«بيرونيو» الأرجنتين يأملون بحسم الرئاسة بعد مفاجأة الجولة الأولى

تصدر مرشحهم أظهر قدرة حركتهم على استعادة موقعها في المشهد السياسي

المرشح البيروني المتصدر ماسّا ... يحيي مناصريه (رويترز)
المرشح البيروني المتصدر ماسّا ... يحيي مناصريه (رويترز)
TT

«بيرونيو» الأرجنتين يأملون بحسم الرئاسة بعد مفاجأة الجولة الأولى

المرشح البيروني المتصدر ماسّا ... يحيي مناصريه (رويترز)
المرشح البيروني المتصدر ماسّا ... يحيي مناصريه (رويترز)

كثيرون في الأرجنتين حبسوا أنفاسهم عندما ذهب الناخبون إلى صناديق الاقتراع، الأحد الفائت؛ لاختيار رئيس جديد للبلاد، وتجديد أعضاء مجلسي الشيوخ والنواب؛ خوفاً من حدوث مفاجأة حصول المرشح اليميني المتطرف خافيير ميلي على النسبة التي تخوّل له الوصول إلى الرئاسة من الجولة الأولى، لا سيّما أنه كان يتصدّر جميع الاستطلاعات بعد الصعود السريع الذي شهدته شعبيته في الأشهر الأخيرة. إلا أن القلة الضئيلة من المحللين العارفين بمسالك السياسة الأرجنتينية الوعرة - والمتداخلة ضمن شبكة معقدة من الانقسامات داخل الأحزاب والمصالح المحلية الضيّقة - كانت على يقين من أن وزير الاقتصاد الحالي و«ثعلب» الحركة البيرونية سيرجيو ماسّا سيتمكّن، عندما تدقّ ساعة الحقيقة، من وقف المدّ الشعبوي اليميني وإعادة عقارب المشهد السياسي إلى ما كان عليه في السنوات الأخيرة. فخلال هذه الفترة كان الوضع متأرجحاً بين التيارات المتناحرة داخل الحركات والأحزاب من جهة، والكتلة الشعبية المتنامية في نقمتها ضد مؤسسات الدولة والطبقة السياسية التقليدية التي أغرقت الأرجنتين في أسوأ أزمة اقتصادية واجتماعية شهدتها في تاريخها الحديث من جهة أخرى. مع هذا، فإن الفوز المرحلي الذي قطفه ماسّا، في انتظار الجولة الثانية والحاسمة، يحمل في طيّاته كل تعقيدات السياسة الأرجنتينية وصعوبة التكهن بردود فعل الناخبين عند الاستحقاقات الانتخابية، وهي غالباً ما تناقض كل قواعد المنطق السياسي التي تستند إليها التوقعات والتحليلات. وهذا هو التفسير الوحيد لفوز مرشح الحزب الحاكم منذ سنوات، مع أن نسبة التضخم السنوي تلامس 150 في المائة، في حين يعيش 40 في المائة من السكان دون خط الفقر في واحد من أهم البلدان المنتجة للمواد الغذائية في العالم، وكذلك تنهار قيمة العملة الوطنية بوتيرة غير مسبوقة أمام فراغ خزائن المصرف المركزي من الاحتياط، وتفقد رواتب القطاع العام قدرتها الشرائية، مولّدة حالة من النقمة الشعبية العارمة تدفع بالبلاد نحو الانفجار الاجتماعي والانجراف وراء الحركات الشعبوية.

المشهد الاقتصادي والاجتماعي التعيس يكفي ويزيد للقضاء على أي حظوظ انتخابية للمرشح الحكومي في أي بلد من العالم. غير أن الأرجنتين تبدو الاستثناء الأقوى من القاعدة. بل إن ما يزيد من «غرابة» نتيجة الجولة الانتخابية الأولى من الانتخابات الرئاسية الأرجنتينية هو أن المرشح الذي تصدّر النتائج، سيرجيو ماسّا، هو الذي يتولّى حقيبة الاقتصاد في الحكومة الحالية، وكان تولّاها عدة مرات في السابق.

الواقع أن ماسّا برهن مراراً على قدرة خارقة وبراعة في تجاوز المطبّات والنهوض من رماد الأزمات. وهذه المرة نال 36.7 في المائة من الأصوات في الجولة الأولى، مقابل 30 في المائة للمرشح اليميني المتطرف خافيير ميلي، فيما نالت مرشحة اليمين المحافظ باتريسيا بولريتش 23.8 في المائة من الأصوات التي سيحتدم التنافس عليها بين ماسّا وميلي أواسط الشهر المقبل.

لقد نجح الوزير والمرشح الرئاسي البيروني في تغليب صوت الخوف، الذي أطلقه شعاراً لحملته. وبالخصوص، تحذيره من عواقب الانجرار وراء البرنامج الراديكالي الذي طرحه ميلي ودعا فيه إلى التعامل رسمياً بالدولار الأميركي عوضاً عن العملة الوطنية، وإلغاء المصرف المركزي، والتوقّف عن سداد الدين العام، والسماح باقتناء السلاح الخاص. وفي المقابل، فشل ميلي في الوصول إلى أبواب الرئاسة على صهوة الغضب الشعبي الذي كان وراء صعوده السريع إلى صدارة جميع الاستطلاعات قبل الجولة الأولى.

ميلي (رويترز)

الاستثناء البيروني

ولئن كان التقدّم الذي حققه ماسّا ضد جميع التوقّعات في الجولة الأولى دليلاً على أن الحركة البيرونية - التي تعاني من انقسامات داخلية حادة تهدد بانهيارها منذ سنوات - ما زالت قادرة على استعادة موقعها بوصفها لاعباً أساسياً في المشهد السياسي الأرجنتيني، فإن هزيمة المرشحة اليمينية ووزيرة الأمن السابقة باتريسيا بولريتش تنذر بمرحلة عسيرة قد تؤدي إلى تفكّك جبهة اليمين التي وصلت إلى الحكم عام 2015 مع الرئيس السابق ماوريسيو ماكري.

