أميركا 2024: بايدن والديمقراطيون على مفترق طرق

بسبب غزة وتراجع تأييد الشباب والناخبين السود واللاتينيين

دعم بايدن المطلق لإسرائيل ... بات مصدر خطراً على حظوظه الرئاسية وفق استطلاعات الرأي (آ ب)
دعم بايدن المطلق لإسرائيل ... بات مصدر خطراً على حظوظه الرئاسية وفق استطلاعات الرأي (آ ب)
TT

أميركا 2024: بايدن والديمقراطيون على مفترق طرق

دعم بايدن المطلق لإسرائيل ... بات مصدر خطراً على حظوظه الرئاسية وفق استطلاعات الرأي (آ ب)
دعم بايدن المطلق لإسرائيل ... بات مصدر خطراً على حظوظه الرئاسية وفق استطلاعات الرأي (آ ب)

في الخامس عشر من يناير (كانون الثاني) الحالي، تدخل الولايات المتحدة سنتها الانتخابية الفعلية مع أول انتخابات رئاسية تمهيدية للحزب الجمهوري في ولاية أيوا ووفق تقييمات عدة يُعتقد على نطاق واسع أن الانتخابات العامة التي ستُجرى في 5 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل وستشهد أيضاً تجديداً كاملاً لمجلس النواب وثلث مقاعد مجلس الشيوخ قد تؤدي إلى رسم وجه جديد للبلاد بالنظر إلى حدة الانقسام السياسي والاستقطاب الحزبي غير المسبوق وفي حين يدافع معسكرا هذا الانقسام عن وجهتي نظريهما بالقول إنها ليست مجرد انتخابات رئاسية حاسمة فحسب بل هي أيضاً اختبار للديمقراطية الأميركية لا يخفى على المتابع تراجع مستوى الديمقراطية نفسها في ظل غياب المنافسة الحقيقية سواءً عند الجمهوريين أو الديمقراطيين.

يرى كثيرون في الولايات المتحدة اليوم أنه لن تكون هناك انتخابات رئاسية ديمقراطية حقيقية. وإذا ما حكمنا على الانتخابات التمهيدية الرئاسية للحزب الجمهوري، من خلال استطلاعات الرأي، فهي ممارسة لا طائل من ورائها. إذ إن المرشح الأبرز ورئيس الجمهورية السابق دونالد ترمب، لم يكلف نفسه عناء المشاركة في أي من المناظرات الجمهورية الأربع التي أجريت حتى الآن. لا بل هو على وشك إكمال عودة سياسية مذهلة، بعدما نجح في هزيمة كل التقديرات التي توقعت أفول نجمه بعدما غادر البيت الأبيض، وتحويل الاتهامات الجنائية الـ91 المرفوعة ضده إلى مادة تحريض سياسي.

في المقابل داخل معسكر الحزب الديمقراطي، يرفض الرئيس الأميركي جو بايدن الرضوخ لنتائج الاستطلاعات التي تشير إلى تراجع نسب تأييده، وتمارس «المؤسسة» السياسية للحزب ضغوطا شديدة لمنع ظهور مرشحين جديين يؤمل منهم تجديد دماء القيادة، رغم وفرة الشخصيات.

بل إن الحزب الديمقراطي وبايدن نفسه يجازفان الآن بتبديد التحالف الذي مكنه عام 2020 من الفوز على ترمب، وأوقف في انتخابات التجديد النصفي عام 2022 «الموجة الحمراء» الجمهورية، وبالأخص، بعد اندلاع الحرب في غزة، وتصاعد حدة اعتراضات «التيار التقدمي» (اليسار) على دعم بايدن لإسرائيل، وتراجع نسبة تأييده لدى الشباب والسود واللاتينيين، بحسب استطلاعات الرأ الأخيرة.

ترمب يغلب التوقعات

في هذه الأثناء، من لحظة الضعف بعد تلك الانتخابات النصفية، حوّل الرئيس السابق ترمب لوائح الاتهام الجنائية إلى مادة تحريض حاشدة واستفاد من حملة منضبطة، فتمكن من محاصرة خصومه الجمهوريين وتعطيل تشكيل معارضة حقيقية له، واستفاد أيضاً من الضعف الشديد لبايدن، بحسب العديد من المحللين.

المحللون السياسيون يرون أن نتائج الانتخابات الجمهورية المبكّرة، سواء في ولاية أيوا أو ولاية نيوهامبشير، باتت محسومة، للتنافس على «المركز الثاني»، وليس لجهة هزيمة ترمب. وهذا، بعدما نجح الأخير في السيطرة على القاعدة الجمهورية، مجبراً خصومه على الاصطفاف للدفاع عنه في القضايا المرفوعة ضده.

وحقاً، منذ صدور لائحة الاتهام الأولى، التي وجهها ألفين براغ، المدعي العام لمنطقة مانهاتن في نيويورك، بشأن مدفوعات الصمت لممثلة أفلام إباحية عام 2016، أثارت القضية موجة من التعاطف من جانب الجمهوريين، الذين رأوا فيها قضية «ضعيفة ومسيّسة». كذلك، احتشدت شخصيات إعلامية مؤثرة بشكل موحّد للدفاع عن ترمب، بل وتعاطف معه معارضوه في الانتخابات التمهيدية، الذين ردّدوا إلى حد كبير ادعاءاته حول الاستخدام المجحف للنظام القانوني ضده. ومع توالي صدور الاتهامات الجنائية، عملت حملة ترمب على تقديم هذه الاتهامات إلى قاعدته والمشرعين الجمهوريين كأدلة على «الاضطهاد السياسي» الذي يتعرض له، وحضتهم على الوقوف للدفاع عنه، عاجلا وليس آجلا.

وبحلول أبريل (نيسان) 2023، بدأ الجمهوريون، مستشهدين بلائحة اتهام براغ، يتكلمون عن الرئيس السابق باعتباره المرشح الحتمي. وبالفعل، تظهر اتجاهات استطلاعات الرأي نقطة تحول واضحة بعد لائحة الاتهام الأولى، عندما بدأ دعم ترمب في الارتفاع، على حساب منافسيه، على رأسهم حاكم ولاية فلوريدا رون ديسانتيس، الذي كان يُعتقد أنه قد يكون هو المرشح الجمهوري البديل. وأيضاً جمعت حملة ترمب وعمّمت بيانات داعمة له من 6 حكام ولايات، و26 عضوا في مجلس الشيوخ، و63 جمهوريا في مجلس النواب، و10 مدعين عامين في الولايات. وهذا ما دفع ديسانتيس للقول خلال مقابلة في الشهر الماضي «إذا كان بإمكاني تغيير شيء واحد، أتمنى لو يوجه الاتهام إلى ترمب بشأن أي من هذه الأشياء وأشياء أخرى كثيرة، امتصت الكثير من الأكسجين».

ترمب يطلق في مطلع العام الجديد حملته في ولاية ساوث كارولينا (آ ب)

الاتهامات زادته قوة

من جانب آخر، مع أن الاتهامات الجنائية الموجهة ضد ترمب أكسبته مزيداً من تعاطف الجمهوريين، فإنها وضعته أيضاً على «مسار تصادمي» مع احتمال خضوعه لمحاكمات متعددة خلال ذروة الحملة الانتخابية. وهذا ما دفعه إلى تصعيد استخدامه للغة التحريضية والتخطيط لولاية ثانية تركز على الانتقام، في مسار يقارنه البعض بمسار الزعماء المستبدين.

