تراجع الغرب في الساحل الأفريقي أفسح المجال لـ«القاعدة»

الاضطرابات الأمنية منحت «الجماعات الإرهابية» فرصة لتوسيع نفوذها

صراع داعش والقاعدة في منطقة الساحل الأفريقي
صراع داعش والقاعدة في منطقة الساحل الأفريقي
TT

تراجع الغرب في الساحل الأفريقي أفسح المجال لـ«القاعدة»

صراع داعش والقاعدة في منطقة الساحل الأفريقي
صراع داعش والقاعدة في منطقة الساحل الأفريقي

دأبت النظم الانقلابية، التي وصلت أخيراً إلى الحكم في دول الساحل الأفريقي، على صب جام غضبها على الوجود العسكري الغربي، المتمركز هناك بداعي «مكافحة الإرهاب». ولقد كان لفرنسا النصيب الأكبر فيه، باعتبارها المستعمرة السابقة، وصاحبة الحضور التاريخي في أفريقيا. لكن، مع الخروج المتتالي للقوات الفرنسية، وتقلص الدور الغربي بشكل عام في دول الساحل الأفريقي، أخذ نفوذ الجماعات الإرهابية يتنامى بوتيرة غير مسبوقة، وفقاً لمراقبين رصدوا حضوراً لافتاً لتنظيم «القاعدة»، في عدة دول بينها مالي وبوركينا فاسو.

تسببت منطقة الساحل الأفريقي (غرب القارة) في وفيات «إرهابية» عام 2022، أكثر من تلك التي شهدتها بلدان جنوب آسيا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا مجتمعة، وفق تقرير مؤشر الإرهاب لعام 2023.

وقد لفت التقرير الصادر عن معهد «الاقتصاد والسلام الدولي» إلى أن «الوفيات شكلت ما نسبته 43 في المائة من إجمالي الوفيات المسجلة في العالم». وفي هذا السياق، شكلت مناطق مالي وبوركينا فاسو 73 في المائة من الوفيات الناجمة عن الإرهاب في المنطقة. وأسفرت جهود مكافحة الإرهاب الحكومية في منطقة الساحل عن سقوط ضحايا من المدنيين قدروا بنحو 1058 مدنياً خلال عام 2022، ارتفاعاً من 158 مدنياً خلال 2021، وهو عدد مماثل لهؤلاء الذين سقطوا نتيجة للهجمات الإرهابية. الأمر الذي يؤدي، وفقاً للتقرير، إلى «تصاعد الغضب بين السكان المحليين، وهو ما قد تسعى التنظيمات الإرهابية إلى توظيفه في عمليات تجنيد جديدة، وتأجيج النزاعات المحلية والطائفية، وبث مشاعر مناهضة للنظام». واتسعت الرقعة الجغرافية للنشاط الإرهابي ليمتد من منطقة الساحل إلى غرب أفريقيا الساحلية المجاورة. وسجلت أكبر الزيادات في النشاط الإرهابي في توغو وبنين.

أحمد سلطان، الخبير المصري في شؤون الجماعات المتطرفة، قال في لقاء مع «الشرق الأوسط»: إن منطقة الساحل «بيئة خصبة للجماعات الإرهابية حيث تستغل تلك الجماعات التوترات التاريخية والكبيرة بين المجتمعات المحلية في المناطق الحدودية، والصراع بين القبائل والعشائر على الموارد الشحيحة في ظل عجز الحكومات عن السيطرة على مساحات ترابية وطنية كبيرة». وأردف: «ثمة عوامل جغرافية مثل سهولة العبور واختراق الحدود بين دول المنطقة، لكن كل تلك العوامل يمكن احتواؤها لو تسنى التوصل إلى حكومات قوية ورشيدة تهتم بمعالجة جذور الأزمة».

عداء للغرب

توترت العلاقات بين النظم العسكرية الجديدة في دول الساحل الأفريقي مع فرنسا، وسارت مظاهرات شعبية لتأييد السلطات العسكرية في مالي وبوركينا فاسو وأخيراً في النيجر، تندد بفرنسا وسياساتها وهيمنتها وتطالبها بالخروج من البلاد. وفي المقابل، باتت هذه الدول أقرب إلى روسيا، كون شعوبها لا ترى في موسكو «قوة استعمارية تهيمن على مقاديرهم وتتدخل في شؤونهم»، وفق مراقبين، تحدثوا عن تعاون متزايد بين تلك الأنظمة العسكرية في مالي وبوركينا فاسو مع مجموعة «فاغنر» الروسية، في حربهم ضد التنظيمات الإرهابية.

كذلك استمدت النظم العسكرية التي تولت السلطة بعد الانقلابات العسكرية قسطاً كبيراً من شرعيتها الشعبية عبر ادعاء امتلاكها القدرة على مواجهة الجماعات الإرهابية. لكن مقابل ذلك، لفرنسا سردية مضادة عبّر عنها سيباستيان لوكورنو، وزير الجيوش الفرنسية في تصريحات سابقة، حين قال إن الانقلابات العسكرية التي شهدتها منطقة الساحل أخيراً ستؤدي إلى «الانهيار».

لوكورنو عدّ انسحاب القوات المسلحة الفرنسية من هذه البلدان إخفاقاً لهذه الدول وليس فشلاً للسياسة الفرنسية هناك. وتابع «النظام (العسكري) في مالي فضّل (فاغنر) على الجيش الفرنسي. رأينا النتيجة: منطقة باماكو باتت منذ ذلك الحين مطوقة من قبل (الجهاديين)». وقال: «طلبهم الرحيل منا كان كافياً ليستأنف الإرهاب نشاطه»، مشيراً إلى «تسجيل 2500 حالة قتل في بوركينا فاسو على صلة بالإرهاب»، منذ الانقلاب العسكري في سبتمبر (أيلول) 2022. وحذّر من أن «مالي باتت على شفير التقسيم، والنيجر للأسف ستتبعها على المسار ذاته».

