة. هذا «الاستفتاء الشعبي» هو السادس في عهد سعيّد عشية انطلاق «ماراثون» التحضيرات للانتخابات الرئاسية المقرر تنظيمها في الخريف المقبل، بيد أن قوى من المعارضة والنقابات تتحفّظ عن المسار السياسي الاقتصادي الرسمي الحالي، وبالفعل، دخلت في سباق «ضد الزمن» مع أنصار الرئيس.

نور الدين الطبوبي (آ ف ب)

تكشف مواقف الرئيس التونسي قيس سعيّد إزاء تواضع نسب المشاركة في التصويت بالانتخابات والاستفتاءات الشعبية الستة - التي نظّمت خلال العامين الماضيين - أنه لا يساير وجهة نظر المراقبين المحليين والمتابعين الأجانب. هؤلاء يربطون بين نسب المشاركة ونسب المساندين للمشروع السياسي الرئاسي، إلا أن الرئيس عزا عزوف نحو 88 في المائة من الناخبين عن التصويت إلى «الفوضى والتجاوزات التي كانت سائدة في البرلمانات والمجالس المنتخبة السابقة». وهذا الأمر، حسب رأيه، أدى إلى «استفحال أزمة ثقة بين غالبية الشعب والبرلمان والنظام البرلماني»، رغم النضالات التي خاضها الوطنيون التونسيون من أجل تأسيس برلمان تونسي خلال مرحلتي الكفاح ضد الاستعمار وبعد الاستقلال عن فرنسا عام 1956.

«أزمة ثقة»

ثم إن سعيّد اعتبر في تعليق له على ضعف الإقبال على التصويت بـ«انعدام اقتناع غالبية الشعب بالنظام البرلماني» مقابل مساندتهم «للنظام الرئاسي» وإشراك الشعب في تسيير البلاد عبر «مؤسسات قاعدية» تُنتَخب مباشرة على الأفراد وفي الجهات، لا وفق نظام القوائم التي كانت الأحزاب و«اللوبيات المالية والسياسية» تتحكم فيها. ومن ثم، دافع الرئيس مجدّداً عن مشروعه السياسي والانتخابي الذي يسمح للناخبين بـ«سحب الثقة» من الفائزين في الانتخابات بعد مدة من إعلان النتائج «في حال اكتشاف قلة احترامهم لتعهداتهم ووعودهم» أو تورطهم في «تجاوزات خطيرة». وساند الأكاديمي صلاح الدين الداودي، وهو أستاذ للفلسفة، خلال تصريح لـ«الشرق الأوسط» مواقف الرئيس سعيّد من النظام البرلماني ومن المؤسسات المنتخبة السابقة التي كان قد اتهم القائمين عليها بـ«تعميق أزمة ثقة غالبية المواطنين والناخبين فيها»، خاصة خلال السنوات العشر الماضية، التي يصفها أنصار سعيّد بـ«عشريّة الخراب». ومن بين ما يلفت الانتباه أن الخطاب، الذي يربط بين ضعف المشاركة في الانتخابات و«أزمة الثقة» بالبرلمان السابق والنظام البرلماني، صدر كذلك عن شخصيات حزبية وسياسية كان بعضها من أعضاء البرلمانات الثلاثة السابقة مثل المنجي الرحوي، القيادي في الحزب اليساري الراديكالي «حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحّد» وبعض قيادات حزبي الشعب والتيار الديمقراطي.

عبير موسي (إ ب آ)

نعم... ولكن

وفي السياق ذاته، يربط قياديون من الأحزاب القومية العربية واليسارية مثل زهير حمدي، الأمين العام لحزب «التيار الشعبي»، بين ضعف المشاركة في الانتخابات الجديدة و«خيبات الأمل ومشاعر الإحباط التي سادت خلال السنوات الماضية بسبب أخطاء الطبقة السياسية السابقة وقيادات الأحزاب الكبرى التي تحكّمت بالمشهدين السياسي والبرلماني بعد ثورة 2011. وهنا توجّه أصابع الاتهام، خاصةً، إلى قيادات أحزاب «حركة النهضة» بزعامة رئيس البرلمان السابق راشد الغنوشي و«نداء تونس» بزعامة الرئيس الأسبق الباجي قائد السبسي و«تحيا تونس» بزعامة رئيس الحكومة الأسبق يوسف الشاهد و«قلب تونس» بزعامة رجل الأعمال نبيل القروي.

أيضاً، يحمّل قياديون من «حزب الشعب» العروبي، بينهم البرلماني الحالي عبد الرزاق عويدات، قيادات تحكّمت بالمشهد السياسي قبل مفصل 25 يوليو (تموز) 2021، مسؤولية عزوف مزيد من الشباب والشعب عن المشاركة في الانتخابات وفي الشأن العام والحياة السياسية ككل. إلا أن الأمين العام لـ«حزب الشعب» زهير المغزاوي - المساند بقوة للرئيس سعيّد وقرارات الإطاحة بالحكومة والبرلمان السابق، يعتبر أن ضعف نسبة المشاركة في سلسلة العمليات الانتخابية والاستفتاءات الشعبية التي دعا إليها سعيّد لا تعني مقاطعته سياسياً - لا شخصياً ولا لمساره السياسي - بل تعكس «أزمة ثقة في النخب القديمة» وفي إنجازات المسؤولين في الحكومة الحالية. وهنا، طالب محمد المسيليني القيادي في الحزب نفسه، في تصريح لـ«الشرق الأوسط» بإدخال إصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية عميقة تؤدي إلى «تعديل المشهد السياسي ومعالجة الملفات المالية والمجتمعية الكبرى» التي تشغل الطبقات الشعبية والشباب.

في ظل الاستقطاب الثنائي للمشهد السياسي يتساءل البعض عن موقف أنصار «التيار الثالث» الذين يرشحون أنفسهم للعب دور «البديل السياسي»

المعارضة والنقابات

ولكن، يبقى أن لغالبية أحزاب المعارضة والنقابات والشخصيات المحسوبة على المجتمع المدني وجهة نظر أخرى. وفعلاً، أطلق بعضها حملة انتقادات للسلطات وللمشروع السياسي للرئيس وأنصاره ودخلوا معهم مجدداً في «معركة شرعيات». واستدل قادة المعارضة، وبينهم أحمد نجيب الشابي زعيم «جبهة الخلاص الوطني»، بالنسب «الضعيفة جداً» للمشاركة في الاستفتاء الإلكتروني الشعبي خلال ديسمبر (كانون الأول) 2021، ثم الاستفتاء على الدستور الجديد يوم 25 يوليو 2022، ولاحقاً في انتخابات الغرفتين الأولى والثانية للبرلمان العام الماضي وهذا العام.

