يوآف غالانت... حليف نتنياهو الداعم للاستيطان والتهجير

لاحقته تهم «جرائم الحرب» من «الرصاص المصبوب» إلى «السيوف الحديدية»

عام 2010 كان أحد المرشحين البارزين لتولّي منصب رئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي، بترشيح من إيهود باراك
عام 2010 كان أحد المرشحين البارزين لتولّي منصب رئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي، بترشيح من إيهود باراك
TT

يوآف غالانت... حليف نتنياهو الداعم للاستيطان والتهجير

عام 2010 كان أحد المرشحين البارزين لتولّي منصب رئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي، بترشيح من إيهود باراك
عام 2010 كان أحد المرشحين البارزين لتولّي منصب رئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي، بترشيح من إيهود باراك

عبر مقطع فيديو قصير جابَ منصات التواصل الاجتماعي، عرف كثيرون من رواد تلك المنصات، ربما للمرة الأولى، وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت. شاهدوه وهو يهدّد ويتوعّد ويعلن الحصار على قطاع غزة، يوم 9 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، بقوله: «لا كهرباء ولا طعام ولا ماء ولا وقود، كل شيء مغلق»، قبل أن يضيف: «نحن نحارب حيوانات بشرية، ونتصرف وفقاً لذلك». الجملة الأخيرة تختصر شخصية غالانت بوصفه قائد حرب، في حكومة يمينية متطرفة، لا يتردد في قتل مدنيين وتجويعهم، بداعي أنهم «جنس أقلّ من البشر».

علاقة يوآف غالانت بقطاع غزة لم تبدأ في الحرب الأخيرة، التي انطلقت في السابع من أكتوبر (تشرين الأول)، رداً على عملية «طوفان الأقصى» التي نفّذتها حركة «حماس» ضد مستوطنات غلاف غزة، وتسببت في قتل وإصابة إسرائيليين وأَسْر آخرين، بل تعود إلى سنوات مضت قاد فيها غالانت عملية عسكرية في القطاع، وكانت سبباً في بروز اسمه وترشيحه لمناصب سياسية في إسرائيل.

قائد «الرصاص المصبوب»

لقد أشرف الجنرال غالانت، وكان يومذاك رئيس قيادة المنطقة الجنوبية للجيش الإسرائيلي، على عملية الانسحاب الإسرائيلي الأحادي الجانب من قطاع غزة عام 2005، فيما عُرف حينئذ باسم «فك الارتباط». إلا أن اسمه اقترن بالقطاع بعدها بثلاث سنوات، وتحديداً يوم 27 ديسمبر (كانون الأول) عام 2008، بوصفه قائد عملية «الرصاص المصبوب»، التي شنّتها إسرائيل على غزة، بداعي الرد على الصواريخ التي كانت تطلقها حركة «حماس» باتجاه تل أبيب.

وعلى غرار ما يحدث اليوم، بدأت عملية «الرصاص المصبوب» بقصف جوي، قبل أن تنطلق العملية البرية، يوم 3 يناير (كانون الثاني) عام 2009. وكانت الأهداف المعلَنة لتلك العملية من الجانب الإسرائيلي هي «وضع حد لإطلاق الصواريخ من غزة، وتدمير أنفاق تهريب الأسلحة والسلع الغذائية في منطقة رفح الحدودية». استمرت تلك الحرب حتى 18 يناير؛ أي لنحو ثلاثة أسابيع، قبل أن تعلن إسرائيل وقفاً لإطلاق النار، ويعقب إعلانها إعلان مماثل من «حماس». ولقد قال رئيس الوزراء الإسرائيلي في ذلك الوقت، إيهود أولمرت، إن «العملية حققت أهدافها، بل تجاوزتها»، بتدمير نحو 70 في المائة من 500 نفق تقريباً في المنطقة، وفقاً للتقديرات الإسرائيلية.

من جهة ثانية، تسببت تلك العملية في مقتل نحو 1400 فلسطيني، إضافة إلى عشرة من الجنود الإسرائيليين وثلاثة مدنيين. غير أن الأهم في هذا السياق هو أن «نجاح» عملية «الرصاص المصبوب» نُسب لغالانت، الذي بات يحظى بدعم الجنود على الأرض باعتباره «قائداً عسكرياً محترفاً».

أمر آخر لا يقل أهمية عن ارتفاع أسهم غالانت، هو أن تلك المعركة كانت سبباً في اتهام أممي لإسرائيل بـ«ارتكاب جرائم حرب»، فقد أصدرت «منظمة الأمم المتحدة» تقريراً، خلال سبتمبر (أيلول) من عام 2009، ورد فيه أن «هناك أدلة تشير إلى انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان والقانون الدولي ارتكبتها إسرائيل خلال النزاع في غزة، وأن تلك الجرائم تصل إلى مستوى جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية». وأيضاً حمل التقرير الأممي اتهامات مماثلة للفصائل الفلسطينية بسبب «الإطلاق المتكرر للصواريخ وقذائف الهاون على جنوب إسرائيل».

من هو غالانت؟

في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1958، وُلد يوآف غالانت في يافا، تلك المدينة الفلسطينية العريقة المُطلة على البحر المتوسط التي تحوّلت بعد 1948 إلى ضاحية من ضواحي تل أبيب. وهو يتحدّر من أصول بولندية، وكانت والدته فروما إحدى الناجيات من «الهولوكوست». وكذلك والده مايكل، الذي كان عسكرياً أيضاً، وخدم في لواء «جعفاتي» إبّان حرب 1948. وخلال فترته خدمته العسكرية، شارك في عملية «يوآف» العسكرية في صحراء النقب، وهي العملية التي سمّى مايكل ابنه نسبةً لها.

ارتدى غالانت الابن الزي العسكري طوال حياته تقريباً، باستثناء فترة قصيرة بين عامي 1982 و1984 حصل خلالها على إجازة من الجيش، وسافر إلى ولاية ألاسكا الأميركية، حيث عمل حطّاباً.