لقد ضاعفت حملته من استخدام، ليس فقط الاتهامات الجنائية ضده، بل الهجمات التي تتهمه بالديكتاتورية، والتراجع عن وعوده السابقة كبناء «الجدار الفاصل» عن المكسيك، وحتى تعليقاته المسيئة، محوّلة كل ذلك إلى نقطة قوة. ونقلت أخيراً صحيفة «الواشنطن بوست» عن مسؤول جمهوري قوله إنه «ما لم يحدث شيء ما في أيوا ونيوهامبشير، وبحلول «يوم الثلاثاء الكبير» (في مارس/ آذار المقبل حين تُجرى انتخابات تمهيدية في أكثر من 15 ولاية)، قد لا تكون هناك منافسة على الإطلاق». وأردف قائلاً «بصراحة، ربما لم يعد من المهم التساؤل عن ماهية النظام الذي لدينا».

مع كل هذا، يبقى احتمال أن يكون ترمب أول مرشح لحزب كبير يترشح كمجرم يخيم على السباق. إذ من المقرّر أن تستمع محكمة الاستئناف في العاصمة واشنطن إلى المرافعات الأسبوع المقبل حول ما إذا كان ترمب محصناً من الملاحقة القضائية على الإجراءات التي اتخذها كرئيس، وتقرر من ثم ما إذا كانت محاكمته المقرّرة في مارس المقبل يمكن أن تمضي قدما. ومن ناحية أخرى، تتأهب المحكمة العليا الأميركية أيضاً للنظر فيما إذا كان بإمكان ترمب البقاء على بطاقة الاقتراع بعدما قضت المحكمة العليا في ولاية كولورادو ببطلان أهليته للترشح بسبب دوره في التحريض على الهجوم على مبنى الكابيتول يوم 6 يناير 2021. ولقد تقدم ترمب من المحكمة العليا في ولاية ماين بطلب لإبطال قرار وزيرة خارجية الولاية بإزالة اسمه من الاقتراع الأولي في الولاية، بعدما أرجأت تطبيقه، حتى يتمكن من الاستئناف.

«الانتخابات التمهيدية الجمهورية تنطلق في أيوا ونيوهامبشير مفتتحة معركة الرئاسة... ولا منافس حقيقياً لدونالد ترمب»

لا يوجد منافس جمهوري حقيقي

في المناظرة التمهيدية الجمهورية الأولى، في أغسطس (آب) الماضي، طلبت اللجنة الجمهورية المنظمة للمناظرات من منافسي ترمب رفع الأيدي لدعمه إذا كان هو المرشح الأول للحزب. وهو ما فعله رون ديسانتيس، ونيكي هايلي الحاكمة السابقة لولاية ساوث كارولينا، ورجل الأعمال فيفيك راماسوامي، الذين ما زالوا رسمياً في السباق. وللعلم، كان الرهان، ولا يزال، على تمكن هايلي من أن تكون هي المنافس الحقيقي لترمب، بعد صعود أرقامها على المستوى الوطني. ورغم ذلك، لم تتمكن حتى الساعة من تغيير تقدّمه الكاسح في ولايتي أيوا ونيوهامبشير. بل قالت هايلي في نيوهامبشير أخيراً في عبارة رددتها سابقاً «كان ترمب الرئيس المناسب في الوقت المناسب. لكن الفوضى تتبعه، سواءً عن صواب أم عن خطأ. ونحن لا يمكن أن نظل دولة في حالة من الفوضى وعالم يحترق ونعيش أربع سنوات أخرى من الفوضى».

في الواقع تظهر استطلاعات الرأي أن هايلي - وهي هندية الأصل - صعدت إلى المركز الثاني (خلف ترمب) في قائمة المرشحين بفارق كبير في نيوهامبشير، في حين يحتل ديسانتيس هذا المركز في ولاية أيوا، ما ترك معارضة ترمب منقسمة في أول منافستين. وقال الناطق باسم ترمب ستيفن تشيونغ «لقد تفوّق الرئيس ترمب على كل شخص خلال الحملة الانتخابية، ولهذا السبب يواصل السيطرة على كل استطلاعات الرأي وهو في وضع أفضل للتغلب على جو بايدن واستعادة البيت الأبيض».

من جانبهم، يرى مساعدون وداعمون لهايلي أن ضعف بايدن لا يساعد قضيتها، لكنها لا تزال مصدر قلق كبير بين الناخبين الجمهوريين، الذين كانوا يتوقعون «موجات حمراء» (داعمة للجمهوريين) في الانتخابات النصفية عام 2022، لم تتحقق أبداً. وهي نتيجة أرجعها هؤلاء إلى سيطرة ترمب على الحزب. وأما اليوم فيشدد الناشطون الجمهوريون المعارضون لترمب، على استطلاعات الرأي التي تظهر تفوق هايلي على ترمب ضد بايدن، قائلين إن على الجمهوريين ألاّ يخاطروا، مذكّرين الناخبين بدوافع الديمقراطيين لمعارضة ترمب. أما بايدن نفسه فقد اعترف بالقول إنه ما كان ليترشح لو لم يكن ترمب هو المرشح الجمهوري، في تكرار للمعركة التي خاضها ضده عام 2020. وكانت استطلاعات الرأي في ذلك الوقت قد بيّنت أن الناخبين لم يصوّتوا لبايدن محبة به، بل لرفضهم عودة ترمب إلى سدة الرئاسة.

تداعيات حرب غزة

ورغم ما سبق، تقف حملة الرئيس بايدن على مفترق طرق، وقد تحضّ الديمقراطيين على التفكير جدياً في أخطار مواصلة الرهان على تكرار معركة 2020 هذا العام. وفعلاً، حذّر جيم ميسينا، مدير حملة إعادة انتخاب الرئيس الأسبق باراك أوباما، من أن ترمب «يمكن أن يهزم بايدن في الخريف... حتى لو كان في السجن».

وفي أحدث استطلاعات رأي، نشرت في الأيام الأخيرة، بدا أن ترمب يتفوّق على بايدن في العديد من الشرائح العمرية والعرقية. والسبب لا يتعلق فقط بسنه المتقدمة وقدراته الذهنية المثيرة للجدل، بل وأيضا في تقييم الناخبين لسياساته الاقتصادية ومواقفه من الصراعات الدولية، ولا سيما حرب إسرائيل على غزة. ووفق استطلاع لصحيفة «النيويورك تايمز» مع كلية سيينا (الجامعية)، تراجعت أرقام قبول بايدن لدى فئة الشباب، بسبب دعمه المطلق لإسرائيل. وهو العامل نفسه الذي أظهره استطلاع آخر للرأي أجرته صحيفة «اليو إس إي توداي» وجامعة سافلوك. وبعدما كان بايدن قد حصل عام 2020 على تأييد 24 في المائة ضمن فئة الشباب، فإن ترمب يتقدم عليه اليوم ضمن هذه الفئة العمرية، حاصلاً على تأييد 37 في المائة مقابل 33 في المائة لبايدن.

 

أصوات الشباب والسود واللاتينيين

اللافت جداً في استطلاع «النيويورك تايمز» أن 72 في المائة من الفئة العمرية 30 سنة وما دون، وخصوصاً في الحزب الديمقراطي، (الذين لعبوا دوراً بارزاً في فوز بايدن في انتخابات 2020)، لا يوافقون على أداء بايدن في الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، مقابل قبول 20 في المائة فقط.

