أميركا 2024: بايدن والديمقراطيون على مفترق طرق

بسبب غزة وتراجع تأييد الشباب والناخبين السود واللاتينيين

دعم بايدن المطلق لإسرائيل ... بات مصدر خطراً على حظوظه الرئاسية وفق استطلاعات الرأي (آ ب)
دعم بايدن المطلق لإسرائيل ... بات مصدر خطراً على حظوظه الرئاسية وفق استطلاعات الرأي (آ ب)
TT

أميركا 2024: بايدن والديمقراطيون على مفترق طرق

دعم بايدن المطلق لإسرائيل ... بات مصدر خطراً على حظوظه الرئاسية وفق استطلاعات الرأي (آ ب)
دعم بايدن المطلق لإسرائيل ... بات مصدر خطراً على حظوظه الرئاسية وفق استطلاعات الرأي (آ ب)

في الخامس عشر من يناير (كانون الثاني) الحالي، تدخل الولايات المتحدة سنتها الانتخابية الفعلية مع أول انتخابات رئاسية تمهيدية للحزب الجمهوري في ولاية أيوا ووفق تقييمات عدة يُعتقد على نطاق واسع أن الانتخابات العامة التي ستُجرى في 5 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل وستشهد أيضاً تجديداً كاملاً لمجلس النواب وثلث مقاعد مجلس الشيوخ قد تؤدي إلى رسم وجه جديد للبلاد بالنظر إلى حدة الانقسام السياسي والاستقطاب الحزبي غير المسبوق وفي حين يدافع معسكرا هذا الانقسام عن وجهتي نظريهما بالقول إنها ليست مجرد انتخابات رئاسية حاسمة فحسب بل هي أيضاً اختبار للديمقراطية الأميركية لا يخفى على المتابع تراجع مستوى الديمقراطية نفسها في ظل غياب المنافسة الحقيقية سواءً عند الجمهوريين أو الديمقراطيين.

يرى كثيرون في الولايات المتحدة اليوم أنه لن تكون هناك انتخابات رئاسية ديمقراطية حقيقية. وإذا ما حكمنا على الانتخابات التمهيدية الرئاسية للحزب الجمهوري، من خلال استطلاعات الرأي، فهي ممارسة لا طائل من ورائها. إذ إن المرشح الأبرز ورئيس الجمهورية السابق دونالد ترمب، لم يكلف نفسه عناء المشاركة في أي من المناظرات الجمهورية الأربع التي أجريت حتى الآن. لا بل هو على وشك إكمال عودة سياسية مذهلة، بعدما نجح في هزيمة كل التقديرات التي توقعت أفول نجمه بعدما غادر البيت الأبيض، وتحويل الاتهامات الجنائية الـ91 المرفوعة ضده إلى مادة تحريض سياسي.

في المقابل داخل معسكر الحزب الديمقراطي، يرفض الرئيس الأميركي جو بايدن الرضوخ لنتائج الاستطلاعات التي تشير إلى تراجع نسب تأييده، وتمارس «المؤسسة» السياسية للحزب ضغوطا شديدة لمنع ظهور مرشحين جديين يؤمل منهم تجديد دماء القيادة، رغم وفرة الشخصيات.

بل إن الحزب الديمقراطي وبايدن نفسه يجازفان الآن بتبديد التحالف الذي مكنه عام 2020 من الفوز على ترمب، وأوقف في انتخابات التجديد النصفي عام 2022 «الموجة الحمراء» الجمهورية، وبالأخص، بعد اندلاع الحرب في غزة، وتصاعد حدة اعتراضات «التيار التقدمي» (اليسار) على دعم بايدن لإسرائيل، وتراجع نسبة تأييده لدى الشباب والسود واللاتينيين، بحسب استطلاعات الرأ الأخيرة.

ترمب يغلب التوقعات

في هذه الأثناء، من لحظة الضعف بعد تلك الانتخابات النصفية، حوّل الرئيس السابق ترمب لوائح الاتهام الجنائية إلى مادة تحريض حاشدة واستفاد من حملة منضبطة، فتمكن من محاصرة خصومه الجمهوريين وتعطيل تشكيل معارضة حقيقية له، واستفاد أيضاً من الضعف الشديد لبايدن، بحسب العديد من المحللين.

المحللون السياسيون يرون أن نتائج الانتخابات الجمهورية المبكّرة، سواء في ولاية أيوا أو ولاية نيوهامبشير، باتت محسومة، للتنافس على «المركز الثاني»، وليس لجهة هزيمة ترمب. وهذا، بعدما نجح الأخير في السيطرة على القاعدة الجمهورية، مجبراً خصومه على الاصطفاف للدفاع عنه في القضايا المرفوعة ضده.

وحقاً، منذ صدور لائحة الاتهام الأولى، التي وجهها ألفين براغ، المدعي العام لمنطقة مانهاتن في نيويورك، بشأن مدفوعات الصمت لممثلة أفلام إباحية عام 2016، أثارت القضية موجة من التعاطف من جانب الجمهوريين، الذين رأوا فيها قضية «ضعيفة ومسيّسة». كذلك، احتشدت شخصيات إعلامية مؤثرة بشكل موحّد للدفاع عن ترمب، بل وتعاطف معه معارضوه في الانتخابات التمهيدية، الذين ردّدوا إلى حد كبير ادعاءاته حول الاستخدام المجحف للنظام القانوني ضده. ومع توالي صدور الاتهامات الجنائية، عملت حملة ترمب على تقديم هذه الاتهامات إلى قاعدته والمشرعين الجمهوريين كأدلة على «الاضطهاد السياسي» الذي يتعرض له، وحضتهم على الوقوف للدفاع عنه، عاجلا وليس آجلا.

وبحلول أبريل (نيسان) 2023، بدأ الجمهوريون، مستشهدين بلائحة اتهام براغ، يتكلمون عن الرئيس السابق باعتباره المرشح الحتمي. وبالفعل، تظهر اتجاهات استطلاعات الرأي نقطة تحول واضحة بعد لائحة الاتهام الأولى، عندما بدأ دعم ترمب في الارتفاع، على حساب منافسيه، على رأسهم حاكم ولاية فلوريدا رون ديسانتيس، الذي كان يُعتقد أنه قد يكون هو المرشح الجمهوري البديل. وأيضاً جمعت حملة ترمب وعمّمت بيانات داعمة له من 6 حكام ولايات، و26 عضوا في مجلس الشيوخ، و63 جمهوريا في مجلس النواب، و10 مدعين عامين في الولايات. وهذا ما دفع ديسانتيس للقول خلال مقابلة في الشهر الماضي «إذا كان بإمكاني تغيير شيء واحد، أتمنى لو يوجه الاتهام إلى ترمب بشأن أي من هذه الأشياء وأشياء أخرى كثيرة، امتصت الكثير من الأكسجين».

ترمب يطلق في مطلع العام الجديد حملته في ولاية ساوث كارولينا (آ ب)

الاتهامات زادته قوة

من جانب آخر، مع أن الاتهامات الجنائية الموجهة ضد ترمب أكسبته مزيداً من تعاطف الجمهوريين، فإنها وضعته أيضاً على «مسار تصادمي» مع احتمال خضوعه لمحاكمات متعددة خلال ذروة الحملة الانتخابية. وهذا ما دفعه إلى تصعيد استخدامه للغة التحريضية والتخطيط لولاية ثانية تركز على الانتقام، في مسار يقارنه البعض بمسار الزعماء المستبدين.

