الصين وتايوان... «آخر الدواء الكي»

بعد الانتخابات الرئاسية في الدولة ـــ الجزيرة

من التظاهرات الشعبية الحماسية لمناصري الحزب الديمقراطي التايواني (رويترز)
من التظاهرات الشعبية الحماسية لمناصري الحزب الديمقراطي التايواني (رويترز)
TT

الصين وتايوان... «آخر الدواء الكي»

من التظاهرات الشعبية الحماسية لمناصري الحزب الديمقراطي التايواني (رويترز)
من التظاهرات الشعبية الحماسية لمناصري الحزب الديمقراطي التايواني (رويترز)

احتفظ الحزب الديمقراطي التقدمي الحاكم بالسلطة في تايوان إثر انتخاب مرشحه لاي تشينغ تي، نائب الرئيسة الحالية، الذي هزم منافسيه؛ هو يو إيه من حزب «الكومينتانغ» (الحزب الوطني) التاريخي، وكو وين جي من حزب الشعب التايواني. وبفضل هذه النتيجة أضحى الحزب الديمقراطي التقدمي أول حزب سياسي يفوز بـ3 فترات رئاسية متتالية منذ بدأت تايوان انتخاب رؤسائها بشكل مباشر في عام 1996. ما يُذكر أنه خلال الفترة التي سبقت الانتخابات، لم تُخفِ الصين رغبتها في منع فوز لاي، وقد وصف المسؤولون الصينيون التصويت مراراً بأنه اختيار بين «السلام والحرب». وكان لاي، الذي يأتي من جناح أكثر راديكالية في الحزب الديمقراطي التقدمي، مؤيداً صريحاً لاستقلال تايوان. الأمر الذي يعدّ «خطاً أحمر» بالنسبة لبكين. وهو على الرغم من الصوت الخفيض الذي اعتمده خلال صعوده السياسي، لم تغفر له الصين أبداً تعليقاته قبل 6 سنوات، عندما وصف نفسه بأنه «عامل من أجل استقلال تايوان».

كان موقف الصين جلياً بعد صدور نتائج الانتخابات الرئاسية التايوانية، إذ قال وزير الخارجية الصيني وانغ يي: «تايوان لم تكن ولن تكون يوماً بلداً! لم يتحقق استقلال تايوان في الماضي، ولن يتحقق في المستقبل. مَن يحاول دعم استقلال تايوان فهو بذلك يقسم الأراضي الصينية، وسيحكم عليه التاريخ والقانون بقسوة. استقلال تايوان طريق مسدودة. وستحقق الصين في نهاية المطاف إعادة التوحيد الكامل. ونحن واثقون أن المجتمع الدولي سيواصل التمسك بسياسة الصين الواحدة ودعم القضية العادلة للشعب الصيني لمعارضة الأعمال الانفصالية لاستقلال تايوان والسعي من أجل إعادة التوحيد الوطني».

موسكو وواشنطن

من جهة أخرى، دعت روسيا القوى الخارجية إلى الامتناع عن الاستفزازات في ضوء نتائج الانتخابات في تايوان. وفي موقف يتماهى مع الموقف الصيني، نقلت وكالة أنباء «سبوتنيك» الروسية عن ماريا زاخاروفا، الناطقة باسم وزارة الخارجية الروسية، قولها في بيان: «إننا ندعو جميع القوى الخارجية إلى الامتناع عن الأعمال الاستفزازية التي تقوّض الاستقرار الإقليمي والأمن الدولي». وأردفت أن العلاقات بين جانبي مضيق تايوان «مسألة صينية داخلية بحتة»، ومحاولات الدول الفردية لاستغلال الانتخابات في تايوان للضغط على بكين وزعزعة الوضع في المضيق وفي المنطقة تعد بمثابة تهديد، فهي كلها تؤدي إلى نتائج عكسية، وتستحق إدانة واسعة النطاق من المجتمع الدولي. وشددت على أن موقف موسكو بشأن تايوان لم يتغير، وأن الجانب الروسي يعترف بوجود صين واحدة فقط في العالم، وأن تايوان جزء لا يتجزأ من الصين، وأن روسيا تعارض استقلال تايوان بأي شكل من الأشكال.

في المقابل، هنّأت الولايات المتحدة وبريطانيا واليابان الرئيس المنتخب لاي تشينغ تي بفوزه، لكنها في الوقت نفسه قالت إنها لا تدعم استقلال الجزيرة المتمتعة بحكم ذاتي. وبعدما سأل صحافيون الرئيس الأميركي جو بايدن عن موقف واشنطن، قال: «نحن لا نؤيد الاستقلال». بيد أن هذه التهنئة لم تمر مرور الكرام، إذ انتقدت بكين الدول الثلاث على تهنئتها. وقالت الخارجية الصينية إنها قدّمت «احتجاجاً رسمياً» إلى الولايات المتحدة بشأن بيان وزير خارجيتها أنتوني بلينكن، الذي هنّأ فيه لاي. واتهمت بكين واشنطن بـ«إرسال إشارة خاطئة خطيرة إلى القوى الانفصالية المطالبة باستقلال تايوان».

'في الثمانينات طرحت بكين صيغة «دولة واحدة ونظامين»'

مساعدات واستفزازات

للعلم، فإن واشنطن التي لا تعترف بتايوان كدولة، تزودها بمساعدات عسكرية كبيرة، وتتهمها بكين باستفزازها مع استمرار توتر العلاقات بين بكين وواشنطن، الذي تضاعف إثر قيام رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي بزيارة تايوان، وما تبعها من تصعيد الصين أنشطتها ووجودها العسكري حول الجزيرة. وأخيراً، توجه وفد أميركي غير رسمي إلى تايوان غداة فوز لاي تشينغ تي، الذي عبّر عن أمله في أن تواصل الولايات المتحدة دعم تايوان، وعقد الوفد مباحثات مع كل من الرئيس المنتخب حديثاً والرئيسة التايوانية تساي إينغ ون بشأن سير الانتخابات والشراكة بين الطرفين، وفق ما نقله المعهد الأميركي في تايوان، الذي يعدّ مقراً فعلياً للسفارة الأميركية في الجزيرة. وقال المعهد إن «الحكومة الأميركية طلبت من المسؤولين السفر بصفتهم الخاصة إلى تايوان، كما دأبت بعد كل انتخابات رئاسية في الجزيرة».

جوهر الصراع

يكمن جوهر الصراع بين الصين وتايوان في حقيقة أن بكين ترى تايوان مقاطعة منشقّة سيُعاد ضمّها إلى البر الصيني في نهاية المطاف. كذلك ترى السلطات الصينية أن قلة ضئيلة تؤيد استقلال تايوان «والأنشطة الانفصالية». وفي المقابل، يختلف كثير من التايوانيين مع وجهة نظر بكين، فيرون أن لديهم أمة منفصلة، سواء أعلن استقلالها رسمياً أم لا.

بكين تعدّ تايوان، التي يبلغ عدد سكانها نحو 23 مليون نسمة، جزءاً لا يتجزأ من أراضي الصين، وإن لم تنجح بعد في إعادة توحيده مع بقية البلاد منذ نهاية الحرب الأهلية الصينية عام 1949. وبتاريخ 10 أغسطس (آب) 2022، أصدرت بكين «كتاباً أبيض» لشرح موقف وسياسات الحزب الشيوعي الصيني والحكومة الصينية بشأن تحقيق «إعادة التوحيد الوطني» في العصر الجديد، ما يشمل رؤية بشأن منطقة إدارية خاصة جديدة لتايوان.

