مراكز أبحاث أميركا... و«حرب غزة»

إدارة بايدن تسعى للمعادلة بين دعم حليفتها وتجنّب توسيع الصراع

تظاهرة مؤيدة للفلسطينيين في مدينة نيويورك (آ ب)
تظاهرة مؤيدة للفلسطينيين في مدينة نيويورك (آ ب)
TT

مراكز أبحاث أميركا... و«حرب غزة»

تظاهرة مؤيدة للفلسطينيين في مدينة نيويورك (آ ب)
تظاهرة مؤيدة للفلسطينيين في مدينة نيويورك (آ ب)

كشف الهجوم الكبير، الذي نفذته «حركة حماس» يوم السبت الماضي على إسرائيل، والرد الإسرائيلي على قطاع غزة، عن 3 مؤشرات، قد تؤدي إلى إعادة تشكيل السياسات الأميركية في المنطقة، على المديين القريب والبعيد. الأول، تصاعد الدعوات لمراجعة سياسة الابتعاد عن «الحروب الأبدية»، التي دعمها الحزبان الديمقراطي والجمهوري. والثاني، الموقف من إيران الذي لا يزال يقسم الحزبين الرئيسيين، على الرغم من تقاطعاتهما في نهاية المطاف على «تحييدها» عن تحمّل مسؤولية «الفوضى» التي تنشرها في المنطقة، وفق قيادات الحزبين ومعظم مراكز الأبحاث الأميركية. والثالث، تداعيات تأثير الحرب الجديدة على الاصطفافات الحزبية القائمة على أسس سياسية وآيديولوجية، من اليمين أو اليسار، تجاه الموقف الأخلاقي من دعم الفلسطينيين والإسرائيليين.

ألكسندربا أوكازيو-كورتيز (آ ب)

منذ اليوم الأول للحرب المندلعة في غزة، نشرت مراكز الأبحاث وكبريات الصحف الأميركية تقارير وتحليلات مكثفة، تناولت الموقف من القضايا الثلاث (أعلاه)، كان الجامع الأكبر بينها وجود إجماع على «إدانة الإرهاب» (مع الدفق غير العادي لمشاهد العنف في اليوم الأول من هجوم «حماس»)، وتحميل إيران المسؤولية عن الهجوم، ودعوة البيت الأبيض إلى تغيير سياساته منها وتجاه المنطقة.

بيد أن الإجماع على «معاقبة غزة» يكاد يطيح بكل المناقشات الجدية السابقة، التي كانت تدعو إلى اعتماد مقاربة جديدة للصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، لدى بعض المراكز البحثية «المتوازنة»، في ظل استبعاد أي كلام عن مسؤولية إسرائيل، التي أدت سياسات حكومتها اليمينية الأكثر تشدداً تجاه الفلسطينيين إلى ما أدت إليه، بحسب تحليلات أميركية عدة.

عودة إلى المنطقة

حتى الآن، يحظى «تعامل» إدارة الرئيس جو بايدن مع «الحرب الجديدة» بتأييد من الحزبين، على الرغم من «الانتقادات» الجمهورية المحدودة، التي لا تعدو مزايدات طبيعية في هذه السنة الانتخابية. ولكن، بحسب صحيفة «وول ستريت جورنال» المحسوبة عادةً على الجمهوريين، يواجه بايدن، «الذي يعود دعمه لإسرائيل إلى نصف قرن»، معضلة في السياسة الخارجية في أعقاب هجمات «حماس»، تتمثّل في كيفية دعم أقرب حليف للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، من دون جرّ أميركا إلى صراع إقليمي خطير.

هذا التساؤل ليس مطروحاً على الديمقراطيين فقط. إذ القرارات التي تتخذها الإدارات الأميركية، بمعزل عن هوية الحزب الحاكم، من شأنها أن ترسم سياسات واشنطن لعقود. ورغم تشديد إدارة بايدن على خيار «حلّ الدولتين»، الذي يعده البعض «لفظياً» في ظل انحياز أميركي كامل لإسرائيل، وميزان قوى مختل عاجز عن ترجمة تنفيذه، حافظت الإدارة على «اتفاقات إبراهيم» التي أنجزتها إدارة الرئيس الجمهوري السابق دونالد ترمب.