لقد ضاعفت حملته من استخدام، ليس فقط الاتهامات الجنائية ضده، بل الهجمات التي تتهمه بالديكتاتورية، والتراجع عن وعوده السابقة كبناء «الجدار الفاصل» عن المكسيك، وحتى تعليقاته المسيئة، محوّلة كل ذلك إلى نقطة قوة. ونقلت أخيراً صحيفة «الواشنطن بوست» عن مسؤول جمهوري قوله إنه «ما لم يحدث شيء ما في أيوا ونيوهامبشير، وبحلول «يوم الثلاثاء الكبير» (في مارس/ آذار المقبل حين تُجرى انتخابات تمهيدية في أكثر من 15 ولاية)، قد لا تكون هناك منافسة على الإطلاق». وأردف قائلاً «بصراحة، ربما لم يعد من المهم التساؤل عن ماهية النظام الذي لدينا».

مع كل هذا، يبقى احتمال أن يكون ترمب أول مرشح لحزب كبير يترشح كمجرم يخيم على السباق. إذ من المقرّر أن تستمع محكمة الاستئناف في العاصمة واشنطن إلى المرافعات الأسبوع المقبل حول ما إذا كان ترمب محصناً من الملاحقة القضائية على الإجراءات التي اتخذها كرئيس، وتقرر من ثم ما إذا كانت محاكمته المقرّرة في مارس المقبل يمكن أن تمضي قدما. ومن ناحية أخرى، تتأهب المحكمة العليا الأميركية أيضاً للنظر فيما إذا كان بإمكان ترمب البقاء على بطاقة الاقتراع بعدما قضت المحكمة العليا في ولاية كولورادو ببطلان أهليته للترشح بسبب دوره في التحريض على الهجوم على مبنى الكابيتول يوم 6 يناير 2021. ولقد تقدم ترمب من المحكمة العليا في ولاية ماين بطلب لإبطال قرار وزيرة خارجية الولاية بإزالة اسمه من الاقتراع الأولي في الولاية، بعدما أرجأت تطبيقه، حتى يتمكن من الاستئناف.

«الانتخابات التمهيدية الجمهورية تنطلق في أيوا ونيوهامبشير مفتتحة معركة الرئاسة... ولا منافس حقيقياً لدونالد ترمب»

لا يوجد منافس جمهوري حقيقي

في المناظرة التمهيدية الجمهورية الأولى، في أغسطس (آب) الماضي، طلبت اللجنة الجمهورية المنظمة للمناظرات من منافسي ترمب رفع الأيدي لدعمه إذا كان هو المرشح الأول للحزب. وهو ما فعله رون ديسانتيس، ونيكي هايلي الحاكمة السابقة لولاية ساوث كارولينا، ورجل الأعمال فيفيك راماسوامي، الذين ما زالوا رسمياً في السباق. وللعلم، كان الرهان، ولا يزال، على تمكن هايلي من أن تكون هي المنافس الحقيقي لترمب، بعد صعود أرقامها على المستوى الوطني. ورغم ذلك، لم تتمكن حتى الساعة من تغيير تقدّمه الكاسح في ولايتي أيوا ونيوهامبشير. بل قالت هايلي في نيوهامبشير أخيراً في عبارة رددتها سابقاً «كان ترمب الرئيس المناسب في الوقت المناسب. لكن الفوضى تتبعه، سواءً عن صواب أم عن خطأ. ونحن لا يمكن أن نظل دولة في حالة من الفوضى وعالم يحترق ونعيش أربع سنوات أخرى من الفوضى».

في الواقع تظهر استطلاعات الرأي أن هايلي - وهي هندية الأصل - صعدت إلى المركز الثاني (خلف ترمب) في قائمة المرشحين بفارق كبير في نيوهامبشير، في حين يحتل ديسانتيس هذا المركز في ولاية أيوا، ما ترك معارضة ترمب منقسمة في أول منافستين. وقال الناطق باسم ترمب ستيفن تشيونغ «لقد تفوّق الرئيس ترمب على كل شخص خلال الحملة الانتخابية، ولهذا السبب يواصل السيطرة على كل استطلاعات الرأي وهو في وضع أفضل للتغلب على جو بايدن واستعادة البيت الأبيض».

من جانبهم، يرى مساعدون وداعمون لهايلي أن ضعف بايدن لا يساعد قضيتها، لكنها لا تزال مصدر قلق كبير بين الناخبين الجمهوريين، الذين كانوا يتوقعون «موجات حمراء» (داعمة للجمهوريين) في الانتخابات النصفية عام 2022، لم تتحقق أبداً. وهي نتيجة أرجعها هؤلاء إلى سيطرة ترمب على الحزب. وأما اليوم فيشدد الناشطون الجمهوريون المعارضون لترمب، على استطلاعات الرأي التي تظهر تفوق هايلي على ترمب ضد بايدن، قائلين إن على الجمهوريين ألاّ يخاطروا، مذكّرين الناخبين بدوافع الديمقراطيين لمعارضة ترمب. أما بايدن نفسه فقد اعترف بالقول إنه ما كان ليترشح لو لم يكن ترمب هو المرشح الجمهوري، في تكرار للمعركة التي خاضها ضده عام 2020. وكانت استطلاعات الرأي في ذلك الوقت قد بيّنت أن الناخبين لم يصوّتوا لبايدن محبة به، بل لرفضهم عودة ترمب إلى سدة الرئاسة.

تداعيات حرب غزة

ورغم ما سبق، تقف حملة الرئيس بايدن على مفترق طرق، وقد تحضّ الديمقراطيين على التفكير جدياً في أخطار مواصلة الرهان على تكرار معركة 2020 هذا العام. وفعلاً، حذّر جيم ميسينا، مدير حملة إعادة انتخاب الرئيس الأسبق باراك أوباما، من أن ترمب «يمكن أن يهزم بايدن في الخريف... حتى لو كان في السجن».

وفي أحدث استطلاعات رأي، نشرت في الأيام الأخيرة، بدا أن ترمب يتفوّق على بايدن في العديد من الشرائح العمرية والعرقية. والسبب لا يتعلق فقط بسنه المتقدمة وقدراته الذهنية المثيرة للجدل، بل وأيضا في تقييم الناخبين لسياساته الاقتصادية ومواقفه من الصراعات الدولية، ولا سيما حرب إسرائيل على غزة. ووفق استطلاع لصحيفة «النيويورك تايمز» مع كلية سيينا (الجامعية)، تراجعت أرقام قبول بايدن لدى فئة الشباب، بسبب دعمه المطلق لإسرائيل. وهو العامل نفسه الذي أظهره استطلاع آخر للرأي أجرته صحيفة «اليو إس إي توداي» وجامعة سافلوك. وبعدما كان بايدن قد حصل عام 2020 على تأييد 24 في المائة ضمن فئة الشباب، فإن ترمب يتقدم عليه اليوم ضمن هذه الفئة العمرية، حاصلاً على تأييد 37 في المائة مقابل 33 في المائة لبايدن.

 

أصوات الشباب والسود واللاتينيين

اللافت جداً في استطلاع «النيويورك تايمز» أن 72 في المائة من الفئة العمرية 30 سنة وما دون، وخصوصاً في الحزب الديمقراطي، (الذين لعبوا دوراً بارزاً في فوز بايدن في انتخابات 2020)، لا يوافقون على أداء بايدن في الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، مقابل قبول 20 في المائة فقط.