هذا الكتاب الأبيض الذي حمل عنوان «قضية تايوان وإعادة توحيد الصين في العصر الجديد» هو الثالث من نوعه حول قضية تايوان في تاريخ جمهورية الصين الشعبية. ولقد صدر الكتابان السابقان في أغسطس (آب) 1993 وفبراير (شباط) 2000.

يُذكّر الكتاب الثالث أن تايوان «جزء لا يتجزّأ من الصين». ويشير إلى حُكم سُلالتَي يوان وسونغ اللتَين أرسلتا هيئات إدارية لتمارس الولاية القضائية على أرخبيل بسكادورز وتايوان، ثمّ إعلان تايوان بوصْفها المقاطعة العشرين في الصين عام 1885، قبل سيطرة اليابان على الجزيرة والأرخبيل عام 1894، ثمّ إصدار كلّ من الصين والولايات المتّحدة وبريطانيا «إعلان القاهرة» عام 1943، أي عقب «حرب المقاومة الشعبية الصينية» ضدّ العدوان الياباني (1931 - 1945).

ذلك الإعلان شدّد على ضرورة تخلّي اليابان عن «الأراضي التي سرقتها من الصين، بما فيها شمال شرقي الصين وتايوان وجزر بسكادورز، وإعادتها إلى الصين». وفي ما بعد، جاء «إعلان بوتسدام» الذي وقّعته الدول الثلاث نفسها عام 1945، واعترف به الاتحاد السوفياتي، ليؤكّد المطلب نفسه.

وفي أعقاب تأسيس «جمهورية الصين الشعبية» عام 1949، والإطاحة بحزب «الكومينتانغ» اليميني، ثمّ اندلاع الحرب الأهلية بينه وبين الحزب الشيوعي الصيني في أواخر الأربعينات، انسحب «الكومينتانغ» (بزعامة الرئيس الجنرال تشيانغ كاي شيك) إلى جزيرة تايوان إثر خسارته الحرب، واعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها السادسة والعشرين عام 1971 «القرار 2758» الذي تعهّدت من خلاله بإعادة جميع الحقوق إلى جمهورية الصين الشعبية، والاعتراف بممثّلي حكومتها بصفتهم الممثّلين الشرعيين الوحيدين للصين لدى الأمم المتحدة، وطرد جميع الممثّلين غير الشرعيين من الجمعية. وبالتالي، حسم القرار نهائياً القضايا السياسية والقانونية والإجرائية المتعلّقة بتمثيل الصين في المنظّمة الدولية، وأكّد أن لدى بكين مقعداً واحداً، نافياً بالتالي أيّ وجود لِما يُسمّى «دولتين صينيّتين» أو «صين واحدة وتايوان واحدة».

لاي تشينغ تي، الرئيس التايواني المنتخب (رويترز)

«دولة واحدة ونظامان» و«توافق 1992»

من جهة أخرى، مع بداية الثمانينات بدأت العلاقات بين الصين وتايوان تتحسن، وطرحت الصين صيغة تعرف باسم «دولة واحدة ونظامان» تمنح بموجبها تايوان استقلالية كبيرة إذا قبلت إعادة توحيد الصين.

يومذاك، رفضت تايوان العرض إلا أنها خفّفت من الإجراءات الخاصة بالزيارات والاستثمار في الصين. وعام 1991، أعلنت تايوان «انتهاء الحرب مع جمهورية الصين الشعبية» في البرّ الصيني.

ثم بين نهاية أكتوبر (تشرين الأول) وبداية ديسمبر (كانون الأول) 1992 وإثر سلسلة من المشاورات بين «جمعية العلاقات بين جانبي المضيق» (وهي منظمة أهلية في البر الصيني) و«صندوق التبادلات عبر المضيق» (وهو منظمة أهلية في تايوان)، توصل الجانبان إلى توافق شفهي حول تمسك جانبي المضيق بمبدأ «الصين الواحدة»، ما أرسى أساساً سياسياً لتحقيق ودفع التشاور بين جانبي مضيق تايوان، وسمي هذا التوافق لاحقاً بـ«توافق 1992».

يُعد «التمسك بالصين الواحدة» النواة الأساسية لهذا التوافق، أما جوهره فيكمن في السعي إلى إيجاد نقاط مشتركة وترك نقاط الخلاف جانباً. ولقد أشار «توافق 1992» بوضوح إلى الطبيعة الأساسية للعلاقات بين جانبي المضيق، وهي انتماء كل من البر الصيني وتايوان إلى «الصين الواحدة»، وأن العلاقات بين جانبي المضيق ليست علاقات بين دولة ودولة أخرى، ولا تمثل «صين واحدة وتايوان واحدة».

بكين ترى أن «توافق 1992» أساس للحفاظ على السلام والاستقرار والتفاعل الإيجابي للعلاقات بين جانبي المضيق، ومفتاح لضمان التنمية السلمية للعلاقات بين جانبي المضيق. وفي يناير (كانون الثاني) 2019 ، طرح الرئيس الصيني شي جينبينغ دعوة في مؤتمر احتفالي بمناسبة إحياء الذكرى السنوية الأربعين لإصدار «رسالة إلى أبناء الوطن في تايوان» بأن ترشح مختلف الأحزاب السياسية وكل القطاعات على جانبي المضيق ممثلين لإجراء مشاورات ديمقراطية شاملة ومعمقة، ترتكز على الأساس السياسي المشترك بشأن دعم «توافق 1992» ومعارضة «استقلال تايوان»، سعياً إلى الوصول إلى الترتيب المؤسسي حول دفع التنمية السلمية للعلاقات بين جانبي المضيق.

الرئيس الصيني شي جينبينغ (آ ب)

المضمون الرئيس

المضمون الرئيس لـ«دولة واحدة ونظامين» هو ما يلي...

- تحت مقدمة «الصين الواحدة»، يتمسك النظام الرئيس للدولة بالنظام الاشتراكي، وتكون هونغ كونغ وماكاو وتايوان أجزاء لا تتجزأ من جمهورية الصين الشعبية، وتبقي على تطبيق النظام الرأسمالي لفترة طويلة، ولن يتغير ذلك باعتبارها مناطق إدارية خاصة.

- لا يمكن لأحد إلا جمهورية الصين الشعبية أن يمثل الصين في المجتمع الدولي، وإن البرنامج الشامل الأساسي المتمثل في التمسك بـ«دولة واحدة ونظامين» ودفع «إعادة توحيد الوطن الأم»، أجاب على موضوع العصر، المتمثل في دفع التنمية السلمية للعلاقات بين جانبي مضيق تايوان، والاتحاد مع المواطنين في تايوان، بالسعي بجهود مشتركة وراء النهضة العظيمة للأمة والتوحيد السلمي للوطن الأم. وبالطبع، لن يكون تطبيق «دولة واحدة ونظامين» يسيراً باعتباره قضية غير مسبوقة، ويحتاج إلى الاستمرار في التطبيق.

أسّس هذا النظام في هونغ كونغ وماكاو لاستخدامه كعرض لإغراء التايوانيين بالعودة إلى البرّ الصيني، ورسالة واضحة إلى دول العالم، فحواها أن إعادة توحيد البر الصيني مع تايوان «لن تضرّ بمصالح الدول الأخرى، بما في ذلك مصالحها الاقتصادية في الجزيرة»، وهذا ما أكد عليه الكتاب الأبيض، كما تتعهد بكين بـ«الحفاظ على الحكم الذاتي العالي لتايوان، وحماية الحقوق والمصالح المشروعة لشعبها».