وتجمع تعليقات كثير من مراكز الأبحاث على القول إن الحرب الإسرائيلية في غزة تطرح على بايدن سلسلة من التحديات الشائكة في السياسة الخارجية، بينما يعمل المسؤولون الأميركيون على ردع القوى الإقليمية، مثل «حزب الله» اللبناني، عن فتح «جبهة شمالية» في الحرب، في ظل تعقيدات ملف أكثر من 150 رهينة، محتجزين لدى «حماس».

قرار الانسحاب من أفغانستان وتقليص الوجود الأميركي في أماكن عدة، وخصوصاً من الشرق الأوسط، كان بمثابة إشارة إلى «حقبة جديدة»، عن رفض واشنطن التورط في «رمال تلك الصحراء»، (بحسب أوباما) والابتعاد عن «حُفر القرف» في أفريقيا (بحسب ترمب)، والتركيز بدلاً من ذلك على الدبلوماسية وسياسة العقوبات التي تتبعها واشنطن مع روسيا، على الرغم من دعمها لأوكرانيا، وتتبعها أيضاً مع الصين، التي تعتبرها المنافس الاستراتيجي الأول لها.

ومثلما كان على إدارة بايدن أن تسير على «خيط رفيع» في تقديمها المساعدة العسكرية لأوكرانيا، من دون خوض مواجهة مباشرة مع روسيا، فإن السؤال الآن هو؛ هل يستطيع بايدن تقديم دعم قوي لإسرائيل من دون الخوض في حرب إقليمية، يمكن أن تضع الولايات المتحدة في مواجهة مع إيران؟

رسالة ردع لتجنب الحرب

يرى «معهد الشرق الأوسط» في واشنطن أن إدارة بايدن تجري تحوّلاً في سياستها في الشرق الأوسط إلى مستوى أعلى. ويقول بريان كاتوليس، نائب رئيس السياسات في «المعهد»، إن «الهجوم المفاجئ والصادم الذي شنّته (حماس)، وضع الشرق الأوسط في مرتبة أعلى على أجندة الأمن القومي الشاملة لإدارة بايدن». وتوقّع وضع الجهود الرامية إلى تعزيز نهج الدبلوماسية الأكثر استباقية - بما في ذلك جهود التطبيع - في مرتبة متأخرة، بينما ينخرط فريق بايدن في «دبلوماسية الأزمات»، ويكثّف الدعم الأمني للشركاء في جميع أنحاء المنطقة.

لكن الهجمات، إلى جانب علاقة أميركا الطويلة الأمد مع إسرائيل، قد تشيران أيضاً إلى استعداد واشنطن للعب دور رئيس في دعم الجيش الإسرائيلي خلال الأسابيع المقبلة، فضلاً عن إرسالها مجموعة حاملة الطائرات «يو إس إس جيرالد فورد»، فهي ستُلحِقها بمجموعة حاملة طائرات ثانية في الأسبوعين المقبلين، كجزء من تصعيد الجهود العسكرية الأميركية «لمنع (حزب لله) من الانضمام إلى الحرب، وإيران من تصعيدها واستغلالها»، كذلك عرضت الولايات المتحدة التخطيط والدعم الاستخباراتي من «قيادة العمليات الخاصة» لمساعدة إسرائيل في التعامل مع أزمة الرهائن، الذين من بينهم نحو 17 أميركياً.

هنا يقول إيان بريمر، رئيس مجموعة «أوراسيا»، وهي مؤسسة أبحاث واستشارات المخاطر السياسية، إنه من المنطقي أن يكون لدى بايدن رد فعل قوي بالنظر إلى «حجم ووحشية» هجمات «حماس». وتابع بريمر: «يجب أن يكون مستوى الدعم الأميركي فورياً وغير سياسي، في الوقت الذي يكون كل شيء سياسياً في الولايات المتحدة، وهذا أمر بديهي».