أيضاً، بدا أن تداعيات الحرب على غزة تربك حتى حسابات التقدميين في الحزب الديمقراطي، وذلك بعدما تمكنت الجمعيات اليهودية وجماعات الجمهوريين عموما، من توجيه اتهامات معاداة السامية للناشطين الداعمين للفلسطينيين. وعلى سبيل المثال، كان اليمين السياسي ضعيفا جداً في العديد من الجامعات، قبل هجوم «حماس» في 7 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي. ووفقا لمسح أجرته مؤسسة الحقوق الفردية والتعبير، كان في جامعة هارفارد العريقة 17 في المائة فقط من الطلاب الجامعيين يُعتبرون محافظين، و13 في المائة في جامعة ستانفورد و9 في المائة في بنسلفانيا. ونادراً ما تعرض رؤساء هذه الجامعات للخطر إذا تسببت مواقفهم بإزعاج هذا اليمين في الحُرُم الجامعية. ولكن بعد الحملة التي تعرضوا لها، ومثولهم أمام الكونغرس، قدم رؤساء الجامعات الثلاث استقالاتهم.

في سياق متصل، أظهر استطلاع «اليو إس إي توداي» وجامعة سافلوك، أن 20 في المائة من أصوات السود واللاتينيين إلى جانب الشباب من الفئة العمرية أقل من سن الـ35 لن تذهب لأي من ترمب أو بايدن، بل إلى حزب ثالث، مع تقدم ترمب على بايدن بخمس نقاط مئوية على المستوى الوطني. بل ما قرع جرس الإنذار أكثر لدى الديمقراطيين هو احتمال خسارة بايدن جزءاً لا يستهان به من أصوات السود. إذ أظهر الاستطلاع أن تأييدهم له تراجع من نسبة 87 في المائة إلى 63 في المائة. وبعدما حصل بايدن في انتخابات 2020 على تأييد 65 في المائة من أصوات اللاتينيين، أظهر الاستطلاع تراجع دعمه إلى 34 في المائة، مقابل 39 في المائة لترمب. ولقد علّق دومينغو جغارسيا، الرئيس الوطني لرابطة مواطني أميركا اللاتينية المتحدين، لموقع «سيمافور» قائلاً «إنه علم أحمر... أصوات ذوي الأصول اللاتينية باتت متاحة تماماً للاستيلاء عليها». وأضاف «ترمب يقطع الهوامش. وفي الولايات الحاسمة مثل أريزونا ونيفادا وويسكونسن، يمكن أن يشكل هذا فارقاً كبيراً».

ولا تختلف التحديات التي يواجهها بايدن مع الناخبين المتحدرين من أصل لاتيني عن مشاكله مع جمهور الناخبين الأوسع، وأهمها: قلة الرضى إزاء التضخم، والمخاوف بشأن المعابر الحدودية التي بلغت مستويات غير مسبوقة، والإنجازات السياسية الباهتة. وحتى بينما بايدن يعمل على تعزيز أمن الحدود من خلال صفقة محتملة بين الحزبين في الكونغرس، يحذّر الساسة الديمقراطيون من أنه قد يفقد مزيداً من الدعم في الخريف المقبل، إذا انتهى الأمر باتفاق معادٍ بشكل مفرط للمهاجرين الذين هم في غالبيتهم من دول أميركا اللاتينية.

 

قضايا قد تحدد مسار المعركة الانتخابية في الخريف المقبل

مع دخول الولايات المتحدة أخيراً عام الانتخابات الرئاسية، طرح المراقبون أسئلة مهمة، عمّا إذا كان سيظهر منافس قادر على تشكيل تهديد كبير لإعادة ترشيح دونالد ترمب وجو بايدن، وعمّا إذا كانت المعركة ستنتهي بشكل مختلف عن 2020، ومن هو الحزب الذي سيتمكن من السيطرة على الكونغرس؟ ومن بين تلك الأسئلة والقضايا التي يمكن أن تؤثر على نتائج الانتخابات على سبيل المثال:> دور الناخبين الإيفانجيليين الذي يهيمن ترمب على قاعدتهم بشكل شبه كامل، سواءً في ولايتي أيوا ونيوهامبشير، أو في باقي الولايات، وعما إذا كانوا سيتخلون عنه في مرحلة لاحقة في حال إدانته. > عدد الإدانات التي قد تصدر بحق ترمب قبل يوم الانتخابات، والتي قد تؤثر على الناخب الأميركي عموماً، وليس على الجمهوريين الذين لا يبدو أنها تردعهم عن تأييده. > جهود نيكي هايلي لتعزيز حصتها من أصوات النساء، بينما هي تتقدّم بشكل أفضل بين الرجال، وفق استطلاعات الرأي، وتعاملها مع قضية العبودية التي أثار ردها عنها نقاشاً محموماً في ولايتها نفسها (ساوث كارولينا)، وهي من ولايات الجنوب التي خاضت الحرب الأهلية رفضاً لتحرير السود. > أداء بايدن، الذي تبلغ نسبة تأييده الآن 40 في المائة، مع العلم أنه تاريخيا، كان الرؤساء الذين تقل معدلات تأييدهم عن 50 في المائة يخسرون إعادة انتخابهم. > تأثيرات تراجع مؤشر ثقة المستهلك، وهي علامة محتملة على تحسن التوقعات الاقتصادية، على بايدن. > عدد الولايات التي سينافس فيها روبرت كيندي «الابن»، الذي استقال من الحزب الديمقراطي ليترشح كمستقل، وتأثيره على كل من ترمب وبايدن؟> تأثير احتمال مقاطعة ترمب للمناظرات الرئاسية العامة الثلاث، بحسب ما أعلنته اللجنة الوطنية للحزب الجمهوري، في تكرار لتجربته الناجحة بمقاطعة المناظرات الجمهورية، ومعدل الإقبال على المشاركة في الانتخابات العامة. > الإنفاق الإعلاني الجمهوري على قضية الإجهاض لمواجهة الإنفاق الديمقراطي الضخم، بعدما نجحوا في استخدامها بشكل ناجح في الانتخابات الجزئية الأخيرة قبل شهرين. > عدد الانتخابات التمهيدية الجمهورية في مجلس الشيوخ، التي يحتمل في حال وجود تنافس كبير فيها، أن تحرمهم من إمكانية سيطرتهم شبه المؤكدة عليه، ذلك أنهم يحتاجون إلى قلب مقعد واحد فقط. وكذلك عدد المنافسات الديمقراطية في مجلس الشيوخ لمواصلة سيطرتهم، في الوقت الذي يسعون فيه أيضا إلى قلب العديد من مقاعد مجلس النواب للسيطرة عليه.


مقالات ذات صلة

«أنقذ حياتي».. تدخل بارون ترمب بمكالمة فيديو يجنب امرأة مصيرًا مؤلما

يوميات الشرق بارون نجل الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

«أنقذ حياتي».. تدخل بارون ترمب بمكالمة فيديو يجنب امرأة مصيرًا مؤلما

كشفت محكمة بريطانية مؤخراً عن أن بارون ترمب، نجل الرئيس الأميركي، أنقذ حياة امرأة شاهدها تتعرض للاعتداء عبر مكالمة فيديو.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ عسكريون ومدنيون يحملون علماً كوبياً كبيراً خلال مسيرة أمام السفارة الأميركية احتجاجاً على ما وصفوه بـ«العدوان الأميركي» في المنطقة (رويترز) play-circle

تقرير: ترمب يسعى إلى إنهاء الحكم الشيوعي في كوبا بحلول نهاية العام

كشف تقرير حديث عن أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب تكثّف جهودها لتغيير النظام في كوبا، وتأمل في التوصُّل إلى اتفاق من شأنه إنهاء الحكم الشيوعي في الجزيرة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يتحدث مع الأمين العام لحلف «الناتو» مارك روته على هامش الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس (أ.ف.ب) play-circle