وضمن هذا الإطار طعن مسؤولون نقابيون، بينهم الناطق الرسمي باسم اتحاد نقابات العمال سامي الطاهري في «المسار السياسي والانتخابي الحالي» للسلطات وفي «خارطة الطريق المعتمدة منذ سبتمبر (أيلول) 2021» التي عارضتها القيادة النقابية رغم ترحيبها بقرارات 25 يوليو ومنها إسقاط حكومة هشام المشيشي والبرلمان السابق و«المنظومة السابقة للحكم». واعتبر نور الدين الطبوبي، أمين عام «الاتحاد العام التونسي للشغل» وعدد من قادة المركزية النقابية أن استمرار إغلاق قنوات الحوار بين السلطات والنقابات والأحزاب تسبب في عزوف غالبية الشعب عن الانتخابات والمسار السياسي الرسمي للرئيس رغم ترحيب عدة أطراف به أول الأمر.

 

الرئيس قيس سعيّد (آ ف ب)

«القطب الديمقراطي الاجتماعي»

في ظل هذا الاستقطاب الثنائي للمشهد السياسي، يتساءل البعض عن موقف أنصار «التيار الثالث» الذين يرشحون أنفسهم للعب دور «البديل السياسي» ويرفعون شعارات «التغيير»... وهل ينجحون في تشكيل قوة سياسية ناجعة قبل الانطلاق الرسمي للترشحات للانتخابات الرئاسية المقبلة؟

هنا تتباين التقديرات، فبعض الزعماء الليبراليين أعلنوا بصيغ مختلفة مباشرة، أو عبر ممثليهم، نيتهم الترشح والمشاركة في السباق الرئاسي المقبل و«تغيير المشهد من فوق»، والاستفادة من التغيير الذي وقع خلال العامين الماضيين عندما جرى التخلي عن النظام البرلماني واعتمد «نظام رئاسي بصلاحيات واسعة» في دستور يوليو 2022. ويتصدر هؤلاء الوزير الأسبق للتجارة والنقل والسياحة ورجل الأعمال المنذر الزنايدي ووزير التربية والدبلوماسي السابق حاتم بن سالم ووزير المالية الأسبق الفاضل عبد الكافي ورجل الأعمال الشاب والناشط البارز في المجتمع المدني نزار الشعري والمديرة العامة السابقة لشركة الطيران العمومية ألفة الحامدي. وينافس هؤلاء جميعاً ساسة محسوبون على «القطب الاجتماعي الديمقراطي التقدمي» من رموز اليسار المعتدل، بينهم قياديون في حزب «التيار الديمقراطي» الذي يتزعمه حالياً المهندس والبرلماني السابق نبيل الحاجي والخبير المحاسب والبرلماني السابق هشام العجبوني والمحامية سامية عبو حمودة. وكان بعض قادة هذا الحزب بزعامة مؤسّسه محمد عبو وغازي الشواشي وسامية عبو قد تصدّروا سابقاً مساندي الرئيس والمطالبين بإسقاط كل الحكومات والأحزاب المعارضة له. بيد أنهم عادوا فانتقلوا إلى المعارضة بعد أشهر من قرارات سبتمبر 2021، التي اتهموا فيها الرئيس بالاستعاضة عن النظام البرلماني بنظام رئاسوي تتمركز فيه جل السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية بين أيدي رئيس الدولة.

من جهة أخرى يشكو هذا القطب الديمقراطي الاجتماعي الحداثي من ضعف حضوره الشعبي وطنياً ومن الصراعات الداخلية على الزعامة بين قياداته، ولقد تسببت تلك الصراعات بانشقاقات داخلية حدّت من تأثيره خارج الصالونات. وكذلك كشفت المظاهرات والتجمعات التي دعا إليها أنصار هذا «القطب» أن نسبة المشاركة فيها ضعيفة جداً، بما في ذلك تلك التي نظمت في الذكرى السنوية للإطاحة بحكم الرئيس زين العابدين بن علي يوم 14 يناير (كانون الثاني)، أو في المسيرات التي دعت إليها للتعبير عن التضامن مع الشعب الفلسطيني والمطالبة بوقف الحرب في قطاع غزة المحتل، رغم مشاركة حزب العمال الشيوعي وزعيمه حمة الهمامي فيها. بل ولم ينجح قادة هذا «التيار الثالث» في كسب ثقة المعارضة القريبة من «جبهة الخلاص الوطني» ولا الأحزاب التي تساند الرئيس سعيّد وتدعمه بقوة.

وفي الأثناء يتمسّك قياديون في الحزب الدستوري الحر بزعامة المحامية عبير موسي وفي «حركة النهضة» وفي «قلب تونس»، وأيضا في «ائتلاف الكرامة» بزعامة المحامي سيف الدين مخلوف، وكلها منضوية تحت «جبهة الخلاص الوطني» بحقهم في لعب دور سياسي وانتخابي أكبر بمناسبة الانتخابات الرئاسية المقبلة، إلا أنهم يطالبون أولا بـ«تنقية المناخ السياسي العام في البلاد وتوسيع هامش الحريات وبالإفراج عن السياسيين المعتقلين». وبالفعل، عاد نشطاء من الحزب الدستوري الحر إلى تنظيم تجمعات للمطالبة بالإفراج عن عبير موسي، التي اعتبرت بعض استطلاعات الرأي العام الماضي أنها من الشخصيات الأوفر حظا بالفوز في الانتخابات الرئاسية المقبلة. غير أن عدد المشاركين في التظاهرات التي ينظمها حزبها تراجع بشكل ملحوظ منذ إيقافها في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي أثناء تحرّك نظمته مع عشرات من أنصارها أمام قصر رئاسة الجمهورية في قرطاج.

لكن من بين التحديات التي تواجه قيادات «جبهة الخلاص الوطني» وبعض منافسيها أن الدستور الجديد الذي نظم استفتاء عليه في يوليو 2022 يشترط ألا يتجاوز سن المرشح للانتخابات الرئاسية المقبلة السبعين سنة. وهذا الشرط يقصي تلقائياً عدداً من قيادات الأحزاب المعارضة بمن فيهم أحمد نجيب الشابي وحمة الهمامي وراشد الغنوشي.