حالة مالي

على الرغم من طرد السلطات المالية الانقلابية للقوات الفرنسية ذات الحضور التاريخي مالي ومطالبتها بعثة الأمم المتحدة بالرحيل، الذي بدأ بالفعل، لم ينجح المجلس العسكري في تقليص النفوذ الإرهابي هناك. ووفق مركز الدراسات الاستراتيجية الأفريقية (مقره في الولايات المتحدة)؛ فإنّ جزءاً كبيراً من شمال البلاد بات واقعياً تحت سيطرة مجموعات من المقاتلين المتشددين. وتتجه مالي لتسجيل أكثر من 1000 عملية عنف مرتبطة بالمجموعات المسلحة في 2023، وهو ما سيتفوق على مستوى العنف القياسي المسجّل العام الماضي، ويشكّل زيادة 3 أضعاف تقريباً، مقارنة بتاريخ سيطرة الجيش على الحكم في 2020. ويبرز في هذا السياق النفوذ المتزايد لتنظيم «القاعدة»، حيث تفرض جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين» التابعة للتنظيم حصاراً على مدينة تمبكتو يكاد يدخل شهره الثاني، من دون تمكن الجيش المالي وقوات «فاغنر» من التعامل معه بنجاعة. وهكذا تعيش المدينة الأثرية الواقعة شمال مالي في عزلة تامة منذ قرر التنظيم بشكل مفاجئ قطع كل الطرق المؤدية إليها مطلع أغسطس (آب) الماضي متسبباً في كارثة إنسانية. وبعدما ظن سكان تمبكتو أن إعلان فرض الحصار كان لمجرد الترهيب؛ فإنه مستمر ويتسع، ولا يقتصر على تمبكتو؛ إذ فرضت الجماعة حصاراً جزئياً على مدينة غاو الرابطة على ضفاف نهر النيجر وتبعد 320 كلم إلى الجنوب الشرقي تمبكتو.

واليوم يستغل التنظيم جبهة أخرى تزداد المعارك فيها بإطراد، بعدما أعلن تحالف «إطار العمل الاستراتيجي الدائم للسلام والأمن والتنمية»، وهو تحالف حركات من العرب والطوارق الأزواديين يدعو إلى انفصال شمال مالي، الشهر الماضي، أنه دخل في حالة حرب مع المجلس العسكري الحاكم ومجموعة «فاغنر» المتحالفة معه، وبعدها أعلنت تنسيقية حركات أزواد التعبئة العامة وتشكيل «جيش تحرير أزواد» ودعت سكان الإقليم للتوجه إلى ساحات القتال «لحماية الوطن والدفاع عنه». ولقد أعلنت التنسيقية سيطرتها على مواقع وقواعد عسكرية في الإقليم وإسقاطها مروحيات للجيش في مواجهات هي الأولى من نوعها بين الطرفين من حيث شدتها، منذ انتهاء الصراع الدامي بينهما الذي نشب عام 2012 حول السيادة على إقليم أزواد.

استمدت نظم الانقلابات العسكرية قسطاً كبيراً من شرعيتها شعبياً عبر ادعاء امتلاكها القدرة على مواجهة الجماعات الإرهابية

بوركينا فاسو

أما بوركينا فاسو فقد احتلت المرتبة الثانية على مستوى العالم بعد أفغانستان في مؤشر الإرهاب العالمي لعام 2023؛ إذ سجلت 310 عمليات إرهابية نجم عنها مقتل 1135 شخصاً، مما يعني زيادة 50 في المائة مقارنة بعام 2021، وإصابة 496 آخرين في عام 2022.

تسببت هجمات جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين» (الموالية لتنظيم «القاعدة» الإرهابي) في 48 في المائة من إجمالي عدد القتلى في بوركينا فاسو عام 2022، وشكلت الوفيات الناجمة عن الإرهاب في بوركينا فاسو 17 في المائة من إجمالي الوفيات الناجمة عن الإرهاب على مستوى العالم. وراهناً تسيطر جماعة «أنصار الإسلام» المقربة من جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين»، على 40 في المائة من أراضي الدولةن وفق تقديرات الحكومة الأميركية، وتهدد بعملياتها دول الجوار.

وكانت السلطة العسكرية الحاكمة أطلقت في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، حملة لتجنيد 50 ألف متطوع للقتال ضد الجماعات الإرهابية، ونجحت الحملة في تجنيد 90 ألف مواطن، وتتهم هذه المجموعات المتطوعة بارتكاب انتهاكات تستهدف فيها جماعات من السكان على أسس عرقية.

انقلاب النيجر

آخر المحطات الانقلابية في منطقة الساحل كانت هذا العام في النيجر، التي أثار انقلابها اهتماماً دولياً غير مسبوق، علاوة على التلويح الأفريقي من خلال منظمة «إيكواس» بالتدخل العسكري لاستعادة النظام الدستوري، وهو ما أيدته باريس. حالياً تتصاعد الهجمات الإرهابية في النيجر منذ انقلاب يوليو (تموز) الماضي الذي أطاح بالرئيس محمد بازوم وما عقب ذلك من مواجهة مع فرنسا شبيهة بتلك التي حدثت في مالي وبوركينا فاسو في نتائجها، وأسفرت المواجهة عن تعهد فرنسا بمغادرة قواتها النيجر بعد رفضها الأولي. فلقد أعلن الرئيس إيمانويل ماكرون أخيراً سحب سفير بلاده من العاصمة نيامي ومغادرة الجنود الفرنسيين البالغ عددهم 1500 جندي والمتمركزين في النيجر بحلول نهاية العام.

آخر الهجمات شهدها هذا الأسبوع، وذكرت وزارة دفاع الحكومة الانتقالية أن عملية إرهابية استهدفت الجيش النيجري خلفت 29 قتيلاً. وفي منتصف أغسطس (آب) الماضي، قُتل ما لا يقلّ عن 17 جندياً نيجرياً وأصيب 20 آخرون بجروح في هجوم إرهابي قرب الحدود بين النيجر وبوركينا فاسو. ويذكر أن العسكريين الذين نفذوا الانقلاب اتهموا حكم بازوم بأنه تسبب في اضطراب أمن البلاد. وتوصف المنطقة الحدودية بين النيجر وبوركينا فاسو ومالي بأنها «المثلث الأخطر»، حيث تنشط التنظيمات الإرهابية وتنطلق منها لاستهداف مناطق أخرى.

وفي تتويج لتحالف الأنظمة الانقلابية في مواجهة فرنسا و«إيكواس»، شكل قادة مالي وبوركينا فاسو والنيجر، الشهر الماضي، اتفاقاً للدفاع المشترك تحت ميثاق عرف بـ«ليبتاكو غورما» يلزم الدول الثلاث بالتعاون، بما في ذلك عسكرياً، في حال وقوع هجوم على أي منها.

قوات فرنسية في تمبكتو بشمال مالي (أ ف ب)

آثار الانقلابات

يرى أحمد سلطان أن الانقلابات العسكرية في دول الساحل «أضعفت من قدرات الجيوش - الضعيفة أساساً - بسبب انصراف النخب العسكرية إلى تثبيت حكمهم وسيطرتهم السياسية على دولهم والمواجهة مع القوى الإقليمية والدولية الرافضة للانقلابات العسكرية التي تفرض في الغالب عقوبات تؤثر سلباً على حياة الشعوب الفقيرة».