موقفه هذا يشير إلى أن الدعم الأميركي لإسرائيل يقفز فوق كل الخلافات الحزبية، مثلما توضحه أيضاً تعليقات عدد من أعضاء الكونغرس أخيراً. فقد أعلن النائب اليميني المتشدد ماثيو غايتز، الذي لعب دوراً أساسياً في عزل رئيس مجلس النواب كيفن مكارثي بسبب موافقة الأخير على تخصيص أموال لأوكرانيا، عن دعمه من دون تحفظ تخصيص الأموال لدعم إسرائيل.

إيران هي العقدة

بالنسبة إلى مقاربة العلاقة مع إيران، كانت إدارة بايدن ولا تزال تتعرض للانتقاد، من ضفتي الطيف السياسي الأميركي، حتى قبل اندلاع الحرب. أما السبب فهو إصرارها على مواصلة نهجها «الدبلوماسي»، رغم «فضيحة» تعليق عمل مبعوثها الخاص روبرت مالي، على خلفية «تسريبات غير مصرّح بها»، وما تلاها من كشف لشبكة «مؤثرين»، يعمل بعضهم في إدارته، ضمن ما يسمى «مبادرة خبراء إيران».

اليوم، ومع محاولة ربط كثير من السياسيين ومراكز الأبحاث والصحف الأميركية هجوم «حماس» بإيران، يقول جيسون برادوسكي، من معهد «أتلانتيك كاونسل»، إن ما حدث «نتيجة تلك السياسات التي اعتبرتها طهران دليلاً على ضعف الولايات المتحدة ووهنها، وضعف إسرائيل من الداخل، لقلب الأوضاع في المنطقة».

وتذهب مجلة «فورين أفيرز» أبعد من ذلك، وترى أن «الوقت قد حان منذ زمن طويل للتخلص من تلك العقلية»، وأن الدبلوماسية السابقة تجاه إيران «تشكّلت عبر الاقتناع بإمكانية إقناعها بقبول التنازلات العملية التي تخدم مصالح بلادها». وإذا كان هذا الأمر ذات مرة ذا مصداقية، فإن النظام الإيراني عاد إلى فرضيته الأساسية؛ التصميم على قلب النظام الإقليمي بأي وسيلة، ولذا ينبغي على واشنطن أن تتخلص من أوهام التوصل إلى هدنة معه.

وعلى الرغم من تطور موقف بايدن بشكل كبير عن نهج أوباما إزاء التحديات الجيوسياسية الأخرى، ترى المجلة أن «سياسة الولايات المتحدة تجاه إيران هي وحدها التي تظل غارقة في الافتراضات التي عفّى عليها الزمن قبل عقد من الزمن. وفي البيئة الحالية، لن يؤدي التواصل الدبلوماسي الأميركي مع المسؤولين الإيرانيين في بعض عواصم المنطقة إلى ضبط النفس الدائم من جانب طهران».

وتواصل أن واشنطن تحتاج إلى «نشر الواقعية المتشددة نفسها تجاه إيران»، التي ساهمت في توجيه السياسة الأميركية الأخيرة تجاه روسيا والصين، «أي بناء تحالفات من الدول الراغبة في زيادة الضغط وشل الشبكات الإيرانية العابرة للحدود الوطنية، وإعادة التنفيذ الهادف للعقوبات الأميركية، والإيصال بوضوح، من خلال الدبلوماسية ووضع القوة والإجراءات لاستباق الاستفزازات الإيرانية أو الرد عليها، أن الولايات المتحدة مستعدة لردع العدوان الإقليمي الإيراني والتقدم النووي. والشرق الأوسط يتمتع بطريقة تجعله يفرض نفسه على رأس جدول أعمال كل رئيس. وفي أعقاب هذا الهجوم المدمر، على البيت الأبيض أن يرقى إلى مستوى التحدي».