تغيير القانون الانتخابي

على صعيد موازٍ، تتطلع كل الأوساط القريبة من السلطة والمعارضة ومن المجتمع المدني والنقابات إلى فحوى القانون الانتخابي الجديد الذي يتوقعون أن تصدره السلطات قريباً للكشف عن شروط الترشح للرئاسيات المقبلة والمشاركة فيها. وحسب محمد التليلي المنصري، الناطق الرسمي باسم «الهيئة العليا للانتخابات» فإنه يحق لها تنظيم العملية الانتخابية القادمة وفق القانون الحالي. وهي ستحترم النص القانوني الجديد الذي قد يصدره الرئيس سعيد قريبا.

وكان سعيد أعلن قبل أيام، خلال زيارة أداها إلى مقر رئاسة الحكومة في قصر القصبة، أنه سيحترم «آجال المواعيد الانتخابية» دون تقديم تفاصيل إضافية.

لكن سبق له أن أعلن في أفريل الماضي على هامش مشاركته في إحياء ذكرى وفاة الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة في موطنه في مدينة المنستير الساحلية، أنه «لن يسلم البلاد إلى الخونة». في نفس الوقت الذي أكد فيه احترامه قاعدة «التداول» على السلطة.

وكان قياديون محسوبون على أحزاب «مسار 25 جويلية» وعلى «أنصار رئيس الجمهورية» طالبوا مؤخرا بـ«تأجيل موعد الانتخابات الرئاسية إلى عام 2027». وبرروا موقفهم بكون المصادقة على الدستور الجديد وقعت في 2022 وأن «احتساب الدورة الرئاسية لقيس سعيد يبدأ بعد اعتماد الدستور الجديد الذي ألغى دستور 2014».

وكان سعيد ترشح لانتخابات 2019 وفق ذلك الدستور لدورة تمتد خمسة أعوام فقط. وخاض سعيد وقتها سباقا مع 26 مترشحا في الدور الأول ثم تنافس في الدور الثاني مع رجل الأعمال والإعلام وزعيم حزب قلب تونس نبيل القروي. وفاز عليه في السباق بنسبة تجاوزت الـ72 في المائة .

تحديات جديدة

في الأثناء برزت تحديات جديدة يمكن أن تؤثر في المشهد السياسي والمسار الانتخابي بينها استفحال الصعوبات المالية والاقتصادية والاجتماعية من جهة، ومن جهة ثانية مضاعفات ملفات الإيقافات والمحاكمات التي شملت عشرات السياسيين المستقلين والحزبيين والنقابيين وعدداً كبيرا من رجال الأعمال البارزين الذين أحيلوا في قضايا «شبهات فساد».

هذه الإيقافات والمحاكمات قد تؤدي إلى حرمان المعنيين بها من المشاركة في الانتخابات الرئاسية المقبلة، خاصة أن بعضهم متهم في قضايا «التآمر على أمن الدولة». وكان الرئيس سعيّد قد انتقد سابقاً إغفال القانون الانتخابي النص على منع أصحاب السوابق وملفات الفساد المالي من الترشح للانتخابات وللوظائف الحكومية العليا. ويرجح أن يؤدي البت بهذه الإشكاليات وغيرها في توضيح ملامح المشهد السياسي الجديد.

 

أبرز المحطات الانتخابية في تونس منذ 2011

نظمت في تونس بعد الإطاحة بحكم زين العابدين بن علي سلسلة من الانتخابات والاستفتاءات الشعبية أهمها: - انتخاب البرلمان الانتقالي الأول، المجلس الوطني التأسيسي، يوم 23 أكتوبر (تشرين الأول) 2011: وقد أسفر عن فوز غالبية من «الترويكا» التي تضم أحزاب «حركة النهضة» برئاسة راشد الغنوشي و«المؤتمر من أجل الجمهورية» برئاسة المنصف المرزوقي و«التكتل الديمقراطي» بزعامة الحقوقي الاشتراكي المعتدل مصطفى بن جعفر. وبعد تلك الانتخابات اختير المرزوقي رئيساً مؤقتاً للجمهورية وبن جعفر رئيساً لـ«المجلس الوطني التأسيسي» وأسندت رئاسة الحكومة للأمين العام لـ«حركة النهضة» حمّادي الجبالي، ثم لنائبه ووزير الداخلية في الحكومة ذاتها علي العريّض. - الانتخابات التشريعية في أكتوبر 2014: فاز فيها حزب «نداء تونس» بزعامة الباجي قائد السبسي وحلفاؤه بالغالبية. وحل حزب «حركة النهضة» وحلفاؤه بالمرتبة الثانية. فتشكلت حكومة ضمّت شخصيات من «نداء تونس» والأحزاب الحليفة له. كما أسندت لـ«النهضة» وبعض حلفائها حقائب حكومية محدودة في حكومات الحبيب الصيد (2015 - 2016) ويوسف الشاهد (2016-2020). - الانتخابات الرئاسية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2014: تقدّم من دورتها الأولى الباجي قائد السبسي والرئيس المتخلّي المنصف المرزوقي. وفاز في دورتها الثانية الباجي قائد السبسي بنسبة ناهزت الـ55 في المائة. - الانتخابات العامة لتجديد كل المجالس البلدية في مايو (أيار) 2018: فاز بالمرتبة الأولى فيها حزب «حركة النهضة» تلاه حزب «نداء تونس». لكن غالبية النواب كانوا مستقلين. - الانتخابات الرئاسية عام 2019: نظمت الدورة الأولى يوم 15 سبتمبر (أيلول) 2019 والدورة الثانية في 13 أكتوبر 2019. ولقد تنافس في الدور الثاني الأكاديمي قيس سعيّد ورجل الأعمال والإعلام نبيل القروي، وفاز سعيّد بنسبة فاقت الـ72 في المائة بعدما دعمته غالبية الأحزاب والقوى السياسية. - الاستشارة الإلكترونية: يناير(كانون الثاني) – مارس (آذار) 2022: استفتاء إلكتروني عام على التوجّهات العامة في البلاد بعد قرارات الرئيس يوم 25 يوليو (تموز) 2021. وكانت نسبة المشاركة في حدود الـ5 في المائة من المرسمين في القوائم الانتخابية بعد توسيعها واعتماد نظام الترسيم الآلي. - الاستفتاء على الدستور الجديد: 25 يوليو 2022. بلغت نسبة المشاركة حوالي 30 في المائة، وصوّت 94 في المائة منهم لصالح مشروع الدستور المعروض على الاستفتاء حسب النتائج الرسمية. - انتخابات مجلس النواب: نظمت بين ديسمبر (كانون الأول) 2022 ويناير 2023، وبلغت نسبة المشاركة حوالي 11 في المائة. وجرى تنصيب المجلس النيابي الجديد في مارس 2023. - انتخابات المجالس المحلية والغرفة الثانية للبرلمان: بين ديسمبر 2023 وفبراير 2024، وبلغت نسبة المشاركة حوالي 12 في المائة. تتوج هذه الانتخابات بعمليات قرعة وانتخابات داخلية بين الفائزين في المجالس المحلية لاختيار أعضاء مجالس الجهات والأقاليم ثم 77 عضوا لعضوية الغرفة الثانية للبرلمان.