أيضاً، بدا أن تداعيات الحرب على غزة تربك حتى حسابات التقدميين في الحزب الديمقراطي، وذلك بعدما تمكنت الجمعيات اليهودية وجماعات الجمهوريين عموما، من توجيه اتهامات معاداة السامية للناشطين الداعمين للفلسطينيين. وعلى سبيل المثال، كان اليمين السياسي ضعيفا جداً في العديد من الجامعات، قبل هجوم «حماس» في 7 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي. ووفقا لمسح أجرته مؤسسة الحقوق الفردية والتعبير، كان في جامعة هارفارد العريقة 17 في المائة فقط من الطلاب الجامعيين يُعتبرون محافظين، و13 في المائة في جامعة ستانفورد و9 في المائة في بنسلفانيا. ونادراً ما تعرض رؤساء هذه الجامعات للخطر إذا تسببت مواقفهم بإزعاج هذا اليمين في الحُرُم الجامعية. ولكن بعد الحملة التي تعرضوا لها، ومثولهم أمام الكونغرس، قدم رؤساء الجامعات الثلاث استقالاتهم.

في سياق متصل، أظهر استطلاع «اليو إس إي توداي» وجامعة سافلوك، أن 20 في المائة من أصوات السود واللاتينيين إلى جانب الشباب من الفئة العمرية أقل من سن الـ35 لن تذهب لأي من ترمب أو بايدن، بل إلى حزب ثالث، مع تقدم ترمب على بايدن بخمس نقاط مئوية على المستوى الوطني. بل ما قرع جرس الإنذار أكثر لدى الديمقراطيين هو احتمال خسارة بايدن جزءاً لا يستهان به من أصوات السود. إذ أظهر الاستطلاع أن تأييدهم له تراجع من نسبة 87 في المائة إلى 63 في المائة. وبعدما حصل بايدن في انتخابات 2020 على تأييد 65 في المائة من أصوات اللاتينيين، أظهر الاستطلاع تراجع دعمه إلى 34 في المائة، مقابل 39 في المائة لترمب. ولقد علّق دومينغو جغارسيا، الرئيس الوطني لرابطة مواطني أميركا اللاتينية المتحدين، لموقع «سيمافور» قائلاً «إنه علم أحمر... أصوات ذوي الأصول اللاتينية باتت متاحة تماماً للاستيلاء عليها». وأضاف «ترمب يقطع الهوامش. وفي الولايات الحاسمة مثل أريزونا ونيفادا وويسكونسن، يمكن أن يشكل هذا فارقاً كبيراً».

ولا تختلف التحديات التي يواجهها بايدن مع الناخبين المتحدرين من أصل لاتيني عن مشاكله مع جمهور الناخبين الأوسع، وأهمها: قلة الرضى إزاء التضخم، والمخاوف بشأن المعابر الحدودية التي بلغت مستويات غير مسبوقة، والإنجازات السياسية الباهتة. وحتى بينما بايدن يعمل على تعزيز أمن الحدود من خلال صفقة محتملة بين الحزبين في الكونغرس، يحذّر الساسة الديمقراطيون من أنه قد يفقد مزيداً من الدعم في الخريف المقبل، إذا انتهى الأمر باتفاق معادٍ بشكل مفرط للمهاجرين الذين هم في غالبيتهم من دول أميركا اللاتينية.

 

قضايا قد تحدد مسار المعركة الانتخابية في الخريف المقبل

مع دخول الولايات المتحدة أخيراً عام الانتخابات الرئاسية، طرح المراقبون أسئلة مهمة، عمّا إذا كان سيظهر منافس قادر على تشكيل تهديد كبير لإعادة ترشيح دونالد ترمب وجو بايدن، وعمّا إذا كانت المعركة ستنتهي بشكل مختلف عن 2020، ومن هو الحزب الذي سيتمكن من السيطرة على الكونغرس؟ ومن بين تلك الأسئلة والقضايا التي يمكن أن تؤثر على نتائج الانتخابات على سبيل المثال:> دور الناخبين الإيفانجيليين الذي يهيمن ترمب على قاعدتهم بشكل شبه كامل، سواءً في ولايتي أيوا ونيوهامبشير، أو في باقي الولايات، وعما إذا كانوا سيتخلون عنه في مرحلة لاحقة في حال إدانته. > عدد الإدانات التي قد تصدر بحق ترمب قبل يوم الانتخابات، والتي قد تؤثر على الناخب الأميركي عموماً، وليس على الجمهوريين الذين لا يبدو أنها تردعهم عن تأييده. > جهود نيكي هايلي لتعزيز حصتها من أصوات النساء، بينما هي تتقدّم بشكل أفضل بين الرجال، وفق استطلاعات الرأي، وتعاملها مع قضية العبودية التي أثار ردها عنها نقاشاً محموماً في ولايتها نفسها (ساوث كارولينا)، وهي من ولايات الجنوب التي خاضت الحرب الأهلية رفضاً لتحرير السود. > أداء بايدن، الذي تبلغ نسبة تأييده الآن 40 في المائة، مع العلم أنه تاريخيا، كان الرؤساء الذين تقل معدلات تأييدهم عن 50 في المائة يخسرون إعادة انتخابهم. > تأثيرات تراجع مؤشر ثقة المستهلك، وهي علامة محتملة على تحسن التوقعات الاقتصادية، على بايدن. > عدد الولايات التي سينافس فيها روبرت كيندي «الابن»، الذي استقال من الحزب الديمقراطي ليترشح كمستقل، وتأثيره على كل من ترمب وبايدن؟> تأثير احتمال مقاطعة ترمب للمناظرات الرئاسية العامة الثلاث، بحسب ما أعلنته اللجنة الوطنية للحزب الجمهوري، في تكرار لتجربته الناجحة بمقاطعة المناظرات الجمهورية، ومعدل الإقبال على المشاركة في الانتخابات العامة. > الإنفاق الإعلاني الجمهوري على قضية الإجهاض لمواجهة الإنفاق الديمقراطي الضخم، بعدما نجحوا في استخدامها بشكل ناجح في الانتخابات الجزئية الأخيرة قبل شهرين. > عدد الانتخابات التمهيدية الجمهورية في مجلس الشيوخ، التي يحتمل في حال وجود تنافس كبير فيها، أن تحرمهم من إمكانية سيطرتهم شبه المؤكدة عليه، ذلك أنهم يحتاجون إلى قلب مقعد واحد فقط. وكذلك عدد المنافسات الديمقراطية في مجلس الشيوخ لمواصلة سيطرتهم، في الوقت الذي يسعون فيه أيضا إلى قلب العديد من مقاعد مجلس النواب للسيطرة عليه.


مقالات ذات صلة

توقيف رجل في ماساتشوستس بتهمة تهديد ترمب بالقتل

الولايات المتحدة​  الرئيس الأميركي دونالد ترمب يغادر البيت الأبيض متوجهاً إلى المحكمة العليا في واشنطن (ا.ف.ب)

توقيف رجل في ماساتشوستس بتهمة تهديد ترمب بالقتل

أُوقف رجل الأربعاء ووجهت إليه تهم في ولاية ماساتشوستس في شمال شرق الولايات المتحدة، لنشره تهديدات متكررة بالقتل عبر «فيسبوك» ضد الرئيس الأميركي دونالد ترمب،…

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الولايات المتحدة​ الرئيس دونالد ترمب في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (إ.ب.أ)

حدث استثنائي... ترمب يحضر مناقشات قضائية حول إلغاء حق المواطنة بالولادة

في حدث وصف بالاستثنائي، سيحضر الرئيس الأميركي دونالد ترمب مناقشات في المحكمة العليا لإلغاء حق المواطنة بالولادة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا أشخاص خارج مقر مصرف «بنك أوف أميركا» في باريس... فرنسا 1 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

الاشتباه بضلوع جماعة تدعمها إيران في هجوم فاشل على بنك أميركي بباريس

اشتبه القضاء الفرنسي بأن جماعة «حركة أصحاب اليمين الإسلامية» المدعومة من إيران تقف وراء هجوم تم إحباطه كان يستهدف مقر «بنك أوف أميركا» في باريس.