وأضاف «غياب الدولة عن تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين يدفع الآلاف منهم للانضمام للتنظيمات الإرهابية... وأدى طرد القوات الأجنبية من مالي وبوركينا فاسو وبعدهما النيجر إلى تراجع قدرات مواجهة التنظيمات الإرهابية في ظل الفراغ الذي تركه هذا الانسحاب، الذي استطاعت التنظيمات الإرهابية استغلاله سريعاً في ظل فشل الجيوش المستعينة بقوات فاغنر في المواجهة».

ورأى سلطان أن ما يفاقم الوضع أن «مواجهة الإرهاب لا تقتصر على الجانب العسكري؛ بل لا بد أن يتواكب مع استراتيجيات اقتصادية تنموية. كذلك فإن تلك الدول التي تعاني من خلافات إثنية وعرقية متجذرة تحتاج استقراراً سياسياً واجتماعياً لا تستطيع البيئات المصاحبة للانقلابات توفيره في ظل هشاشة الأوضاع الأمنية».

بدوره، يرى عبد الفتاح الفاتحي، مدير «مركز الصحراء وأفريقيا للدراسات الاستراتيجية» في حوار مع «الشرق الأوسط»، أن انسحاب القوات الفرنسية والقوات الأممية، بعد الانقلابات على الرغم من كونه يلقى تأييداً شعبياً؛ «فإن الجماعات الإرهابية وعلى رأسها القاعدة وتنظيم داعش أعدوا الانسحاب فرصة سانحة واستغلوه جيداً في توسيع نفوذهم».

وأضاف الفاتحي أن «قدرات الجيوش في مالي وبوركينا فاسو، لا تستطيع مجاراة تلك الجماعات ذات الخبرة الكبيرة على الأرض التي صارت تمتلك حاضنات شعبية نتيجة لتفشي الفقر وغياب دور الدولة؛ مما أدى إلى نشاط كبير في عمليات التجنيد في المنطقة». ورأى كذلك أن التنظيمات الإرهابية «نجحت في سياسة الإرهاق برفع تكلفة الورقة الأمنية والاقتصادية والسياسية للدولة المركزية في مواجهتهم، وذلك في ظل العزلة الدولية والإقليمية التي عانت الأنظمة منها كنتيجة للانقلابات». واختتم أن الانقلابات «خلفت فراغاً سياسياً وإدارياً وعسكرياً وارتباكاً اجتماعيا».

من جهته، قال المحلل السياسي التشادي إسماعيل طاهر لـ«الشرق الأوسط» إن عدم وجود الفرنسيين أدى إلى «افتقار جيوش منطقة الساحل إلى معلومات استخباراتية فعالة في مواجهة المنظمات الإرهابية، كما أدى إلى الافتقار لبرامج مهمة في مجال التدريب العسكري».

ويرى طاهر أن انسحاب القوات الأممية «ترك فراغاً أمنياً في مالي سيحتاج الجيش لخوض معارك طويلة لملئه وسط تنافس مع القاعدة والأزواديين للسيطرة على القواعد السابقة لـ(مينوسما) والمناطق التي تحيط بها».

أسباب تفوق «القاعدة»

على أية حال، الساحة في منطقة الساحل أساساً ساحة تنافس واقتتال شرس بين تنظيم «داعش» وفروعه في مواجهة تنظيم «القاعدة» وفروعه، لكن المحللين يرون غلبة للأخير في الوقت الحالي. إذ ضاعف متطرفو «داعش» تقريباً الأراضي التي يسيطرون عليها في مالي خلال أقل من سنة، وفق تقرير للأمم المتحدة صدر في أغسطس (آب) الماضي. وفي هذا السياق، يرى سلطان أن «تفوق القاعدة على تنظيم داعش في منطقة الساحل ليس مطلقاً ولا نهائياً، وأن التنافس بين التنظيمين سيظل مستمراً، لكن الغلبة الآن لتنظيم القاعدة الذي استطاع تنظيم صفوفه بشكل جيد خلال سنوات عديدة».

لكن سلطان يتوقع أن يحاول «داعش» مستقبلاً قضم رصيد «القاعدة» ومكتسباتها. ويقول: «إن القاعدة تكسب أرضاً بفضل عددها الأكبر، عن طريق ترسيخ وجودها في حاضنة اجتماعية تتمدد بسبب حرص التنظيم على إقناع المواطنين في مناطق نفوذه بأنه يكفل لهم الحماية من داعش ومن هجمات الجيوش. ثم إن المواطنين في منطقة الساحل يرون خطاب القاعدة أكثر اعتدالاً وأقل تشدداً من داعش».

إمارة جديدة

وحول تكتيكات «القاعدة» في مالي، رأى محللون أن «القاعدة استلهمت الأسلوب الذي اتبعته حركة طالبان الأفغانية للهيمنة السريعة على الأرض، كما فعلت طالبان عقب الانسحاب الأميركي، وقاموا من خلال هذا التكتيك باحتلال مواقع القوات الحكومية الأفغانية».

وكما استغلت طالبان الفراغ الأمني الذي خلفه الانسحاب الأميركي؛ فإن المتطرفين في الساحل يستغلون الارتباك الأمني جراء الاضطرابات السياسية التي عمّت المنطقة بعد الانقلابات... وأيضاً يستغلون هشاشة الأوضاع الأمنية الناجمة عن انسحاب القوات الفرنسية وقوات حفظ السلام الأممية، للسيطرة على مناطق واسعة من البلاد.

هنا استبعد الفاتحي احتمالات «تفكير القاعدة في تأسيس إمارة إسلامية في الساحل حالياً»، لكنه رأى أن ذلك «يبقى رهاناً مستقبلياً يستعجل التنظيم خلق شروط طبيعية له كما فعلت طالبان في أفغانستان وعلى شاكلة ما فعلت (داعش) في سوريا والعراق». ويوافق هنا سلطان على أن «القاعدة» لا تفكر حالياً بإقامة الإمارة لكن يرجح أن لديها مخطط لذلك في المستقبل. وتابع سلطان: «لا يزال من المبكر جداً الحكم على حرب ستطول بين التنظيم والجيش المالي، لا سيما بعد تصعيد القاعدة بحصارها للمدن والقرى».