أيضاً، نصّ الكتاب الأبيض على أن تايوان بعد إعادة توحيدها مع الصين، يمكن لجميع الدول المهتمة الاستمرار في تطوير العلاقات الاقتصادية والثقافية مع تايوان. وبموافقة الحكومة المركزية الصينية، ستكون الدول الأجنبية قادرة على فتح مكاتبها القنصلية، وكذلك غيرها من المسؤولين أو المؤسسات شبه الرسمية في الجزيرة، والمنظمات والمؤسسات الدولية ستكون قادرة على فتح مكاتب في تايوان.

وذكر الكتاب أن مستوى التنمية الاقتصادية لتايوان مع الصناعة المتقدمة والتجارة الخارجية مرتفع نسبياً بالفعل. وبعد إعادة توحيد آلية التعاون الاقتصادي بين جانبي مضيق تايوان سيصبح أكثر اكتمالاً، وسيكون الاقتصاد التايواني قادراً على التطور بصورة أكثر نشاطاً مع الوصول غير المحدود إلى سوق البر الصيني الرئيس، بسلاسل إنتاج وتوريد مستقرة.

وما يلفت في الكتاب أيضاً أنه يركّز على حقبة ما بعد إعادة التوحيد المنشودة، مُعدّداً بالأرقام، كيف ستخدم هذه العملية تايوان بشكل خاص، و«المجتمع الدولي» بشكل عام، إذ يقول: «كان حجم التجارة عبر المضيق يبلغ 46 مليون دولار فقط عام 1978، لكنه ارتفع إلى 328.34 مليار دولار عام 2021، أي 7 آلاف أضعاف. وأشار كذلك إلى أن البرّ الصيني شكّل أكبر سوق تصدير لتايوان على مدار السنوات الـ21 الماضية، ما أدّى إلى تحقيق فائض سنوي كبير للجزيرة. ثم إنه مثّل الوجهة الأولى للاستثمارات الخارجية لتايوان. فبحلول نهاية عام 2021، استثمرت الشركات التايوانية في 124 ألف مشروع في الصين، بقيمة إجمالية قدرها 71.34 مليار دولار أميركي. وتابع أن تنمية الصين وتَقدّمها، ولا سيما الصعود المطّرد لقوّتها الاقتصادية والتكنولوجية وقدراتها الدفاعية الوطنية، توفّر مساحة واسعة وفرصاً كبيرة للتبادل والتعاون عبر المضيق، وتخدم مصلحة سكّان تايوان. أضف إلى ذلك إمكانية تكثيف التبادلات والتفاعل والتكامل عبر المضائق في جميع القطاعات، وتعميق الروابط الاقتصادية والشخصية بين السكّان من كلا الجانبين، وغيرها من المنافع. وحول هذه النقطة، يقول عبد العزيز الشعباني، الباحث بمركز الرياض للدراسات السياسية والاستراتيجية: «إن تحقيق إعادة التوحيد السلمي عبر المضيق نعمة، ليس للأمة الصينية وللشعب الصيني فقط، بل للمجتمع الدولي والشعوب في جميع أنحاء العالم كذلك، وهي نتيجة يتطلع المجتمع الدولي لأن يراها».

جانب من العاصمة التايوانية تايبيه (أ ف ب/غيتي)

الهدف الاستراتيجي... تحقيق حلم الصين العظيم

> أعربت وزارة الخارجية التايوانية، في بيان، عن «استيائها الشديد وإدانتها» للتصريحات التي أدلت بها بكين، عقب الانتخابات الرئاسية التي جرت في تايوان. في حين ينتظر أن يعمل الرئيس الجديد لاي تشينغ تي خلال ولايته الرئاسية على تعزيز وتوثيق علاقات تايوان مع الولايات المتحدة وبريطانيا واليابان بصورة أساسية.ومن جهة أخرى، أفضت انتخابات 2024 العامة في تايوان إلى جملة من التغيرات اللافتة، سواء ما يتعلق باتجاهات التصويت، أو التركيبة المختلفة للسلطتين التنفيذية والتشريعية، أو المعادلة الحزبية الجديدة التي تشكلت وما نتج عنها من تشرذم أصوات الناخبين. لا شك أن فوز لاي شكّل إزعاجاً لبكين، ولذا فإن السنوات المقبلة قد تشهد مستويات غير مسبوقة من التوتر بين الجانبين، إذ تتجه بكين نحو ممارسة كل أشكال الضغوط على تايوان، سواء الاقتصادية والسياسية والعسكرية. وفي المقابل، يمثل فرصاً لبكين للتأثير على الجزيرة من دون اللجوء إلى القوة. وعليه تسعى بكين إلى استغلال ما أفرزته الانتخابات لبناء روابط أعمق مع الجزيرة من خلال هذه القنوات، خصوصاً من خلال محاولة تقليص المحور الاقتصادي بعيداً عن الاعتماد على الاقتصاد الصيني الذي كان الحزب الديمقراطي التقدمي يسعى إليه ببعض النجاح على مدى السنوات الثماني الماضية. أيضاً يتوقع أن تحشد بكين قواها الدبلوماسية لوقف محاولات تايوان الحصول على الدعم على المستوى الدولي. هذا، وواصلت بكين التأكيد على أن نتائج الانتخابات لا تؤثر على جهودها لإعادة توحيد تايوان مع الصين، وأنها لن تتسامح مع النزعة الانفصالية. وعليه يُرجح أن يظل الحوار الرسمي عبر المضيق معلقاً، على الرغم من النشاط العسكري المتزايد، مع مواصلة بكين الاعتماد على وسطاء لفهم طريقة التفكير في العاصمة التايوانية تايبيه، مع إرسال بكين رسائل تحذير شديدة الوضوح «باتخاذ إجراء صارم» إلى تايبيه وواشنطن «في حال إقدام القوى الانفصالية المؤيدة لاستقلال تايوان، أو قوى التدخل الخارجية على استفزاز أو استخدام القوة حتى تجاوز الخط الأحمر». هذا يعني دفع بكين إلى تبني استراتيجية جديدة تقوم على تسريع وتيرة استعادة تايوان عبر الضغط العسكري ثم الضغط الدبلوماسي. ودفع بكين أيضاً إلى تقليص المدة الزمنية بـ10 سنوات كاملة، إذ قد تقدم على ضمّ الجزيرة في 2030، أي خلال 8 سنوات، بدل نهاية العقد المقبل.


مقالات ذات صلة

سفن تعلن صلتها بالصين لدى إبحارها أو رسوها بمنطقة الخليج

شؤون إقليمية ناقلة نفط تمر عبر مضيق هرمز (رويترز)

سفن تعلن صلتها بالصين لدى إبحارها أو رسوها بمنطقة الخليج

في خضم حرب الشرق الأوسط، تعلن سفن عن صلة لها بالصين أثناء إبحارها أو رسوها في منطقة الخليج وفقا لبيانات موقع «مارين ترافيك» بينها سفينتان على الأقل فعلتا ذلك.