وعلى الصعيد الأكاديمي، حصل غالانت على بكالوريوس إدارة الأعمال من جامعة حيفا، وبدأ حياته العسكرية عام 1977 بالانضمام إلى سلاح مشاة البحرية، وعُرف عنه أنه كان «ضابطاً بارعاً» في وحدة النخبة البحرية «شيطت 13»، وهي الوحدة التي نفذت عدداً من العمليات العسكرية داخل الأراضي الفلسطينية المحتلّة وخارجها. بعد عودته من ألاسكا، انضم غالانت إلى البحرية من جديد، وخدم على متن قارب صواريخ، وتحمّل مسؤولية قيادة عدد من العمليات. وفي عام 1986 عُيّن قائد سريّة ورُقّي إلى رتبة «مقدم».

وعلى الأثر، تدرّج الضابط الطَّموح سريعاً في المناصب العسكرية، ليعيَّن قائداً لوحدة الكوماندوز البحرية «شيطت 13» في عام 1992. وفي العام التالي انتقل إلى القوات البرية ليتولى قيادة لواء جنين في الضفة الغربية. ثم في عام 1997 تولى قيادة قطاع غزة، وتدرّجت مسؤولياته صعوداً فيما بعد حتى حصل على رتبة جنرال عام 2002، وشغل منصب السكرتير العسكري لرئيس الوزراء الأسبق أرئيل شارون.

حياته العائلية

خلال مسيرته العسكرية تزوّج يوآف غالانت من كلودين، وهي، اليوم، ضابط جيش متقاعد برتبة «مقدم»، كان قد تعرَّف عليها خلال عمله العسكري، ولديه ولد التحق أخيراً بالجيش أيضاً، وابنتان إحداهما مجنّدة عسكرية.

في قلب الأحداث داخل أروقة وزارة الدفاع الإسرائيلية، اشتهر غالانت بـ«معرفته الواسعة بهيئة الأركان والمؤسسة الأمنية بشكل عام»، ويعود ذلك إلى الفترة التي شغل فيها منصب السكرتير العسكري لرئيس الوزراء، وفق مراقبين.

من ناحية أخرى، اعتاد غالانت زيارة الوحدات العسكرية المختلفة، قبيل تعيينه، وبعد تعيينه وزيراً للدفاع؛ وذلك «ليس بسبب قلة إحاطته بتلك الوحدات، بل لأنه يريد الاستماع لعناصرها ومعرفة الوضع على الأرض»، وفق ما نقلته صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية عن مصدر مقرَّب من غالانت، قال إنه «يحب أن يكون دائماً في قلب الحدث، ويستمع من الناس مباشرة».

ربما كان هذا التواصل على الأرض، إضافة إلى قيادة عدد من العمليات العسكرية، ما جعل غالانت يُعرَف بين أصدقائه بأنه «قائد عسكري بارع، يعرف كيف يقرأ ساحة المعركة، ويحدد خريطة التهديدات، والأهم يضع حلولاً مبتكرة لمواجهتها»، على حد تعبيرهم.

«فضائح» ولغط... ونكسات

ولكن، على نقيض حياة يوآف غالانت العسكرية، شابَ حياته السياسية بعض الفضائح والصعوبات، ففي عام 2010 وعلى خلفية «نجاحه» في عملية «الرصاص المصبوب» في غزة، كان غالانت أحد المرشحين البارزين لتولّي منصب رئيس «هيئة أركان الجيش الإسرائيلي»، وهو المنصب الذي رشّحه له وزير الدفاع الإسرائيلي في ذلك الوقت، إيهود باراك. بيد أن منظمة إسرائيلية غير حكومية تحمل اسم «يش جفول» رفعت دعوى ضد تعيينه في هذا المنصب؛ لـ«الاشتباه في ارتكابه انتهاكات جسيمة للقانون الدولي، إبّان عملية الرصاص المصبوب». ثم إن ترشيح باراك لغالانت أثار جدلاً آخر لكونه جاء معاكساً لرغبة رئيس الأركان حينذاك، غابي أشكينازي.

أيضاً، نُشر تسريب، عبر القناة الثانية الإسرائيلية، في ذلك الوقت، أشار إلى أن غالانت حاول تشويه سُمعة مُنافسه على المنصب، بيني غانتس، فيما عُرف بـ«وثيقة غالانت». وهذه تهمة أَنكر صحتها غالانت، وبرّأته منها الشرطة، في وقت لاحق، وبعدها قال غالانت إنه لا ينوي متابعة الموضوع. وفي هذا الشأن، نقلت «يديعوت أحرونوت» عن مقرّبين منه أنه «ظلّ هادئاً طوال فترة التحقيقات، وواثقاً من أن هذه القضية لن تضرّ ترشيحه، لذلك لم يغير أياً من نشاطه اليومي المعتاد».

وبالفعل، في سبتمبر (أيلول) 2010 وافق «مجلس الوزراء الإسرائيلي»، الذي كان يرأسه بنيامين نتنياهو، على تعيين غالانت. وقال نتنياهو، وقتها، إن «غالانت أثبت على امتداد 33 سنة في الخدمة العسكرية أنه مقاتل شجاع، وضابط ممتاز، وقائد معارك مسؤول وجادّ». لكن سرعان ما ألغى نتنياهو تعيين غالانت في هذا المنصب، خلال فبراير (شباط) 2011، عقب فضيحة أخرى اتهم فيها غالانت بـ«مصادرة أرض ملكية عامة لبناء منزله»، وأسفرت نتائج التحقيق «عن صعوبات قانونية كبيرة» أمام تعيينه، وفقاً للنائب العام في ذلك الوقت. ومع أنه لم تُوجَّه إلى غالانت اتهامات جنائية في هذه القضية، فإن غبار تلك «الفضيحة» حالَ دون تعيينه في المنصب، الذي ذهب على الأثر إلى بيني غانتس.

بعد ذلك قرّر يوآف غالانت البقاء في قيادة المنطقة الجنوبية، رافضاً منصب قيادة القوات البرّية الذي عُرض عليه في حينه. وقال مراقبون، وقتها، إنه «كان يعتقد أن فرصه في الوصول لهيئة الأركان لا تزال جيدة، حتى وإن لم ينجح هذه المرة».