ومن جانبه، يرى طاهر أن «أقصى ما يمكن لتنظيم القاعدة فعله هو إقامة إمارة في مناطق شمال مالي من خلال التعاون مع الأزواديين في مواجهة الجيش المالي وفي مواجهة تنظيم داعش الذي يسعى بدوره إلى إقامة دولته في الساحل».

 


مقالات ذات صلة

مؤشرات على تورط «داعش» في هجوم القنصلية الإسرائيلية بإسطنبول

شؤون إقليمية انتشار أمني كثيف في موقع الاشتباك الذي وقع قرب القنصلية الإسرائيلية في إسطنبول الثلاثاء (رويترز)

مؤشرات على تورط «داعش» في هجوم القنصلية الإسرائيلية بإسطنبول

اعتقلت السلطات التركية 12 مشتبهاً في صلتهم بالاشتباك الذي وقع مع عناصر الشرطة في نقطة تفتيش في محيط مجمع يقع به مقر القنصلية الإسرائيلية في إسطنبول.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شمال افريقيا الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (رئاسة الجمهورية الإسلامية الموريتانية)

موريتانيا تلوّح باللجوء للقانون الدولي بعد مقتل مواطنيها في مالي

قال الرئيس الموريتاني، محمد ولد الشيخ الغزواني، إن الجيش موجود على الحدود مع دولة مالي، رافضاً أي انجرار وراء ما سماه «الاستفزاز».

الشيخ محمد (نواكشوط)
شمال افريقيا جانب من مناورات للجيش الموريتاني على الحدود في أكتوبر الماضي (الجيش الموريتاني)

مقتل 8 موريتانيين على الحدود مع مالي

قال سكان محليون إن 8 موريتانيين، قتلوا أمس (الخميس) داخل أراضي دولة مالي، حيث كانوا يعملون في رعاية قطعان من الماشية خلال رحلة انتجاع عبر الحدود.

الشيخ محمد (نواكشوط)
أفريقيا استنفار أمني في نيجيريا عقب هجوم إرهابي (أرشيفية)

نيجيريا: قتلى ومختطفون في هجمات إرهابية متفرقة

تتواصل الهجمات الإرهابية في نيجيريا مُوقعةً قتلى وجرحى.

الشيخ محمد (نواكشوط)
أفريقيا شاحنة للشرطة النيجيرية خارج السوق في مدينة مايدوغوري بعد الانفجارات الانتحارية الثلاثاء الماضي (رويترز)

نيجيريا: ضربات جوية ضد معاقل «داعش» والقضاء على عشرات الإرهابيين

أعلن الجيش النيجيري أن العمليات الجوية المستمرة في جبهات عدة تركز على حرمان الجماعات الإرهابية والإجرامية من حرية الحركة داخل البلاد.

الشيخ محمد (نواكشوط)

الحرب الإيرانية تعمّق أزمات الاقتصاد المصري

مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
TT

الحرب الإيرانية تعمّق أزمات الاقتصاد المصري

مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)

بينما كانت الحكومة المصرية تستعد لما تعهدت به من جني ثمار الإصلاح وتخفيضات غير مسبوقة في قيمة الديون، جاءت الحرب الإيرانية لتعمّق أزمات الاقتصاد المصري، وتعيق مسار الإصلاح والتنمية، مع محاولات لم تكتمل للتعافي والتقاط الأنفاس من صدمات جيوسياسية متلاحقة عصفت باقتصاد البلاد منذ جائحة «كوفيد - 19». وهكذا وجدت القاهرة نفسها في مواجهة أزمة طاقة عالمية دفعتها لإجراءات استثنائية، آملة أن تنجح في امتصاص الصدمة. لقد اندلعت الحرب الإيرانية بينما كانت مصر تعوّل على تدفقات استثمارية مستقرة، وموسم سياحي قوي، لا سيما مع تحقيق السياحة معدلات «غير مسبوقة»، باستقبالها نحو 19 مليون سائح خلال العام الماضي، بمعدل نمو بلغ 21 في المائة، مقارنة بالعام السابق له، ومع استقرار ملحوظ في قيمة العملة المحلية في مقابل الدولار تحت حاجز الخمسين جنيهاً. لكن حالة الاستقرار والتفاؤل التي دفعت رئيس الوزراء مصطفى مدبولي في وقت سابق للتعهد بتخفيض الديون بنسب غير مسبوقة، تبدّلت مع أولى شرارات الحرب، لتتوالى التحذيرات الرسمية من تداعيات وخيمة للتصعيد على الأوضاع الاقتصادية. ولمواجهة الأزمة فعّلت الحكومة المصرية «غرفة الأزمات التابعة لمجلس الوزراء» بهدف ضمان استقرار شبكة الطاقة الكهربائية وأرصدة السلع الغذائية.

التحذيرات الرسمية المصرية من تداعيات وخيمة للتصعيد الحربي على الأوضاع الاقتصادية تزامنت مع ارتفاعات قياسية للعملة الأميركية لتقترب من حاجز الـ55 جنيهاً للدولار الواحد قبل أن يسترد الجنيه جزءاً من قيمته مع الإعلان عن وقف العمليات العسكرية لمدة أسبوعين (الدولار بـ53.15 جنيه). وكذلك استمر تراجع عائدات قناة السويس مع إعلان شركات شحن كبرى وقف العبور في الممر الملاحي.

الغاز في مقدمة الصدمات

مع بداية الحرب، أعلنت إسرائيل إغلاقاً مؤقتاً لبعض حقول الغاز كإجراء أمني، فأكدت وزارة البترول والثروة المعدنية المصرية تنفيذ حزمة من الخطوات الاستباقية، مستهدفة تأمين إمدادات الطاقة للسوق المحلية من الغاز الطبيعي والمنتجات البترولية.

وتبعت ذلك قرارات وصفت بـ«الاستثنائية» لرفع أسعار المحروقات بنسب تتراوح بين 14 و30 في المائة، تزامناً مع إجراءات موازية لترشيد الإنفاق العام، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، ورفع أسعار تذاكر القطارات والكهرباء.

وحقاً، «تعرّضت مصر لضغوط قوية نتيجة ارتفاع أسعار النفط والغاز الطبيعي المُسال، حيث تعتمد مصر على الاستيراد لتغطية نحو ثلث احتياجاتها من الغاز الطبيعي، وتأتي نصف الواردات من إسرائيل»، بحسب ديفيد باتر، الباحث في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «تشاتام هاوس» - وهي مؤسسة فكرية بحثية بريطانية - كما أشار، في تقرير نشر أخيراً.