ناثان ساكس (بروكينغز)

الجبهة السورية اللبنانية

من جهة ثانية، يقول ناتان ساكس، مدير مركز سياسة الشرق الأوسط في «معهد بروكينغز»، إنه على الرغم من توقعه تحاشي بايدن إرسال قوات أميركية إلى المنطقة، فإن إرسال الدعم البحري أو الجوي من أجل منع «حزب الله» من الدخول في الصراع «هو نقطة تحول رئيسة، ومن شأنه أن يغير تماماً فحوى الحرب، كما أنه سيعقد الأمور بالنسبة لبايدن».

ومع رسالة «الردع» القوية التي أرسلتها واشنطن إلى إيران و«حزب الله»، بدا ما يشبه الإجماع في تقديرات معظم التحليلات الأميركية على أن توسيع الجبهة عبر توريط الجبهة اللبنانية والسورية قد يكون أمراً مستبعداً.

لكن مع ذلك، يقول مارك دوبوفيتز، رئيس «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، إن «استعراض القوة» الأميركي لدعم إسرائيل مرهون بتغيير نظرة المرشد الإيراني علي خامنئي... وخامنئي يعتقد أنه ليس لديه الكثير مما يخشاه من واشنطن، التي يراها «نمراً من ورق»، وأن الأمر يعتمد على تطوّر الأمور على الأرض في الأيام المقبلة.

ومن ثم، يطالب دوبوفيتز إدارة بايدن بالردّ بالقوة نفسها التي ردّت بها على فظائع «داعش»، وهو ما «تنتظره» إسرائيل، التي عليها بمجرد اكتمال حربها في غزة، أن تحول اهتمامها إلى إيران، بما يشمل توجيه ضربات إلى مواقعها النووية أيضاً. وينهي كلامه منبهاً: «لا يخطئن أحد، فاحتمالات نشوب حرب إقليمية أكبر آخذة في التزايد».

إسرائيل نقطة نقاش ساخنة

قضية أخرى استحوذت على المناقشات الأميركية. إذ خلق هجوم «حماس» عقبة أخرى في السياسة الخارجية أمام بايدن، الذي يواجه إعادة انتخاب صعبة مع تنامي خطاب الانعزال داخل البلاد، وهي حالة تحوّل إسرائيل عملياً إلى نقطة نقاش ساخنة في صفوف الحزب الديمقراطي، مع تزايد عدد المؤيدين لنهج أكثر توازناً في تقييم العلاقة مع الفلسطينيين.

فقد أظهر استطلاع للرأي أجرته مؤسسة «غالوب» خلال مارس (آذار) أن 49 في المائة من الديمقراطيين، قالوا إن تعاطفهم أكبر مع الفلسطينيين، بينما قال 38 في المائة إن تعاطفهم أكبر مع الإسرائيليين. وجاءت هذه النتائج لافتة في ظل استطلاع سابق، حظيت فيه إسرائيل بتعاطف 78 في المائة من الجمهوريين، و49 في المائة من المستقلين.

في أي حال، أظهرت الضجة التي أثارتها المظاهرة المؤيدة للفلسطينيين، التي نظمت يوم الأحد، في ساحة «تايمز سكوير» بقلب مدينة نيويورك، انقسامات سياسية، تصاعدت جراء هجوم «حماس». ووفق صحيفة «نيويورك تايمز» أدى الهجوم إلى قلب المشهد السياسي في نيويورك رأساً على عقب، ما أدى إلى شق خطوط صدع مفتوحة بين اثنتين من أهم الكتل الانتخابية في المدينة؛ الجالية اليهودية التي تعد ثاني أكبر جالية في العالم، والحركة اليسارية النشطة حديثاً، التي صعدت إلى مكانة بارزة في انتخابات المدينة عام 2008.

اليسار مُحرَج

اندلع التوتر بعدما دعا فرع نيويورك لما يُسمى بـ«الاشتراكيين الديمقراطيين الأميركيين» إلى مسيرة مؤيدة للفلسطينيين. وبينما كان المتظاهرون يهتفون مهلّلين بالصواريخ التي أطلقت على إسرائيل، رغم مشاهد العنف التي طالت المدنيين، أعرب سياسيون ديمقراطيون متحالفون بشكل وثيق مع اليسار في نيويورك عن مخاوفهم، وسارعوا إلى طمأنه سكان نيويورك اليهود الغاضبين.