في الانتخابات الأولية الإلزامية إلى أجريت في أغسطس (آب) الفائت، حلّ ماسّا في المرتبة الثالثة، بعد ميلي وبولريتش. إلا أن التعبئة التي شهدتها صفوف الحركة البيرونية في العاصمة بوينس آيريس، وبخاصة في ضواحيها حيث يعيش رُبع الناخبين الأرجنتينيين وأكثرهم فقراً، هي التي رفعته إلى المرتبة الأولى لتضعه على بعد أسابيع قليلة من الرئاسة.

في تلك الضواحي الشعبية نشأت الحركة البيرونية، بين أوساط الطبقة الكادحة والنقابات العمالية. وظلت منذ ذلك الوقت الكتلة الوازنة في جميع الانتخابات التي خاضتها، إلى أن ظهر ميلي، فهدد بتقويض دعائم هيمنتها، وتعهّد بالقضاء على جميع الخدمات الاجتماعية والتعليمية والصحية التي كانت هي وراءها، ناهيك عن تسريح عشرات الآلاف من موظفي القطاع العام الذين ينتمي معظمهم إلى الحركة التي أسسها الرئيس الأسبق خوان دومينغو بيرون.

ولكن يوم الأحد الفائت، استجمعت الحركة البيرونية قواها في «مسقط رأسها»، وأعادت انتخاب حاكم ولاية العاصمة بغالبية تعفيه من الجولة الثانية. وأعطت ماسّا الأصوات التي كان يحتاج إليها للعبور إلى الجولة الثانية ومنافسة ميلي على أصوات التحالف اليميني الذي تقوده بولريتش. لكن هذه المنافسة لن تكون سهلة؛ لأن أنصار التحالف اليميني ينقسمون بين فئتين: الأولى تعلن العداء المطلق للحركة البيرونية، وبالتالي من غير الوارد أن تعطي أصواتها لماسّا. والثانية، تتوزّع بين مؤيد لميلي وممتنع عن المشاركة في الجولة الثانية للمفاضلة بين المرشح البيروني ومنافسه اليميني المتطرف.

وللعلم، كان ميلي قد مدّ يده يوم الأحد الفائت إلى أنصار بولريتش التي تبادل معها التهم القاسية خلال الحملة الانتخابية، وقال: «جئت لكي أعلن نهاية الاتهامات التي تبادلناها طوال الحملة الانتخابية، ولنفتح صفحة جديدة من التعاون، ونترك كل خلافاتنا جانباً من أجل إنهاء الحركة الكيرشنيرية (نسبة إلى الرئيس الأسبق نستور كيرشنير وزوجته الرئيسة السابقة ونائبة الرئيس الحالية كريستينا)؛ لأننا في مواجهة منظمة إجرامية هي أسوأ ما عرفته الأرجنتين في تاريخها».

وبعد أيام قليلة من مبادرة ميلي، أعلنت بولريتش، يوم الأربعاء الفائت، أنها ستؤيد ميلي في الجولة الثانية لمنع وصول المرشح الحكومي سيرجيو ماسّا، الذي قالت إن فوزه في الجولة الثانية سيدفع البلاد نحو المزيد من الانهيار الاقتصادي والاجتماعي. ولكن من شأن هذا القرار أن يزلزل التحالف المحافظ «معاً من أجل التغيير» الذي ترأسه. جدير بالذكر أن بولريتش أعلنت قرارها بعد الاجتماع الذي عقدته مع «الزعيم الفعلي» للتحالف المحافظ والرئيس السابق ماوريسيو ماكري.

كذلك لا بد من الإشارة إلى أن تحديد وجهة التصويت في الجولة الثانية، للمفاضلة بين ماسّا وميلي، كان موضع نقاش منذ أيام داخل التحالف، الذي يضمّ تيارات يمينية تؤيد التصويت لصالح ميلي من أجل قطع الطريق على عودة البيرونيين، وتيارات أخرى رافضة بشكل قطعي مثل هذا الخيار... وهو ما سيؤدي قطعاً إلى انفراط عقد هذا التحالف المحافظ.

بولريتش قالت في مؤتمرها الصحافي الذي أعلنت فيه هذا القرار: «غالبية الأرجنتينيين اختارت التغيير الذي نمثّل نحن جزءاً منه. عندما يكون الوطن في خطر تسقط المحرّمات، ومن واجبنا ألا نقف على الحياد». وأردفت أنه على الرغم من اعتراضها على «بعض» مواقف وطروحات ميلي، فالبلاد «أمام معضلة المفاضلة بين التغيير واستمرار حكم المافيا - على حد قولها - في الأرجنتين».

لن يكون سهلاً على ماسّا استقطاب الناخبين غير الحزبيين

باقتراحات لإنقاذ الوضع الاقتصادي المتردّي، مع أن الصين هبّت لإنقاذه مطلع هذا الأسبوع

التحالف المعادي لليمين

في الضفة الأخرى، فإن الجبهة التي بإمكان ماسّا الاعتماد على تأييدها في الجولة الثانية يمثلها «التحالف التغييري» الذي كان وراء وصول ماكري إلى الرئاسة عام 2015، والذي دعم خلال الجولة الأولى حاكم بوينس آيرس لمنع وصول مرشح ميلي إلى حاكمية العاصمة.