«الشرق الأوسط» (باريس)
آسيا علم تايوان في العاصمة تايبيه (أرشيفية - أ.ب)

بكين تحذر اليابان من عواقب زيارة «خاصة» لرئيس وزراء تايوان

حذرت الصينُ اليابانَ من العواقب؛ بعدما سمحت بزيارة نادرة من جانب رئيس الوزراء التايواني، تشو جونغ تاي.

«الشرق الأوسط» (بكين)
آسيا المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية غو جياكون (رويترز) p-circle

بكين تعلن معارضتها أي استهداف للمرشد الإيراني الجديد

أعلنت بكين، اليوم الاثنين، معارضتها أي استهداف للمرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي، بعد تهديدات إسرائيلية سابقة بقتل أي خليفة لوالده المرشد السابق علي خامنئي.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الخليج الأمير الأمير فيصل خلال استقباله المبعوث الصيني تشاي جون في الرياض (الخارجية السعودية)

وزير الخارجية السعودي والمبعوث الصيني يبحثان مستجدات المنطقة

بحث الأمير الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله وزير الخارجية السعودي، مع مبعوث الحكومة الصينية الخاص للشرق الأوسط، الأحد، آخر المستجدات الإقليمية والدولية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تحليل إخباري صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)

تحليل إخباري الهجمات الأميركية على إيران تختبر هدنة هشة مع الصين

السؤال بالنسبة لبكين هو إلى أي مدى يمكنها الدفاع عن إيران من دون الإضرار بمصالحها الاقتصادية، أو تفاقم التوتر مع الولايات المتحدة.

ديفيد بيرسون

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
TT

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)

يصعب الفرز بين العقيدة والمصلحة عند بحث العلاقات العراقية-الإيرانية. وفي حين أن العقيدة عابرة للحدود، يظل مفهوم المصالح نسبياً. أما في إطار المصالح المتبادلة، فهي من جهة محكومة بالعلاقات الثنائية، ومن جهة ثانية تتأثر بالخرائط والجغرافيا، فضلاً عن امتدادات التاريخ، التي غالباً ما تزحف هنا وهناك لتخلق فرصاً، إما لمزيد من التفاهمات، أو لتتحول إلى أزمات تختلط فيها عوامل التاريخ، والجغرافيا، والعقائد، والأديان، والقوميات، والمذاهب. لهذا، تكاد العلاقات العراقية-الإيرانية تكون نموذجاً فريداً من نوعه في منطقة الشرق الأوسط، لجهتي التداخل العنيف بين الحدود الجغرافية وميوعة التاريخ بكل إرثه وإشكالاته، وأيضاً بتعقيدات الحاضر، وغموض المستقبل.

لقد استدعى العراق وإيران، على الأقل منذ ثمانينات القرن الماضي، حين تحارب البلدان لمدة ثماني سنوات، كل ما يملكانه من مخزون التاريخ، وبالأخص آلامه وأحزانه. هذا فضلاً عن حساسيات الجغرافيا، ولا سيما الخطوط الحدودية الإشكالية، والتداخلات والامتدادات الإنثروبولوجية الإثنية، ومنها حالات لمناطق كانت عربية وجزءاً من العراق، لكنها أصبحت جزءاً من إيران.

وبعد حرب السنوات الثماني، التي انتهت بتجرّع المرشد الإيراني السابق آية الله الخميني «كأس السم» إثر موافقته على وقف إطلاق النار فيما عرف بـ«حرب الخليج»، اختلفت المقاربة بعد أكثر من ثلاثة عقود. وتحوّل العراق مع إيران بالتالي إلى حليف مرة، ومساند مرة، ويحاول الحياد مرة.

لكن الفارق، بين الأمس واليوم، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لم يمنح المرشد -الخلف- علي خامنئي المجال لتجرع «كأس السمّ» في المواجهة الحالية، بل أقدم على قتله في أولى الضربات التي وجهتها «آلة الحرب الأميركية» إلى إيران. وهكذا، تُرك الباب مشرعاً أمام «حرب مفتوحة»... مرشحة أن تغدو حرباً وجودية تحكمها معادلة صفرية «أكون أو لا أكون».

بين المصلحة والعقيدة

الحكومة العراقية، التي هي حكومة «تصريف أمور يومية»، تحاول الآن العمل وفق حدود طبيعتها، بيد أن ما يجري حولها يفوق قدرة أي حكومة كاملة الصلاحيات، ولا سيما في غياب أي توازن في موازين القوى.

وبسبب الخلافات السياسية بين القوى الفائزة في الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة، التي أجريت أواخر العام الماضي، تعذّر تشكيل حكومة جديدة نظراً للخلاف الكردي ـ الكردي على منصب رئيس الجمهورية، والخلاف الشيعي ـ الشيعي على منصب رئيس الوزراء.

ولكن في هذه الأثناء يستفيد رئيس الحكومة الحالية محمد شياع السوداني من الصلاحيات الممنوحة له بموجب الدستور كقائد عام للقوات المسلحة، فيسعى إلى الموازنة بين أمرين: الأول: الجهود المبذولة لحماية الجبهة الداخلية وسط الضربات المتبادلة بين الفصائل العراقية المسلحة الموالية عقائدياً لإيران.

والثاني: عمل ما يمكن عمله على الصعيد الدبلوماسي باتجاه خفض التصعيد في ضوء ضربات الفصائل التي استهدفت بعض دول الجوار الجغرافي للعراق.

بالتالي، ما يُذكر هنا أنه بينما كان العراق قد تمكن عملياً إبان حرب الـ12 يوماً في يونيو (حزيران) عام 2025 من النأي بنفسه عن المواجهة الإسرائيلية – الإيرانية، ما جنب العراق ضربات كانت مقرّرة، فإن الفصائل المسلحة اعتبرت الحرب الأخيرة حرباً وجودية يتطلب تكليفها الشرعي والعقائدي المشاركة فيها، بينما تميل بغداد للتعامل مع الحرب بلغة المصالح.

وحقاً، كرّر السوداني، رئيس الحكومة، في أكثر من موقف، منها اتصال هاتفي أجراه معه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، رفض الحكومة أي تهديدات تنطلق من الأراضي العراقية. وطبقاً لبيان رسمي أكد السوداني: «لن نسمح بأي حال من الأحوال بأن تنطلق من الأراضي العراقية أي تهديدات تمس الجمهورية الإسلامية الإيرانية»، وشدد على التزام بغداد بحماية سيادتها، ومنع استخدام أراضيها في أي تصعيد إقليمي.

غير أن العراق، وفق عضو البرلمان العراقي السابق حيدر الملا، «يقع في هذه الحرب بين نارين». إذ قال الملا على منصة «إكس» إن «أغرب ما في الحرب الدائرة بالمنطقة هو وضع العراق... أميركا تقصف العراق بحجة استهداف الفصائل المسلحة، بينما تقصف إيران العراق بحجة الوجود الأميركي». وأضاف الملا أنه «أحياناً العراق يقصف نفسه كما حدث في استهداف أربيل».

وقفة على الجسر المعلق

من جهة أخرى، في حين ترابط الفصائل المسلحة العراقية، لليوم الخامس على التوالي، عند «الجسر المعلّق» القريب من مبنى السفارة الأميركية المطلّ على نهر دجلة، أدى مقتل قيادي بارز في «كتائب حزب الله» إلى إعلان الفصائل توسيعها عملياتها لتشمل أوروبا. وجاء هذا التطوّر بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار، ويهدد النواب الذين ينتمون إليها في البرلمان العراقي بإلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» التي وقعها العراق مع الولايات المتحدة عام 2009.