أيضاً، تحت ضغط متزايد، سعى القادة الديمقراطيون اليساريون إلى إبعاد أنفسهم عن الحدث من دون تنفير النشطاء الذين سهّلوا وصول بعضهم إلى مناصبهم. وتراجع هؤلاء عن تبني المظاهرة، وأصدروا الثلاثاء بياناً يعتذرون فيه صراحة عن «إساءة توضيح قيمنا».

حتى ألكساندريا أوكازيو - كورتيز، النائبة اليسارية الأكثر شعبية في نيويورك، اضطرت لإدانة ما وصفته بـ«التعصّب والقسوة التي عُبر عنهما في تايمز سكوير يوم الأحد». وأضافت أن المظاهرة «لم تتكلم باسم آلاف من سكان نيويورك القادرين على رفض هجمات (حماس) المروّعة ضد المدنيين الأبرياء، وكذلك الظلم الجسيم والعنف الذي يواجهه الفلسطينيون تحت الاحتلال». أما النائب جمال بومان، الذي انتُخِب عام 2020 بمساعدة الاشتراكيين اليساريين في منطقته التي تسكنها غالبية يهودية، فقد هاجم المظاهرة، ووصف هجوم «حماس» بأنه انتهاك للقانون الدولي. وإن كان رغم ذلك، حذّر من «الخلط بين المدنيين الفلسطينيين ومسلّحي (حماس)، أو إغفال الأسباب الجذرية لهذا الصراع».

وحقاً، ما حدث، عكس الواقع المتغير والمعقّد لنيويورك الليبرالية، المدينة التي تعدّ منبع الثقافة الأميركية اليهودية ومسقط رأس اليسار الأميركي الحديث. وفي حين لا يزال الديمقراطيون في نيويورك داعمين عموماً لإسرائيل كدولة، فإن الانتقادات والمعارضة الصريحة داخل أوساطهم غدت واسعة النطاق في السنوات الأخيرة. ويرى كثيرون من الناشطين اليساريين الشباب، بما في ذلك اليهود، أن «التحرير الفلسطيني» مرتبط ارتباطاً وثيقاً بقضية العدالة العنصرية، وينظرون إلى إسرائيل على أنها أمة مُضطهِدة مزدهرة. كذلك يعارض كثير من اليهود بشدة حكومتها اليمينية، التي يعتقدون أنها تعمل على إضعاف الديمقراطية ويخشون أن تقوّض إمكانية التعايش السلمي بين اليهود والفلسطينيين.

حالياً... أنصار إسرائيل يتقدّمون

> في خضم تصاعد أعداد القتلى الإسرائيليين، فإن الهجوم الإسرائيلي المستمر على قطاع غزة - الذي يواصل رفع أعداد الضحايا الفلسطينيين - يدفع أنصار إسرائيل من مختلف التكتلات التي شكلت تقليدياً قاعدة للديمقراطيين، إلى تنحية الخلافات السياسية جانباً والتجمع معاً ككتلة واحدة.

ويرى البعض أن ما حدث «أعاد عقارب الساعة إلى الوراء»، بعدما كان توجيه الانتقاد إلى سياسات واشنطن وإسرائيل تجاه الفلسطينيين قد كسر «المحرّمات» السابقة. بيد أن المقاربة اليسارية لتلك القضية، التي كانت تقابلها مقاربة يمينية متشددة ومعادية للسامية، يتباهى مؤيدوها بخطاب يميني يدعم تيار ما يسمى «ماغا» (أي «اجعل أميركا عظيمة مرة أخرى»).

لقد كان مؤيدو إسرائيل يوجهون الانتقادات إلى كلا التيارين. وبالفعل، سعوا جاهدين إلى وقف نمو التيار اليساري الذي تمكن من اختراق أرقى الجامعات الأميركية، كجامعة هارفارد التي تخرج فيها كثير من الرؤساء والقادة السياسيين الأميركيين.