وبعد ظهور نتائج الجولة الأولى، توجّه ماسّا إلى أنصار الحزب الراديكالي، وقال إنه سيبذل أقصى جهده لإقناعهم بالانضمام إلى معسكره للدفاع عن مؤسسات التعليم الرسمي، والخدمات الصحية المجانية، وفصل السلطات التي يدعو ميلي إلى تدميرها. وللتذكير، فإن الحزب الراديكالي اليساري - وهو أقدم حزب سياسي في الأرجنتين - خرج من صفوفه رئيسان للجمهورية هما راؤول ألفونسين (1983)، وفرناندو دي لا روا (1999)، سبق له أن تحالف ظرفياً مع الحركة البيرونية، وبات من شبه المؤكد أن الأصوات التي حصلت عليها مرشحته ميريام برغمان، وبلغت 700 ألف صوت في العاصمة، ستذهب إلى ماسّا. إلا أنه ليس من الواضح بعدُ ماذا سيكون عليه مصير الأصوات، التي تزيد على المليونين، التي حصل عليها حاكم ولاية كوردوبا (البيروني المحافظ) خوان سكياريتي. معظم التوقعات تشير إلى أن معظم هذه الأصوات سيذهب إلى ميلي، ما دفع ماسّا إلى القول في المؤتمر الصحافي الذي عقده بعد صدور نتائج الجولة الأولى: «أعرف أن مهمتي لن تكون سهلة. أصوات الناخبين ليست ملك المرشحين، بل ملك المواطنين، وإذا حاولنا وضع اليد على إرادة المواطن سنفقد ثقته نهائياً».

ميلي، من جهته، يدرك أن مهمته الرئيسة بعد نكسة الجولة الأولى وتراجع شعبيته مقارنة بالاستطلاعات التي سبقتها، ستكون التخفيف من حدة الصورة التي أظهرها منذ بداية المعركة الانتخابية حين أطلق الاتهامات القاسية في كل الاتجاهات، وبشكل خاص ضد رموز الحركة البيرونية والطبقة السياسية التي حكمت الأرجنتين في العقود الأخيرة، والتي ادعى أنها «اعتاشت من نهب الأموال العامة». ومن غير المستبعد - وفق مراقبين - أن يبادر في لحظة ما إلى سحب الشعار الأساسي الذي رفعه في معركته الانتخابية، داعياً إلى «دولرة» الاقتصاد، تجاوباً مع نصائح مستشاريه الاقتصاديين الذين كان معظمهم من فريق الرئيس الأسبق كارلوس منعم، الذي صمّم نظام تحويل البيزو الأرجنتيني إلى الدولار الأميركي.

الاقتصاد... الاقتصاد... الاقتصاد

هذا، ولن يكون من السهل على ماسّا استقطاب الناخبين غير الحزبيين باقتراحات لإنقاذ الوضع الاقتصادي المتردي، مع أن الصين هبّت لإنقاذه مطلع هذا الأسبوع، عندما أعلنت عن منحها الأرجنتين قرضاً ميسّراً بمقدار 6.5 مليار دولار، مع وعد بقرض إضافي في الأشهر المقبلة. ولكن، في أول ردة فعل له على إعلان بولريتش تأييدها لميلي، قال ماسّا خلال لقاء مع مراسلي الصحافة الأجنبية: «إن العالم ينتظر من الأرجنتين التوازن والتعقّل واليقين... ينتظر منّا التروّي والترقّب ودوراً فاعلاً في النظام المتعدد الأطراف». وأيضاً، نبّه ماسّا إلى أن خصمه يعتزم تفكيك منظومة «ميركوسور» الاقتصادية التي تضمّ كلاً من الأرجنتين والبرازيل والباراغواي والأوروغواي، وفسخ الاتفاقات المعقودة مع الصين، وقطع العلاقات مع الفاتيكان الذي يوجد على رأسه بابا أرجنتيني.

ومما قاله ماسّا إن تفكيك «ميركوسور» من شأنه التسبب في فقدان 150 ألف فرصة عمل في القطاع الأرجنتيني للصناعات الثقيلة، إضافة إلى 68 ألف فرصة عمل في قطاع الصناعات الزراعية والغذائية، أي في الركيزتين الأساسيتين للاقتصاد الأرجنتيني. وذكّر كذلك بأن ما يزيد على 1500 مؤسسة أرجنتينية تعتمد على التجارة البينية مع البرازيل التي تتابع باهتمام شديد الانتخابات الأرجنتينية ونتائجها. وقال، من ثم، إنه في حال وصوله إلى سدة الرئاسة سيسعى إلى توثيق العلاقات التجارية مع الشركاء الأساسيين مثل البرازيل والصين، وسيفتح مسارات جديدة واسعة مع الدول العربية والأفريقية. وأضاف أن الأرجنتين «لا يمكن أن تستمر كمتسوّل مزمن للدين الخارجي»، وأنه يريد تشكيل حكومة وحدة وطنية تضم النخبة من كل الأحزاب السياسية، بغض النظر عن مشاربها، وذلك من أجل وضع سياسة إنقاذ موحدة خارج التجاذبات الحزبية.

ويعوّل ماسا في حال وصوله إلى الرئاسة على انتعاش القطاع الزراعي بعد الجفاف التاريخي الذي ضرب الأرجنتين العام الماضي؛ إذ يقدّر أن صادرات هذا القطاع ستزيد على 40 مليار دولار قبل حلول الموسم التالي. لكن تعافي القطاع الزراعي لن يكون كافياً لمواجهة استحقاق إعادة جدولة الديون الخارجية مع صندوق النقد الدولي، بعد أن تعذّر سدادها في المواقيت المتفق عليها، وامتناع المؤسسات المالية الدولية عن إقراض الأرجنتين منذ عام 2018.


مقالات ذات صلة

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

حصاد الأسبوع باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسمياً، والتي

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك،

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي

حصاد الأسبوع كيريكو (آ ف ب)

بنين... الديمقراطية «المستقرة نسبياً» في أفريقيا

تُعدّ بنين، التي كانت تُعرف سابقاً باسم داهومي، والتي يقارب عدد سكانها 14 مليون نسمة، واحدة من أكثر الدول استقراراً نسبياً في أفريقيا. وسياسياً، عاصمة بنين

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
حصاد الأسبوع صورة جامعة للقادة المشاركين في «القمة» (رويترز)

«القوى التقدمية» في الغرب تسعى لاستعادة الثقة بالنفس

عندما بزغ فجر القرن الحادي والعشرين، كانت كوكبة من القيادات «التقدمية» - الاشتراكية أو من اليسار المعتدل - تتربع على قمم السلطات التنفيذية في أوروبا، من بينها:

شوقي الريّس ( مدريد)

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
TT

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)

لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسمياً، والتي لطالما أثارت شكوكاً أميركية بسبب تاريخها النووي وعلاقاتها المعقدة مع الجماعات المسلحة، كانت حتى الأمس القريب تبدو أقرب إلى هامش النظام الإقليمي الجديد منها إلى مركزه. إلا أن الحرب على إيران، وطبيعة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشخصية والصفقية، والحاجة الأميركية إلى وسيط يجمع بين القدرة على مخاطبة طهران وعدم القطيعة مع واشنطن، كلها عوامل أعادت إسلام آباد إلى الواجهة دفعة واحدة.