مقالات ذات صلة

ترحيل المهاجرين الأفارقة من تونس: «عودة طوعية» أم طرد ممنهج؟

شمال افريقيا مهاجرون أفارقة في تظاهرة احتجاجية للمطالبة بإعادتهم إلى بلدانهم بسبب الظروف الصعبة التي يعيشونها في تونس (أ.ف.ب)

ترحيل المهاجرين الأفارقة من تونس: «عودة طوعية» أم طرد ممنهج؟

أكدت مصادر في منظمات إنسانية أن هناك ممارسات عنصرية تُستخدم عمداً، لإرغام المهاجرين على مغادرة تونس، فيما تسمى «عمليات العودة الطوعية».

«الشرق الأوسط» (تونس)
شمال افريقيا جانب من احتجاجات أنصار الحزب الدستوري الحر في تونس العاصمة (إ.ب.أ)

تونس: أنصار الحزب الدستوري الحر يتظاهرون ضد «الظلم»

تجمع أنصار الحزب الدستوري الحر في تونس، اليوم (السبت)، في مسيرة احتجاجية وسط العاصمة، ضد تدهور الخدمات العامة وانحسار الحريات.

«الشرق الأوسط» (تونس)
شمال افريقيا من مظاهرة نظمها صحافيون وسط العاصمة للمطالبة بإطلاق سراح الصحافيين المعتقلين (إ.ب.أ)

تونس: منظمات حقوقية تدق ناقوس الخطر بعد وفاة عدد من المعتقلين

أطلقت منظمات غير حكومية تونسية ودولية ناقوس الخطر بشأن أوضاع السجون «غير الإنسانية» في تونس، والتي تفاقمت بسبب موجة القيظ في البلاد.

«الشرق الأوسط» (تونس)
شمال افريقيا جانب من المظاهرات التي نظمها اتحاد الصحافيين وسط العاصمة الثلاثاء للمطالبة بالحريات (إ.ب.أ)

اتحاد الشغل التونسي يدعو إلى التعبئة لإضراب عام

قال أمين عام مساعد في الاتحاد العام التونسي للشغل إن النقابة ستنظر في اجتماع الهيئة الإدارية، «لتثبيت مبدأ الإضراب العام»، و«الدعوة إلى التعبئة».

«الشرق الأوسط» (تونس)
الاقتصاد أطفال يستمتعون بالترطيب بجوار نوافير المياه عند مدخل المدينة القديمة بتونس (إ.ب.أ)

«فيتش» تثبّت تصنيف تونس عند «بي -» بنظرة مستقرة

أبقت وكالة «فيتش» للتصنيفات الائتمانية على التصنيف السيادي طويل الأجل لتونس عند «بي -» مع نظرة مستقبلية «مستقرة».

«الشرق الأوسط» (تونس)

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس
TT

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

بعد ساعات قليلة من توقيع الرئيسة الفنزويلية المؤقتة ديلسي رودريغيز، مع وزير النفط الأميركي كريس رايت، على الاتفاق الذي تتخلّى بموجبه فنزويلا عن 22 في المائة من احتياطيها النفطي، صرّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب من البيت الأبيض، بأن الظروف الراهنة لا تسمح بإجراء الانتخابات الموعودة في فنزويلا. rnوأضاف أنه ورودريغيز يرغبان في إجرائها «عندما تتوافر الأجواء المناسبة». في غضون ذلك، كانت تتوالى الانتقادات لهذا الاتفاق، وهو الأكبر في العالم، بما في ذلك بين أوساط المعارضة الفنزويلية التي كانت قد هللت من قبل للتدخل العسكري الأميركي الذي أطاح نيكولاس مادورو، والتي بدأ التصدّع يظهر في صفوفها بعد إصرار واشنطن على تهميشها وفتح قنوات الحوار مع النظام.

تصريحات الرئيس دونالد ترمب جاءت بعد الكشف عن بعض تفاصيل الاتفاق التي بيّنت أن سيطرة واشنطن على خُمس احتياط النفط الفنزويلي لفترة مائة سنة، ستكون عبر مساهمتها في شركة خاصة فنزويلية يملكها صديق لترمب هو المليونير أليخاندرو بيتانكور. وبالمناسبة، هذا الأخير ملاحق قضائياً في كل من سويسرا وإسبانيا بتهم تبيض الأموال.

في المقابل، أعربت أوساط المعارضة الفنزويلية عن مخاوفها من أن يشكّل هذا الاتفاق حافزاً لإبقاء الحكومة المؤقتة في السلطة، وتأجيل عملية الانتقال الديمقراطي، او حتى صرف النظر عنها كلياً.

ديلسي رودريغيز (آ فب/يونهاب)

فنزويلا ليست جاهزة للانتخابات

ترمب قال في تصريحاته حول الموضوع: «لا أعتقد أن فنزويلا جاهزة للانتخابات... إنها حكومة جديدة أنقذناها من النظام السابق ونقيم معها الآن علاقات جيدة، والرئيسة ديلسي رودريغيز تقوم بعمل ممتاز وتحظى باحترام الجميع، وهذا ما نريده».

الرئيس الأميركي امتنع أيضاً عن تحديد موعد لإجراء الانتخابات الموعودة، أو الشروط التي ينبغي أن تتوافر لإجرائها، مكتفياً بالقول إنها «قد تحصل قريباً». وبالتالي، يؤكد هذا الموقف المعلن لإدارة ترمب منذ العملية العسكرية الخاطفة التي انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو واقتياده إلى الولايات المتحدة لمحاكمته بتهمة الاتجار بالمخدّرات.

إذ يستند موقف واشنطن، التي تمارس عملياً الوصاية على فنزويلا، إلى «خارطة طريق» من ثلاث مراحل: إعادة بناء قطاع النفط الذي يشكّل المحرك الأساسي للاقتصاد الفنزويلي، و«تحقيق الاستقرار» (وفق واشنطن)، وبعد ذلك انتقال السلطة إلى حكومة جديدة «عبر انتخابات حرة».