تقرير: اتفاق مع ترمب قد يمنح أميركا سيطرة على أجزاء من غرينلاند

كشفت تقارير جديدة عن أن الولايات المتحدة ستسيطر على أجزاء من غرينلاند عبر تصنيفها «مناطق قواعد سيادية» بموجب اتفاقية مقترحة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يترجل من طائرة الرئاسة «إير فورس وان» بعد وصوله إلى مطار زيوريخ الدولي لحضور المنتدى الاقتصادي العالمي (أ.ب)

عطل يُجبر طائرة ترمب على العودة يثير تساؤلات حول تقادم طائرة الرئاسة الأميركية

أثارت المشكلة الكهربائية التي وقعت على متن طائرة الرئاسة الأميركية «إير فورس وان» ليلة الثلاثاء تساؤلات متجددة ومقلقة حول تقادم الطائرة الرئاسية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ يقف عملاء فيدراليون في حالة تأهب في مدينة مينيابوليس (أ.ب)

تقرير: الجيش الأميركي يستعد لاحتمال الانتشار في مينيابوليس

قال مسؤول دفاعي، أمس الأربعاء، إن الجيش الأميركي أصدر أوامر لعشرات إضافية من الجنود العاملين في الخدمة الفعلية للاستعداد لاحتمال الانتشار في مدينة مينيابوليس.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

أصداء آسيوية متفاوتة لعملية فنزويلا الأميركية

صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
TT

أصداء آسيوية متفاوتة لعملية فنزويلا الأميركية

صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)

تعد العملية الدراماتيكية التي نفّذتها الولايات المتحدة لاعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وزوجته سيليا فلوريس، وإزاحتهما من السلطة على يد قوات عسكرية أميركية خاصة، واحدة من أهم الأحداث الجيوسياسية في حقبة ما بعد «الحرب الباردة». ومع أن «مسرح» العملية كان في أميركا اللاتينية، فإن تداعياتها تمتد إلى ما هو أبعد من المنطقة. أيضاً يشير الواقع إلى أن الهدف من العملية لم يكن مجرد إسقاط نظام مادورو، بل أيضاً العرض المتعمد للقوة الأميركية، من أجل تعطيل الشبكات الاستراتيجية لأبرز منافسي واشنطن على الساحة العالمية.

يرى مراقبون استراتيجيون أن الولايات المتحدة، عبر عملية اختطاف نيكولاس مادورو واعتقاله، لم تكتفِ بتحييد نظام معادٍ، بل أظهرت كذلك قدرتها على اختراق قيادة حاكمة، وإسقاطها من السلطة، داخل دولة لطالما حظيت بحماية دبلوماسية واقتصادية وعسكرية من منافسي واشنطن الكبار. وبذا، لم تتحدَّ واشنطن حكومة مادورو فحسب، بل تحدّت أيضاً الفرضيات التي يقوم عليها التخطيط الاستراتيجي الصيني والروسي والكوري الشمالي.

في هذا السياق، يعرب المحلل الجيوسياسي الهندي مانيش تشيبر عن اعتقاده بأن العملية الأميركية «ما كانت تهدف إلى تغيير النظام في كاراكاس، بقدر ما كانت تهدف إلى إعادة تأكيد الهيمنة الأميركية... وعموماً سعت العملية إلى تعطيل قدرة الدول المنافسة على بسط نفوذها وتعزيز التسلسل الهرمي في النظام الدولي. وجاءت الرسالة واضحة لا لبس فيها: التحالف مع خصوم الولايات المتحدة لا يضمن الحماية». ويضيف تشيبر: «من وجهة نظر واشنطن، مثّلت فنزويلا نقطة ضغط مثالية؛ إذ كانت متجذّرة بعمق في البنية الاستراتيجية لكل من الصين وروسيا، وتعتمد بشدة على دعمهما الاقتصادي والعسكري، ناهيك من أنها تقع جغرافياً في منطقة تُعتبر تاريخياً حيوية للأمن الوطني الأميركي. وبالتالي، فالضربة في فنزويلا مكّنت واشنطن في آن معاً من تعطيل شبكات منافسة متعددة». وحقاً، كان كل من الصين وروسيا قد استثمرتا بكثافة في فنزويلا ضمن مساعيهما لتحدي النفوذ الأميركي في ما تعتبره واشنطن منذ فترة طويلة «فناءها الخلفي» الاستراتيجي.

انتكاسة استراتيجية لبكين

بالنسبة للصين، يأتي إسقاط مادورو بمثابة ضربة قاسية. إذ إن فنزويلا لم تكُن مجرد شريك آخر في جهود بكين المتنامية للانخراط داخل دول «الجنوب»، بل كانت محوراً استراتيجياً لها في أميركا اللاتينية، واختباراً حاسماً لقدرتها على حماية مصالحها وتحدّي هيمنة واشنطن خارج شرق آسيا.

وحقاً، طيلة عقدين، رسّخت بكين مكانتها كشريك لا غنى عنه لفنزويلا - بلداً وسلطةً - بفضل القروض المدعومة بالنفط، والتعاون في مجال الطاقة، وتمويل البنية التحتية، والدعم الدبلوماسي. وكثيراً ما وصف المحلّلون الصينيون هذه الشراكة بأنها تقوم على «المنفعة المتبادلة»، إذ تلقت كاراكاس دعماً مالياً ودعماً سياسياً. وفي المقابل، أمّنت بكين إمدادات الطاقة ونفوذاً إقليمياً.

أيضاً، برزت الصين كأكبر مستورد للنفط الخام الفنزويلي، وتكشف الأرقام أنها استوردت ما يقارب 400 ألف برميل يومياً عام 2025، أي أكثر من نصف إجمالي صادرات فنزويلا. وكانت هذه التدفّقات النفطية «شريان حياة» لحكومة مادورو، إذ حافظت على إيرادات الدولة تحت وطأة عقوبات وانهيار اقتصادي واضطرابات داخلية مستمرة.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن فنزويلا تهدّدت بأزمات مالية هائلة. ومنذ مطلع العقد الأول من الألفية الثانية، قدّمت لها بكين قروضاً تجاوزت قيمتها 100 مليار دولار، أي ما يقارب 39 في المائة من إجمالي القروض الصينية المقدمة لمجمل دول أميركا اللاتينية. ومع أنها سددت جزءاً من هذه الديون، لا تزال فنزويلا مدينة للصين بما يُقدّر بما بين 10 و12 مليار دولار، معظمها مُرتبط بترتيبات تتعلق بالسلع الأساسية. وبجانب النفط، استثمرت الشركات الصينية بكثافة في التعدين، (بالذات) الذهب والاتصالات والبنية التحتية.

نقاط الضعف الصينية

بالتوازي، وبينما ركّزت التحركات الأميركية الأخيرة في فنزويلا علناً على النفط والنفوذ السياسي، يرى محللون أن «تقييد» المصالح الصينية شكّل هدفاً رئيسياً. إذ لطالما كانت الصين مشترياً أساسياً للنفط الخام الفنزويلي، واستثمرت بكثافة عبر صفقات «قروض مقابل النفط»، التي ربطت التمويل بضمانات إمدادات النفط. ويُبرز تعطيل هذا الترتيب هشاشة أصول الطاقة الصينية في الخارج، ولا سيما المناطق الهشّة سياسياً، وتلك التي تقع خارج نطاق سيطرتها العسكرية. وربما يدفع هذا الانكشاف بكين إلى إعادة تقييم استثماراتها في أميركا اللاتينية وأفريقيا وآسيا الوسطى.