عودة باكستان إلى الساحة الإقليمية الشرق أوسطية لا يجوز فهمها فقط من زاوية الوساطة الحالية، بل يجب قراءتها بوصفها نتيجة مسار أطول يتضمن:

1- إعادة تأهيل تدريجية للعلاقة الأميركية - الباكستانية بعد سنوات من التراجع لمصلحة الصين.

2- استثمار باكستان لعناصر قوتها الخاصة، من موقعها الجغرافي إلى وزنها العسكري والنووي، مروراً بعلاقاتها مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج.

3- الأهم أن هذه العودة تطرح سؤالاً أكبر هو: هل تتحوّل باكستان من مجرد «وسيط ظرفي» إلى أحد اللاعبين الذين يسهمون في إعادة صياغة توازن القوة الإقليمي، في لحظة تتعرض فيها إيران إلى ضغط غير مسبوق، وتعيد فيها القوى الكبرى والإقليمية ترتيب مواقعها؟

مخاطبة ترمب بلغته

في ولايته الأولى، لم يُخفِ ترمب ضيقه من باكستان. اتهمها يومها بأنها لم تُقدم لواشنطن سوى «الأكاذيب والخداع»، في تعبير لخّص مرحلة من الفتور العميق بين البلدين. وحقاً، كانت واشنطن ترى أن باكستان تستفيد من المساعدات الأمنية والمالية الأميركية، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بهوامش واسعة في أفغانستان، وتُبقي علاقاتها بالصين أولوية استراتيجية. غير أن ما تبدل لاحقاً لم يكن فقط سلوك إسلام آباد، بل أيضاً إدراكها العميق لطبيعة ترمب نفسه.

وفق تقرير لصحيفة «واشنطن بوست»، أدركت النخبة الباكستانية مبكراً أن ترمب لا يتجاوب مع الخطاب التقليدي القائم على التحالفات الطويلة أو اللغة الدبلوماسية المجردة، بل مع ما يُمكن تسويقه إليه بوصفه إنجازاً مباشراً وملموساً. لذلك صاغت إسلام آباد عرضها بلغة «صفقة»، أي: التعاون في مكافحة الإرهاب، والانفتاح على «صفقات» المعادن الحيوية، والإشارة إلى «شراكات» في مجال العملات الرقمية عبر اتفاقات مرتبطة بجهات على صلة بعائلة ترمب.

هذا هو ما عبّر عنه المسؤول الباكستاني السابق مشاهد حسين سيد، حين قال إن بلاده قدّمت لترمب «الثلاثية»: العملة المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب.

هنا يكمن التحوّل الأساسي، إذ إن باكستان لم تُحاول إقناع واشنطن بأنها تغيّرت جذرياً، بل حاولت إقناع ترمب بأنها مفيدة له شخصياً وسياسياً. ولقد عزّزت هذا المسار بخطوات رمزية وسياسية مدروسة، منها الإشادة المتكررة بدوره في وقف النار مع الهند، وترشيحه لجائزة نوبل للسلام، والانضمام إلى مبادرات ذات طابع احتفائي مرتبطة بخطابه الدولي. وبحلول الخريف، كان ترمب قد انتقل إلى وصف قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير بأنه «المشير المفضّل» لديه.

هذه ليست مجرد مجاملة.

إنها تعني أن باكستان نجحت في تحويل العلاقة مع واشنطن من ملف مؤسساتي ثقيل وموروث من «الحرب على الإرهاب»، إلى قناة شخصية مباشرة مع رئيس أميركي يُعلي من قيمة الولاء والجدوى الفورية أكثر من أي اعتبارات أخرى.

باكستان «وسيط» رغم عدم اعترافها بإسرائيل

المفارقة الظاهرية أن الدولة التي لا تعترف بإسرائيل أصبحت اليوم منصة للتفاوض في حرب تكون إسرائيل أحد أطرافها الرئيسيين. بيد أن هذه المفارقة تتلاشى إذا نظرنا إلى الوساطة من منظور وظيفي لا آيديولوجي. فإسلام آباد لا تلعب دور الضامن لاتفاق شامل بين طهران وتل أبيب، بل دور الميسّر لقناة أميركية - إيرانية، على قاعدة أن مفتاح التأثير الحقيقي موجود في واشنطن. ومن هذه الزاوية، فإن إحجامها عن الاعتراف بإسرائيل قد لا يكون عائقاً، بل ربما هو عنصر طمأنة إضافي للإيرانيين.

وفق الـ«واشنطن بوست» تمتلك باكستان ثلاثة عناصر تمنحها أهلية خاصة لهذا الدور: أولها، مستوى من الثقة النسبية مع إيران، بحكم الجوار البري الطويل، والحاجة المتبادلة إلى ضبط الحدود ومنع تحول المناطق المشتركة إلى بؤر فوضى دائمة. وثانيها، قدرتها على مخاطبة واشنطن من داخل علاقة أُعيد ترميمها مع دونالد ترمب شخصياً. وثالثها، ثقلها النووي والعسكري، الذي يمنحها مكانة تختلف عن مكانة الوسطاء التقليديين الأقل وزنًا.

ويُشير ذلك بوضوح إلى أن هذا الثقل النووي يضيف إلى «هيبة» باكستان في نظر مختلف الأطراف.