في تقريره الصادر في الأول من أبريل (نيسان)، أفاد «المجلس الوطني المصري للتنافسية» بأن «الحرب تحوّلت بالفعل إلى صدمة اقتصادية ذات طابع نظامي، تتمحور حول الطاقة، والشحن، والتأمين، والتضخم، وانتقال أثر الثقة، وليس مجرد مواجهة عسكرية إقليمية». وأضاف المجلس أن التقديرات تشير إلى احتياج مصر إلى نحو 3.75 مليار دولار لمشتريات طارئة من الغاز الطبيعي المسال، وأن كل زيادة قدرها 10 دولارات في سعر النفط قد تُفاقم عجز الحساب الجاري بنحو 2.5 مليار دولار.

بدوره، قال الدكتور نبيل زكي، أستاذ الاقتصاد الدولي والتمويل في جامعة نيويورك بالولايات المتحدة، لـ«الشرق الأوسط»، إن «حالة عدم اليقين بشأن الأوضاع الإقليمية تهدد أي انفراجة اقتصادية»، لافتاً إلى ما وصفه بـ«سوء الحظ»، لكون حرب إيران جاءت بعد شهور من الاستقرار الاقتصادي النسبي في مصر لتعصف بالأوضاع وتوقف التقدم والنمو قبل اكتماله.

وأردف زكي أن «فاتورة استيراد الغاز والمنتجات البترولية في مصر بلغت نحو 20 مليار دولار في موازنة العام الماضي التي قدّرت سعر برميل النفط بـ69 دولاراً، ما يعني زيادة الفاتورة بنسبة كبيرة مع اقتراب سعره من 100 دولار للبرميل».

من جهته، صرّح الدكتور عبد النبي عبد المطلب، الخبير الاقتصادي ووكيل وزارة التجارة المصرية للبحوث الاقتصادية سابقاً، لـ«الشرق الأوسط»، بأن «أزمة الغاز ومشاكل الطاقة ليست جديدة في مصر، لكنها تبدو أكثر وضوحاً في ظل الأزمات... وثمة ضرورة للتعامل معها عبر خطة طويلة الأمد بعيداً عن سياق معالجة الأزمة». واقترح «التوسع في استخدام الطاقة الشمسية، جنباً إلى جنب مع السير في مسار استكشاف حقول غاز جديدة».

حقل نفطي مصري في الصحراء الغربية (آجنزيا نوفا)

اقتصاد مصر ليس معزولاً عن العالم

من جهة ثانية، وفقاً لتصريحات رئيس البنك الدولي أجاي ‌بانجا، الأسبوع الماضي، فإن «الحرب ستؤدي إلى تباطؤ نمو الاقتصاد العالمي وارتفاع التضخم بغض النظر عن سرعة انتهائها». والأمر ذاته أكدته مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجييفا في تصريحات لـ«رويترز»، الأسبوع الماضي، موضحة أن «الحرب في الشرق الأوسط ستؤدي إلى ارتفاع التضخم وتباطؤ النمو العالمي».

صدمات متتالية

الواقع أنه دائماً ما تُرجع مصر أزماتها الاقتصادية إلى ظروف جيوسياسية، وهنا، يوضح الخبير الاقتصادي الدكتور مصطفى بدرة لـ«الشرق الأوسط»، أن حرب إيران «فاقمت أزمات مصر الاقتصادية... وأن مصر منذ عام 2020 واجهت صدمات متكررة بدأت بجائحة (كوفيد – 19) التي أدت إلى تباطؤ النمو الاقتصادي في العالم، ما أثر على حركة الاستثمار. وقبل أن تتعافى مصر من تداعيات الجائحة جاءت الحرب الروسية - الأوكرانية لتؤثر على السياحة وعلى فاتورة استيراد القمح».

ويضيف بدرة: «لقد تراكمت الأضرار الاقتصادية للأزمات الجيوسياسية حتى جاءت حرب غزة وأثرت على إيرادات قناة السويس، وقبل أن تتعافى مصر من تداعيات الأزمات المتتالية جاءت حرب إيران لتزيد من أزمات اقتصاد مصر».

عودة إلى الدكتور نبيل زكي، الذي أوضح أن «مصر شهدت أزمات متتالية منذ عام 2016 لتبدأ مسار إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي ركز على أسعار الصرف، وضبط أوضاع المالية العامة، مع محدودية التوسع في القدرة الإنتاجية، ما يفسر استمرار مصر في مواجهة أزمات سيولة متكررة واللجوء المتكرر إلى برامج الدعم المالي الدولي». واستطرد شارحاً أن «هيكل إيرادات مصر يعتمد بشكل كبير على مجموعة محدودة من مصادر الدخل الحساسة للعوامل الخارجية، بما يجعل اقتصادها عرضة للصدمات الخارجية، وحساساً للمخاطر الجيوسياسية، من بينها الأموال الساخنة والسياحة وقناة السويس».

جدير بالذكر هنا أن تقرير باتر تطرّق إلى «سحب استثمارات بقيمة 6 مليارات الدولار من سوق محافظ الاستثمار الأجنبية». وتعد «الأموال الساخنة» من مصادر التمويل التي تعتمد عليها مصر، وكان العملاء الأجانب يمتلكون نحو 45.7 مليار دولار من أذون الخزانة بالجنيه المصري في نهاية سبتمبر (أيلول)، بحسب النشرة الإحصائية الشهرية للبنك المركزي.

وفي نهاية الأسبوع الأول من مارس (آذار)، أعلنت البورصة المصرية بيع مستثمرين عرب وأجانب أذون خزانة محلية بقيمة 2.2 مليار دولار، في إطار اتجاه للمستثمرين الأجانب إلى الخروج من الأسواق الناشئة، ومن بينها مصر، بسبب استمرار حرب إيران.

لترشيد الاستهلاك بدأت الحكومة سلسلة إجراءات منها تطبيق قرار إغلاق المحال والمطاعم والمراكز التجارية التاسعة ليلاً

إجراءات حكومية

لترشيد الاستهلاك، بدأت الحكومة المصرية بنهاية الشهر الماضي تطبيق قرار إغلاق المحال والمطاعم والمراكز التجارية في الساعة التاسعة مساءً يومياً، باستثناء يومي الخميس والجمعة في الـ10مساءً، ما عدا المخابز ومحال البقالة والصيدليات، إضافة إلى المحال العامة والمنشآت السياحية في بعض المحافظات.