الواقع أن فنزويلا تمثّل معضلة في الاستراتيجية الصينية تجاه الموارد الخارجية. فغالباً ما يؤدي تأمين أصول الطاقة والمعادن البعيدة من دون التزامات أمنية مقابلة إلى انكشافها، بدلاً من تعزيز قدرتها على الصمود. وقد تتحوّل الأصول التي كانت تُعدّ في السابق حواجز استراتيجية إلى أعباء في المناطق المتنازع عليها، خاصةً في ظل اشتداد المنافسة الجيوسياسية وقدرة الخصوم على إعادة رسم النتائج بالقوة أو الدبلوماسية.

الثروات الأرضية النادرة

وهنا يتناقض ضعف الصين بشكل حادّ مع موقعها في مجال الثروات الأرضية النادرة والمعادن الحيوية. ولقد وصف مسؤولون ومحللون أميركيون المتطلبات الصينية المتعلقة بتراخيص التصدير التي أقرّت أواخر عام 2025 بأنها محاولات «لاستغلال» قدرتها التصنيعية شبه المهيمنة، خاصة في مجال المعادن النادرة المتوسطة والثقيلة التي تتسم بأهمية بالغة لأنظمة الدفاع والإلكترونيات المتقدمة والمركبات الكهربائية وتقنيات الطاقة المتجددة. وجاءت هذه الإجراءات عقب فرض واشنطن قيوداً على أشباه الموصلات وغيرها من التقنيات ذات الاستخدام المزدوج للشركات الصينية. ومع أن بكين حافظت لاحقاً على الصادرات بموجب ترتيبات محدودة ومؤقتة، عزّزت هذه العملية المخاوف من جاهزيتها لتحويل هيمنتها التصنيعية إلى نفوذ جيوسياسي.

في هذا الإطار، يرى المحلل الهندي راجا موهان أن الضغط الأميركي على فنزويلا «قد يُستخدم كورقة ضغط مضادة غير مباشرة في مواجهة السيطرة الصينية على المعادن النادرة وغيرها من المواد الاستراتيجية». وعبر تهديد مصدر طاقة رئيس واحتياطيات معدنية محتملة، «تضغط واشنطن على بكين في مجالات استراتيجية متعدّدة»... وبالتالي، يمكن اعتبار تشديد بكين اللاحق على «ضوابط» تصدير المعادن النادرة خطوة دفاعية أو انتقامية في خضم صراع جيوسياسي متصاعد، لا مجرّد إجراء اقتصادي معزول.

من جهة ثانية، لا تقتصر الأهمية الاستراتيجية لفنزويلا على النفط وحده، إذ تختزن أرضها أيضاً احتياطيات غير مستغلة من المعادن النادرة البالغة الأهمية للتخطيط الصناعي والتكنولوجي والدفاعي الطويل الأجل. وفي هذا الإطار، رأى المحلل الهندي سوشانت سارين أن قضية المعادن النادرة «تُسلط الضوء على حدود جهود الإكراه الاقتصادي من دون وجود نفوذ أمني مُكمّل. فالهيمنة على سلاسل التوريد قد تُوفر قوة تفاوضية قصيرة الأجل، لكنها لا تستطيع منع الخصوم من إعادة تشكيل المشهد الاستراتيجي بالوسائل السياسية أو العسكرية». وهكذا، تحمل فنزويلا درساً مهماً لبكين: فالسيطرة على نقاط الاختناق في عمليات المعالجة لا تعني بالضرورة السيطرة على نتائجها داخل المساحات الجيوسياسية، التي تحركها الأزمات.

انكشاف فجوة الصدقية

وللعلم، في أعقاب العملية مباشرة، أصدرت بكين إدانة دبلوماسية شديدة اللهجة، متهمة واشنطن بانتهاك القانون الدولي وتهديد الاستقرار الإقليمي. واستنكر المسؤولون الصينيون ما وصفوه بـ«السلوك الساعي لفرض الهيمنة»، وحذّروا من الإجراءات أحادية الجانب. لكن، بخلاف الخطابات والتصريحات، لم تُقدّم القيادة الصينية أي ردّ ملموس. إذ لم تكن هناك أي إشارة عسكرية، ولا أي نشر وقائي، ولا أي إجراء مضاد لحماية مصالحها أو أفرادها على الأرض. وأكثر من هذا، تشير تقارير إلى أن الاستخبارات الصينية بوغتت بالعملية الأميركية، في حين أثبتت أنظمة الدفاع الجوي الصينية في فنزويلا انعدام فاعليتها خلال العملية.

بخلاف التداعيات الدبلوماسية المباشرة، قد تجبر الأزمة الفنزويلية بكين على مواجهة تناقضات هيكلية أعمق في استراتيجيتها العالمية؛ فقد بنت الصين نفوذها الخارجي أصلاً على المهارة الاقتصادية للدولة كالقروض، والبنية التحتية، وشراكات الطاقة، والإحجام عن فرض شروط سياسية. لكن أزمة فنزويلا الأخيرة كشفت أن العمق الاقتصادي لا يُترجم تلقائياً إلى قدرة على الصمود في وجه الأزمات. وهنا يحلّل راجا موهان المسألة على النحو الآتي: «تكشف هذه الحادثة عن فجوة في مصداقية الاستراتيجية الصينية العالمية. إذ بمقدور بكين تقديم الاستثمار والتجارة والدعم السياسي، لكنها عاجزة حتى الآن عن تقديم ضمانات أمنية قاطعة بمواجهة قوة أحادية حاسمة».

ويتابع المحلل الهندي: «بما يخص حكومات أميركا اللاتينية، تثير التداعيات القلق، فالتقارب مع الصين يُحقق فوائد اقتصادية، لكنه لا يُترجم بالضرورة إلى حماية عند مواجهة ضغوط واشنطن. بل قد يتبع ذلك إعادة تقييم هادئة للتوجّه نحو واشنطن للحصول على ضمانات أمنية... ما يُبطئ وتيرة التوسع الصيني إقليمياً».

أما المحلل الاستراتيجي الهندي أماليندو ميسرا، فيوضح: «إن أمام صانعي السياسة الصينيين الآن مراجعة صعبة. فحماية الاستثمارات الخارجية بالوسائل العسكرية تتطلب تمركزاً متقدماً، واختراقاً استخباراتياً، وتأهباً للتصعيد... وهذه خطوات تتناقض في مجملها مع تركيز بكين المُستمر على تجنّب التدخل. ومع ذلك، فإن استمرار ضبط النفس يُهدد بمزيد من تآكل المصداقية بين الدول الشريكة».

هذه الفجوة في الصدقية لا تنطبق على فنزويلا وحدها، بل يتردد صداها في جميع أنحاء منطقة «مبادرة الحزام والطريق» الصينية الأوسع، حيث يجري عدد من الدول المستفيدة من «المبادرة» تقييماً هادئاً لمدى ضمان الشراكات الاقتصادية مع الصين، أي حماية أمنية فعّالة خلال فترات الأزمات الحادة. وعليه، فمثال انعدام الحماية الصينية في فنزويلا قد يؤثر على المفاوضات المستقبلية، وتقييمات المخاطر، والتوقعات السياسية في مناطق بعيدة عن أميركا اللاتينية.