لكن الأهم من ذلك أن سلطة إسلام آباد ليست وسيطاً محايداً بالكامل، بل وسيط مصلحي. ذلك أنها معنية بمنع انهيار إيراني شامل أو تفكّك داخلي على حدودها الغربية، كما أنها معنية في الوقت نفسه بمنع طهران من ترجمة أزمتها إلى ضغط أمني أو مذهبي داخل الساحة الباكستانية. وبالفعل، أظهرت التطورات الأخيرة مدى هشاشة الداخل الباكستاني أمام ارتدادات الحرب، مع وقوع اضطرابات وأعمال عنف بعد مقتل المرشد الإيراني، ومحاولة اقتحام القنصلية الأميركية في كراتشي.

من هنا، لا تبدو الوساطة الباكستانية «عملاً خيرياً» أو مجرد إنجاز دعائي. إنها أيضاً محاولة دفاع متقدّم عن الأمن الوطني الباكستاني، فالدولة النووية الكبرى المجاورة لإيران لا تستطيع تحمل «سيناريو» الفوضى الطويلة الأمد، ولا «سيناريو» سيطرة مطلقة لـ«الحرس الثوري» على بلد مأزوم ومتفكّك، ولا كذلك «سيناريو» تدخّلات إقليمية متشابكة قد تفتح الخرائط على احتمالات يصعب ضبطها.

باكستان نجحت

في تحويل العلاقة

مع واشنطن من ملف ثقيل عن «الحرب

على الإرهاب» إلى قناة شخصية مباشرة

مع رئيس أميركي

السعودية بوابة العودة

من جهة ثانية، لم تعد العلاقة الباكستانية - الأميركية تُفهم بعيداً عن الدور السعودي. فخلال سنوات التراجع الأميركي النسبي في التعاطي مع باكستان، ومع تنامي الحضور الصيني الاقتصادي والاستراتيجي في البلاد، بقيت المملكة العربية السعودية ومعها دول خليجية صماماً مالياً وسياسياً أساسياً لإسلام آباد. ولقد اضطرت باكستان أخيراً للاعتماد على حزم إنقاذ وقروض من السعودية والإمارات، في ظل أزماتها النقدية وغلاء المعيشة، بعدما كانت تلجأ أيضاً إلى صندوق النقد الدولي.

ثم إن هذا البُعد المالي لا ينفصل عن البُعد الاستراتيجي، فالرياض كانت تاريخياً الجسر الذي يسمح لباكستان بالحفاظ على صلة وثيقة بالمنظومة الأمنية العربية الحليفة لواشنطن، حتى حين كانت العلاقات الباكستانية - الأميركية تمر بمراحل فتور. واليوم، مع توقيع «معاهدة الدفاع الاستراتيجية» بين الرياض وإسلام آباد، ومع ترجمة ذلك -ولو رمزياً- عبر إرسال طائرات حربية وقوات باكستانية إلى السعودية في رسالة ردع إلى طهران، باتت باكستان أقرب إلى موقع «الشريك الأمني المرِن» الذي يمكن توظيفه في التوازن الخليجي - الإيراني من دون وضعه في الواجهة الأولى للمواجهة.

هذا الدور المزدوج للسعودية مهم «ذهاباً وإياباً»، فهي من جهة تمنح باكستان دعماً مالياً وسياسياً يُخفف هشاشتها الداخلية، ومن جهة أخرى تفتح لها باب العودة إلى واشنطن عبر إبرازها بوصفها عنصر استقرار داخل المنظومة الإقليمية التي تريد الولايات المتحدة إعادة ضبطها. بهذا المعنى، فإن التقارب الباكستاني - الأميركي ليس بديلاً عن الصين بقدر ما هو عملية تنويع اضطرارية للمحاور، تقودها حاجة باكستان إلى تجنّب الارتهان الكامل لبكين، وحاجة واشنطن إلى شريك يملك مفاتيح في أفغانستان وإيران والخليج معاً.

والواقع أن هذه البراغماتية هي ما يُفسّر قدرة باكستان على الجمع بين خطوط تبدو متناقضة:

- شراكة وثيقة مع الصين.

- علاقة أمنية متقدمة مع السعودية.

- قناة مفتوحة مع واشنطن.

- لا جسور مقطوعة مع إيران.

إنها -أي باكستان- تُحاول أن تكون «دولة تقاطع» لا «دولة محور»، مستفيدة من موقعها الجغرافي، ومن لحظة سيولة إقليمية غير مسبوقة.

الرئيس الباكستاني شهباز شريف مع نائب الرئيس الأميركي فانس (آ ب)

توازن القوة الإقليمي

بالتوازي مع ما سبق، في حين لا تبدو باكستان مرشحة لأن تحل محل القوى الإقليمية التقليدية، فإنها باتت مرشحة جدّية لأن تصبح رقماً أصعب في معادلة التوازن. إذ إن السعودية تبقى «لاعب الثقل المالي والنفطي» العربي، وتركيا تملك أدوات نفوذ عسكرية وسياسية أكثر تمدداً في المشرق وشرق المتوسط، ومصر تحتفظ بثقل الدولة المركزية العربية، وإن كان دورها الإقليمي أكثر حذراً، في حين تبقى إسرائيل القوة العسكرية الأكثر تفوقاً تكنولوجياً والأكثر التصاقاً بالقرار الأميركي في هذه الحرب.

مع هذا، باكستان تضيف الآن شيئاً عناصر لا تتوفر مجتمِعةً لدى اللاعبين المذكورين، أبرزها: أنها دولة إسلامية نووية، وذات جيش كبير، وحدود مباشرة مع إيران، وذات قابلية للتحاور مع واشنطن وطهران والخليج في آنٍ معاً. وبهذا، المعنى، قد يتحوَّل دور إسلام آباد إلى أحد ثلاثة أشكال.

الأول: وسيط أمني - سياسي يسهّل التهدئة؛ حيث تعجز القنوات المباشرة، خصوصاً في الملفات التي تمس إيران والخليج.

الثاني: شريك ردع رمزي إلى جانب السعودية، يرسل إشارات أكثر مما يخوض مواجهات مباشرة.