نهاية الانتظار... أخيراً

وبالفعل، جاءت فرصة أكبر بعد أكثر من عشر سنوات، وتحديداً في ديسمبر 2022، عندما أصدر بنيامين نتنياهو، أيضاً، قراراً بتعيين غالانت وزيراً للدفاع، خلفاً لبيني غانتس، وهو القرار الذي علّقت عليه القناة الثانية في «التلفزيون الإسرائيلي» بقولها إن «غالانت يصفّي حساباته مع غانتس»، في إشارة إلى الصراعين القديمين بين أشكينازي وغانتس من جهة، ونتنياهو وغالانت من جهة أخرى، وكانا قد دفعا نتنياهو، في فترة من الفترات، إلى اتهام أشكينازي وباراك بـ«التآمر على غالانت».

ومع هذا، سرعان ما انفضّ التحالف بين نتنياهو وغالانت، ليعلن الأول، يوم 26 مارس (آذار) الماضي، إقالة غالانت من منصبه وزيراً للدفاع؛ على خلفية تصريحات أدلى بها الأخير بشأن قضية تعديل النظام القضائي المثيرة للجدل، إذ طالب غالانت بـ«تجميد» آلية تعديلات النظام القضائي التي كانت (ولا تزال) تسعى لها الحكومة في وجه اعتراضات شعبية واسعة، وذلك «خشيةً من أن يؤدي الانقسام الشعبي حول الملف إلى تهديد أمن إسرائيل».

وردّاً على إقالة غالانت، أعلن القنصل الإسرائيلي العام في نيويورك، آساف زمير، تقديم استقالته، وقال، على تطبيق «إكس»، إنه «لم يعد بإمكانه الاستمرار في تمثيل هذه الحكومة، وإن من واجبه ضمان بقاء إسرائيل منارة للديمقراطية والحرية في العالم». ومع إعلان الإقالة، توجه آلاف المتظاهرين إلى شارع كابلان، وسط تل أبيب، حيث مركز الاحتجاجات التي كانت مستمرة طوال الأسبوع ضد مشروع القرار، كما سجلت تجمعات عفوية أخرى أمام مقر إقامة رئيس الوزراء، وفي عدة مدن أخرى. وهكذا، تحت الضغط المتنامي، تراجع نتيناهو عن قرار الإقالة، ليعود غالانت - الذي يُعدّ أحد المؤيدين المخلصين لنتنياهو - إلى منصبه في 11 أبريل (نيسان) الماضي.

داعم للاستيطان والمستوطنات

في يناير عام 2015، بدأ يوآف غالانت نشاطه السياسي، وانضم إلى حزب كولانو الجديد «كلنا»، ومن ثم، احتل المركز الثاني في قائمة الحزب لانتخابات عام 2015، وانتخب عضواً في الكنيست عندما فاز الحزب بعشرة مقاعد، ليعيّن لاحقاً وزيراً للإنشاءات في الحكومة الجديدة. هذا، وجاء التحاقه بالعمل السياسي بعد فترة أمضاها مديراً لشركة حفريات مملوكة لرجل أعمال فرنسي إسرائيلي، قبل أن يستقيل منها عام 2014.

وفي عام 2019، ترك غالانت حزبه لينضم إلى حليفه القديم نتنياهو في حزب «الليكود»، ويخوض معه انتخابات 2022 التي قادته أخيراً إلى تولّي حقيبة الدفاع، في واحدة من أكثر الحكومات اليمنية المتطرفة التي تسلمت السلطة في إسرائيل.

وهنا، يجب الإشارة إلى أن غالانت، طوال تاريخه العسكري والسياسي، عُرف بدعمه سياسة الاستيطان والاهتمام بالمستوطنات الإسرائيلية، وهو ما دفع رئيس مجلس المستوطنات شلومو نئمان إلى الترحيب بتعيينه وزيراً للدفاع، إذ قال، في تصريح نُشر في حينه، إن «غالانت فعل كثيراً من أجل الاستيطان في الضفة الغربية».

«السيوف الحديدية»

اليوم، يدخل غالانت حرباً جديدة ضد قطاع غزة وأهله باسم «السيوف الحديدية»، قال عنها متوعّداً: «يجب أن تكون الأخيرة؛ لأنه لن يكون هناك وجود لحماس بعدها». ولقد أكد هذا القائد العسكري، الذي قاد معارك عدة ضد الفلسطينيين انتهك فيها القوانين الدولية، أن «هذه الحرب ستستغرق هذه المرة شهراً أو ثلاثة أشهر، وفي نهاية المطاف لن يكون هناك وجود لحماس». وأردف: «قبل أن تلاقي حماس مدرعاتنا ستختبر القصف الجوي»... قبل أن يخاطب قواته بقوله: «أنتم تعرفون كيف تفعلون ذلك بطريقة فتّاكة».


مقالات ذات صلة

مقتل 4 فلسطينيين على الأقل في غارات إسرائيلية على غزة

المشرق العربي رجل يحمل جثمان طفل أمس السب تقتل جرَّاء قصف مدفعي إسرائيلي على منازل سكنية قرب مستشفى كمال عدوان في بيت لاهيا شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

مقتل 4 فلسطينيين على الأقل في غارات إسرائيلية على غزة

قال مسؤولو صحة في قطاع غزة إن هجمات للجيش الإسرائيلي أسفرت عن مقتل أربعة فلسطينيين على الأقل اليوم الأحد.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي أقارب المراهق الفلسطيني أوس حمدي النعسان يشاركون في جنازته شرق مدينة رام الله في الضفة الغربية (إ.ب.أ) p-circle

مقتل شاب فلسطيني برصاص مستوطنين في الضفة الغربية

أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية مقتل شاب برصاص مستوطنين إسرائيليين في الضفة الغربية، اليوم (الأربعاء)، وهو الضحية الثالثة في غضون يومين.

«الشرق الأوسط» (الضفة الغربية)
المشرق العربي 
والدة الفلسطيني جهاد أبو نعيم تبكي بعد مقتله بنيران مستوطنين إسرائيليين في قرية المغير شرق رام الله بالضفة الغربية أمس (أ.ف.ب)

المستوطنون يباغتون رام الله بـ«مجزرة»

باغت مستوطنون إسرائيليون قرية المغير شرق رام الله بالضفة الغربية، أمس (الثلاثاء)، بهجوم مسلح أسفر عن مقتل فلسطينيين اثنين، أحدهما طالب في مدرسة.