هل تُشكّل فنزويلا نموذجاً لتايوان؟

على صعيد آخر، بين القراءات الأكثر جدية لعواقب العملية الأميركية القراءة الخاصة بمصير تايوان. فهل تعتبر بكين العملية نموذجاً لمعاملة تايوان؟

ظاهرياً، استغلّ المسؤولون الصينيون العملية للتشكيك في صدقية الولايات المتحدة حيال الالتزام بمبادئ السيادة والقانون الدولي. لكن ثمة محللين عقدوا مقارنات مباشرة بين فنزويلا وتايوان. وكمثال، وصف ستيف تسانغ، مدير معهد الدراسات الصينية في مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية (سواس) بجامعة لندن، هذا بأنه «فخّ نفاق» يسمح لبكين بالزعم أن المعايير الدولية تُطبّق بشكل انتقائي، وبالتالي فهي قابلة للتفاوض.

وفي المقابل، يرفض آخرون فكرة أن فنزويلا تُقدّم نموذجاً تكتيكياً لتايوان. ووفق واي كيه سينها، السفير الهندي السابق لدى فنزويلا: «ثمة فوارق واضحة... فنزويلا تفتقر إلى حلفاء موثوقين مستعدين للقتال، ولم تكن لديها ضمانات أمنية مُلزمة، كما كانت قدراتها الردعية ضئيلة. أما تايوان فتشكل النقيض تماماً، إذ تتميّز بدعم أميركي عميق، وتكامل عسكري كثيف، ومخاطر تصعيد عالية للغاية، الأمر الذي تدركه بكين بوضوح».

ولكن رغم استبعاد أن تُشكّل فنزويلا نموذجاً عسكرياً لتايوان، فإنها تُزوّد بكين بذخيرة خطابية في بحر الصين الجنوبي. وعبر تسليط الضوء على الأحادية الأميركية، تستطيع بكين أن تُجادل بأن الأعراف السائدة تتبع القوة، بدلاً من أن تُقيّدها. ويدعم هذا التأطير ادعاء بكين القديم بأن أفعالها في المياه المتنازع عليها لا تختلف عن التدخلات الأميركية في أماكن أخرى.

كوريا الشمالية...وتعزيز خطاب الردع

في اتجاه آخر، إلى جانب الصين، وجّهت عملية فنزويلا رسالة ردع إلى كوريا الشمالية. وجاء ردّ فعل قيادتها أقوى وأكثر حدة من كثير من الردود الدولية الأخرى. وبعكس بعض حلفاء واشنطن، الذين أعربوا عن قلقهم، لكنهم لم يصلوا إلى حد الإدانة الصريحة، كان ردّ بيونغ يانغ قاسياً وذا طابع آيديولوجي، متسقاً مع معارضتها التاريخية للعمليات العسكرية الأميركية.

إذ أدانت وزارة خارجية بيونغ يانغ، عبر وكالة الأنباء المركزية الكورية الرسمية، العملية، ووصفتها بأنها «أخطر شكل من أشكال التعدي على السيادة»، واصفةً الولايات المتحدة بأنها «مارقة ووحشية». وأعقب هذه الإدانة إطلاق صواريخ باليستية - الأولى منذ عدة أسابيع – ما فُسِّر على نطاق واسع بأنه إشارة متعمدة.

ومن ثم، يرى محللون أن العملية الفنزويلية تعزز الاعتقاد الاستراتيجي الأساسي لدى كوريا الشمالية بأن الأسلحة النووية لا تزال الضمانة النهائية لبقاء النظام. ووفق المحلل الهندي سوشانت سارين: «فيما يخص يونغ يانغ، تُعزز فنزويلا قناعة راسخة مفادها أن الأنظمة التي تفتقر إلى رادع موثوق، تظل عرضة للخطر بغضّ النظر عن التحالفات الدبلوماسية. وتُعزز هذه الحادثة مبررات كوريا الشمالية للاحتفاظ بترسانتها النووية وتوسيعها، وتُصعّد مقاومتها لنزع السلاح النووي، وتُرسّخ فكرة أن القوة العسكرية الضمانة الوحيدة ضد التدخل الخارجي».

نمط استراتيجي أوسع

في نهاية المطاف، تُبرز عملية فنزويلا سمة أساسية للجغرافيا السياسية المعاصرة: أن القوة تُمارس بشكل متزايد من خلال السرعة والدقة والتأثير النفسي، بدلاً من المواجهة المطولة. وفي ما يخص الصين وكوريا الشمالية، بل روسيا أيضاً، تُذكّر هذه الحادثة بأن النفوذ دون حماية قابلة للتنفيذ يبقى مشروطاً. وفي نظام تكون فيه مصداقية الردع أهم من التحالفات القائمة على التصريحات والبيانات، من المرجح أن يشكل التوازن بين النطاق الاقتصادي والقدرة الأمنية النتائج الاستراتيجية في السنوات المقبلة.


مامادي دومبويا... «عسكري استثنائي» و«قيادي أمني» يتولَّى الرئاسة في غينيا

سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع
سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع
TT

مامادي دومبويا... «عسكري استثنائي» و«قيادي أمني» يتولَّى الرئاسة في غينيا

سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع
سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع

في قلب غرب أفريقيا، تبرز قصة الرئيس الغيني مامادي دومبويا، كواحدة من أكثر التحولات السياسية دراماتيكية، المشحونة بالتناقضات خلال العقد الأخير. إذ نجح العسكري الذي أمضى معظم حياته برتبة عريف أوَّل في الجيش الفرنسي، خلال 4 سنوات فقط في التدرّج من قائد انقلاب عسكري إلى رئيس منتخب أخيراً، في مشهد يعكس تعقيدات السلطة والسياسة في «القارة السمراء». ما يجعل رحلة دومبويا أكثر إثارة للجدل هو التناقض العميق في شخصيته وسياساته، فهو يحكم بلداً غنياً بالثروات المعدنية، لكن البلاد تعاني تحت وطأة الفقر. ثم إن دومبويا، الذي تلقى إعداداً عسكرياً مبكّراً في إسرائيل، يقف في قلب مفارقة تاريخية وسياسية، فقيادته جاءت في بلد عرف بدعمه لحركات التحرّر الوطني الأفريقي وبتوتراته مع إسرائيل، لكنه اليوم يسعى لإعادة تشكيل الدولة وفق رؤيته الخاصة.

مامادي دومبويا، البالغ من العمر 42 سنة، لم يتردّد في استخدام سرعته العسكرية لتحقيق السلطة، لكنه لم يكتفِ بذلك، بل مضى نحو كسب شرعية انتخابية لإعادة إنتاج قيادته وإضفاء طابع قانوني على حكمه، في قارة شهدت عشر انقلابات خلال 5 سنوات.

تحيط أستار السرّية بنشأة دومبويا، المولود يوم 5 ديسمبر (كانون الأول) 1984 في مدينة كانكان بشرق غينيا، لكن المعروف أنه ينتمي إلى شعب «المالينكي»، وهو مجتمع تاريخياً محافظ، وقيادي، ومتماسك اجتماعياً، له تأثير سياسي واضح، ما يفسّر حضور شخصيات مثل دومبويا في المشهد العسكري والسياسي لغينيا وأفريقيا الغربية.

زوجة فرنسية

هذا الانتماء العرقي الأصيل لم يمنع دومبويا من الزواج من سيدة فرنسية بيضاء، اسمها لوريان داربو، وسط شحِ في المعلومات عن «سيدة غينيا الأولى» المرتقبة. ومن ناحية ثانية، يُنظر إلى الرئيس الغيني كقائد عسكري استثنائي، تميَّز عن نظرائه من قادة الانقلابات في القارة الأفريقية، إذ جمع بين التدريب التكتيكي التقليدي والخبرة في الأمن السيبراني والإدارة الاستراتيجية. ولقد صُقلت هذه المهارات عبر مسار مهني طويل، تميّز بالتدريب الدولي والعمل الميداني في عدة دول، أبرزها فرنسا حيث أمضى 15 سنة ضمن صفوف الجيش و«الفيلق الأجنبي» الفرنسي، مكتسباً خبرة لا تقتصر على التكتيكات العسكرية التقليدية فحسب، بل شملت أيضاً مهارات القيادة في بيئات معقّدة ومتعدِّدة الأبعاد.