والثالث: عنصر توازن يمنع أن تتحوّل أي تسوية إقليمية جديدة إلى ترتيب يستثني القوى الإسلامية غير العربية الكبرى.

إلا أن هذا الطموح يصطدم بقيود واضحة. وتقول الـ«واشنطن بوست» إن معظم الباكستانيين لن يلمسوا من هذه الوساطات شيئاً ما لم تنجح الدولة في معالجة أزماتها الاقتصادية البنيوية. كما ينبه مسؤولون وخبراء سابقون إلى أن بعض الصفقات المعلنة مع واشنطن قد يكون أقرب إلى الضجيج السياسي منه إلى التحوّل الاقتصادي الحقيقي. وفضلاً عن ذلك، فإن خصوم القيادة الباكستانية الحالية يرون في انخراطها الخارجي محاولة لصرف الأنظار عن الصراعات الداخلية، وتعزيز شرعية المؤسسة العسكرية.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إسلام آباد نجحت في كسب ود ترمب؛ هي فعلت ذلك بالفعل إلى حد بعيد، بل السؤال هو ما إذا كانت قادرة على تحويل هذا الود إلى نفوذ مستدام، لا إلى لقطة دبلوماسية عابرة.

نجاحها في ذلك سيتوقف على ثلاثة شروط: أولاً، أن تُحافظ على خط توازن دقيق مع إيران يمنع التدهور الحدودي والفوضى. وثانياً، أن تترجم تقاربها مع واشنطن إلى مكاسب اقتصادية ومؤسساتية فعلية لا صفقات دعائية. وثالثاً، أن تدير شراكتها مع الرياض بطريقة تُعزز موقعها الإقليمي من دون أن تزجّ بها في مواجهة مباشرة مفتوحة مع طهران.

وهكذا، في المحصلة، عادت باكستان إلى أميركا؛ لأنها فهمت كيف تُخاطب ترمب، ولأن الحرب على إيران رفعت قيمة موقعها الجغرافي والسياسي في لحظة حرجة. لكنها عادت أيضاً لأن الإقليم نفسه بات يبحث عن قوى وسيطة تملك القدرة على وصل الخطوط المتباعدة.وإذا كانت السنوات الماضية قد كرّست صورة باكستان بوصفها دولة تتأرجح بين الأزمات، فإن الأشهر الأخيرة توحي بأنها تحاول إعادة تقديم نفسها بوصفها دولة مفصلية في إعادة تركيب توازنات المنطقة. غير أن هذه العودة، مهما بدت لافتة، ستظل ناقصة ما لم تنجح إسلام آباد في تحويل الدور الخارجي إلى استقرار داخلي، وفي إثبات أن الوساطة ليست فقط طريقاً إلى رضا ترمب، بل أيضاً إلى مكانة إقليمية يصعب تجاوزها.


أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
TT

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك، الجنرال عاصم منير، قائد الجيش، بوصفه الرجل الأقوى في باكستان وصاحب التأثير الأكبر في ملفات الأمن والسياسة الخارجية.

وأهمية منير لا تعود فقط إلى موقعه الداخلي، بل إلى نجاحه في بناء قناة مباشرة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى حد أن الأخير عدّه «المشير المفضل» لديه بحلول أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في إشارة رمزية إلى حجم التحول في العلاقة.

إلى جانب منير، لعب رئيس الوزراء شهباز شريف دور الواجهة السياسية لهذا التقارب. فالحكومة الباكستانية كثفت الإشادة العلنية بترمب، وشكرته مراراً على تدخله لوقف إطلاق النار مع الهند، كما رشحته إسلام آباد لجائزة نوبل للسلام، في خطوات هدفت إلى مخاطبة ترمب بلغته السياسية القائمة على التقدير الشخصي والرمزية الإعلامية.

مشاهد حسين سيد(فايسبوك)

كذلك برز مشاهد حسين سيد، الرئيس السابق للجنة الدفاع في مجلس الشيوخ الباكستاني، بوصفه من أبرز من شرحوا فلسفة هذا التحول. إذ قال إن باكستان «قرأت ترمب جيداً»، وقدمت له ما سماها «الثلاثية»: العملات المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب. وتكشف هذه العبارة عن أن إسلام آباد تعمّدت إعادة «تسويق» نفسها في واشنطن من زاوية «المنفعة المباشرة»، لا من زاوية التحالفات التقليدية فقط.

وبالطبع، لا يقل أهمية عن هؤلاء فريق الدولة الاقتصادي والدبلوماسي، الذي أسهم في ترجمة الانفتاح إلى صفقات وممرّات تواصل، من اتفاق المعادن الحيوية إلى الترتيبات المالية والسياسية التي حسّنت صورة باكستان داخل إدارة ترمب. وعليه، يمكن القول إن عاصم منير كان «مهندس» القناة الاستراتيجية، وشهباز شريف واجهتها السياسية، فيما وفّر مشاهد حسين سيد الإطار التفسيري لهذا التحوّل.


روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
TT

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي رئاسة جمهورية بنين، الواقعة في غرب أفريقيا. واداني يخلف الرئيس المنتهية ولايته باتريك تالون، الذي لا يحق له الترشح مجدداً بعدما أمضى ولايتين رئاسيتين مدة كل منهما 5 سنوات. وللعلم، حصل الرئيس الجديد، الذي يلقب بين أقرانه اختصاراً لاسمه بـ«رو»، على أكثر من 94 في المائة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية التي أجريت يوم 12 أبريل (نيسان) الحالي، متفوقاً على منافسه المعارض بول هونكبي، في انتخابات بلغت نسبة المشاركة فيها 58.78 في المائة.

روموالد واداني، الذي كان يوصف بأنه «الخليفة المختار» للرئيس باتريك تالون، أعلن في أول تصريحاته عقب فوزه برئاسة بنين اعتزامه البناء على ما وصفه بـ«الأسس الصلبة» التي أرساها سلفه، وأنه سيكرس مساراً سياسياً يقوم على الاستمرارية أكثر من التغيير، مع تأكيد حرصه على «التماسك الوطني»، الذي مثّله حجم فوزه في الانتخابات.