كفاح زبون (رام الله)
المشرق العربي امرأة فلسطينية تمر بجوار جنود إسرائيليين يقومون بدورية في سوق البلدة القديمة بمدينة نابلس شمال الضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)

تقرير: جنود إسرائيليون يستخدمون الاعتداء الجنسي لدفع الفلسطينيين إلى النزوح

قال خبراء في حقوق الإنسان والقانون إن الجنود والمستوطنين الإسرائيليين يستخدمون الاعتداء والتحرش الجنسي لإجبار الفلسطينيين على ترك منازلهم.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي فلسطينيون يتجمعون حول حطام سيارة الشرطة التي دُمرت في الغارة الإسرائيلية (أ.ف.ب)

مقتل 4 فلسطينيين بغارة إسرائيلية استهدفت سيارة للشرطة في غزة

أفاد الدفاع المدني ومصادر طبية في غزة أن خمسة فلسطينيين قُتلوا، اليوم الثلاثاء، بنيران الجيش الإسرائيلي.

«الشرق الأوسط» (غزة)

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
TT

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)

لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسمياً، والتي لطالما أثارت شكوكاً أميركية بسبب تاريخها النووي وعلاقاتها المعقدة مع الجماعات المسلحة، كانت حتى الأمس القريب تبدو أقرب إلى هامش النظام الإقليمي الجديد منها إلى مركزه. إلا أن الحرب على إيران، وطبيعة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشخصية والصفقية، والحاجة الأميركية إلى وسيط يجمع بين القدرة على مخاطبة طهران وعدم القطيعة مع واشنطن، كلها عوامل أعادت إسلام آباد إلى الواجهة دفعة واحدة.

عودة باكستان إلى الساحة الإقليمية الشرق أوسطية لا يجوز فهمها فقط من زاوية الوساطة الحالية، بل يجب قراءتها بوصفها نتيجة مسار أطول يتضمن:

1- إعادة تأهيل تدريجية للعلاقة الأميركية - الباكستانية بعد سنوات من التراجع لمصلحة الصين.

2- استثمار باكستان لعناصر قوتها الخاصة، من موقعها الجغرافي إلى وزنها العسكري والنووي، مروراً بعلاقاتها مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج.

3- الأهم أن هذه العودة تطرح سؤالاً أكبر هو: هل تتحوّل باكستان من مجرد «وسيط ظرفي» إلى أحد اللاعبين الذين يسهمون في إعادة صياغة توازن القوة الإقليمي، في لحظة تتعرض فيها إيران إلى ضغط غير مسبوق، وتعيد فيها القوى الكبرى والإقليمية ترتيب مواقعها؟

مخاطبة ترمب بلغته

في ولايته الأولى، لم يُخفِ ترمب ضيقه من باكستان. اتهمها يومها بأنها لم تُقدم لواشنطن سوى «الأكاذيب والخداع»، في تعبير لخّص مرحلة من الفتور العميق بين البلدين. وحقاً، كانت واشنطن ترى أن باكستان تستفيد من المساعدات الأمنية والمالية الأميركية، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بهوامش واسعة في أفغانستان، وتُبقي علاقاتها بالصين أولوية استراتيجية. غير أن ما تبدل لاحقاً لم يكن فقط سلوك إسلام آباد، بل أيضاً إدراكها العميق لطبيعة ترمب نفسه.

وفق تقرير لصحيفة «واشنطن بوست»، أدركت النخبة الباكستانية مبكراً أن ترمب لا يتجاوب مع الخطاب التقليدي القائم على التحالفات الطويلة أو اللغة الدبلوماسية المجردة، بل مع ما يُمكن تسويقه إليه بوصفه إنجازاً مباشراً وملموساً. لذلك صاغت إسلام آباد عرضها بلغة «صفقة»، أي: التعاون في مكافحة الإرهاب، والانفتاح على «صفقات» المعادن الحيوية، والإشارة إلى «شراكات» في مجال العملات الرقمية عبر اتفاقات مرتبطة بجهات على صلة بعائلة ترمب.

هذا هو ما عبّر عنه المسؤول الباكستاني السابق مشاهد حسين سيد، حين قال إن بلاده قدّمت لترمب «الثلاثية»: العملة المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب.

هنا يكمن التحوّل الأساسي، إذ إن باكستان لم تُحاول إقناع واشنطن بأنها تغيّرت جذرياً، بل حاولت إقناع ترمب بأنها مفيدة له شخصياً وسياسياً. ولقد عزّزت هذا المسار بخطوات رمزية وسياسية مدروسة، منها الإشادة المتكررة بدوره في وقف النار مع الهند، وترشيحه لجائزة نوبل للسلام، والانضمام إلى مبادرات ذات طابع احتفائي مرتبطة بخطابه الدولي. وبحلول الخريف، كان ترمب قد انتقل إلى وصف قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير بأنه «المشير المفضّل» لديه.

هذه ليست مجرد مجاملة.

إنها تعني أن باكستان نجحت في تحويل العلاقة مع واشنطن من ملف مؤسساتي ثقيل وموروث من «الحرب على الإرهاب»، إلى قناة شخصية مباشرة مع رئيس أميركي يُعلي من قيمة الولاء والجدوى الفورية أكثر من أي اعتبارات أخرى.

باكستان «وسيط» رغم عدم اعترافها بإسرائيل

المفارقة الظاهرية أن الدولة التي لا تعترف بإسرائيل أصبحت اليوم منصة للتفاوض في حرب تكون إسرائيل أحد أطرافها الرئيسيين. بيد أن هذه المفارقة تتلاشى إذا نظرنا إلى الوساطة من منظور وظيفي لا آيديولوجي. فإسلام آباد لا تلعب دور الضامن لاتفاق شامل بين طهران وتل أبيب، بل دور الميسّر لقناة أميركية - إيرانية، على قاعدة أن مفتاح التأثير الحقيقي موجود في واشنطن. ومن هذه الزاوية، فإن إحجامها عن الاعتراف بإسرائيل قد لا يكون عائقاً، بل ربما هو عنصر طمأنة إضافي للإيرانيين.