خلال مسيرته، شارك دومبويا في عدة مهام عملياتية في مناطق النزاعات حول العالم، من أفغانستان وكوت ديفوار إلى جيبوتي وجمهورية أفريقيا الوسطى، كما تولّى حماية شخصيات دولية في إسرائيل وقبرص وبريطانيا وغينيا، وفق تقارير «إنتليجنس أونلاين». كلّ هذه التجارب أكسبته رؤية شاملة لمفاهيم الأمن وإدارة الأزمات، جعلته قادراً على التحرّك بسرعة وكفاءة في مواجهة التحدّيات السياسية والعسكرية على حد سواء.

وبدت مفارقة الأقدار متجسّدة بوضوح في المسار الذي أوصل دومبويا إلى قمة السلطة، بتناغم لافت مع مقولة الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه «مَن يرفعكَ إلى القمة قد يكون أول مَن يدفعك منها». إذ في عام 2018، لم يكُن الرئيس السابق ألفا كوندي يتوقّع أن قراره بتكليف دومبويا بقيادة مجموعة «القوات الخاصة» النخبوية (GFS) سيؤسس، بعد ثلاث سنوات فقط، لانقلاب عسكري أطاح به في سبتمبر (أيلول) 2021 على يد «الوحدة» ذاتها التي أوكل إليها حمايته وترسيخ نفوذه.

نموذج معقّد للقادة الانتقاليين

بعد هذا الانقلاب، الذي لحق بموجة انقلابات اجتاحت «القارة السمراء» منذ مطلع هذا العقد، جسَّد مامادي دومبويا نموذجاً معقداً لقائد انتقالي يجمع بين خطاب الاستقرار والتنمية وطموح تثبيت السلطة، في ظل مسار سياسي يثير جدلاً واسعاً حول الالتزام بالديمقراطية والحرّيات.

ذلك أنه بينما قدّم نفسه منقذاً للدولة من «حكم الفرد» التسلّطي في أول ظهور تليفزيوني له عقب الانقلاب، تلازمت سلطته مع تضييق غير مسبوق على المعارضة، شمل حلّ عشرات الأحزاب وإقصاء المنافسين المحتملين، ما أفرغ الانتخابات الرئاسية من مضمون التعدّدية.

وفي الاتجاه نفسه، حمل تحوّل الرجل من «قائد انقلاب» إلى «رئيس منتخب» تناقضات صارخة، أبرزها تراجعه عن تعهدات سابقة بالامتناع عن الترشح، عقب تعديل دستوري أزال القيود المفروضة على أعضاء المجلس العسكري. وفي مقابل خطابه الذي بشّر بإنهاء الحكم الفردي، تتهمه تقارير دولية ومحلية اليوم بتقييد الحرّيات وقمع الاحتجاجات وتهميش الخصوم السياسيين.

وحقاً، بين تثبيت الشرعية والتضييق على المعارضين داخلياً، يخضع مسار مامادي دومبويا لاختبار دقيق بين السلطة والحقوق. ففوزه الرئاسي بنسبة 86.72 في المائة بيَّن دعماً شعبياً شكلياً، خاصة بين الشباب والعمال، وهو ما كشفته شهادات بثتها وكالات أنباء عالمية. وفي المقابل، حاول ترسيخ صورة انتقاله من قائد عسكري إلى صاحب شرعية انتخابية مدنية وسياسية جديدة كاملة، بكلامه عن «غينيا للجميع».

من جهة أخرى، ركَّز دومبويا اقتصادياً، على قطاع التعدين ومشروع «سيماندو» للحديد، الذي تملك الصين 75 في المائة منه، مع استثمارات البوكسيت والبنية التحتية. وهنا نشير إلى أنه، على الرغم من برامج تدريب الشباب الرقمية، يواجه نصف سكان غينيا فقراً، وأمناً غذائياً هشّاً، وسط انتقادات ترى الإصلاحات تكريساً للسلطة واستمرار التحديات الاجتماعية الكبرى.

اختبار السياسة... إقليمياً ودولياً

على الصعيد السياسي، يأتي الاختبار التقليدي لمسار دومبويا على المستوى القاري الأفريقي، ضمن موجة الانقلابات التي وقعت منذ عام 2020 في غرب أفريقيا والساحل. وهذه الانقلابات تجسّد توتر علاقة الجيوش بالسلطة المدنية، مع سعي قادتها «إنتاج» شرعيتهم انتخابياً. وكما هو معروف، تشهد أفريقيا جنوبي الصحراء عدة حالات لقادة عسكريين شرعنوا بقاءهم حتى 2029 تقريباً، مع إمكانية إجراء انتخابات فقط إذا تحسّنت الظروف الأمنية.

أما لجهة السياسة الدولية العليا، فلم توضع علاقات دومبويا مع واشنطن على محك التجربة بعد بشكل مباشر ومعلن. إلا أن فوزه حظي بلهجة معتدلة من جانب واشنطن، عبر سفارتها، التي أعربت عن دعمها الرسمي للرئيس المنتخب، مع التركيز على العلاقات الاقتصادية والاستقرار. واللافت أن الصين، الشريك الاقتصادي الرئيسي لدومبويا، لم تكن بمنأى عن المشهد، إذ سارع رئيسها شي جينبينغ برسالة تهنئة، مشدّداً على تطوير الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين.

دور إسرائيل الموعود... والمتعاظم مستقبلاً

ولكن بجانب هذه المفارقة، ثمة مفارقة مهمة أخرى لا تبدو اليوم لافتة بقدر ما هي دالة تاريخياً. ففي بلدٍ، كغينيا ارتبط اسمه طويلاً بموقف عدائي صريح من إسرائيل إبان عهد زعيمه الاستقلالي التاريخي أحمد سيكوتوري، تبدو الأمور إلى تغيّر جذري.

سيكوتوري كان قد قطع العلاقات مع الدولة العبرية تضامناً مع الدول العربية عقب نكسة الخامس من يونيو (حزيران) 1967، إلا أن المشهد السياسي الراهن يسير في مسار مغاير تماماً، ولعل الترحيب الأميركي بانتخاب دومبويا ينمّ عن التغيّر المرجح. ذلك أنه سبق لدومبويا، أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع، بعدما أوفدته فرنسا ضمن برامج ذات طابع أمني، فيما يوحي بوجود تحوّل عميق في بوصلة العلاقات الخارجية لكوناكري.

أيضاً، إبان عهد دومبويا، أبدت إسرائيل اهتماماً خاصاً بتعزيز حضورها في قطاع الأمن السيبراني الغيني، وفق ما أورده موقع «إنتليجنس أونلاين» الاستخباراتي، وهذه خطوة تعكس استمرارية العلاقات الدبلوماسية التي أُعيد إحياؤها عام 2016 بعد قطيعة دامت قرابة خمسة عقود. وكذلك يشير هذا التطور إلى فتح صفحة جديدة من التعاون تتجاوز الطابع الدبلوماسي التقليدي إلى شراكات أمنية وتقنية أكثر عمقاً. ويرى خبراء أن هذا المسار مرشّح لمزيد من التوسّع.