الفصائل، في بيان لها، عدّت أن «المشاركة الأوروبية تجعل تلك الدول عدواً لشعوبنا ومقدساتنا». وتابع البيان: «واشنطن وتل أبيب تحشدان حلفاءهما، وتسعيان إلى استقدام دعم أوروبي للانخراط في الحرب»، محذراً من أن أي تورّط أوروبي «سيقابل بتوسيع دائرة الأهداف».

من جانبه، أفاد مقداد الخفاجي، عضو البرلمان العراقي عن حركة «حقوق» -وهي الجناح السياسي لـ«كتائب حزب الله»- أن البرلمان العراقي سيناقش الأسبوع المقبل إمكانية إلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» الموقعة مع واشنطن عام 2009.

وأردف الخفاجي أن «القوات الأميركية والإسرائيلية استهدفت العديد من مواقع القوات الأمنية والحشد الشعبي والفصائل في العراق... وهي العمليات التي أسفرت عن مقتل 19 شخصاً، وإصابة العشرات من عناصر الحشد الشعبي والقوات الأمنية». واستطرد أن «مجلس النواب سيطرح في الجلسة المقبلة مشروع إلغاء الاتفاقية الأمنية مع الجانب الأميركي لحماية الأجواء العراقية، وفي الوقت نفسه سيُستعان باتفاقية أخرى مع الدول العالمية كروسيا والصين... فالولايات المتحدة أثبتت تآمرها على الشعب والحكومة العراقية باستهداف مواقع أمنية تابعة للحشد، وكذلك مواقع مدنية، واستغلال أجواء العراق لضرب دول أخرى»، حسب تعبيره.

الفصائل المسلحة تعمل على توسيع عملياتها لتشمل أوروبا... بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار

حكومة منزوعة الصلاحيات

كما سبقت الإشارة، بعد نحو ثلاثة شهور على إجراء الانتخابات البرلمانية في البلاد، أخفقت القوى السياسية العراقية في التوافق على انتخاب رئيس جديد للجمهورية وترشيح رئيس جديد للوزراء. وهكذا تحوّلت الحكومة التي يترأسها السوداني بموجب الدستور إلى حكومة «تصريف أمور يومية» بعد انتخاب البرلمان الجديد، إلا أنها تواجه الآن تحدياً صعباً للغاية. وهو يتعلق بكيفية مواجهة تداعيات الحرب الحالية، سواءً في حال استمر غلق مضيق هرمز، أو مواصلة الفصائل المسلحة قصفها للمواقع الأميركية في العراق، مع التهديد بشن عمليات خارجية، وهو ما قد يعقّد موقف العراق عربياً ودولياً.

مع هذا، باشر السوداني رغم أجواء الحرب ممارسة صلاحياته كاملة كقائد عام للقوات المسلحة. هذا الوضع يمنحه مساحة للتحرك، بما في ذلك ضبط التوازنات بين المؤسسات الأمنية ومؤسسات الدولة الأخرى. وفي هذا السياق قد كان أكد أن «الدولة وحدها من يمتلك حق قرار الحرب والسِّلم»، وأن الحكومة ستقف بقوة تجاه أي طرف يحاول جرّ العراق للتورّط في الصراعات، مع التشديد على تحقيق المصالح العليا للشعب العراقي.

السوداني أكد في بيان شديد اللهجة التزام حكومته «بحماية سيادة العراق، وأجوائه ومياهه، ومنع توظيفها بأي شكل في الصراعات الجارية بالمنطقة». وتعهّد بأن «القوات المسلحة العراقية بكل تشكيلاتها وصنوفها ملتزمة بمهامها القانونية بحماية الممتلكات العامة والخاصة، والبعثات والسفارات الأجنبية». وبيّن أن الحكومة تولي أهمية كبيرة للعلاقات العراقية بالمحيط الإقليمي والدولي، من منطلق رئاسة العراق للقمة العربية تسعى إلى تنسيق المواقف بما يؤمن فرض الاستقرار، وإيقاف الأعمال العسكرية، ومنع حدوث المزيد من أسباب العنف. كذلك دعا رئيس الحكومة إلى «توحيد الخطاب بين القوى السياسية الوطنية، والعمل على مواجهة الشائعات، ووجّه الوزارات المعنية بمتابعة تأمين مفردات الأمن الغذائي، والجوانب الخدمية، والتصدّي لأي محاولة لاستغلال الأوضاع الراهنة للتلاعب بالأسعار».

ولكن، على الرغم من هذه المواقف، لم يكن الالتزام على الأرض دقيقاً. وبالإضافة إلى المظاهرات التي ينظمها ليلاً ونهاراً أنصار الفصائل المسلحة على «الجسر المعلّق»، القريب من القصر الحكومي والسفارة الأميركية، في محاولات للوصول إلى مبنى السفارة، فإن هذه الفصائل قصفت طوال الأيام الماضية عدة مواقع عراقية بينها مدينة أربيل، في إقليم كردستان، بحجة تسلّل جماعات كردية عراقية إلى داخل إيران بمساعدة الأحزاب الكردية الإيرانية التي تريد منها واشنطن أن تكون نواةً للغزو البرّي الأميركي انطلاقاً من المناطق الكردية بشمال غربي إيران بهدف إسقاط النظام الإيراني.

وللعلم، أعربت طهران عن قلقها بعد مكالمة هاتفية أجراها الرئيس ترمب مع الزعيمين الكرديين مسعود بارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، وبافل طالباني زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني، بشأن ما عدّته تطوراً خطيراً في حال دخل كرد العراق طرفاً في حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.

وكان علي باقري، نائب أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني، قد أبلغ قاسم الأعرجي مستشار الأمن القومي العراقي، وفق بيان للأخير «بقلق السلطات الإيرانية حيال ما يجري في المناطق الحدودية الكردية بين العراق وإيران». وطالب المسؤول الإيراني العراق باتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع أي جماعات معارضة من اختراق الحدود بين البلدين، استناداً إلى الاتفاق الأمني الموقع بين بغداد وطهران.

وبدوره، أفاد الأعرجي بأن العراق يواصل جهوده الدبلوماسية مع مختلف الأطراف لاحتواء الأزمة، ووقف التصعيد، والعودة إلى مسار الحوار، والالتزام الكامل بالاتفاق الأمني بين البلدين، ومنع أي جماعات من التسلل، أو اختراق الحدود الإيرانية، أو تنفيذ أعمال إرهابية انطلاقاً من الأراضي العراقية. كذلك تطرّق الأعرجي إلى إرسال وزارة الداخلية في إقليم كردستان تعزيزات أمنية من قوات «البيشمركة» إلى الشريط الحدودي لتعزيز السيطرة على القاطع الحدودي من جهة أربيل. وجاء هذا بالتزامن مع ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء عن مصادر قولها إن «جماعات كردية إيرانية مسلحة في إقليم كردستان العراق أجرت مشاورات مع الولايات المتحدة خلال الأيام الماضية حول ما إذا كانت ستهاجم قوات الأمن الإيرانية».

كان العراق، من جهته، قد أعلن أواخر العام 2023 عن إخلاء مقار الجماعات والأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة للنظام في طهران، والموجودة في أراضي إقليم كردستان بشكل نهائي، تمهيداً لاعتبارهم لاجئين، ضمن اتفاق أمني مبرم بين البلدين.