الفوز كان متوقعاً

الفوز في حد ذاته لم يكن مفاجئاً، لا سيما أن واداني (49 سنة)، يمثل نموذج «التكنوقراطي الصاعد» في أفريقيا؛ إذ جاء إلى الحكم من بوابة الإدارة المالية لا السياسة التقليدية. وطوال عقد كامل شغل خلاله منصب وزير الاقتصاد والمالية، منذ عام 2016، ارتبط اسم واداني بتغييرات هيكلية أعادت ضبط المالية العامة، وخفّضت عجز الموازنة إلى نحو 3 في المائة من الناتج المحلي، في حين حقق الاقتصاد معدلات نمو تجاوزت 6 في المائة سنوياً في المتوسط. وهذه النتائج هي ما بنى عليه الرجل برنامجه الانتخابي للوصول إلى سدة الحكم، بعدما اكتسب ثقة المستثمرين مرسّخاً اسمه كمهندس «الاستقرار المالي» في واحد من أسرع اقتصادات غرب أفريقيا نمواً.

يوصف روموالد وادني بأنه «هادئ الطباع»، لا سيما مع قلة ظهوره الإعلامي، بيد أنه وفق محللين سياسيين كان «العقل المدبر» خلف التغييرات الاقتصادية في بنين طوال العقد الماضي؛ ما جعله يتصدّر المشهد كخليفة لتالون. وبالفعل، تحوّل «البيروقراطي» الذي لطالما عمل خلف الكواليس شخصاً جماهيرياً يجوب البلاد ويخطب في تجمّعات جماهيرية، متخلياً عن ربطة العنق والخطاب المكتوب، في محاولة للتقرّب من الشارع وكسر صورة «التكنوقراطي الاقتصادي الصارم».

نقلت وكالة «أ.ف.ب» الفرنسية، من جهتها، عن أحد حلفائه قوله إن الحملة «أظهرت وجه واداني الحقيقي كشخص قريب من الناس»، في تحوّل لافت لرجل ظل لسنوات يعمل بعيداً عن الأضواء. أما عن السباق الرئاسي نفسه، فقد خاضه واداني مدعوماً من أحزاب الائتلاف الحاكم. وأقرّ منافسه الوحيد، بول هونكبي، بالهزيمة قبل إعلان النتائج رسمياً، وهو ما اعتبره واداني بعد الفوز «مؤشراً على النضج الديمقراطي».

نشأة اقتصادية

وُلد روموالد واداني يوم 20 يونيو (حزيران) 1976 في مدينة لوكوسا بجنوب غربي بنين، قرب الحدود مع توغو، لأسرة متعلّمة ذات خلفية اقتصادية. ونشأ بين صرامة والده مهندس الإحصاء وأستاذ الرياضيات وروح المبادرة عند والدته رائدة الأعمال، وانعكس هذا الواقع فيما بعد على مسيرته التعليمية والمهنية.

إذ اتجه الشاب الطموح لدراسة الإدارة والمحاسبة والتمويل في «المدرسة العليا لإدارة الأعمال» بمدينة غرونوبل الفرنسية قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة للدراسة في معهد إدارة الأعمال بجامعة هارفارد الأميركية العريقة. ولكن، مع أن تكوين واداني العملي والعملي الأساسي كان خارج البلاد، فإنه دائماً ما أبدى حرصه على تأكيد ارتباطه بجذوره، عبر إشارات متكرّرة إلى امتلاكه مزرعة في بنين.

مهنياً، يتمتع واداني بصفة محاسب قانوني معتمد في كل من فرنسا والولايات المتحدة، كما أنه حصل على درجة الماجستير في التمويل، وتلقى تدريباً متخصصاً في مجالات الاستثمار المباشر ومخاطر رأس المال. وقبل دخوله العمل الحكومي، راكم «رو» خبرة دولية عملية داخل شركة «ديلويت» المحاسبية العالمية الشهيرة، حيث بدأ مسيرته المهنية في فرنسا عام 1998، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة عام 2003. وخلال هذه الفترة، طوّر واداني خبرات في مجالات عدة، وقدّم خدمات استشارية لقطاعات متنوعة من بينها: التعدين، والتكنولوجيا والإعلام والاتصالات، والقطاع المالي، والقطاع العام، والتجزئة، فضلاً عن تعاونه مع حكومات وجهات مانحة دولية.

ثم في عام 2012، عندما كان لا يزال في سن الـ36، رُقّي واداني إلى منصب شريك ومدير إداري في «ديلويت»، وبعد ذلك بثلاث سنوات، كُلّف إنشاء مكتب جديد للشركة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، كما تولى مسؤولية إدارة التدقيق والممارسة المهنية لأنشطة «ديلويت» في دول أفريقيا الناطقة بالفرنسية.

وزيراً للاقتصاد والمالية

تجربة واداني المهنية الدولية دفعت لتعيينه في منصب وزير دولة للاقتصاد والمالية يوم 7 أبريل (نيسان) 2016 ضمن أول حكومة للرئيس باتريك تالون، وفيها كُلّف تنفيذ برنامج تغييري طموح، قبل أن يُعاد تعيينه في مايو (أيار) 2021، ويواصل لعب دور محوَري في رسم السياسات الاقتصادية لبنين.

بعد ذلك، تولى واداني حقيبة الاقتصاد عندما كانت بنين تشكو فيه ارتفاع عجز الموازنة، وسوء إدارة الدين العام، وتراجع ثقة المستثمرين. وبالفعل، قاد سياسة تغييرية تقوم على محورَين رئيسين: الأول يتمثل في إدارة مالية عامة تتّسم بالشفافية لتحقيق «انضباط» الميزانية وتعبئة التمويل الدولي وتعزيز ثقة المانحين الدوليين من القطاعين العام والخاص. والآخر يركّز على تحسين مناخ الأعمال وتعزيز قدرة القطاع الخاص على مواجهة الصدمات الخارجية.