القصف شمل القوارب في ميناء غزة (رويترز)

غير أن الضغوط الجديدة والمتزايدة لدعم إسرائيل، ونجاح الحملة الإعلامية في «شيطنة» الفلسطينيين، عوامل دفعت بكثير من الناشطين إلى تحذير قادة التيار اليساري من أنهم قد يتحولون إلى منبوذين في كثير من المدن الأميركية، وخصوصاً أوساط المجتمعات اليهودية الليبرالية الكبيرة في نيويورك، التي تعد من أشد المنتقدين للحكومات اليمينية الإسرائيلية.

وفي مقابلة مع جيريمي كوهان، الرئيس المشارك لفرع الاشتراكيين الديمقراطيين في نيويورك، قال كوهان إن المنظمة «روّجت للمسيرة بناءً على طلب مجموعة تضامن فلسطينية، ولم يكن متأكداً من أي منها، وإن الفرع لم يقم بتنظيم أو رعاية هذا الحدث». وأردف: «لا أعتقد أنني أندم ولو لدقيقة واحدة على الوقوف ضد الحرب، والوقوف لدعم نهج يشير إلى الجذور الأعمق لهذا الصراع... لكننا لم ننقل ذلك بطريقة تراعي بشكل كافٍ معاناة الناس على جميع أطراف الصراع». 3 متغيرات في موقف واشنطن: عودة للمنطقة وتشدد مع إيران وتصدّع الخطاب ضد إسرائيل


مقالات ذات صلة

السعودية و20 دولة ومنظمة تدين قرارات إسرائيل لتسريع «التوسع» في الضفة

الخليج جنود إسرائيليون خلال عملية عسكرية غرب جنين في الضفة الغربية (إ.ب.أ)

السعودية و20 دولة ومنظمة تدين قرارات إسرائيل لتسريع «التوسع» في الضفة

أدانت السعودية و20 دولة ومنظمة قرارات إسرائيل الأخيرة التي تُدخل توسّعات واسعة النطاق على سيطرتها غير القانونية على الضفة الغربية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
المشرق العربي آثار حريق على باب مسجد أبو بكر الصديق في قرية تل غرب نابلس بعدما سكب مستوطنون مواد قابلة للاشتعال عند مدخل المسجد (أ.ف.ب)

مستوطنون يضرمون النار في مسجد بشمال الضفة

استنكرت وزارة الأوقاف والشؤون الدينية الفلسطينية، الاثنين، إحراق مجموعة ممن وصفتهم بأنهم «عصابات المستعمرين اليهود» مسجد أبو بكر الصديق في قرية تل غرب نابلس.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
العالم العربي سيدة تبكي خلال تشييع محمد وهبي عبد العزيز حنني (17 عاماً) الذي قُتل بعد إطلاق قوات إسرائيلية النار عليه في بيت فوريك بالضفة الغربية (إ.ب.أ)

مقتل فلسطينيين في الضفة الغربية وغزة وسط استمرار التوترات الميدانية

أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية وفاة فتى فلسطيني متأثراً بإصابته برصاص الجيش الإسرائيلي شرق مدينة نابلس شمال الضفة الغربية.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي فلسطينيون يتجمعون لوجبة الإفطار بين أنقاض المنازل شمال قطاع غزة (إ.ب.أ) p-circle

شبكة المنظمات الأهلية في غزة: البيوت المتنقلة لم تدخل إلى القطاع

قال رئيس شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية، أمجد الشوا، إن أيا من البيوت المتنقلة (الكرفانات) لم تدخل إلى قطاع غزة حتى الآن رغم الاحتياجات الإنسانية.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي المصلون الفلسطينيون متجمعون في باحة المسجد الأقصى لأداء صلاة الجمعة (إ.ب.أ) p-circle 00:26

عشرات الآلاف يؤدون صلاة الجمعة الأولى من رمضان في المسجد الأقصى (فيديو)

عبر نحو 8500 فلسطيني من الضفة الغربية المحتلة نقاط التفتيش الإسرائيلية إلى القدس لأداء صلاة الجمعة في المسجد الأقصى اليوم، وفقاً للسلطات الإسرائيلية.

«الشرق الأوسط» (القدس)

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.