وفق الـ«واشنطن بوست» تمتلك باكستان ثلاثة عناصر تمنحها أهلية خاصة لهذا الدور: أولها، مستوى من الثقة النسبية مع إيران، بحكم الجوار البري الطويل، والحاجة المتبادلة إلى ضبط الحدود ومنع تحول المناطق المشتركة إلى بؤر فوضى دائمة. وثانيها، قدرتها على مخاطبة واشنطن من داخل علاقة أُعيد ترميمها مع دونالد ترمب شخصياً. وثالثها، ثقلها النووي والعسكري، الذي يمنحها مكانة تختلف عن مكانة الوسطاء التقليديين الأقل وزنًا.

ويُشير ذلك بوضوح إلى أن هذا الثقل النووي يضيف إلى «هيبة» باكستان في نظر مختلف الأطراف.

لكن الأهم من ذلك أن سلطة إسلام آباد ليست وسيطاً محايداً بالكامل، بل وسيط مصلحي. ذلك أنها معنية بمنع انهيار إيراني شامل أو تفكّك داخلي على حدودها الغربية، كما أنها معنية في الوقت نفسه بمنع طهران من ترجمة أزمتها إلى ضغط أمني أو مذهبي داخل الساحة الباكستانية. وبالفعل، أظهرت التطورات الأخيرة مدى هشاشة الداخل الباكستاني أمام ارتدادات الحرب، مع وقوع اضطرابات وأعمال عنف بعد مقتل المرشد الإيراني، ومحاولة اقتحام القنصلية الأميركية في كراتشي.

من هنا، لا تبدو الوساطة الباكستانية «عملاً خيرياً» أو مجرد إنجاز دعائي. إنها أيضاً محاولة دفاع متقدّم عن الأمن الوطني الباكستاني، فالدولة النووية الكبرى المجاورة لإيران لا تستطيع تحمل «سيناريو» الفوضى الطويلة الأمد، ولا «سيناريو» سيطرة مطلقة لـ«الحرس الثوري» على بلد مأزوم ومتفكّك، ولا كذلك «سيناريو» تدخّلات إقليمية متشابكة قد تفتح الخرائط على احتمالات يصعب ضبطها.

باكستان نجحت

في تحويل العلاقة

مع واشنطن من ملف ثقيل عن «الحرب

على الإرهاب» إلى قناة شخصية مباشرة

مع رئيس أميركي

السعودية بوابة العودة

من جهة ثانية، لم تعد العلاقة الباكستانية - الأميركية تُفهم بعيداً عن الدور السعودي. فخلال سنوات التراجع الأميركي النسبي في التعاطي مع باكستان، ومع تنامي الحضور الصيني الاقتصادي والاستراتيجي في البلاد، بقيت المملكة العربية السعودية ومعها دول خليجية صماماً مالياً وسياسياً أساسياً لإسلام آباد. ولقد اضطرت باكستان أخيراً للاعتماد على حزم إنقاذ وقروض من السعودية والإمارات، في ظل أزماتها النقدية وغلاء المعيشة، بعدما كانت تلجأ أيضاً إلى صندوق النقد الدولي.

ثم إن هذا البُعد المالي لا ينفصل عن البُعد الاستراتيجي، فالرياض كانت تاريخياً الجسر الذي يسمح لباكستان بالحفاظ على صلة وثيقة بالمنظومة الأمنية العربية الحليفة لواشنطن، حتى حين كانت العلاقات الباكستانية - الأميركية تمر بمراحل فتور. واليوم، مع توقيع «معاهدة الدفاع الاستراتيجية» بين الرياض وإسلام آباد، ومع ترجمة ذلك -ولو رمزياً- عبر إرسال طائرات حربية وقوات باكستانية إلى السعودية في رسالة ردع إلى طهران، باتت باكستان أقرب إلى موقع «الشريك الأمني المرِن» الذي يمكن توظيفه في التوازن الخليجي - الإيراني من دون وضعه في الواجهة الأولى للمواجهة.

هذا الدور المزدوج للسعودية مهم «ذهاباً وإياباً»، فهي من جهة تمنح باكستان دعماً مالياً وسياسياً يُخفف هشاشتها الداخلية، ومن جهة أخرى تفتح لها باب العودة إلى واشنطن عبر إبرازها بوصفها عنصر استقرار داخل المنظومة الإقليمية التي تريد الولايات المتحدة إعادة ضبطها. بهذا المعنى، فإن التقارب الباكستاني - الأميركي ليس بديلاً عن الصين بقدر ما هو عملية تنويع اضطرارية للمحاور، تقودها حاجة باكستان إلى تجنّب الارتهان الكامل لبكين، وحاجة واشنطن إلى شريك يملك مفاتيح في أفغانستان وإيران والخليج معاً.

والواقع أن هذه البراغماتية هي ما يُفسّر قدرة باكستان على الجمع بين خطوط تبدو متناقضة:

- شراكة وثيقة مع الصين.

- علاقة أمنية متقدمة مع السعودية.

- قناة مفتوحة مع واشنطن.

- لا جسور مقطوعة مع إيران.

إنها -أي باكستان- تُحاول أن تكون «دولة تقاطع» لا «دولة محور»، مستفيدة من موقعها الجغرافي، ومن لحظة سيولة إقليمية غير مسبوقة.

الرئيس الباكستاني شهباز شريف مع نائب الرئيس الأميركي فانس (آ ب)

توازن القوة الإقليمي

بالتوازي مع ما سبق، في حين لا تبدو باكستان مرشحة لأن تحل محل القوى الإقليمية التقليدية، فإنها باتت مرشحة جدّية لأن تصبح رقماً أصعب في معادلة التوازن. إذ إن السعودية تبقى «لاعب الثقل المالي والنفطي» العربي، وتركيا تملك أدوات نفوذ عسكرية وسياسية أكثر تمدداً في المشرق وشرق المتوسط، ومصر تحتفظ بثقل الدولة المركزية العربية، وإن كان دورها الإقليمي أكثر حذراً، في حين تبقى إسرائيل القوة العسكرية الأكثر تفوقاً تكنولوجياً والأكثر التصاقاً بالقرار الأميركي في هذه الحرب.