«الشرق الأوسط» (باريس)
رياضة عالمية كأس العالم 2026 ستقام وفق تعقيدات أمنية في الولايات المتحدة والمكسيك (رويترز)

«العفو الدولية» تحذر من مخاطر جسيمة في كأس العالم 2026

حذرت منظمة العفو الدولية من أن ملايين المشجعين المتجهين إلى كأس العالم لكرة القدم 2026 قد يواجهون مخاطر جسيمة تتعلق بحقوق الإنسان.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع وسائل الإعلام على متن طائرة الرئاسة في 29 مارس 2026 أثناء توجهه إلى قاعدة أندروز المشتركة في ماريلاند (أ.ف.ب)

ترمب: الحرب على إيران تقترب من نهايتها

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الثلاثاء، إن العمليات العسكرية الأميركية على إيران «تقترب من نهايتها».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
TT

الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)

آخر ما كانت موسكو ترغب فيه بينما تقترب من فرض صفقة مرضية مع واشنطن حول أوكرانيا والعلاقة الصعبة مع أوروبا، أن ينفجر «برميل بارود» في الشرق الأوسط، فيبدل الأولويات، ويخلط التوازنات والتحالفات. موسكو كانت قد سعت جاهدة إلى تجنّب خيار الحرب على أبرز شركائها الاستراتيجيين، فقدّمت عروضاً كثيرة للوساطة جرى تجاهلها تماماً. ثم عندما انفجر الصراع وجدت نفسها أمام واقع يؤكّد تراجع فرصها للتأثير على مساره وتداعياته المحتملة ليس فقط على إيران، بل وعلى كل الملفات المرتبطة بالعلاقة مع واشنطن، ومع المحيط الإقليمي الذي ازداد مشهده تعقيداً. اليوم يبدو أن خيارات الكرملين الرئيسية تنحصر في تجنّب الانزلاق في المواجهة القائمة، ورصد ارتداداتها في الفضاء القريب. ومن ثم محاولة استجلاء الفرص التي توفّرها المواجهة، بالأخص، على صعيد اتساع الهوة بين واشنطن والعواصم الأوروبية، و«دق الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي. ومن جهة ثانية، رصد التهديدات الجديدة التي برزت، لا سيما، في منطقتي حوض قزوين وجنوب القوقاز حيث ترسم ملامح توازنات جديدة.

عبارةُ الناطق الرئاسي الروسي، ديميتري بيسكوف «لا يجرؤ عاقلٌ على التنبؤ بكيفية تطور الوضع في الشرق الأوسط، لكن من الواضح أن الأمور تسير نحو الأسوأ» قد تَختصر الموقفَ الحالي، بالنسبة إلى موسكو، التي سعت طويلاً إلى تجنّب هذه الحرب، ووجدت نفسها عاجزة عن كبح جماح تطوراتها.

توسّع الحرب

منذ البداية، راوحت التقديرات الروسية عند عنصرَين أساسيين: أولهما استحالة تقويض النظام الإيراني عبر ضربات جوّية مهما بلغ حجمها وتأثيرها؛ ما يعني أن إنهاء الحرب لن يكون يسيراً من دون تدخل برّي مباشر يبدو مُكلفاً جداً للطرفين المهاجمين.

وثانيهما أن «سيناريو» وقف الأعمال العدائية سيكون مماثلاً لنتيجة «حرب الأيام الـ12» في العام الماضي. بمعنى أن كل طرف سيعلن «إنجاز الأهداف» ولكن من دون تحقيق الغايات النهائية المرجوّة، خصوصاً بالنسبة إلى الجانب الإسرائيلي، الذي لا يُخفي سعيه إلى تفكيك النظام في إيران وإنهاء وجوده.

وهذا «السيناريو» كان يصب في مصلحة الكرملين، حتى لو أسفر عن خروج إيران من الحرب منهكة وضعيفة، ولكن متماسكة وموحّدة تحت سقف قيادتها.

وعلى الرغم من التوقعات المتشائمة حالياً بشأن إمكان توسيع الرقعة الجغرافية للحرب، فإن موسكو ما زالت ترى أن طهران نجحت، حتى الآن، في امتصاص الضربة الأولى القوية للغاية. ومن ثم، حوّلت الحرب إلى مواجهة تستنزف طاقات المهاجمين وقدراتهم، مع التعويل على التطورات الداخلية المحتملة في معسكرَي واشنطن وتل أبيب، بالذات، لجهة تحرّك الأطراف المناهضة للحرب. ويضاف إلى ذلك تفاقم التباين في المواقف مع الأوروبيين وأطراف أخرى متضرِّرة من استمرار الصراع.

الرهان الروسي على قدرة إيران على الصمود برز من خلال تأكيد الكرملين المتكرر أن «العمليات العسكرية ضد إيران أدت إلى مزيد من التلاحم بين الشعب الإيراني حول قيادة البلاد». وأيضاً من خلال التأكيد على أن استمرار استهداف القيادات السياسية الإيرانية «لا يمكن أن يمر من دون عواقب وخيمة».

وفي هذا الإطار، ورغم التزامها موقفاً منتقداً لاستهداف الإيرانيين بلدان الخليج العربي، فإن موسكو كرّرت التشديد على دعم لجوء طهران إلى «الدفاع بنشاط عن نفسها ضد الهجمات على أراضيها».

وتظهر هذه العبارة التي ردّدها الكرملين، أن الرهان الروسي الأول بعد فشل جهود الوساطة يتركز الآن على صمود الموقف الداخلي الإيراني، في مقابل تفكك جبهة المهاجمين أو اصطدامها بمعارضة داخلية متصاعدة.

بوتين وخط الوساطة

كان الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، سعى في البداية إلى استغلال الوضع القائم في تعزيز أوراقه التفاوضية عبر طرح وساطة روسية سريعة لوقف الحرب. وبالفعل، أجرى في الأسبوع الأول سلسلة مكالمات هاتفية مع قادة المنطقة ركّزت على انتقاد الضربات الإيرانية على بلدان الخليج العربي، وقدرة موسكو على «توجيه رسائل مباشرة إلى طهران» في هذا الشأن.

كذلك أعاد الرئيس الروسي طرح الأفكار الروسية التي قُدمت في وقت سابق على طاولات المفاوضات في عُمان عبر المفاوضين الإيرانيين، التي عرضت دوراً روسياً مباشراً في تخفيف التوتر بشأن ملفَي «القدرات النووية الإيرانية» و«البرنامج الصاروخي» لدى طهران.

في الشق الأول، أكد الكرملين مجدداً استعداد موسكو لضبط التعامل مع الوقود المخصّب، ونقله بشكل كامل إلى الأراضي الروسية لإنهاء المخاوف بهذا الشأن. وفي الشق الثاني، عرض الكرملين ضمانة مباشرة بألا تُستخدم القدرات الصاروخية الإيرانية ضد إسرائيل وضد أراضي بلدان الجوار.

كان هذا العرض حاضراً أيضاً خلال المكالمة الهاتفية الوحيدة التي أجراها بوتين مع نظيره الأميركي، دونالد ترمب، في الأسبوع الثاني من الحرب.