بفضل هذه السياسة، سجلت بنين نمواً بنسبة 8 في المائة عام 2025، وهو مستوى غير مسبوق لمدة ثلاثة عقود، وفق ما ذكره موقع الحملة الانتخابية لواداني. وحسب الموقع أيضاً، سُجّل رفع نصيب الفرد من الدخل بنسبة 50 في المائة خلال أقل من عشر سنوات، وتحديث أكثر من 14 ألف كيلومتر من الطرق، وبناء مستشفيات ومدارس جديدة، بالإضافة إلى برنامج المقصف المدرسي الذي يسمح لنحو 1.3 مليون طفل بالاستفادة من وجبة ساخنة يومياً.

أيضاً، تمكّن واداني من إجراء تغييرات على المالية العامة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 في المائة من الناتج المحلي، كما أطلق خلال ولايته مشاريع بنية تحتية كبرى حققت نمواً اقتصادياً واستقراراً، عزّزا ثقة المستثمرين الدوليين، ورسّخا صورة بنين كنموذج إصلاحي صاعد في المنطقة.

وعلى الصعيد الإقليمي، لعب واداني دوراً بارزاً في غرب أفريقيا، حيث ترأس المجلس القانوني لوزراء مالية «الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا»، وقاد مفاوضات مع فرنسا تُوجت بتوقيع اتفاق في ديسمبر (كانون الأول) 2019 لإنهاء العمل بعملة الفرنك الأفريقي (CFA) في المنطقة، في خطوة اعتُبرت تحولاً مهماً في مسار السيادة النقدية لدول الإقليم.

القائد الشاب... والمرشح الرئاسي

خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 أعلن روموالد واداني اعتزامه الترشح للرئاسة رغبةً منه في إكمال مسار التغيير، وتحقيق مزيد من التقدّم. وتعهد أيضاً بتوفير فرص عمل والقضاء على الفقر لتصل ثمار التغيير إلى كل بيت في بنين رافعاً شعار «نبني معاً بنين أحلامنا».

واليوم، وفق صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية، يعكس فوز واداني بالرئاسة «توجّهاً نحو تجديد الطبقة السياسية الحاكمة وتطوّراً للعقلية السياسية» في بنين «باختيار جيل من الحكّام أقرب للواقع». وهو بذا، ينضم إلى مجموعة محدودة من الرؤساء الشباب في قارة أفريقيا.

ثم إنه ممّا يزيد أهمية الحدث كون واداني وصل إلى قمة السلطة عبر انتخابات، اعتبر مراقبون دوليون أنها «أجريت بشكل سلمي ومنظم»، وأن ما سُجّل من ملاحظات محدودة لا يمسّ صدقية النتائج، وإن غابت عنها التعدّدية الفعلية.

التحديات الأمنية

من جهة ثانية، لانتخابات الرئاسة في بنين أهمية إضافية؛ كونها نُظّمت وسط تحديات أمنية كادت تهدّد إجراءها من الأساس. ففي ديسمبر الماضي، سيطر عدد من أفراد الجيش على محطة التلفزيون الرئيسة، وهاجموا قصر الرئاسة في محاولة انقلاب فاشلة احتجاجاً على تدهور الوضع الأمني في شمال البلاد وتصاعد تهديد الإرهاب. وبالتالي، جاءت الانتخابات بعد تعرّض بنين لإحدى أكثر سنواتها عنفاً على الإطلاق في 2025، وسلّطت المحاولة الانقلابية الضوء على هشاشة الأوضاع السياسية في دولة تعدّ واحدة من الديمقراطيات الأفريقية المستقرة نسبياً. وفي أي حال، نجحت الانتخابات الرئاسية الأخيرة في تحقيق خامس انتقال سلمي للسلطة منذ استقلال بنين عام 1960. كما أنه بالنسبة لمؤيدي واداني يمثل صعوده «بروز جيل جديد من القادة، أقل اهتماماً بالشعارات وأكثر تركيزاً على النتائج» حسب الـ«نيويورك تايمز»، لكن معارضيه يرون فيه «استمراراً لنظام سياسي يضيق فيه هامش التعدّدية».

إرث مثقل بالتحديات

في الواقع، يمكن القول إن روموالد واداني يتولّى محمّلاً بإرث مثقل بالتحدّيات السياسية والأمنية والاتهامات بتقييد المعارضة، ومسار اقتصادي تغييري حقّق قدراً من النمو والازدهار؛ ما يضعه أمام معادلة صعبة لاستكمال مسار التغيير الاقتصادي ومواجهة التحدّيات الأمنية مع الحفاظ على استقرار البلاد سياسياً.

ويُعدّ الفقر أحد أخطر التحديات التي تواجه واداني، لا سيما مع تجاوز نسبته أكثر من 30 في المائة من السكان. ويضاف إلى ذلك تصاعد الهجمات «الإرهابية» في الشمال؛ ما يفرض ضغوطاً على الجيش والسلطة، وانتقادات المعارضة لغياب التعددية و«الانفتاح السياسي الحقيقي».

وبينما يرى مراقبون أن الرئيس الجديد سيواصل النهج الاقتصادي الذي قاده خلال فترة سلفه تالون، فهم يؤكدون أن قياس نجاحه سيظل رهناً بقدرته على تحقيق تنمية أكثر شمولاً من جهة واحتواء التهديدات الأمنية وإعادة التوازن للحياة السياسية من جهة أخرى.وهكذا، بين الاستمرارية وضغوط الانفتاح والتغيير الديمقراطي، يدخل واداني عازماً على تحقيق مستقبل أفضل لشعب بنين. ويرى مراقبون أن سنواته الأولى في الحكم ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان سيُرسّخ نموذجاً ناجحاً للحكم الرشيد، أم سيواجه أزمات تعيد طرح الأسئلة القديمة حول الديمقراطية والتنمية في غرب أفريقيا.