وفي هذا الاتجاه، يشدّد المسؤولون عن الملف الفنزويلي في واشنطن على أن الهدف ليس إجراء الانتخابات لمجرد إجرائها، بل لكي تؤدي إلى قيام «نظام سياسي ثابت ومستقر»، عبر حوار صريح وجدّي بين الحكومة المؤقتة وممثلين عن المعارضة، من المفترض أن ينطلق أواسط الشهر الجاري. وللعلم، كان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قد ردّ أخيراً على استفسار صحافي حول الانتخابات التي وعدت واشنطن بإجرائها في فنزويلا بالقول: «لا يمكن للانتخابات وحدها أن تحلّ كل المشكلات. إنها شرط لقيام نظام ديمقراطي لا يقتصر فقط على إجرائها. الاستقرار هو الذي يسمح بترسيخ هذا النظام اقتصادياً وقانونياً، وأن تكون هناك صحافة حرة، وأحزاب سياسية أُتيحت لها الظروف والوقت الكافي لتنظيم صفوفها، وأن تُجرى الانتخابات على أساس نظام قانوني يبعث على الثقة ولا يُقصي احداً».

اعتراف من المعارضة... وانتقادات بالجملة

في المقابل، تعترف المعارضة الفنزويلية ذاتها بأن المؤسّسات الفنزويلية الضامنة للنظام الديمقراطي «تعطّلت وأُفرغت من صلاحياتها» إبان الحقبة السابقة. وبناءً عليه، لا بد من إعادة بنائها قبل الانتقال إلى إجراء انتخابات حرة ونزيهة. بيد أن معظم قيادات هذه المعارضة بدأت تساورها شكوك حول نيّات واشنطن الحقيقية بعدما لمست مدى التناغم والتقارب بين إدارة ترمب والرئيسة المؤقتة التي كانت لسنوات طويلة من الركائز الأساسية في نظام مادورو، وقبله في نظام هوغو تشافيز.

الرئيس ترمب وصف الاتفاق بـ«التاريخي». وقال إنه «هديّة من الشعب الفنزويلي إلى الولايات المتحدة». وأردف أنه لن يكلّف بلاده فلساً واحداً، بل سيساعد على تجديد احتياطي النفط الأميركي الاستراتيجي الذي وصل حالياً إلى أدنى مستوياته منذ أربعة عقود.

ولكن، منذ أن بدأت ترشح المعلومات الأولى عن بنود هذا الاتفاق -الذي جرى التفاوض والموافقة عليه سرّاً- حتى سارعت جميع أطياف المشهد السياسي الفنزويلي، من أركان النظام السابق وأنصاره إلى المعارضة، إلى انتقاده بشدة لكونه يجعل من الحكومة الاميركية الشريك الرئيس في مؤسسة تسيطر على 17 من آبار النفط الفنزويلية طيلة 25 سنة قابلة للتجديد ثلاث مرات، كما أعلنت الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز.

يضاف إلى ما تقدّم، أن كل التفاصيل الأخرى في الاتفاق ما زالت طي الكتمان، سوى أنه سيجعل الاقتصاد الفنزويلي في قبضة الولايات المتحدة، وعملية الانتقال السياسي رهينة مزاج الرئيس الأميركي وحساباته السياسية الداخلية.

اقرأ أيضاً

لا يمكن للانتخابات وحدها أن تحلّ كل المشكلات... إنها شرط لقيام نظام ديمقراطي لا يقتصر فقط على إجرائها

روبيو

تطابُق مصالح مرحلي

لويس فيسنتي ليون، الخبير الاقتصادي المحاضر في جامعة كاراكاس، قال معلّقاً إن هذا الاتفاق هو «ثمرة تطابق المصالح الاميركية والفنزويلية في هذه المرحلة. فهو يفتح امام واشنطن نافذة لتجديد احتياطيها الاستراتيجي من النفط الذي وصل إلى أدنى مستوياته، بينما تواصل أسعار المحروقات ارتفاعها على أبواب استحقاق الانتخابات النصفية، فضلاً عن أن الحرب مع إيران ما زالت بعيدة عن الحسم ويرجَّح أن تطول أكثر مما كان متوقعاً. أما الحكومة الفنزويلية، فهي بحاجة ماسة إلى الموارد، وليس لديها أي هامش للمناورة مع واشنطن».

وأردف: «... والحماسة التي أبداها الرئيس الأميركي، عند إعلانه الاتفاق، تدعم مواقف الذين سبق أن ندّدوا بالعملية العسكرية التي أطاحت مادورو تحت عنوان مكافحة تجارة المخدرات، واتهامهم واشنطن بأن الهدف منها هو السيطرة على موارد النفط وليس تسهيل العودة إلى النظام الديمقراطي... التي كلفت المعارضة سنوات من النضال ومئات الضحايا وملايين المهاجرين».

وتابع فيسنتي ليون، في حوار هاتفي مع «الشرق الأوسط»، أن هذا الاتفاق «يضرّ بصورة الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية، إذ يدحض بشكل نهائي المزاعم بأن التدخل العسكري الأميركي مطلع هذا العام كان دفاعاً عن الديمقراطية في وجه نظام مستبد، ويبيّن أن سياسة واشنطن لا تقيم أي وزن للقيم والمبادئ التي تتشدّق بها».

من جهة ثانية، يرى آخرون أن شركات النفط الأميركية التي تجاوبت مع دعوة ترمب إلى الاستثمار في قطاع النفط الفنزويلي «إنما فعلت ذلك مكرهة بفعل الضغوط التي تعرّضت لها... وأنها كانت مترددة للإقدام على هذه الخطوة بسبب المخاطر التي تلمسها في بلد تحكمه رئيسة غير منتخبة، ويحتاج قطاعه النفطي إلى استثمارات ضخمة قبل أن يستعيد مستويات الإنتاج السابقة». ويبدو أن ذلك التردد هو الذي دفع الرئيس ترمب إلى اتخاذ قرار يجعل من حكومته المستثمر في هذه الصفقة، بواسطة مكتب رأس المال الاستراتيجي التابع لوزارة الحرب (البنتاغون).

ترمب (آ ف ب/غيتي)

تأثير الاتفاق على فرص ترمب

مع هذا، فإن المعارضين لهذا الاتفاق يراهنون على الانتخابات النصفية الأميركية أواسط الخريف المقبل التي يرجح كثيرون أن تكون حاسمة بالنسبة لمستقبل ترمب وخططه. فالرئيس الأميركي يعرف أن أسعار المحروقات لن تنخفض بموجب هذا الاتفاق قبل مرور فترة طويلة، لكنه يريد استخدام هذه الورقة لإطلاق وعود بأن الأنباء السارة قادمة، لا سيما أن التوقعات تشير إلى أن الجمهوريين قد يخسرون الغالبية في مجلس النواب، وربما في مجلس الشيوخ أيضاً.