لكن كما اتضح لاحقاً، فإن العرض الروسي لم يجد حماسة لدى تل أبيب، التي تصرّ على الخيار العسكري لتقويض القدرات الإيرانية في المجالين بشكل نهائي، ولا لدى واشنطن، التي عبّر ترمب عن موقفها بوضوح، عندما قال إن «على بوتين تسوية الصراع في أوكرانيا قبل البحث عن دور لتسوية صراعات أخرى».

مساعدة إيران

في هذا السياق، بدا أن خياراتِ الكرملين لتدخلٍ يُسهم في وقف الحرب محدودة للغاية. لكن الأسوأ من ذلك الاتهامات التي وُجهت إلى موسكو بأنها تقدّم مساعدات استخباراتية قيّمة إلى الإيرانيين.

ولم تقتصر الاتهامات الأميركية على «مبالغات إعلامية» أو تسريبات بعض الأجهزة؛ بل شكّل التدخل المباشر للمبعوث الرئاسي الأميركي ستيف ويتكوف - الذي وجّه تحذيراً قوياً إلى موسكو - إشارةً جدية إلى دور لعبته موسكو على هذا الصعيد. فضلاً عن أن هذا الموضوع طُرح بشكل مباشر وواضح خلال مكالمة ترمب مع بوتين.

مع هذا، فإن أوساطاً روسية ترى أن موسكو لا بديل لديها عن مواصلة تقديم عون «غير مباشر» لإيران، بالتوازي مع محاولة تجنّب إغضاب واشنطن. وترى مصادر إعلامية روسية أن هذا العون، الموجّه فقط إلى «تعزيز صمود الإيرانيين»، يصبّ في اتجاهين رئيسين:

الأول: مواصلة تقديم بعض المعلومات الاستخباراتية بشأن التحرّكات الإسرائيلية، وتجنّب الانخراط في تقديم عون قد يضرّ مباشرة بالأميركيين، وذلك حرصاً على استمرار العلاقة مع ترمب، ودوره في أي تسوية مقبلة بأوكرانيا.

والثاني: يتعلّق بدعم غير مباشر يُقدَّم عبر شركات خاصة تنشط في مجالات التقنيات السيبرانية التي حقق فيها الروس، إلى جانب الصين، تفوّقاً مهماً خلال السنوات الماضية. وهذا دعم تكلفته السياسية محدودة؛ لأنه يُقدَّم عبر مؤسسات تجارية، ولا يمكن تحميل الكرملين مباشرةً وزره.

تسوية أوكرانيا مؤجلة

الأمر الأكيد أن المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران بدأت تُلقي بظلالها على توقّعات إطالة أمد الحرب الأوكرانية، في ظل الكلام عن انشغال واشنطن بـ«أولويات أخرى».

وبعدما كان الرهان الروسي يركّز على ضغط واشنطن القوي لإحراز تقدم ملموس في العملية السياسية، ويفرض تسوية مقبولة بالنسبة إلى موسكو، بدا أن القناعة تزداد في كييف - وأيضاً في موسكو - بأن تداعيات المواجهة القائمة في الشرق الأوسط سوف تكون طويلة الأمد. وكشفت تقارير أوكرانية عن توجّه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لترتيب الوضع الداخلي في بلاده، لاحتمال مواجهة استمرار الحرب مع روسيا لفترةٍ قد تطول إلى ثلاث سنوات إضافية.

ويُذكر أن الناطق الرئاسي الروسي ديميتري بيسكوف كان قد أشار، في وقت سابق، إلى توقف أعمال الفريق الثلاثي المعنيّ بالقضايا الأمنية التي تشمل روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا. وأعرب لاحقاً عن أمله في استئناف المفاوضات عندما تتمكّن الولايات المتحدة من إيلاء مزيد من الاهتمام لهذه القضية والاتفاق على جداول زمنية جديدة. وأردف الناطق أن «لدى واشنطن أولويات أخرى حالياً، وهذا أمر مفهوم».

انعكاسات على أوروبا

الجانب الآخر المهم في الخيارات الروسية للتعامل مع الحرب الإيرانية، اتضح من خلال عمليات الرصد الروسي الدقيق لانعكاسات الحرب على الملف الأوكراني وعلى مواقف البلدان الأوروبية، التي ما زالت تشكل بالنسبة إلى الكرملين العقبة الرئيسية أمام إنهاء الصراع في أوكرانيا بالشروط الروسية.

هنا، لا يَخفىَ الارتياح الروسي حيال وضع أوروبا الصعب إبّان هذه الحرب، وبالتحديد، على خلفية تفاقم المخاوف تجاه ارتفاع أسعار الغاز والنفط، واضطرار «بروكسل» وواشنطن إلى اتخاذ خطوات جدية لتخفيف العقوبات على موسكو لمواجهة النقص المحتمل في الأسواق.

وحقاً، أظهرت تعليقات الكرملين ارتياحاً لحدوث تبدّل في أولويات أوروبا، خصوصاً أن «سداد فواتير الغاز والبنزين والكهرباء حلّ محل أوكرانيا، بوصفه أولوية قصوى على أجندة الحكومات الأوروبية»، وفقاً لتعليقات الرئاسة الروسية.

وفي السياق ذاته، كتب الدبلوماسي المخضرم ألكسندر ياكوفينكو أن «الأزمة الأخيرة في الشرق الأوسط شكّلت، مع التداعيات السابقة للأزمة الأوكرانية، عاملاً إضافياً محفزاً للتوتّر في العلاقات عبر الأطلسي».

ويرى ياكوفينكو، الذي كان مكلّفاً بملف العلاقات مع المنظمات الدولية والإقليمية، أن «العلاقات عبر الأطلسي تواجه راهناً أزمة حادة. والخلافات بشأن أوكرانيا تدفع النُّخَب الأوروبية إلى الرغبة في تعرض ترمب للهزيمة، ما قد يكون عاملاً حاسماً في فوز الديمقراطيين بانتخابات التجديد النصفي خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. حينئذٍ، سيمكن تجاوز موقف ترمب الخاص، وتعود العلاقات عبر الأطلسي إلى مسارها السابق من الوحدة الغربية القائمة على أساس متين مناهض لروسيا». بعبارة أخرى، يرى محلّلون وسياسيون روس أن حرب إيران دقت «الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي، مع كل ما يمكن أن يترتب على ذلك من تداعيات.

حرب إيران تهدد النفوذ الروسي في جنوب القوقاز

على صعيد مختلف، مع الفرص التي يوفّرها اتساع الشرخ بين واشنطن وأوروبا، حملت الحرب على إيران تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا.

وحقاً، ازدادت المخاوف من اتساع رقعة العمليات العسكرية في حرب إيران إلى منطقة حوض قزوين. وبينما أكد الكرملين «الرفض القاطع» لامتداد الحرب إلى هذه المنطقة، تحدثت تقارير عن مخاطر قَطع سلاسل الإمداد وتهديد مصالح حيوية لروسيا في بحر قزوين.

للعلم، كانت موسكو قد تجنبت التعليق، بشكل رسمي، على توجيه ضربة إسرائيلية إلى ميناء بندر أنزلي الإيراني على بحر قزوين. إلا أن الكرملين عاد بعد أيام للتحذير من مخاطر امتداد الصراع الدائر إلى بحر قزوين.

فلقد كان الجيش الإسرائيلي قد أعلن، يوم 19 مارس (آذار) الحالي، أنه هاجم سفناً وبنية تحتية إيرانية في بحر قزوين. وأفادت تقارير بأن العملية استندت إلى معلومات استخباراتية حول شحنة عسكرية سرّية في طريقها من روسيا الاتحادية إلى إيران.