تطبيع واستخبارات

وفي تقدير للدكتور يسري العزباوي، الباحث السياسي في «مركز تريندز للبحوث والاستشارات» في أبوظبي، فإن دومبويا، سواءً استمر في السلطة أو خلفه غيره، «سيمضي بخطوات أوسع على طريق التطبيع مع إسرائيل، لا سيما في مجالي التعاون العسكري والتسليح». ويضيف العزباوي أن مجموعة كبيرة من الدول الأفريقية التي تشهد انقلابات عسكرية تبقى عملياً رهينة للرضى الأميركي، مذكّراً بأن «المدخل إلى هذا الرضى يمر غالباً عبر إسرائيل».

ويستند العزباوي في تحليله، إلى ما يصفه بـ«التوغّل الإسرائيلي المتنامي في أفريقيا طيلة السنوات الأخيرة، في مقابل غياب تنسيق عربي فاعل». ويلفت في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن السلاح الإسرائيلي لم يعُد حاضراً في دول أفريقيا جنوبي الصحراء ووسطها فحسب، بل امتد أيضاً إلى شمال القارة.

ووفق العزباوي، يكتسب هذا التوجّه زخماً إضافياً، من «التأييد الكامل الذي وفّرته إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب لإسرائيل»، ما يمنحها هامش حركة أوسع في الساحة الأفريقية.وإجمالاً، فإن نجاح دومبويا في الانتقال من قائد انقلاب إلى رئيس منتخب يمثل اختباراً نادراً في أفريقيا، حيث لا تتيح الانقلابات العسكرية عادةً فرصة للتحوّل إلى قيادة مدنية شرعية، بما يفتح باب التساؤل... هل تكون تناقضات دومبويا هي «كلمة السرّ» التي ستجعله استثناءً في «القارة السمراء»؟


في غينيا ثروات هائلة يلاحقها شبح الانقلابات

 FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo
FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo
TT

في غينيا ثروات هائلة يلاحقها شبح الانقلابات

 FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo
FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo

تقف غينيا، الواقعة في قلب غرب أفريقيا، عند مفترق طرق اقتصادي وسياسي حاسم وبالغ الحساسية. فالبلد الذي يزخر بواحدة من أغنى الثروات الطبيعية في القارة، يجد نفسه أمام تحدٍ مزدوج يتمثل في تحويل هذه الموارد الهائلة إلى نمو اقتصادي شامل ومستدام، بالتوازي مع مساعٍ لتحقيق استقرار سياسي بعد عقود من الاضطرابات والانقلابات العسكرية التي ألقت بظلالها الثقيلة على مسار التنمية.

منذ الاستقلال عن فرنسا عام 1958، شهدت غينيا ثلاثة انقلابات عسكرية بارزة أعوام 1984 و2008 و2021، أطاحت برؤساء مدنيين أو عسكريين، ورسّخت صورة بلد يعاني من هشاشة سياسية مزمنة.

هذا الإرث الانقلابي أسهم في إضعاف ثقة المستثمرين، وعرقل في فترات كثيرة الاستفادة الكاملة من الثروات الطبيعية، وبالتالي الإمكانات الاقتصادية الكبيرة التي تمتلكها غينيا.

وأيضاً رغم هذا السياق السياسي المعقَّد، شهد الاقتصاد الغيني خلال السنوات الأخيرة نمواً ملحوظاً، مدفوعاً أساساً بقطاع التعدين. إذ أعادت الطفرة في صادرات المعادن غينيا إلى واجهة الاهتمام الدولي، لا سيما مع امتلاكها أكثر من 25 في المائة من احتياطيات البوكسيت العالمية، ما يجعل منها واحدة من أكبر مصدّري هذه المادة الخام الأساسية لصناعة الألمنيوم. وبالإضافة إلى البوكسيت، تزخر البلاد باحتياطيات معتبرة من الذهب والألماس ومعادن أخرى، ما يمنحها موقعاً استراتيجياً في خريطة الموارد الطبيعية الأفريقية.

في نهاية عام 2025، خطت الحكومة الغينية خطوة وُصفت بالتاريخية عبر تدشينها استغلال منجم سيماندو العملاق للحديد في جنوب البلاد، وهو أحد أكبر مكامن الحديد غير المستغلة في العالم. ولقد رُوّج للمشروع رسمياً بأنه «حلم أجيال»، نظراً لما يُنتظر أن يوفره من عائدات مالية وفرص عمل، إضافة إلى دوره في تعزيز البنية التحتية عبر إنشاء خطوط سكك حديدية وموانئ مرتبطة به. بيد أن المشروع، على ضخامته، يضع غينيا قبالة تحديات كبيرة تتعلق بالحوكمة والشفافية، بالذات في قطاع التعدين الذي لطالما كان بؤرة نزاعات سياسية وقانونية.

بيانات البنك الدولي تفيد بأن الناتج المحلي الإجمالي لغينيا سجل نمواً ثابتاً في السنوات الأخيرة، مستفيداً من توسع أنشطة التعدين وارتفاع الإنتاج الزراعي. ومع هذا، لا يزال الاقتصاد الغيني يعاني من اختلالات هيكلية، في مقدمتها الاعتماد المُفرط على الموارد الطبيعية وضعف تنويع القطاعات الاقتصادية، إلى جانب محدودية الإيرادات الضريبية، ما يقيّد قدرة الدولة على تمويل الخدمات الاجتماعية الأساسية.

من ناحية أخرى، تظل الزراعة، التي تشغّل أكثر من نصف القوى العاملة، قطاعاً حيوياً، لكنه يعاني من ضعف الإنتاجية واعتماد أساليب تقليدية، الأمر الذي يقلص مساهمته في الصادرات والنمو الاقتصادي. ويرى خبراء أن تحديث هذا القطاع يمكن أن يشكل رافعة حقيقية للتنمية، خصوصاً في المناطق الريفية الأكثر فقراً.

إلى جانب التعدين والزراعة، تمتلك غينيا إمكانات هيدروليكية كبيرة تؤهلها لأن تغدو مصدراً رئيساً للطاقة في غرب أفريقيا. وراهناً تسعى السلطات إلى استثمار هذه الموارد عبر مشاريع لتوسيع إنتاج الكهرباء، وتحديث الموانئ، وتطوير شبكات السكك الحديدية، من بينها خط سيماندو – موريبايا الذي يمتد لأكثر من 650 كيلومتراً، بما يعزّز ربط البلاد بالأسواق العالمية ويسهل حركة التجارة.

ولكن، رغم هذه الآفاق الواعدة، تبقى التحديات الاجتماعية والاقتصادية حاضرة بقوة. فالفقر ما زال واسع الانتشار، وإمكانات الدولة المالية محدودة، في حين يواصل ضعف الشفافية في قطاع التعدين إثارة مخاوف المستثمرين الدوليين. وبالطبع يبقى الاستقرار السياسي عاملاً حاسماً وضرورياً في مستقبل البلاد، في ظل تاريخ طويل من الانقلابات والحكم المدني المتعثر.

وبالتالي، يرجّح مراقبون أن نجاح غينيا في تحويل ثرواتها الطبيعية إلى تنمية حقيقية يتوقف على تنفيذ تغييرات بنيوية عميقة، تشمل تعزيز الإدارة المالية والاستثمار في رأس المال البشري وتنويع الاقتصاد بدلاً من الاعتماد الأحادي على التعدين، وقبل كل ذلك بيئة سياسية دون انقلابات عسكرية أو توترات سياسية.