أيضاً، قررت تطبيق نظام العمل عن بُعد، يوم الأحد، بدءاً من أبريل الحالي لمدة شهر مع استثناء المصانع والمصالح الخدمية. وقال الدكتور عبد المطلب إن «هذه الإجراءات، وإن كانت قد وفرت في الاستهلاك اليومي للكهرباء ما نسبته 10 في المائة من واقع التصريحات الرسمية، فإن لها تداعيات سلبية تتمثل في تراجع الدخول والتأثير على القوة الشرائية والطلب الفعال». وتابع أن «حالة عدم اليقين بشأن التوترات الإقليمية تشكل عوامل ضغط على الاقتصاد وعلى إيرادات السياحة وقناة السويس».

وهنا نذكّر بأنه سبق للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن حذّر مراراً من تداعيات التوتر الإقليمي على الملاحة بمنطقة البحر الأحمر. وأعلن، مطلع مارس الماضي، أن مصر «خسرت نحو 10 مليارات دولار من إيرادات قناة السويس إثر الحرب في غزة». وبالفعل، سجلت إيرادات قناة السويس في عام 2024 تراجعاً حاداً بنسبة 61 في المائة لتحقق 3.9 مليار دولار مقارنة بنحو 10.2 مليار دولار عام 2023. وثمة تخوّفات الآن من تراجع عائدات السياحة التي سجّلت قفزة كبيرة في معدلات الإقبال والإشغال العام الماضي.

سبل التعافي

رغم ذلك، أشار صندوق النقد الدولي إلى أن «مرونة سعر الصرف سمحت للعملة بأداء دور ممتص للصدمات لاحتواء جزء من الضغوط الخارجية، إلى جانب الحفاظ على احتياطيات البلاد من النقد الأجنبي».

وأعلن البنك المركزي المصري، خلال الأسبوع الماضي، ارتفاع صافي ‌احتياطات البلاد من النقد الأجنبي إلى 52.831 مليار ‌دولار ‌في مارس من ‌52.746 مليار ‌خلال فبراير (شباط) الذي سبقه.

وبحسب «المجلس الوطني المصري للتنافسية»، فإن الاقتصاد المصري من أكثر الاقتصادات تضرراً في المنطقة، بسبب «ضغط عدة قنوات معاً؛ وهي تكلفة الطاقة المستوردة، تضخم الغذاء، هشاشة إيرادات قناة السويس، حساسية السياحة، ضغوط سعر الصرف، وتشدد شروط التمويل السيادي».

وخلص «المجلس» إلى أن «الخطر الأكبر على مصر لا يتمثل في صدمة منفردة، بل في تراكم عدة ضغوط تتحول مجتمعة إلى مشكلة أوسع في الاقتصاد الكلي وبيئة الأعمال والتنافسية».

هذا، وقد أكد الدكتور زكي أن «التعافي سيستغرق وقتاً يتجاوز الشهور الأربعة بعد توقف العمليات العسكرية تماماً»، وقال الدكتور بدرة إن «التعافي ليس سهلاً، وله آليات ومؤشرات من بينها تحسن قيمة العملة وعودة السياحة والتصدير والاستثمارات وتقليل التضخم وعجز الموازنة، وهذه أمور يتطلب تحقيقها قدراً من الاستقرار واليقين».

وبالتوازي، بينما تعوّل الحكومة على إجراءاتها الاستثنائية لمواجهة تداعيات الحرب واستكمال الإصلاح، يظل ملف الديون الخارجية أحد عوامل الضغط الرئيسة، حيث من المفترض أن تسدد مصر نحو 50.8 مليار دولار من ديونها الخارجية بنهاية سبتمبر المقبل، بحسب البنك الدولي، الذي أشار إلى ارتفاع الدين الخارجي بنحو 2.48 مليار دولار خلال الربع الثالث من 2025 ليسجل 163.7 مليار دولار.

الأزمات السياسية والجنيه المصري

على صعيد آخر، منذ أحداث يناير (كانون الثاني) عام 2011، نذكر أن مصر تعرّضت لتقلبات سياسية وأزمات داخلية وخارجية، انعكست على حال الاقتصاد والظروف المعيشية للمواطنين، وواكبتها رحلة تراجع للجنيه المصري أمام الدولار بلغت ذروتها مع أزمة «شح الدولار»، بخروج نحو 20 مليار دولار بين يناير وسبتمبر 2022.

واليوم تتزايد أهمية «العملة الصعبة» بوصفها مؤشراً على الاقتصاد، مع اعتماد مصر على الاستيراد، حيث تجاوزت فاتورة الواردات في العام المالي 2024 - 2025 ما قيمته 91 مليار دولار، بارتفاع نسبته 29 في المائة عن العام المالي السابق، بحسب الإحصائيات الرسمية.

وتعرّضت العملة المحلية لصدمات عدة بدأت من حالة اللااستقرار التي أعقبت أحداث 2011، مروراً بالحرب على الإرهاب التي تجاوزت تكلفتها 120 مليار جنيه خلال عشر سنوات، وفق التقديرات الرسمية المصرية، ثم جائحة «كوفيد - 19» والحرب الروسية الأوكرانية و«حرب غزة»... وأخيراً الحرب الإيرانية.

أيضاً، سجلت الفترة اللاحقة لأحداث يناير 2011 بداية تراجع سعر صرف العملة المحلية، ليبلغ سعر الدولار 6.5 جنيه مقابل 5.8 في السنوات الخمس السابقة، لتبدأ رحلة صعود الدولار بنسب محدودة مع محاولات الحكومة تثبيت سعره الرسمي تحت الثمانية جنيهات للدولار الواحد. واستمرّ الحال كذلك حتى نهاية عام 2016 التي شهدت أول قرارات تحرير سعر الصرف. ففي نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، قرر البنك المركزي «تعويم الجنيه»، ضمن برنامج إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي. وهكذا، قفز الدولار من 7.8 جنيه إلى 18.7 جنيه، قبل أن يستقر ما بين 15 و16 جنيهاً.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2021، أصدر البنك المركزي قراراً بالانتقال إلى سعر صرف مرن، لتتراجع قيمة الجنيه بشكل متسارع، ويتجاوز الدولار في يناير 2022 نحو 27 جنيهاً، قبل أن يرتفع مرة أخرى في مارس من العام نفسه. ويستقر سعره الرسمي في البنوك عند 30.85 جنيه للدولار الواحد، وإن ظل سعره يرتفع في السوق الموازية مع نقص النقد الأجنبي حتى تجاوز حاجز الـ70 جنيهاً للدولار.