ووفقاً للمعطيات، فكانت إحدى السفن المستهدَفة تحمل شحنة كبيرة من الطائرات المُسيّرة ومعدّات إلكترونية متطوّرة. ووفقاً للتقديرات الأولية، جرى تعطيل ما يصل إلى خمس سفن حربية كبيرة في الغارة، وإلحاق أضرار جسيمة بسفينة أخرى. وأفاد مصدر عسكري إسرائيلي رفيع المستوى بأن هذه العملية «تُعدّ أول استخدام قتالي موثَّق» لسلاح الجو الإسرائيلي في هذه المنطقة الجغرافية. والجدير بالذكر، أن الغارة نُفّذت على مقربة من ميناء أنزلي ذي الأهمية الاستراتيجية، الذي تقع بالقرب منه مراكز رئيسية للبنية التحتية للطاقة في إيران.

ورأت تقارير أن اعتراض شحنات الأسلحة أثناء تسليمها ليس مجرّد رد فعل، بل محاولة استباقية لتعطيل سلاسل الإمداد. وعلاوة على ذلك، فإن مثل هذه الضربة تبعث رسالة سياسية لا تتعلق بإيران فحسب، بل بروسيا أيضاً بوصفها مصدراً محتملاً لهذه الإمدادات.

تعليقات في موسكو

اللافت أن القلق الروسي بسبب هذه الضربة انعكس في تعليقات خبراء وتغطيات وسائل الإعلام الحكومية، إذ كتب معلِّق سياسي أن الضربة الإسرائيلية «تحمل رسالة متعددة الأوجه. فهي من ناحية ضربة مباشرة لإيران باستهداف قاعدة بحرية وسفن وبنى لوجيستية بهدف تقليص قدرة إيران العسكرية لتخفيف الضغط على الخليج. إلا أن النطاق الجغرافي للضربة في بحر قزوين، المنطقة القريبة للغاية من روسيا، منطقة النفوذ والمصالح الروسية قطعاً، والمرتبطة بخط إمداد روسيا لإيران، يتضمن رسالة إلى روسيا أيضاً واختباراً لـ«الرد الروسي المحتمل»، ولا سيما أن ذلك يطول المصالح الاستراتيجية الروسية بشكل مباشر، المتمثلة في الممر الدولي (شمال - جنوب) الذي يربط بين الهند وإيران وروسيا وأوروبا، وتحديداً المسار الأوسط للممر الذي يعتمد على بحر قزوين بصفته نقطة تحميل وشحن أساسية. وهذا الأمر يزيد الضغط على المسار الغربي للممرّ الذي يمرّ عبر روسيا - أذربيجان - إيران، والمسار الغربي الذي يمر عبر تركمانستان وكازاخستان».

ورأت تعليقات أخرى أن «ما يحدث الآن هو لعب بالنار يجري بالقرب من الحدود الروسية، وتحدٍّ فظ ومباشر للأمن القومي الروسي»

ويعكس هذا الكلام مستوى القلق الزائد لدى موسكو بسبب الحرب، واحتمالات تأثيرها على موازين القوى في منطقة جنوب القوقاز، لا سيما وأن أذربيجان تُعدّ حليفاً وشريكاً أساسياً لإسرائيل في المنطقة، وشكّلت أراضيها منطلقاً لبعض الهجمات في حرب الـ12 يوماً العام الماضي. ثم إن موسكو كانت غير راضية أصلاً عن الترتيبات التي تقودها واشنطن في هذه المنطقة، بما في ذلك عبر إضعاف النفوذ الإيراني، وتحييد روسيا في ملف الصراع الأذري الأرميني. ويبدو أن الحرب الأخيرة تهدّد موسكو برسم ملامح جديدة للتوازنات في المنطقة. الحرب على إيران تشكّل تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا


إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
TT

إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً

تولَّى الجنرال إيال زامير منصب رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، يوم 5 مارس (آذار) 2025، خلفاً لسَلَفه هيرتسي هاليفي، على خلفية الهجوم الذي شنَّته حركة «حماس» وفصائل فلسطينية أخرى على مواقع إسرائيلية في غلاف غزة يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023. وعندما قرَّر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تعيينه لهذا المنصب، فإنَّه فعل ذلك في اللحظة الأخيرة قبل مغادرة إسرائيل للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في فبراير (شباط). وحصل ذلك، ليس فقط كي لا يعيش الجيش في فراغ بعد استقالة رئيس الأركان هاليفي، بل أيضاً للظهور أمام ترمب قائداً قوياً يستطيع أيضاً أن يحارب الجنرالات الأقوياء تحت قيادته. اختيار زامير تحديداً لهذا المنصب، مع أنَّه كان قد أصبح خارج الجيش لـ3 سنوات، هو جزء من الرسالة. والسبب أنَّ زامير يمثل بالنسبة لنتنياهو نهاية عهد وبداية عهد جديد في العلاقات بين القيادتين السياسية والعسكرية. وهذه العلاقات المتوترة، التي تعكَّرت بمبادرة من نتنياهو منذ عام 2011، باتت تلحق أضراراً بالجهتين.

كان يُؤمل من إيال زامير تولِّي «مهمة تنظيفية»، إذ يروّج في الأوساط العسكرية أن قادة الجيش الإسرائيلي فقدوا احترامهم للقيادة السياسية بتاتاً، وأن زامير هو الجنرال الوحيد في المؤسّسة الذي يكنّ قدراً من الاحترام لنتنياهو. فهو يعرفه عن قرب منذ عُيّن سكرتيراً عسكرياً لرئيس الوزراء (2012 - 2015)، ثم مديراً عاماً لوزارة الدفاع. وتولّى إبّان الحرب مهمّة شراء كميات هائلة من الذخائر والأسلحة، وعمل بتنسيق يومي مع نتنياهو. وأخيراً، وقف إلى جانب نتنياهو في أثناء خلافاته الأخيرة مع وزير الدفاع السابق يوآف غالانت.

غير أن ترميم العلاقات بين الحكومة والجيش سيكون مهمةً ثانويةً لرئيس الأركان الجديد إذا ما قورنت بالمهام والتحديات الأخرى، وأبرزها إعداد الجيش للحروب المقبلة. فقد تم بناء الجيش خلال السنوات الـ10 الأخيرة بطريقة يكون فيها «صغيراً (من حيث العديد) وحكيماً»، يستند إلى التكنولوجيا العالية. ولكن ثمّة قناعة تامة اليوم بأنه يجب أن يعود كبيراً وكلاسيكياً، ويعتمد في الاجتياحات البرّية على الدبابات والمدرّعات. وزامير هو رئيس الأركان الوحيد الآتي من سلاح المدرعات منذ أكثر من 50 سنة (آخر رئيس أركان جاء من سلاح المدرّعات كان دافيد إليعازر الذي قاد الجيش في حرب أكتوبر 1973).