المعارضة المنقسمة

في هذه الأثناء، على الجبهة الفنزويلية يشكّل هذا الاتفاق «رافعة» أساسية لتحسين الوضع الاقتصادي المتردي، وخوض الانتخابات المقبلة تحت شعاره. ولقد كان لافتاً كيف أن اركان النظام سوّقوا الاتفاق في تصريحاتهم وتغريداتهم على منصّات التواصل الاجتماعي، حتى إن نجل نيكولاس مادورو نشره على حسابه، مؤكداً أن تيّار والده سيفوز في الانتخابات المقبلة.

وحقاً، ليس مستغرباً أن يسود التفاؤل أوساط أنصار النظام بعد التصدّع الذي بدأ يظهر في صفوف المعارضة التي لم تنجح في توحيد مواقفها طيلة سنوات. إذ سارع اثنان من الأحزاب الرئيسية في المعارضة، هما «العدالة أولاً» و«الإرادة الشعبية»، إلى التجاوب مع دعوة واشنطن لاستئناف جولات التفاوض مع النظام حول الانتقال الديمقراطي، في حين كانت الأحزاب اليمينية المنضوية تحت زعامة ماريا كورينا ماتشادو، الحائزة «جائزة نوبل للسلام» والتي ما زالت واشنطن تقصيها عن الدور التي كانت موعودة به، تتكلّم عن «خيانة» الحلفاء في المعسكر المعارض.

هذا، ووعدت ماتشادو، التي ما زالت خارج فنزويلا، بأنها ستعود قريباً لتستأنف التواصل مع أنصارها، رافضةً «الاكتفاء بالفُتات الذي ربما أثمرته المفاوضات مع النظام»، الأمر الذي يؤكد أنها لم تعُد الورقة التي كانت تراهن عليها واشنطن للتغيير في فنزويلا.


رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
TT

رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!

مع انتهاء العطلة الصيفية، عادت الحياة تدب في شرايين السياسة الفرنسية، والأنظار تتركز، منذ اليوم، على الاستحقاق الرئاسي العام المقبل. وما بين نتائج استطلاعات الرأي وتموضع المرشحين الذين يزيد عددهم على الثلاثين وبرامجهم، تبدو قراءة المشهد بالغة التعقيد. وما يميزه أن هناك وجوهاً معروفة سبق لها أن ترشحت العديد من المرات مثل مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان، أو مرشح اليسار الراديكالي جان لوك ميلونشون. لكن هناك سياسيين يخوضون غمارها للمرة الأولى. هم جُدد في هذه «المهنة» رغم خبراتهم السابقة وزراء أو نواباً في البرلمان الفرنسي أو الأوروبي. وأبرز هؤلاء، في الوقت الحاضر، رافاييل غلوكسمان الذي أعلن ترشّحه أواخر الشهر الماضي ويحلم بأن يكون مرشح الحزب الاشتراكي ومرشح حزبه الصغير المسمّى «الساحة العامة».

الأمور بالنسبة للمرشح رافاييل غلوكسمان يتوقع أن تحسم في اقتراع إلكتروني لأعضاء الحزبين، الشهر المقبل. مع العلم أن غلوكسمان رغم خوضه الانتخابات الأوروبية على رأس اللائحة الاشتراكية مرتين (2019 و2024)، يجهل الفرنسيون الكثير من تفاصيل حياته. بل، ربما أكثر ما يعرفه العديد منهم أنه «رفيق درب» الصحافية ليا سلامة، ابنة وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة.

ولقد أسهمت الصور التي نشرتها «باري ماتش»، مجلة المشاهير، على غلافها أخيراً وهي تُظهر الاثنين معاً بملابس البحر خلال عطلتهما الصيفية في جزيرة كورسيكا، في تقريب السياسي والصحافي السابق من الجمهور الفرنسي. بيد أن ذلك لا يكفي؛ إذ لا يمكن فهم انخراط رافاييل في العمل السياسي خارج سيرة عائلته، وانخراط والده أندريه في معمعة الجدل الفكري والسياسي طيلة عقود طويلة.

الإرث العائلي: من الجد إلى الأب

مساء يوم 31 يناير (كانون الثاني) من العام الحالي، بثت قناة التلفزيون التابعة لمجلس الشيوخ الفرنسي فيلماً وثائقياً عن عائلة غلوكسمان بأجيالها الثلاثة التي بدأت قصتها مع الجدّ روبين غلوكسمان، المولود عام 1889، في مدينة تشرنيفستي التابعة حينذاك للإمبراطورية النمساوية ــ المجرية (قائمة حالياً في أوكرانيا)، في عائلة يهودية أشكنازية (يهود أوروبا الوسطى والشرقية)، وتواصلت مع ابنه المفكّر والفيلسوف الفرنسي الماركسي - الماوي أندريه، ثم الآن مع حفيده رافاييل.

رافاييل كان قد خاض منذ بضع سنوات الحقل السياسي، وهو اليوم مرشح للانتخابات الرئاسية الفرنسية التي ستجرىَ نهاية شهر أبريل (نيسان) وبداية شهر مايو (أيار) من العام المقبل. لكن لا بد من القول إن قصة هذه العائلة مشوّقة.

فالجد روبين، الذي تبنى لاحقاً اسم روفين غيدوني، وخدم جندياً في الجيش الإمبراطوري، هاجر في عام 1920 إلى فلسطين مع زوجته مارتا كيسلر، بعدما اعتنق كلاهما العقيدة الصهيونية عندما أصبحت بريطانيا السلطة المَنتدَبة على فلسطين عقب انهيار الخلافة العثمانية.

«تحوّل» فكري في فلسطين

الطريف في القصة أن روبين ومارتا انتميا هناك إلى الحزب الشيوعي الفلسطيني، الذي كان يضم في حينه بضع عشرات من الأعضاء. بل يمكن القول إن روبين توجّه إلى فلسطين «صهيونياً» وعاد منها «شيوعياً»؛ إذ إنه انتمى لاحقاً إلى تنظيم «الكومنترن» الذي أنشأه لينين عام 1919، وكانت مهمته بث الفكر الشيوعي عبر العالم والتعجيل باندلاع الثورة الشيوعية العالمية.