مع هذا، باكستان تضيف الآن شيئاً عناصر لا تتوفر مجتمِعةً لدى اللاعبين المذكورين، أبرزها: أنها دولة إسلامية نووية، وذات جيش كبير، وحدود مباشرة مع إيران، وذات قابلية للتحاور مع واشنطن وطهران والخليج في آنٍ معاً. وبهذا، المعنى، قد يتحوَّل دور إسلام آباد إلى أحد ثلاثة أشكال.

الأول: وسيط أمني - سياسي يسهّل التهدئة؛ حيث تعجز القنوات المباشرة، خصوصاً في الملفات التي تمس إيران والخليج.

الثاني: شريك ردع رمزي إلى جانب السعودية، يرسل إشارات أكثر مما يخوض مواجهات مباشرة.

والثالث: عنصر توازن يمنع أن تتحوّل أي تسوية إقليمية جديدة إلى ترتيب يستثني القوى الإسلامية غير العربية الكبرى.

إلا أن هذا الطموح يصطدم بقيود واضحة. وتقول الـ«واشنطن بوست» إن معظم الباكستانيين لن يلمسوا من هذه الوساطات شيئاً ما لم تنجح الدولة في معالجة أزماتها الاقتصادية البنيوية. كما ينبه مسؤولون وخبراء سابقون إلى أن بعض الصفقات المعلنة مع واشنطن قد يكون أقرب إلى الضجيج السياسي منه إلى التحوّل الاقتصادي الحقيقي. وفضلاً عن ذلك، فإن خصوم القيادة الباكستانية الحالية يرون في انخراطها الخارجي محاولة لصرف الأنظار عن الصراعات الداخلية، وتعزيز شرعية المؤسسة العسكرية.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إسلام آباد نجحت في كسب ود ترمب؛ هي فعلت ذلك بالفعل إلى حد بعيد، بل السؤال هو ما إذا كانت قادرة على تحويل هذا الود إلى نفوذ مستدام، لا إلى لقطة دبلوماسية عابرة.

نجاحها في ذلك سيتوقف على ثلاثة شروط: أولاً، أن تُحافظ على خط توازن دقيق مع إيران يمنع التدهور الحدودي والفوضى. وثانياً، أن تترجم تقاربها مع واشنطن إلى مكاسب اقتصادية ومؤسساتية فعلية لا صفقات دعائية. وثالثاً، أن تدير شراكتها مع الرياض بطريقة تُعزز موقعها الإقليمي من دون أن تزجّ بها في مواجهة مباشرة مفتوحة مع طهران.

وهكذا، في المحصلة، عادت باكستان إلى أميركا؛ لأنها فهمت كيف تُخاطب ترمب، ولأن الحرب على إيران رفعت قيمة موقعها الجغرافي والسياسي في لحظة حرجة. لكنها عادت أيضاً لأن الإقليم نفسه بات يبحث عن قوى وسيطة تملك القدرة على وصل الخطوط المتباعدة.وإذا كانت السنوات الماضية قد كرّست صورة باكستان بوصفها دولة تتأرجح بين الأزمات، فإن الأشهر الأخيرة توحي بأنها تحاول إعادة تقديم نفسها بوصفها دولة مفصلية في إعادة تركيب توازنات المنطقة. غير أن هذه العودة، مهما بدت لافتة، ستظل ناقصة ما لم تنجح إسلام آباد في تحويل الدور الخارجي إلى استقرار داخلي، وفي إثبات أن الوساطة ليست فقط طريقاً إلى رضا ترمب، بل أيضاً إلى مكانة إقليمية يصعب تجاوزها.


أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
TT

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك، الجنرال عاصم منير، قائد الجيش، بوصفه الرجل الأقوى في باكستان وصاحب التأثير الأكبر في ملفات الأمن والسياسة الخارجية.

وأهمية منير لا تعود فقط إلى موقعه الداخلي، بل إلى نجاحه في بناء قناة مباشرة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى حد أن الأخير عدّه «المشير المفضل» لديه بحلول أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في إشارة رمزية إلى حجم التحول في العلاقة.

إلى جانب منير، لعب رئيس الوزراء شهباز شريف دور الواجهة السياسية لهذا التقارب. فالحكومة الباكستانية كثفت الإشادة العلنية بترمب، وشكرته مراراً على تدخله لوقف إطلاق النار مع الهند، كما رشحته إسلام آباد لجائزة نوبل للسلام، في خطوات هدفت إلى مخاطبة ترمب بلغته السياسية القائمة على التقدير الشخصي والرمزية الإعلامية.

مشاهد حسين سيد(فايسبوك)

كذلك برز مشاهد حسين سيد، الرئيس السابق للجنة الدفاع في مجلس الشيوخ الباكستاني، بوصفه من أبرز من شرحوا فلسفة هذا التحول. إذ قال إن باكستان «قرأت ترمب جيداً»، وقدمت له ما سماها «الثلاثية»: العملات المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب. وتكشف هذه العبارة عن أن إسلام آباد تعمّدت إعادة «تسويق» نفسها في واشنطن من زاوية «المنفعة المباشرة»، لا من زاوية التحالفات التقليدية فقط.

وبالطبع، لا يقل أهمية عن هؤلاء فريق الدولة الاقتصادي والدبلوماسي، الذي أسهم في ترجمة الانفتاح إلى صفقات وممرّات تواصل، من اتفاق المعادن الحيوية إلى الترتيبات المالية والسياسية التي حسّنت صورة باكستان داخل إدارة ترمب. وعليه، يمكن القول إن عاصم منير كان «مهندس» القناة الاستراتيجية، وشهباز شريف واجهتها السياسية، فيما وفّر مشاهد حسين سيد الإطار التفسيري لهذا التحوّل.


روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
TT

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي رئاسة جمهورية بنين، الواقعة في غرب أفريقيا. واداني يخلف الرئيس المنتهية ولايته باتريك تالون، الذي لا يحق له الترشح مجدداً بعدما أمضى ولايتين رئاسيتين مدة كل منهما 5 سنوات. وللعلم، حصل الرئيس الجديد، الذي يلقب بين أقرانه اختصاراً لاسمه بـ«رو»، على أكثر من 94 في المائة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية التي أجريت يوم 12 أبريل (نيسان) الحالي، متفوقاً على منافسه المعارض بول هونكبي، في انتخابات بلغت نسبة المشاركة فيها 58.78 في المائة.