دروس «حرب غزة»

ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية»، التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير الحكيم» خطأ مميتاً لا يلائم مهماته في المنطقة. وترى أن الحرب الأخيرة على غزة، وكذلك على لبنان، أظهرتا نقاط ضعف شديدة في الحرب الميدانية. وبالتالي، تؤكد أن الحرب في أوكرانيا أضحت درساً لجيوش الغرب تتعلم منها أن لا غنى عن الحرب الميدانية. ويتكلّم البعض في هذه «المدرسة» في إسرائيل اليوم عن خطر فتح «جبهة سابعة» ضد تركيا؛ بسبب التطوّرات في سوريا. ذلك أن الوجود العسكري التركي هناك يمكن أن يتحوَّل إلى صدام مع إسرائيل، والمعروف أن الجيش التركي بُني - وما زال حتى اليوم - بوصفه جيش قتال برّي. ومع أن هذه الفرضية تبدو ذات احتمالات ضعيفة، حتى الآن، فإن العسكريين والمحللين الإسرائيليين يأخذونها في الاعتبار ويثيرونها علناً.

ولقد أعجبت هذه «الرؤية» قوى اليمين المتطرّف الحاكمة فعلياً في إسرائيل، ويمثلها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي كان قد طلب - وحظي بما طلبه - المساهمة في اختيار زامير. وقال سموتريتش بعد اختيار زامير: «كلّي أمل بأن يثبت جدارته في تغيير عقيدة الجيش إلى عقيدة قتالية صارمة، تتّسم بالإقدام والالتحام وتقتلع الإرهاب الفلسطيني من جذوره». وردَّد نتنياهو الكلام نفسه لدى اتخاذ الحكومة قرارها رسمياً بالمصادقة على تعيين زامير خلال جلستها يوم الأحد 16 مارس 2025؛ إذ قال: «زامير رجل صدامي، وهو ما يحتاج إليه الجيش اليوم».

«أبو المعارك»

لقد أمضى زامير 42 سنة من عمره في الجيش باستثناء سنوات قيادته لوزارة الدفاع، التي تعدُّ خليطاً من الخدمة العسكرية والأمنية الإدارية. وخلال هذه الفترة، شارك في كل الحروب والمعارك التي خاضها الجيش، وتدرَّج في سلم القيادة، وتعرَّف على كل الجبهات. وكان نموذجه الأعلى والده، اليمني الأصل، الذي وصل إلى رتبة مقدّم في الجيش الإسرائيلي.

فقد استهل خدمته بقيادة دبابة في لبنان عام 1985. وأمضى 5 سنوات محارباً، حتى حصل على رتبة رائد. وخلالها قاتل في «الانتفاضة الفلسطينية الأولى»، ثم أُعيد إلى لبنان، وبقي هناك حتى الانسحاب عام 2000.

وتولى قيادة الجيش في منطقة جنين، في السنتين حتى 2002، حين وقعت «مجزرة جنين». وبعدها أمضى 3 سنوات يحارب في خان يونس، حتى تقرَّر الانسحاب من القطاع، وأشرف بنفسه على هذا الانسحاب. وعام 2011 تولى قيادة «قوات اليابسة» وهي قيد التأسيس. واختاره نتنياهو بعد سنة سكرتيراً عسكرياً، فأشرف معه على جولتَي الحرب على غزة في عامَي 2012 و2014.

في عام 2015 ترك زامير مكتب رئيس الحكومة ليُعيَّن قائداً للواء الجنوب، المسؤول عن قطاع غزة. وبعد شهر واحد من توليه المسؤولية بدأت حرب استنزاف مع القطاع استمرَّت 3 سنوات. وعندها تولى منصب نائب رئيس الأركان، لمدة 3 سنوات. ومن هنا أصبحت الحرب على إيران همّه الأول.

وحقاً، زامير هو واضع أسس العقيدة القائلة إنه يجب قطع أذرع إيران في المنطقة (حماس، والجهاد الإسلامي في فلسطين، وحزب الله في لبنان)، وعدم إغماض العينين عن الحوثيين في اليمن، و«حزب الله» في العراق، وردع نظام بشار الأسد في سوريا، جنباً إلى جنب مع التحضير للحرب على إيران.

وهكذا طرح عقيدته حول «الجيش الكلاسيكي» الكبير والحديث، لأنَّه يحتاج إلى قوات كبيرة تحارب على الأرض في لبنان والضفة الغربية وقطاع غزة. وكان لهذه الرؤية تأثير كبير على اختياره رئيساً للأركان.

«البطش بلا رحمة»

مع أن زامير يستخدم في خطاباته عبارة «الأخلاق العالية» للجيش، فإنَّه وضع قواعد حربية لا تلائم هذه القيم. إذ اعتمد القصف الجوي أساساً للعمليات الحربية، بوصفه «مقدمة لا بد» منها لعمليات الاجتياح البرّي، حتى في منطقة مثل قطاع غزة التي تُعدُّ من أكثر المناطق ازدحاماً في العالم. وكان بديهياً أن هذا يعني الإيقاع بأعداد ضخمة من القتلى والمصابين من المدنيين الأبرياء، بشكل واعٍ وبلا رحمة. وإذا أراد اغتيال شخصية قيادية من «حماس» ما كان يتردَّد ولو عرف أن مع هذه الشخصية سيٌقتل عددٌ من أفراد عائلته، زوجته وأطفاله وأطفال جيرانه.

هذا الأسلوب نقله حتى إلى الضفة الغربية، حيث أكثر من عمليات القصف الجوي لمخيمات اللاجئين الفلسطينيين في جنين وطولكرم، فدمَّرها وتسبَّب في تهجير 44 ألفاً من سكانها.

واتبع زامير عقيدةً قتاليةً جديدةً هي «الضربات الاستباقية»، وثمة مَن يسمِّيها «الحرب الاستباقية»، على كل الجبهات. ومفادها أنه لا ينتظر أن يهدِّد العدو بالحرب، بل بمجرد تحرُّكه في مهام قتالية ضد إسرائيل، على الجيش أن يسبقه بضربة حربية أقسى. وهذا ينطبق على الحرب ضد إيران أيضاً، وكذلك ضد «حزب الله » في لبنان.

زامير جلب أيضاً إلى الجيش الإسرائيلي «عقيدة» أخرى هي رفض الخوف من الحروب الطويلة، وحروب الاستنزاف، والتأهب لتبعات حروب مثل هذه.

«تضافر» القيادتين

لكن أكبر حدث يمكن لزامير أن يعدّه «هديةً» هو الفرصة التي سنحت له لأن يدير حرباً بالشراكة التامة مع الجيش الأميركي. فمنذ نهاية فبراير الماضي، يدير زامير مع الجنرال تشارلز كوبر، قائد القوات المشتركة في الجيش الأميركي، وقائد قوات المنطقة الوسطى بالشرق الأوسط (سنتكوم)، حرباً مشتركة تُستخدم فيها أحدث وأخطر الأسلحة ضد إيران.

فاليوم، الطيارون الأميركيون والإسرائيليون يطيرون كتفاً بكتف فوق سماء طهران، بإشراف فريق عمل واحد يعمل من تل أبيب ومن البنتاغون. ويتبادلون الخبرات ويسوِّقون للأسلحة الأميركية والإسرائيلية، التي ستباع بأسعار عالية لأنها أسلحة مجرَّبة، وبذا ترتفع مكانة إسرائيل وجيشها أمام جيوش العالم، بعدما كان الجيش قد تعرَّض لضربة كبيرة من تنظيم صغير مثل «حماس».

وزامير يقود «حملة توعية» الآن مفادها أن «إيران أرسلت ذراعاً من أذرعها لمحاربة إسرائيل، وإسرائيل حوَّلتها إلى حرب شاملة على جبهات عدة، تدفع ثمنها ليس هي وحدها بل إيران وأذرعها أيضاً وبشكل مضاعف مرات عدة».