وفي مارس 2024، أعلن البنك المركزي المصري «تحرير» سعر صرف الجنيه، والسماح بتحديده وفقاً لآليات السوق، ليتم تخفيض قيمة الجنيه مرة أخرى وتقترب قيمته من حاجز الـ50 جنيهاً للدولار، وتراجع العام الماضي إلى نحو 47 جنيهاً قبل أن ترتفع قيمة الدولار مرة أخرى جراء الحرب الإيرانية وتبلغ قيمة الدولار الواحد نحو 53.15.

صندوق النقد الدولي أفاد في تقرير صدر أخيراً، بأنه «يجب استكمال مرونة سعر الصرف في مصر بإطار أقوى للتدخل في سوق النقد الأجنبي، وبرنامج قائم على آليات السوق لتراكم الاحتياطيات بما يعزز كفايتها بشكل عام». وحقاً، تنخرط مصر حالياً في تنفيذ برنامج إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي تم الاتفاق عليه في نهاية 2022، بقيمة ثلاثة مليارات دولار، قبل أن تزيد قيمته في مارس الماضي إلى ثمانية مليارات دولار، وتلتزم مصر في إطار البرنامج بخفض دعم الوقود والكهرباء.


صلاح الدين السالمي... معلّم من أرياف القيروان إلى قيادة أكبر النقابات في تونس

تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
TT

صلاح الدين السالمي... معلّم من أرياف القيروان إلى قيادة أكبر النقابات في تونس

تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة

لم يصل صلاح الدين السالمي إلى الأمانة العامة لـ«الاتحاد العام التونسي للشغل» على إيقاع المفاجأة، ولا كأنه نتاج لحظة عابرة فرضتها موازين المؤتمر «السابق لأوانه» الذي عقده مئات النقابيين التونسيين أخيراً في المنطقة السياحية بمدينة المنستير، موطن الرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبة وعدد كبير من كوادر الدولة التونسية الحديثة. بل جاء صعوده إلى الموقع الأول في واحدة من أكبر النقابات والأطراف السياسية التونسية والعربية وزناً وتأثيراً، ثمرة مسار طويل من التدرج داخل العمل النقابي، وتتويجاً لاحتكاك طويل بروّاد الحراك السياسي والنقابي في أكثر مستوياته التصاقاً بالقاعدة: المدرسة، والجهة، والقطاع، والمستوى المحلي، ثم القيادة الجهوية، وصولاً إلى المكتب التنفيذي الوطني، قبل أن ينتهي به المطاف إلى المقر المركزي، حيث تفاعل مبكراً مع «الجيل الثاني للرموز الثقيلة للاتحاد»، تلاميذ الزعيم النقابي السابق الحبيب عاشور، مثل عبد السلام جراد وعلي بن رمضان ومحمد بن سعد ثم نور الدين الطبوبي وفريقه.

لا يبدو صلاح الدين السالمي طارئاً على «الاتحاد العام التونسي للشغل» على الرغم مما عرف عنه من استقلالية عن الأحزاب العلنية والتنظيمات «السرّيّة» الماركسية والقومية والإسلامية، التي ازداد تأثيرها نقابياً منذ تسعينات القرن الماضي، بل هو ابن صريح من أبنائه التقليديين. إنه من صنف النقابيين الذين لا تصنعهم الأضواء بقدر ما تصنعهم الممرّات الداخلية، وتفاصيل اللوائح، والاشتباك الطويل مع الهياكل، والصبر على التراكم.

وهو ليس رجل اقتحام خاطف، بل هو رجل مسار؛ وليس ابن لحظة إعلامية، بل ابن مدرسة نقابية قديمة لا تزال تؤمن بأن الشرعية تُبنى من الأسفل إلى الأعلى، لا من القمة إلى القاعدة.

من منطقة قبائل أرياف القيروان

ينحدر السالمي من أرياف مدينة القيروان، العاصمة العربية الإسلامية الأولى لكامل شمال أفريقيا (170 كلم جنوب العاصمة تونس)، وتحديداً من منزل المهيري بمعتمدية نصر الله، وهذه خلفية ليست تفصيلاً جغرافياً في سيرته بقدر ما هي مفتاح أول لفهم صورته العامة. فالرجل يأتي من منطقة قبائل «الجلاص» الأمازيغية - العربية في «الداخل» التونسي، أي في المجال حيث ظل «الاتحاد العام التونسي للشغل» لعقود، منذ مرحلة بدء بناء الدولة الحديثة قبل 70 سنة، أكثر من مجرد منظمة نقابية. إذ لعب دور القناة النادرة للتعبير الاجتماعي، وللترقي الرمزي، وللدفاع عن الفئات التي لا تملك دائماً منفذاً مباشراً إلى المركز.

ولد السالمي يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 1959، وحصل على شهادة البكالوريا في شعبة الرياضيات التقنية عام 1980، ثم التحق بالتدريس عام 1981، وفي عام 1982 انخرط في «الاتحاد»، ليبدأ بذلك علاقة لا تنقطع باتت ما يشبه القدر الشخصي.

محنة السجن والطرد

لم تكن بداياته سهلة، ولا محايدة. فالسالمي ينتمي إلى جيل من النقابيين الذين عرفوا مبكراً أن العمل النقابي في تونس لم يكن مجرد نشاط مطلبي محدود التكلفة، بل قد يتحول إلى سبب مباشر في السجن والطرد والتضييق. بالذات، في خضم أزمة الاتحاد مع السلطة إبان الصراعات القوية حول خلافة الحبيب بورقيبة منتصف الثمانينات.

وحقاً، سُجن النقابي والمعلم الشاب ستة أشهر بداية من نوفمبر (تشرين الثاني) 1985، كما طُرد من عمله بسبب نشاطه النقابي، قبل أن يعود إليه عام 1988 بعد إقالة بورقيبة وإعلان الرئيس التونسي الجديد زين العابدين بن علي عفواً عاماً على كل السجناء السياسيين والنقابيين السابقين. وهذا المُعطى، في سيرة الرجل، ليس مجرد تفصيل بطولي يضاف إلى السرد، بل هو عنصر تأسيسي في تكوينه: فقبل أن يصبح مسؤولاً في الهياكل، اختبر بنفسه معنى أن يدفع النقابي ثمن موقعه، وأن تتحول القناعة إلى عبء يومي لا إلى شعار.

التدرج داخل المدرسة النقابية

من هناك بدأ صعود السالمي، ففي يناير (كانون الثاني) 1990 تولّى أول مسؤولية نقابية له عند تأسيس النقابة الأساسية للتعليم الابتدائي في موطنه بمدينة نصر الله الصغيرة التابعة لمحافظة القيروان.