روموالد واداني، الذي كان يوصف بأنه «الخليفة المختار» للرئيس باتريك تالون، أعلن في أول تصريحاته عقب فوزه برئاسة بنين اعتزامه البناء على ما وصفه بـ«الأسس الصلبة» التي أرساها سلفه، وأنه سيكرس مساراً سياسياً يقوم على الاستمرارية أكثر من التغيير، مع تأكيد حرصه على «التماسك الوطني»، الذي مثّله حجم فوزه في الانتخابات.

الفوز كان متوقعاً

الفوز في حد ذاته لم يكن مفاجئاً، لا سيما أن واداني (49 سنة)، يمثل نموذج «التكنوقراطي الصاعد» في أفريقيا؛ إذ جاء إلى الحكم من بوابة الإدارة المالية لا السياسة التقليدية. وطوال عقد كامل شغل خلاله منصب وزير الاقتصاد والمالية، منذ عام 2016، ارتبط اسم واداني بتغييرات هيكلية أعادت ضبط المالية العامة، وخفّضت عجز الموازنة إلى نحو 3 في المائة من الناتج المحلي، في حين حقق الاقتصاد معدلات نمو تجاوزت 6 في المائة سنوياً في المتوسط. وهذه النتائج هي ما بنى عليه الرجل برنامجه الانتخابي للوصول إلى سدة الحكم، بعدما اكتسب ثقة المستثمرين مرسّخاً اسمه كمهندس «الاستقرار المالي» في واحد من أسرع اقتصادات غرب أفريقيا نمواً.

يوصف روموالد وادني بأنه «هادئ الطباع»، لا سيما مع قلة ظهوره الإعلامي، بيد أنه وفق محللين سياسيين كان «العقل المدبر» خلف التغييرات الاقتصادية في بنين طوال العقد الماضي؛ ما جعله يتصدّر المشهد كخليفة لتالون. وبالفعل، تحوّل «البيروقراطي» الذي لطالما عمل خلف الكواليس شخصاً جماهيرياً يجوب البلاد ويخطب في تجمّعات جماهيرية، متخلياً عن ربطة العنق والخطاب المكتوب، في محاولة للتقرّب من الشارع وكسر صورة «التكنوقراطي الاقتصادي الصارم».

نقلت وكالة «أ.ف.ب» الفرنسية، من جهتها، عن أحد حلفائه قوله إن الحملة «أظهرت وجه واداني الحقيقي كشخص قريب من الناس»، في تحوّل لافت لرجل ظل لسنوات يعمل بعيداً عن الأضواء. أما عن السباق الرئاسي نفسه، فقد خاضه واداني مدعوماً من أحزاب الائتلاف الحاكم. وأقرّ منافسه الوحيد، بول هونكبي، بالهزيمة قبل إعلان النتائج رسمياً، وهو ما اعتبره واداني بعد الفوز «مؤشراً على النضج الديمقراطي».

نشأة اقتصادية

وُلد روموالد واداني يوم 20 يونيو (حزيران) 1976 في مدينة لوكوسا بجنوب غربي بنين، قرب الحدود مع توغو، لأسرة متعلّمة ذات خلفية اقتصادية. ونشأ بين صرامة والده مهندس الإحصاء وأستاذ الرياضيات وروح المبادرة عند والدته رائدة الأعمال، وانعكس هذا الواقع فيما بعد على مسيرته التعليمية والمهنية.

إذ اتجه الشاب الطموح لدراسة الإدارة والمحاسبة والتمويل في «المدرسة العليا لإدارة الأعمال» بمدينة غرونوبل الفرنسية قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة للدراسة في معهد إدارة الأعمال بجامعة هارفارد الأميركية العريقة. ولكن، مع أن تكوين واداني العملي والعملي الأساسي كان خارج البلاد، فإنه دائماً ما أبدى حرصه على تأكيد ارتباطه بجذوره، عبر إشارات متكرّرة إلى امتلاكه مزرعة في بنين.

مهنياً، يتمتع واداني بصفة محاسب قانوني معتمد في كل من فرنسا والولايات المتحدة، كما أنه حصل على درجة الماجستير في التمويل، وتلقى تدريباً متخصصاً في مجالات الاستثمار المباشر ومخاطر رأس المال. وقبل دخوله العمل الحكومي، راكم «رو» خبرة دولية عملية داخل شركة «ديلويت» المحاسبية العالمية الشهيرة، حيث بدأ مسيرته المهنية في فرنسا عام 1998، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة عام 2003. وخلال هذه الفترة، طوّر واداني خبرات في مجالات عدة، وقدّم خدمات استشارية لقطاعات متنوعة من بينها: التعدين، والتكنولوجيا والإعلام والاتصالات، والقطاع المالي، والقطاع العام، والتجزئة، فضلاً عن تعاونه مع حكومات وجهات مانحة دولية.

ثم في عام 2012، عندما كان لا يزال في سن الـ36، رُقّي واداني إلى منصب شريك ومدير إداري في «ديلويت»، وبعد ذلك بثلاث سنوات، كُلّف إنشاء مكتب جديد للشركة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، كما تولى مسؤولية إدارة التدقيق والممارسة المهنية لأنشطة «ديلويت» في دول أفريقيا الناطقة بالفرنسية.

وزيراً للاقتصاد والمالية

تجربة واداني المهنية الدولية دفعت لتعيينه في منصب وزير دولة للاقتصاد والمالية يوم 7 أبريل (نيسان) 2016 ضمن أول حكومة للرئيس باتريك تالون، وفيها كُلّف تنفيذ برنامج تغييري طموح، قبل أن يُعاد تعيينه في مايو (أيار) 2021، ويواصل لعب دور محوَري في رسم السياسات الاقتصادية لبنين.