زيدان «يحل العقدة»

في سياق متّصل، تخلق الحرب الجارية الآن أوضاعاً سياسية واقتصادية غاية في الصعوبة للعراق بسبب غلق مضيق هرمز، وافتقار العراق لبدائل في حال توقف تصدير نفطه، وإعلان البنك المركزي العراقي انخفاض احتياطي العملات الأجنبية. ويفاقم الوضع استمرار الانسداد السياسي داخل القوى الشيعية بسبب رفض رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي التنازل عن ترشحه لمنصب رئيس الوزراء.

ما يذكر، أن المالكي الذي رشحه «الإطار التنسيقي» الشيعي بالغالبية إثر تنازل السوداني -الفائز الأول بالانتخابات- يواجه «فيتو» أميركي يحول دون تمكنه من تشكيل الحكومة. ومع أن دائرة الرافضين لتوليه المنصب بدأت تتسع داخل البيت الشيعي، فإنه، حتى بعد اندلاع الحرب، وحاجة العراق إلى حكومة كاملة الصلاحيات، ما زال يرفض التنازل إلا إذا كان ذلك بإجماع قادة «الإطار التنسيقي». غير أن العقدة لا تقف عند البيت الشيعي، فالبيت الكردي، هو الآخر، يواجه انشقاقاً حاداً يحول دون استكمال حكومة الإقليم رغم مرور أكثر من سنة على تأخر تشكيلها، كما يعوق قدرة الكرد على حسم مرشحهم لمنصب رئيس الجمهورية.

القاضي فائق زيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى، كان اقترح في مقال له نشره في «الشرق الأوسط» الثلاثاء الماضي تحت عنوان: «خطيئة التفسير الخاطئ للدستور» إجراء تعديل للدستور، أو لقانون مجلس النواب العراقي، لتحديد المقصود بـ«الكتلة الأكبر عدداً». وهذا الكتلة يقع على عاتقها تقديم مرشح لمنصب رئيس الحكومة بعد كل انتخابات تشريعية.

زيدان، في مقاله الذي أثار ردود فعل واسعة داخل العراق، أسهم في فك العقدة الخاصة بمفهوم «الكتلة الأكبر» التي هي طبقاً للدستور القائمة الفائزة بالانتخابات. وأيضاً مهد الطريق أمام القوى الشيعية لترشيح السوداني لولاية ثانية كونه هو الفائز الأول عبر كتلته «ائتلاف الإعمار والتنمية». ووفق زيدان، فإن «المادة (76) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 تُعد من أكثر النصوص الدستورية إثارة للجدل، نظراً لارتباطها المباشر بتشكيل السلطة التنفيذية. فقد نصّت على أن يقوم رئيس الجمهورية بتكليف مرشح (الكتلة النيابية الأكثر عدداً) بتشكيل مجلس الوزراء خلال مدة محددة». وأضاف: «غير أن الإشكال الدستوري ظهر في تفسير هذا المصطلح، وهو ما تصدت له المحكمة الاتحادية العليا، في قرارها الصادر بالعدد (25/اتحادية/2010) بتأريخ 2010/3/25 والذي ما زال محل جدل فقهي وسياسي»، مبيناً أن «الإشكال تمحور حول تحديد المقصود بـ«الكتلة النيابية الأكثر عدداً»: أهي الكتلة التي حصلت على أعلى عدد من المقاعد في الانتخابات؟ أم الكتلة التي تتشكل بعد إعلان النتائج من خلال تحالفات داخل مجلس النواب؟».


بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
TT

بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة

قد يصعب فهم أثر بيتر ثيل مؤسس شركة «بالانتير» ورئيسها العام لأنظمة تشغيل البيانات في السياسة والحروب من دون العودة إلى الفكرة التي صاغت مساره بعد مشاركته في تأسيس شركة «باي بال». ذلك أنه إذا كانت مكافحة الاحتيال المالي تعني جمع إشارات متناثرة وتحويلها إلى «خريطة خطر» في الوقت الحقيقي، فلماذا لا تُنقل الفكرة إلى مكافحة الإرهاب والاستخبارات ثم إلى ساحة القتال؟ هكذا وُلدت «بالانتير» عام 2003، بوصفها شركة تبني «أنظمة تشغيل للبيانات» أكثر منها شركة برمجيات تقليدية، وتحوّل التراكم الهائل للمعلومات إلى معرفة قابلة للتنفيذ.

في السيرة العامة لبيتر ثيل، من ألمع شخصيات العالم وأخطرها اليوم، يتكرّر خيط واحد: الارتياب من الدولة حين تعجز، والارتياب منها أيضاً حين تتضخّم. لكن الرجل اختار أن يبني جسراً بين الطرفين: إذ يزوّد المؤسّسات الأمنية والعسكرية بأدوات تجعلها «أكثر قدرة»، مع إبقاء المساءلة الأخلاقية والسياسية معلّقة في الهواء. وهو اليوم الرئيس العام «بالانتير»، وشريك في منظومات استثمارية شكّلت ما يُعرف بـ«مافيا باي بال»، وامتدت من رأس المال المغامر إلى السياسة والإعلام.

سيرة ذاتية

وُلد بيتر أندرياس ثيل عام 1967 في مدينة فرنكفورت بألمانيا، لوالديه سوزان وكلاوس فريدريش ثيل اللذين هاجرا مع العائلة إلى الولايات المتحدة عندما كان بيتر في سنته الأولى. وعاشت العائلة في مدينة كليفلاند (بولاية أوهايو)، حيث عمل والده كلاوس مهندساً كيميائياً. ثم عمل في كثير من شركات التعدين، ما تسبب في تنقل بيتر وشقيقه الأصغر باتريك مايكل بكثرة. وللعلم، في حين حصلت والدته على الجنسية الأميركية فإن أباه لم يحصل عليها. وهذا الإحساس المبكّر بالتنقّل والهشاشة المؤسسية، كما يقرأه مقرّبون من مسار ثيل، ترك أثره على نظرته إلى الدولة والسلطة.

درس ثيل في جامعة ستانفورد الشهيرة وتخرّج فيها، وهناك جمع بين القانون والفلسفة وثقافة المناظرة، قبل أن يخوض تجارب قصيرة في عالم المحاماة والمال. ثم ينعطف إلى ما سيصبح «ديناً» لوادي السيليكون الجديد: تحويل الأفكار إلى منصّات تُعيد تعريف الأسواق.

بدايات الثروة والمغامرة

في أواخر التسعينات شارك ثيل في تأسيس «باي بال»، التجربة التي صاغت ثروته الأولى وشبكته الأوسع. وهناك تبلوَرت قناعته بأن الخطر الحقيقي ليس الحدث الظاهر، بل «النمط» المخفي خلف ملايين الإشارات الصغيرة، وأن القدرة على الربط بين بيانات - أو معطيات Data - متفرّقة يمكن أن تمنح المؤسسة، أي مؤسسة، تفوّقاً نوعياً.

وبعد بيع «باي بال» مطلع الألفية، تحوّل إلى مستثمر مبكّر وفاعل حين أسس شركة «فاوندر فند»، وصار اسمه يتردّد بصفته أحد أول المستثمرين الخارجيين في «فيسبوك»، في خطوة رسّخت صورته كمَن يقرأ التحوّلات قبل أن تصبح تياراً جارفاً.