وهو يستخدم هذه الحرب كي يعزِّز قوة الجيش أكثر فأكثر، بعدد الجنود ونوعية الأسلحة وضخامة الميزانية. والحكومة تسير معه صاغرة. وهكذا يعزِّز مكانته الشخصية أيضا بوصفه صاحب أكبر تراث حربي بين جنرالات إسرائيل.

سيرته الذاتية

وُلد إيال زامير عام 1966 وترعرع في إيلات، لعائلة ذات تربية عربية. أصوله لجهة والدته - المولودة في القدس - تعود لعائلة عبادي المعروفة بأنها عائلة يهودية من حلب السورية، وجدّه لوالده مهاجر من اليمن وصل إلى فلسطين عام 1920، وحارب في صفوف تنظيم «الإرغون» اليميني.

ودرس زامير في المدرسة الداخلية العسكرية بتل أبيب. وإبان خدمته العسكرية تخرّج في كلية القيادة والأركان المشتركة وكلية الأمن القومي. ثم حصل على درجة البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة تل أبيب، ودرجة الماجستير في الأمن القومي من جامعة حيفا، وهو خريج برنامج الإدارة العامة للمديرين التنفيذيين الكبار في كلية وارتون لإدارة الأعمال بجامعة بنسلفانيا في الولايات المتحدة، واجتاز دورتَي تعليم عسكري كليتَي الأمن القومي في الولايات المتحدة وفرنسا.

بدأ الخدمة العسكرية في سلاح المدرعات عام 1984، ثم أكمل دورة تدريب على قيادة الدبابات. وظلَّ يتنقل من منصب قيادي حربي إلى آخر حتى صار سكرتيراً عسكرياً لرئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، عام 2012.

وبعد 3 سنوات، عاد زامير إلى الجيش، وأصبح قائداً للواء الجنوبي، ليسجِّل باسمه الجدار القوي المحكم حول قطاع غزة، الذي اخترقته «حماس» بسهولة بالغة يوم 7 أكتوبر 2023. وعام 2018 عُيِّن نائباً لرئيس الأركان، وكان منافساً على رئاسة الأركان، لكن رئيس الوزراء - يومذاك - يائير لبيد، فضَّل اختيار هيرتسي هاليفي، فترك زامير الجيش، ولكن بعد عودة نتنياهو إلى الحكم، عُيِّن مديراً عاماً لوزارة الدفاع.

الحياة المهنية

تمَّ تجنيد زامير في الجيش الإسرائيلي وانضم إلى سلاح المدرعات عام 1984. في سلاح المدرعات خضع للتدريب بصفته جندياً قتالياً، وحضر لاحقاً دورة قائد الدبابات. وأكمل دورة ضباط المدرعات، وكان قائد فصيلة وقائد سرية في اللواء 500 واللواء 460.

وفي الفترة 1992 - 1994، عمل ضابط عمليات في اللواء المدرع السابع (برتبة رائد). ومن عام 1994 إلى عام 1996، عمل قائداً للكتيبة 75 في اللواء السابع (برتبة مقدم). وعام 1996، كان قائداً لدورة قادة الدبابات في المدرسة المدرعة. وظلَّ في هذا المنصب حتى عام 1997، عندما ذهب للدراسة لمدة عام في مدرسة الحرب في فرنسا.

بعدها، بين 1998 و2000، شغل منصب ضابط عمليات في الفرقة 162. وبين 2000 و2002، كان رئيساً لقسم نظرية سلاح المدرعات في مقر رئيس ضباط المدرعات، وفي الوقت نفسه شغل منصب قائد اللواء 656، وهي فرقة احتياطية في القيادة المركزية (برتبة عقيد). وبين 2002 و2003، كان قائداً لمركز التدريب التكتيكي في المركز الوطني للتدريب على الأرض،


رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)
TT

رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)

كانت تلك صدفة... لكنها أصبحت بمفهومه «أهم هدية» لعيد ميلاده الستين. فيوم 26 يناير (كانون الثاني) الماضي لم يستيقظ الجنرال إيال زامير، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي؛ لأنه لم ينم تلك الليلة. فقد أرسل قواته إلى مقبرة فلسطينية شمال قطاع غزة، للتنقيب عن رفات الجندي ران غويلي، آخر رهينة لدى «حماس»، الذي تبين أنه دُفن بالخطأ في مقبرة جماعية ضمن رفات العشرات من الفلسطينيين الذين قتلتهم إسرائيل خلال الحرب، ولم يُتح دفنهم بشكل طبيعي. وعندما تكللت بالنجاح، بث الناطق بلسان الجيش شريط فيديو يظهر زامير وهو بسيارته يتكلم مع والدَي الجندي ويبشّرهما بالعثور على رفات ابنهما.

أما «الهدية» الثانية فكانت عندما استدعاه رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، وأبلغه بأن «الأمر حُسم عندي وعند الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، أننا سنحارب معاً، كتفاً إلى كتف، ضد إيران، في القريب. فاستعد كما يجب. أنا أعتمد عليك».

زامير، الذي يسجل في تاريخه أنه أكثر جنرال خاض وقاد حروباً في تاريخ إسرائيل، تلقف الهدية الثانية بحماسة بالغة؛ إذ كان قد خدم في عدة مواقع عسكرية وأمنية تعمل كلها على الإعداد للحرب مع إيران. فعندما عُين نائباً لرئيس الأركان في عام 2018، بلوَر عقيدة القتال مع إيران، طيلة ثلاث سنوات من البحوث والتدريبات في سلاح الجو. وعندما ترك الجيش ليصبح مديراً عاماً لوزارة الأمن، تولى مسألة إعداد الأسلحة اللازمة للحرب على بعد 1600 كيلومتر من حدود إسرائيل، والذخيرة التي تحتاجها هذه الحرب. ودخل في نقاشات حادة مع الأميركيين في عهد إدارة الرئيس جو بايدن، للحصول عليها.

من وراء الكواليس، عمل قادة اليمين الإسرائيلي المتطرف على اختيار زامير، ولكن ليس لأنه يلائم اليمين فكرياً أو سياسياً؛ بل لأنه لم يُجرّب في الضفة الغربية. ففي العادة، يتولّى قائد المنطقة الوسطى في الجيش مهمة قيادة الجيش في الضفة، ومن هنا يحدث احتكاك مع المستوطنين.

زامير لم يتولَّ هذه المهمة. ويوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كان خارج هيئة رئاسة أركان الجيش؛ ولذا رأى فيه اليمين خروجاً عن سرب القيادات العسكرية التي ينبذها. ومع هذا، ففي الأيام الأخيرة قبل تعيين زامير لوحظ حراك يميني للانقلاب على هذا التوجه. ولكن صحيفة «معاريف» كتبت عنه: «مَن يعرف زامير عن كثب عبر خدمته العسكرية يروي أنه ضابط نظيف من الخلطات، وبريء من السياسة. ضابط ينظر إلى الجيش لا كوحدة خاصة أو منظومة خاصة، بل كجهاز عظيم يحتاج أكثر من أي شيء آخر إلى يد حديدية دقيقة على الدفة. ينبغي له أن يعيد الجيش إلى المهنة العسكرية من البداية، ويجعله قريباً من الناس». وأردفت: «عليه أن يعيد إلى المهنة العسكرية شرفها والحرص على الثقافة العسكرية، وألا تنزلق إلى ثقافة معسكرات، خلطات أو تلاعبات. عليه أن يعيد إلى الجيش شرفه، وأن يعيد ثقة الجمهور به. عليه أن يحاول بناء سور يشبه سور الصين بين الجيش والسياسيين. إيال زامير سيكون رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، ودوره لن يكون أقل من تاريخي».