ثم، بعد فلسطين، استقر روبين مع عائلته في مدينة هامبورغ الألمانية. وهناك كان، من الناحية الرسمية، موظفاً في شركة تأمين بينما كان في الحقيقة عميلاً لـ«الكومنترن» والاستخبارات السوفياتية، يشمل إطار مهمته العديد من البلدان الأوروبية. إلا أن هذا الوضع لم يَدُم؛ لأن صعود النازية في ألمانيا دفعه إلى الانتقال إلى فرنسا عام 1935، وبالأخص بعدما علم أن الشرطة السياسية الألمانية «الغستابو» تراقبه. وفي فرنسا، رسا خياره مع زوجته على العيش في ضاحية بولوني بييانكور الواقعة على مدخل باريس الغربي. وفي هذه المدينة ولد ابنه أندريه.

من باريس إلى لندن

أيضاً، لم يبق روبين طويلاً في باريس؛ إذ انتقل منها إلى لندن في عام 1937 حيث استقر وحيداً بغطاء مهني، مديراً لشركة تجارية «فار إيسترن فور تريدينغ كومباني» تتعاطى تجارة الفرو. لكن الشرطة البريطانية ساورتها الظنون سريعاً حول طبيعة عمله، وانتهى بها الأمر إلى أن ألقت القبض عليه مرتين في عام 1940.

وفي المرة الثانية، توافرت لها معلومات موثّقة عن حقيقة مهمته عميلاً استخباراتياً لصالح الاتحاد السوفياتي فاعتقل ثم صدر أمر بترحيله إلى كندا. غير أن الباخرة التي وضع على متنها، وكانت تحمل اسم «إس إس أراندورا ستار» أصيبت يوم 2 يوليو (تموز) من العام نفسه بمقذوف غواصة ألمانية دمّرها وأغرقها على بعد 140 كلم من الشواطئ الآيرلندية، وبذا انتهت حياة جد رافاييل غلوكسمان في مياه الأطلسي.

صحافي ومنتج أفلام وثائقية

قبل أن يغوص رافاييل غلوكسمان في بحر السياسة، جرّب الصحافة والإنتاج السينمائي والكتابة. وكان ينظر إليه على أنه مثقّف وكاتب ومفكّر، وأنه سار على درب والده أندريه صاحب الثلاثين كتاباً... تدور غالبيتها حول التوتاليتارية والحرب والسلم وحقوق الإنسان. والواقع أن أندريه تنقّل ما بين الماركسية اللينينية والماركسية الماوية لينهي رحلته الفكرية والسياسية يمينياً - وأحياناً يمينياً متطرفاً - يبرّر حرب جورج بوش «الابن» على العراق، ويدعم وصول نيكولا ساركوزي إلى قصر الإليزيه.

وبالفعل، دار الكثير من الجدل حول مواقفه السياسية ومواقف أقران له من مجموعة «الفلاسفة الجدد»، مثل برنار هنري ليفي وباسكال بروكنير.

النشأة والمسيرة

ولد رافاييل غلوكسمان في عام 1979، ودرس في باريس في ثانويتين معروفتين هما «لامارتين» و«هنري4». وبعدها دخل إلى «معهد العلوم السياسية» (سيانس بو) وتخرّج فيه في عام 2003. إلا أنه لم يَسِر على درب النخبة الفرنسية التي تتوجّه عادة إلى «معهد الإدارة الوطني» (إينا)، بل انصرف سريعاً إلى العمل الصحافي. وهنا كانت بداية غلوكسمان مع صحيفة جزائرية هي «لو سوار» بالتوازي مع عمله منتجاً لأفلام وثائقية أبرزها: وثائقي بعنوان «اقتلوهم جميعاً» عن مجازر التوتسي في رواندا وعن مسؤولية فرنسا فيها، ووثائقي آخر بعنوان «الثورة البرتقالية» في أوكرانيا. وخلال سنواتٍ عمل لمجلات ثقافية منها مجلات أميركية الهوى، لا بل من تيار «المحافظين الجدد».

بعدها، في عام 2017، عيّن غلوكسمان رئيساً لتحرير «المجلة الأدبية الجديدة». وكذلك تعاون مع عدة إذاعات وقنوات تلفزيونية، الأمر الذي جعله وجهاً معروفاً لدى الفرنسيين. غير أن دخوله المعترك السياسي، مباشرة، انطلق مع تأسيس حزب «الساحة العامة» عام 2018 برئاسة مشتركة بينه وبين أورور لالوك، وكان الهدف منه توحيد اليسار الداعم للاندماج الأوروبي والوقوف بوجه حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد الذي يتزعمه جان لوك ميلونشون.

المخاض السياسي في الخارج والداخل

من جهة ثانية، تعود أول تجربة سياسية - انتخابية لغلوكسمان في فرنسا إلى عام 2019 عندما اقترح عليه الحزب الاشتراكي ترؤس لائحة مشتركة للانتخابات الأوروبية تضم الاشتراكيين و«الساحة العامة» وحزباً صغيراً آخر غير معروف اسمه «المُعطىَ الجديد». بيد أن هذه المحاولة فشلت عندما رفض «البيئويون» بتشكيلتيهم السياسيتين السير بمشروعه، وكذلك رفض الحزب الشيوعي، بينما اقتصر تجاوب الحزب الاشتراكي معه على الصعيد الانتخابي. وفي الحصيلة، أدى التحالف الانتخابي إلى انقسامات داخل الحزب الناشئ ودفع عدداً من كبار مؤسّسيه إلى الابتعاد عنه.

التجربة تجددت في انتخابات عام 2024، حين حصلت لائحة غلوكسمان على نحو 14 في المائة من الأصوات فحلت في المرتبة الثالثة. لكن قبل فرنسا، جرّب غلوكسمان السياسة في شرق أوروبا، وتحديداً في أوكرانيا وجورجيا.

ففي «عزّ» الحرب في جورجيا، سافر السياسي الطموح إلى عاصمتها تبيليسي، صيف عام 2008، ووضع نفسه في خدمة رئيسها ميكاييل سكاشفيلي ذي التوجّهات اليمينية الليبرالية الغربية، وأصبح في عام 2009 مستشاره الرسمي للشؤون الأوروبية، وكُلّف، من ثم، التفاوض مع بروكسل لانضمام جورجيا إلى النادي الأوروبي.