وبالفعل، احتل بيتر ثيل، الذي يعيش في مدينة سان فرانسيسكو، المرتبة الـ293 في «فوربس 400» عام 2011، مع ثروة صافية تقدّر بـ1.5 مليار دولار منذ مارس (آذار) 2012، ثم احتل المرتبة الرابعة في قائمة «فوربس ميداس» لعام 2014 بـ2.2 مليار دولار.

«بالانتير»... واليمين السياسي المحافظ

إلا أن «بالانتير» بقيت مشروعه الأكثر تعبيراً عن شخصية الرجل... إنها شركة تقف على الحد الفاصل بين وادي السيليكون وأجهزة الأمن القومي، وبين هوَس الخصوصية العام وحاجة الدولة إلى أدوات أسرع في الرصد والتحليل. موقع ثيل كرئيس لمجلس إدارة الشركة لسنوات جعل حضوره يتجاوز التمويل إلى تشكيل السردية: التكنولوجيا ليست ترفاً، بل «بنية قوة» في زمن تُخاض فيه الحروب عبر البيانات قبل الصواريخ.

وسياسياً، تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة. وهنا لم يكن دعمه العلني لدونالد ترمب عام 2016، ولا خطابه في المؤتمر الجمهوري، مجرّد تفاصيل؛ بل جاء ذلك إعلاناً بأن المعركة على «شكل أميركا» تُدار أيضاً من داخل منظومات التقنية والتمويل. وفي الخلفية، أثارت رهاناته واستثماراته في شركات مرتبطة بالتعرّف إلى الوجوه وتحليلات المراقبة جدلاً متصاعداً حول الحدود الأخلاقية: متى تصبح أدوات «الأمن» شبكة تجسّس، ومتى يتحول «القرار المدعوم بالبيانات» إلى قرارٍ يتخفف من المساءلة؟

من هنا يصبح الخلاف الراهن بين إدارة ترمب و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، وفي طليعتها شركة «أنثروبيك»، امتداداً طبيعياً لعالم صنعه ثيل ورعاه. إنه عالم تتنافس فيه الدولة والشركات، لا على «الفكرة» بل على شروط تشغيلها. فالشركات تحاول وضع قيود أخلاقية وقانونية على نماذجها وخوارزمياتها، بينما تريد المؤسسات الأمنية هامشاً أوسع للاستخدام باسم الأمن الوطني.

وبين الطرفين، تقف منصّات مثل «بالانتير» بوصفها «بوابة الإدماج»... ليست النموذج نفسه، بل الطبقة التي تُدخل النماذج في قلب آلة الدولة، حيث يتحوّل التحليل إلى قرار، ثم إلى فعل... وتصبح معركة الشروط معركة على السيادة وعلى مسؤولية من يضغط الزّر.

«حصّاد البيانات» في ثوب منصة

تقدّم «بالانتير» منصتين أساسيتين، هما: «غوثام» الموجّهة للاستخبارات والدفاع والعمليات الأمنية، و«فاوندري» الموجّهة للحكومات المدنية والشركات.

الفكرة المركزية ليست «امتلاك البيانات» بقدر ما هي «وصل البيانات»، عبر ربط قواعد متفرقة، وتنظيفها، وبناء طبقة دلالية (من الشخص/الكيان؟ ما العلاقة؟ ما الحدث؟). ومن ثم تمكين فرق العمل من تتبّع الأنماط، وبناء سيناريوهات، وتوليد توصيات عمل. هذا ما يجعلها قابلة لأن تصبح «غرفة عمليات» رقمية... من مكافحة الاحتيال، إلى تتبّع الشبكات، إلى التخطيط اللوجيستي، ووصولاً إلى الاستهداف العسكري.

هنا تحديداً تتقاطع «تقنيات الرصد» مع «الحرب». فما كان يُنجَز عبر الاستعانة بفرق تحليل ضخمة تعمل لأيام، بات يمكن ضغطه إلى ساعات أو دقائق، شرط أن تكون خطوط البيانات مفتوحة، أي من خلال: أقمار اصطناعية، ومسيّرات، واتصالات، وسجلات مالية، ونقاط عبور، ومصادر مفتوحة، أي كل ما يوسّع صورة الميدان.

وفي برامج مثل منظومة «مايفن»، التابعة لـ«البنتاغون» (وزارة الحرب الأميركية)، تظهر «بالانتير» بوصفها مشغّلاً برمجياً يرفع «سقف السرعة» في تحويل الرصد إلى قرار. ولقد زادت وزارة الدفاع سقف عقود «مايفن» عبر تعديلات كبيرة، ما يعكس توسع الطلب العسكري على هذا النوع من القدرات.

من الرصد إلى «الضغط على الزناد»

في أحدث تجلّيات هذا التحوّل، تصف تقارير أميركية كيف أصبح الذكاء الاصطناعي، عبر شراكات وتكاملات داخل المنظومات العسكرية، جزءاً من دورة اختيار الأهداف وترتيب أولوياتها في عمليات ضد إيران، وسط جدل سياسي وأخلاقي حاد حول حدود الاستخدام، ومَن يتحمّل المسؤولية عند الخطأ.

واللافت أن «الخصومة» بين «البنتاغون» وبعض شركات الذكاء الاصطناعي لا تدور فقط حول الأسعار أو الملكية الفكرية، بل أيضاً حول شروط الاستخدام: فهل تسمح الشركة بتطبيق نماذجها في مراقبة داخلية واسعة؟ وهل تقبل أن تكون خوارزمياتها جزءاً من أنظمة قد تنزلق إلى «الاستقلال الذاتي» في القتل؟

في هذا المناخ، برزت قضية شركة «أنثروبيك» بوصفها نموذجاً للصدام. إذ إن الشركة تتمسّك بقيود أخلاقية، بينما يضغط مسؤولون في إدارة ترمب و«البنتاغون» لتوسيع نطاق الاستخدام في ملفات الأمن الوطني، وفق ما أوردته تقارير حديثة.

هنا أيضاً يظهر «معنى ثيل» تحديداً: فـ«بالانتير» ليست شركة نماذج لغوية فقط، بل شركة «بنية تحتية تشغيلية» تستطيع إدخال أي نموذج من أي جهة، إلى «خط الإنتاج العسكري»، أي إلى سلسلة الاستشعار، والتحليل، والتوصية، والقرار، والتنفيذ. ومن ثم تصبح المعركة بين الحكومة وشركات الذكاء الاصطناعي معركة على من يتحكم ببوابة الإدماج: النموذج؟ أم المنصة التي تضعه داخل آلة الدولة؟

«المسح الوجهي» والرصد الشخصي

حين يُذكر «المسح الوجهي» بوصفه سلاحاً جديداً، لا يعني هذا أن «بالانتير» شركة كاميرات أو خوارزميات تعرُّف وجوه بحد ذاتها؛ لكنها بحكم طبيعتها التكاملية قادرة على إدخال مُخرجات أنظمة التعرف إلى الوجوه ضمن لوحة واحدة تربط الهوية بالحركة بالاتصالات بالمعاملات.

ومن جهة ثيل، يظهر اسمه مباشرة في ملف الاستثمار المبكّر في شركة «كلير فيو إيه آي» المثيرة للجدل، التي عُرفت بقدرتها على مطابقة الوجوه مع قواعد صور ضخمة جُمعت من الإنترنت، وما أثاره ذلك من مخاوف حقوقية.