بعد ذلك، تولى واداني حقيبة الاقتصاد عندما كانت بنين تشكو فيه ارتفاع عجز الموازنة، وسوء إدارة الدين العام، وتراجع ثقة المستثمرين. وبالفعل، قاد سياسة تغييرية تقوم على محورَين رئيسين: الأول يتمثل في إدارة مالية عامة تتّسم بالشفافية لتحقيق «انضباط» الميزانية وتعبئة التمويل الدولي وتعزيز ثقة المانحين الدوليين من القطاعين العام والخاص. والآخر يركّز على تحسين مناخ الأعمال وتعزيز قدرة القطاع الخاص على مواجهة الصدمات الخارجية.

بفضل هذه السياسة، سجلت بنين نمواً بنسبة 8 في المائة عام 2025، وهو مستوى غير مسبوق لمدة ثلاثة عقود، وفق ما ذكره موقع الحملة الانتخابية لواداني. وحسب الموقع أيضاً، سُجّل رفع نصيب الفرد من الدخل بنسبة 50 في المائة خلال أقل من عشر سنوات، وتحديث أكثر من 14 ألف كيلومتر من الطرق، وبناء مستشفيات ومدارس جديدة، بالإضافة إلى برنامج المقصف المدرسي الذي يسمح لنحو 1.3 مليون طفل بالاستفادة من وجبة ساخنة يومياً.

أيضاً، تمكّن واداني من إجراء تغييرات على المالية العامة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 في المائة من الناتج المحلي، كما أطلق خلال ولايته مشاريع بنية تحتية كبرى حققت نمواً اقتصادياً واستقراراً، عزّزا ثقة المستثمرين الدوليين، ورسّخا صورة بنين كنموذج إصلاحي صاعد في المنطقة.

وعلى الصعيد الإقليمي، لعب واداني دوراً بارزاً في غرب أفريقيا، حيث ترأس المجلس القانوني لوزراء مالية «الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا»، وقاد مفاوضات مع فرنسا تُوجت بتوقيع اتفاق في ديسمبر (كانون الأول) 2019 لإنهاء العمل بعملة الفرنك الأفريقي (CFA) في المنطقة، في خطوة اعتُبرت تحولاً مهماً في مسار السيادة النقدية لدول الإقليم.

القائد الشاب... والمرشح الرئاسي

خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 أعلن روموالد واداني اعتزامه الترشح للرئاسة رغبةً منه في إكمال مسار التغيير، وتحقيق مزيد من التقدّم. وتعهد أيضاً بتوفير فرص عمل والقضاء على الفقر لتصل ثمار التغيير إلى كل بيت في بنين رافعاً شعار «نبني معاً بنين أحلامنا».

واليوم، وفق صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية، يعكس فوز واداني بالرئاسة «توجّهاً نحو تجديد الطبقة السياسية الحاكمة وتطوّراً للعقلية السياسية» في بنين «باختيار جيل من الحكّام أقرب للواقع». وهو بذا، ينضم إلى مجموعة محدودة من الرؤساء الشباب في قارة أفريقيا.

ثم إنه ممّا يزيد أهمية الحدث كون واداني وصل إلى قمة السلطة عبر انتخابات، اعتبر مراقبون دوليون أنها «أجريت بشكل سلمي ومنظم»، وأن ما سُجّل من ملاحظات محدودة لا يمسّ صدقية النتائج، وإن غابت عنها التعدّدية الفعلية.

التحديات الأمنية

من جهة ثانية، لانتخابات الرئاسة في بنين أهمية إضافية؛ كونها نُظّمت وسط تحديات أمنية كادت تهدّد إجراءها من الأساس. ففي ديسمبر الماضي، سيطر عدد من أفراد الجيش على محطة التلفزيون الرئيسة، وهاجموا قصر الرئاسة في محاولة انقلاب فاشلة احتجاجاً على تدهور الوضع الأمني في شمال البلاد وتصاعد تهديد الإرهاب. وبالتالي، جاءت الانتخابات بعد تعرّض بنين لإحدى أكثر سنواتها عنفاً على الإطلاق في 2025، وسلّطت المحاولة الانقلابية الضوء على هشاشة الأوضاع السياسية في دولة تعدّ واحدة من الديمقراطيات الأفريقية المستقرة نسبياً. وفي أي حال، نجحت الانتخابات الرئاسية الأخيرة في تحقيق خامس انتقال سلمي للسلطة منذ استقلال بنين عام 1960. كما أنه بالنسبة لمؤيدي واداني يمثل صعوده «بروز جيل جديد من القادة، أقل اهتماماً بالشعارات وأكثر تركيزاً على النتائج» حسب الـ«نيويورك تايمز»، لكن معارضيه يرون فيه «استمراراً لنظام سياسي يضيق فيه هامش التعدّدية».

إرث مثقل بالتحديات

في الواقع، يمكن القول إن روموالد واداني يتولّى محمّلاً بإرث مثقل بالتحدّيات السياسية والأمنية والاتهامات بتقييد المعارضة، ومسار اقتصادي تغييري حقّق قدراً من النمو والازدهار؛ ما يضعه أمام معادلة صعبة لاستكمال مسار التغيير الاقتصادي ومواجهة التحدّيات الأمنية مع الحفاظ على استقرار البلاد سياسياً.

ويُعدّ الفقر أحد أخطر التحديات التي تواجه واداني، لا سيما مع تجاوز نسبته أكثر من 30 في المائة من السكان. ويضاف إلى ذلك تصاعد الهجمات «الإرهابية» في الشمال؛ ما يفرض ضغوطاً على الجيش والسلطة، وانتقادات المعارضة لغياب التعددية و«الانفتاح السياسي الحقيقي».

وبينما يرى مراقبون أن الرئيس الجديد سيواصل النهج الاقتصادي الذي قاده خلال فترة سلفه تالون، فهم يؤكدون أن قياس نجاحه سيظل رهناً بقدرته على تحقيق تنمية أكثر شمولاً من جهة واحتواء التهديدات الأمنية وإعادة التوازن للحياة السياسية من جهة أخرى.وهكذا، بين الاستمرارية وضغوط الانفتاح والتغيير الديمقراطي، يدخل واداني عازماً على تحقيق مستقبل أفضل لشعب بنين. ويرى مراقبون أن سنواته الأولى في الحكم ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان سيُرسّخ نموذجاً ناجحاً للحكم الرشيد، أم سيواجه أزمات تعيد طرح الأسئلة القديمة حول الديمقراطية والتنمية في غرب أفريقيا.