أيضاً لعب غلوكسمان دور الوسيط بينه وبين ساركوزي، وكذلك ساعد سكاشفيلي على كتابة خطاباته. وأكثر من ذلك، تزوّج غلوكسمان وزيرة الداخلية الجورجية إيكا زغولادزه في عام 2009 وأنجب منها صبياً اسمه ألكسندر. ولكن، بعد هزيمة سكاشفيلي في انتخابات عام 2013 الرئاسية، غادر غلوكسمان تبيليسي مع عائلته وانتقل إلى أوكرانيا، حيث انطلقت الحركة الاحتجاجية المعروفة بـ«يوروميدان»، وحيث تحمل زوجته جنسيتها، والتي عُيّنت لاحقاً نائبة لوزير الداخلية في أوكرانيا.

«مستشار» سياسي ذو تموضعات لافتة

في أوكرانيا، أصبح غلوكسمان مستشاراً للمرشح الرئاسي فيتالي كليتشكو. ومنذ سنوات، يُعدّ دعم أوكرانيا المطلق أحد أهم خياراته والتزاماته السياسية الأساسية. بالتوازي، شكّلت نتائج الانتخابات الأوروبية لعام 2024 «الرافعة» السياسية الأساسية لغلوكسمان الذي وضع لنهجه السياسي خطين عريضين: الأول مواجهة اليسار المتشدد ... والثاني مواجهة اليمين المتطرف.

وفي المعركة الرئاسية المقبلة، يجد الرجل نفسه بمواجهة جان لوك ميلونشون على تزعّم اليسار، علماً بأنه من دعاة الانفصال التام عن «فرنسا الأبيّة» ومن المروّجين لقدرة اليسار غير الميلونشوني على الفوز في الانتخابات. ولكن - كعادة غلوكسمان - لهذه «القاعدة استثناءات»؛ إذ سبق له دعم الجبهة اليسارية التي تشكلت بمناسبة الانتخابات التشريعية في عام 2024 من أجل قطع الطريق على وصول حزب «التجمع الوطني» بزعامة مارين لوبان إلى السلطة.

لكنه، في الانتخابات المحلية البلدية التي أجريت هذا العام، أعلن أنه لن يدعم أي قائمة مشتركة مع اليسار المتشدّد، على الرغم من احتمال الفشل وفوز اليمين المتطرّف في البلديات المعنيّة.

في الحقيقة، يصعب أحياناً تتبع انعطافات غلوكسمان السياسية. وحقاً، بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردّد في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات». ومع هذا، لم تمنعه هذه «الوفاة» من أن يخوض المنافسة الراهنة لتسميته مرشحاً عن الحزب «المتوفى» وعن حزبه الصغير «الساحة العامة».بالتالي، في غياب التسمية المشتركة، يفقد غلوكسمان أي أمل في الانتخابات الرئاسية العام المقبل. ومعلوم، أنه حتى اليوم، ووفق استطلاعات الرأي، يهيمن على هذه الانتخابات مرشحان رئيسان: اليمينية مارين لوبان، واليساري جان لوك ميلونشون؛ أي: ممثلَيْ التيارين اللذين يحاربهما غلوكسمان.


عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

ميلونشون (رويترز)
ميلونشون (رويترز)
TT

عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

ميلونشون (رويترز)
ميلونشون (رويترز)

تعترض طريق رافاييل غلوكسمان (47 سنة) لخلافة الرئيس إيمانويل ماكرون في مايو (أيار) من العام المقبل، عقبات لا يستهان بها.

غلوكسمان أعلن ترشحه لهذه الانتخابات يوم 26 أغسطس (آب) الماضي، لينضم بذلك إلى عدد كبير من المرشحين يتجاوز الثلاثين مرشحاً، يميناً ويساراً. ولكن سيتعيّن عليه اجتياز عقبة أولى تتمثّل بالانتخابات الداخلية التي ستجرى خلال الأسبوعين الأولين من الشهر المقبل للفوز بترشيح التيار الاشتراكي - الديمقراطي الممثل بالحزب الاشتراكي وبحزب «الساحة العامة» الذي أطلقه غلوكسمان في عام 2018، والحزب الآخر الصغير المسمى «اليسار الاشتراكي الجمهوري».

عددياً، المقترعون في هذه المنافسة قلة قليلة؛ إذ لا يتجاوز عديدهم 39 ألف مقترع في بلد يضم 67 مليون نسمة. ثم إن درب غلوكسمان ليس مفروشاً بالورود؛ إذ ينافسه، من الداخل، مرشحون أبرزهم: أمين عام الحزب الاشتراكي أوليفيه فور، والمرشحة الرئاسية السابقة سيغولين رويال، ويتربص به من الخارج الرئيس الاشتراكي الأسبق فرنسوا أولاند ورئيس الوزراء الأسبق برنار كازنوف.

لو بن (آ ف ب)

حتى اليوم، تبين استطلاعات الرأي أن غلوكسمان سيجتاز بنجاح العقبة الأولى. لكن بعدها عليه فرض نفسه في معسكر اليسار، حيث سيواجه المرشح العنيد جان لوك ميلونشون، زعيم حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد، والخبير في المعارك الرئاسية؛ إذ يخوض منافسته الرابعة، ولقد كاد يتأهل عام 2022 للجولة الثانية الحاسمة بحصوله على نحو 22 في المائة من الأصوات. ولليوم، تبدو حملته الأكثر ديناميكية، كما أن استطلاعات الرأي ترجّح أن يتمكّن في الربيع المقبل من «السقف الزجاجي» الذي حال دوماً دون ولوجه المنافسة النهائية.

في المقابل، تبدو مارين لوبان، ابنة جان ماري لوبان، مؤسس «الجبهة الوطنية» التي تغيّر اسمها إلى «التجمّع الوطني» ووريثته السياسية، هي الوحيدة الواثقة من تأهلها للجولة الانتخابية الثانية، وفق نتائج استطلاعات الرأي التي تمنحها ما بين 33 و35 في المائة من الأصوات في الجولة الأولى، بينما أقرب منافسيها، ميلونشون، يلهث وراءها لكنه لا يزال بعيداً عنها بما لا يقل عن 15 إلى 18 في المائة من الأصوات.

أيضاً، تبين هذه الاستطلاعات أن لوبان ستفوز بفوارق كبيرة في الجولة الثانية الحاسمة، خصوصاً إذا كان منافسها ميلونشون.

حقيقة الأمر أن الموعد الرئاسي ما زال بعيداً، والرأي العام متحول، والمعركة الانتخابية ما زالت في بداياتها. ورهان غلوكسمان، أن تستمر «حرب» مرشحي «الكتلة المركزية»، بينما يتمكن هو من تجاوز ميلونشون، وعندها يجد الناخب الفرنسي نفسه ملزماً بالاختيار بينه وبين لوبان.