بهذا المعنى، يغدو ثيل جزءاً من مشهد أوسع، حيث التزاوج بين رأس مال وادي السيليكون، وشهية الدولة للأدوات السريعة، وتحوّل الخصم من «إرهابي» إلى «دولة» إلى «شبكة سيبرانية»، إلى هدفٍ لا يمكن التعامل معه من دون تفوق معلوماتي. وفي الحروب الحديثة، السيبرانية والتدميرية معاً، لا تعود المعركة على السلاح وحده، بل على «الزمن»، بالذات: من يختصر دورة القرار، ومن يربح ثانية واحدة إضافية في الرصد والتشويش والضرب.

أوكرانيا وإسرائيل... مختبر حرب البيانات

إبان حرب أوكرانيا، نُقل النقاش إلى العلن أكثر. إذ نقلت تقارير موثوقة عن مسؤولين وشركة «بالانتير» أن البرمجيات تُستخدم في مجالات تتّصل بالاستهداف، وتحليل بيانات الميدان، وحتى توثيق ملفات يُراد استخدامها في ملاحقات جرائم حرب.

وفي ملف إسرائيل، ظهرت حساسية أكبر بسبب الاتهامات الحقوقية، إلى حد أن مستثمراً مؤسّسياً نرويجياً أعلن التخارج من أسهم الشركة بسبب مخاوف مرتبطة بعملها هناك، وفق ما أوردته «رويترز».

هذه الأمثلة ليست هامشية في «بروفايل» ثيل، لأنها تشرح كيف انتقلت أدوات جمع البيانات من كونها «مساعدة» إلى كونها «محدِّدة لمسار الحرب». فحين تكون المنصة قادرة على ابتلاع تدفقات متعددة (صورة - إشارة - نص - إحداثيات) وإخراج «قائمة أولويات» في الوقت الحقيقي، يصبح النقاش السياسي والأخلاقي حول القيود أو غيابها، جزءاً من الأمن الوطني نفسه.

من «مايفن»... إلى «تيتان»

وفي السنوات الأخيرة، تقدّمت «بالانتير» خطوة إضافية هي الدخول إلى برامج عسكرية تُجسّد فكرة «المعركة الموصولة» مثل مشروع «تيتان» (عقدة الوصول إلى استهداف الاستخبارات التكتيكية) للجيش الأميركي. وهو نظام يهدف إلى استيعاب بيانات من الجو والبر والفضاء، وتحويلها إلى معلومات استهداف أسرع وأكثر دقة. هذا، وأُعلنت عقود التطوير والنمذجة بوضوح عبر قنوات رسمية وعلاقات مستثمرين، بما يعكس انتقال الشركة من «مزوّد برمجيات» إلى لاعب دفاعي مكتمل الأركان.

وهنا أيضاً، تكتسب قصة ثيل قيمة تفسيرية. ذلك أن الرجل الذي دافع طويلاً عن فكرة أن ليس على التكنولوجيا أن تخجل من الدفاع، يجد في «بالانتير» منصة تقول عملياً إن تفوق الدولة في الحروب المقبلة سيُقاس بقدرتها على «تنظيم البيانات» مثلما يُقاس بقدرتها على امتلاك الذخيرة.

والصدام الذي ظهر أخيراً بين الإدارة و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، ليس تفصيلاً تقنياً. إنه صدام على «شكل القوة الأميركية»... فهل تُبنى على نماذج مغلقة بشروط أخلاقية صارمة تفرضها الشركات لحماية سمعتها؟ أم تُبنى على «منطق الدولة» الذي يريد حرية استخدام أوسع ما دام ذلك تحت عنوان الأمن القومي؟

تقارير حديثة عن التوتر مع «أنثروبيك»، وعن بحث جهات رسمية وشبه رسمية عن بدائل، تضع هذا السؤال في مركز السياسة الدفاعية.وفي هذا السياق، تبدو «بالانتير» ومعها إرث ثيل، أقرب إلى «حلقة الوصل» التي تقلق الجميع. فهي ليست مجرد نموذج ذكاء اصطناعي يمكن التوقف عن استخدامه، بل «بنية تشغيل» إذا استقرت داخل المؤسسات يصبح فِكاكها مكلفاً، وتصبح شروط استخدامها جزءاً من هندسة الدولة نفسها. وهذا ما يفسر لماذا يتحوّل الجدل حول «خوارزمية» إلى جدل حول السيادة، ولماذا تُقرأ الحروب الحديثة، من ساحات أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط، بوصفها حروباً على من يمتلك «منصة القرار» قبل أن يمتلك منصة الإطلاق.


«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
TT

«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)

تبدو شركة «بالانتير» اليوم مثالاً مكثّفاً على التحوّل الذي يعيشه الاقتصاد الأميركي. مثال شركات بدأت كبرمجيات «تحليل بيانات»، ثم اكتشفت أن الدولة، لا السوق الاستهلاكية، هي الزبون الذي يضمن النمو الطويل، وبخاصة مع عودة المنافسة بين القوى الكبرى، وتحوّل الحروب إلى صراعات تُدار بالاستشعار والخوارزميات.

أُسست الشركة عام 2003، واليوم تبلغ قيمتها السوقية نحو 433 مليار دولار (مارس/ آذار 2026). وبحسب تقريرها السنوي عن 2025، بلغ «الرصيد المتبقي من قيمة العقود» أكثر من 11 مليار دولار، بينها 6.8 مليار لزبائن تجاريين، و4.4 مليار لزبائن حكوميين.

وتوضح الشركة أن هذه الأرقام لا تشمل العقود الحكومية غير المموّلة بالكامل، التي يصل سقفها التعاقدي الإجمالي إلى نحو 12.3 مليار دولار. وعلى صعيد العقود الأميركية الكبرى، وقّع الجيش اتفاقاً مؤسّسياً لمدة 10 سنوات بسقف حتى 10 مليارات يدمج 75 عقداً. وأعلنت عقداً ثابت السعر حتى نحو 100 مليون دولار على 5 سنوات لبرنامج «مايفين» مع «البنتاغون»، وعقداً آخر بقيمة 480 مليون دولار لتطوير البرنامج نفسه عام 2024. كذلك أبرمت وزارة الأمن الداخلي اتفاق شراء بسقف حتى مليار دولار، وتشمل العقود الحكومية جهات أميركية وحكومات حليفة خارجياً.

في الخارج، ساهمت الحروب في تسويق «بالانتير» بوصفها «أداة حرب بيانات» بقدر ما هي شركة تقنية. ففي أوكرانيا، نُقل عن الشركة ورئيسها التنفيذي، أليكس كارب، أن البرمجيات تُستخدم في سياقات تتصل بالاستهداف وتحليل الميدان، وفي توثيق ملفات لادعاءات جرائم حرب. وفي إسرائيل، أثارت طبيعة العمل حساسية استثمارية وحقوقية وصلت إلى تخارج مستثمر مؤسسي كبير.

هذا التوسّع السريع لا ينفصل عن موجة «عسكرة الذكاء الاصطناعي» داخل الغرب. هنا الشركات لم تعد تُباع كبرمجيات مكتبية، بل كمنصات تشغيل للقرار. وحين تصبح المنصّة جزءاً من بنية الدولة، يصبح نموها أقرب إلى «قصة اعتماد» طويلة الأجل: عقود متعددة السنوات، وتراكم بيانات، وتكلفة عالية للاستبدال، وهو ما يفسّر كيف تحوّلت «بالانتير» من اسم جدلي في وادي السيليكون إلى عنوان دائم في سوق الدفاع والأمن.