ثم توالت المحطات على نحو يكشف طبيعة تكوينه العميق داخل المدرسة التنظيمية للاتحاد: بعضو في هياكل نقابية جهوية، فكاتب عام نقابة جهوية للتعليم الابتدائي، ثم كاتب عام للاتحاد المحلي للشغل في منطقة نصر الله وبوحجلة والشراردة، قبل أن ينتخب عام 2009 كاتباً عاماً للاتحاد الجهوي للشغل بالقيروان، وهو المنصب الذي شغله قبله أستاذه في الدراسة وداخل «التيار اليساري القومي الوحدوي المعتدل» الناصر العجيلي. وكذلك سبقه إليه زميله السابق في قطاع التربية والتعليم حسين العباسي الذي تولّى ما بين 2011 و2011 منصب أمين عام وطني لاتحاد النقابات.

من «الجهوي» إلى المكتب الوطني

عام 2017 دخل صلاح الدين السالمي القيادة الوطنية لأول مرة خلال مؤتمر عقد في قمرت - قرطاج، بالضواحي الشمالية لتونس العاصمة، حيث انتخب عضواً بالمكتب التنفيذي الوطني مسؤولاً عن قسم الدواوين والمنشآت العمومية، أي المؤسسات الاقتصادية الكبرى التابعة للدولة. ثم جُددت له الثقة في الخطة نفسها خلال مؤتمر صفاقس عام 2022، وهذه المسؤولية أهلته للإشراف على عشرات آلاف العمال والموظفين الذين تمر مؤسّساتهم بصعوبات اقتصادية اجتماعية وأزمات.

هذه التجربة، أيضاً، وضعت السالمي بمواجهة واحدة من أعقد الملفات في الاقتصاد التونسي: المؤسسات العمومية، والمنشآت الوطنية المفلسة، والملفات التي تتقاطع فيها المطالب الاجتماعية مع حسابات الدولة والمالية العمومية والقرار السياسي. وفي هذه المنطقة تحديداً، تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني: ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً، بل بصفته رجل ملفات وتوازنات، وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة ورجال الأعمال ومتابعة القضايا الثقيلة في منطقة التماس بين الاتحاد والدولة.

مناخ فكري سياسي خاص

لكن مسار السالمي لا يمكن فهمه على نحو كامل إذا اقتصرنا على تسلسل المناصب. فالرجل لم يتشكل فقط داخل الهياكل، بل داخل مناخ فكري ونقابي وسياسي خاص بجهة القيروان، وفي قلب هذا المناخ يبرز اسم الناصر العجيلي بوصفه أحد أبرز الوجوه التي تركت أثراً عميقاً في أجيال من النقابيين واليساريين والقوميين العرب في الجهة ثم على الجانب الوطني.

هنا بالذات يكتسب الحديث عن «تتلمذ» السالمي على العجيلي معناه الأعمق: لا بصفته علاقة مدرسية ضيقة، بل بصفته انتماءً إلى مدرسة كاملة في النظر إلى النقابة ودورها ووظيفتها الوطنية.

الناصر العجيلي كان بالنسبة للسالمي والعباسي وجيل من الحقوقيين والسياسيين والنقابيين أكثر من أستاذ في المعهد الثانوي أو مسؤول نقابي جهوي. بل كان شخصية مركّبة تجمع بين النقابي والسياسي والحقوقي والثقافي الفكري، وتختصر سيرة جيل كامل من المناضلين الذين مرّوا من التعليم إلى الاتحاد، ومن الاتحاد إلى المجال العام الواسع.

وكان العجيلي الذي ولد عام 1939، ودرس بين القيروان وتونس، تابع تعليمه العالي في سوريا مثل مجموعة من مثقفي تونس ونخبها وقتها، وحصل على الإجازة فيها. ولقد تأثر السالمي وزملاؤه بأستاذهم العجيلي، خصوصاً بعد تعرضه لمضايقات ثم سجنه لمدة ثمانية أشهر بسبب نشاطه النقابي، قبل أن يبرز وطنياً بأنشطته داخل «الاتحاد العام التونسي للشغل» وفي الفضاء السياسي اليساري والعروبي الوحدوي.

مدرسة كاملة لا مجرد اسم

في مدينة القيروان، وفي هذا المناخ السياسي الحقوقي، تشكل النقابي صلاح الدين السالمي وعدد من رموز النخبة المحلية والجهوية التي ستلعب لاحقاً دوراً وطنياً.

من بين الأسماء التي يلتقي عندها هذا الخيط القيرواني بوضوح، يبرز زميل قديم لصلاح الدين السالمي هو حسين العباسي، الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل بين 2011 و2017، وأحد أبرز الوجوه النقابية في تونس المعاصرة.

العباسي، هو الآخر، خرج من الفضاء النقابي القيرواني نفسه، وصعد من الجهة إلى المركز، حتى أصبح في مرحلة ما بعد الثورة من أبرز شخصيات النقابية والسياسية في البلاد.

كما يسجل أن وصول صلاح الدين السالمي إلى الأمانة العامة لم يكن مجرد تتويج لسيرة شخصية، بل جاء أيضاً في سياق صراعات معقدة مع السلطات وأخرى داخلية بين المستقلين و«اليساريين الراديكاليين» الذين نظموا آلاف الإضرابات والاعتصامات والمظاهرات في القطاعين العام والخاص خاصة منذ يناير 2011.

واستفحلت هذه الأزمات خلال السنوات القليلة الماضية وإعلان نوع من «القطيعة» بين السلطات وقيادة النقابات بزعامة نور الدين الطبوبي ونائبيه سامي الطاهري وسمير الشفي.

وتطورت هذه الأزمات إلى خلافات داخلية شلت عمل اتحاد الشغل خلال العامين الماضيين، فبرز اسم صلاح الدين السالمي ضمن ما عرف بـ«مجموعة الخمسة». وهي المجموعة «المعارضة» التي دفعت باتجاه التعجيل بعقد مؤتمر وطني في مارس (آذار) 2026، عوض يوليو (تموز) 2027. ورفع السالمي وأنصاره شعار إصلاح المنظمة وتحديثها، في مواجهة اتجاهات أخرى كانت تميل إلى التأجيل وإدارة الأزمة بالتمديد والتسويف. ومع تصاعد الخلافات، تحول السالمي من شخصية تنظيمية ثقيلة داخل الجهاز إلى أحد وجوه المعركة على مستقبل «الاتحاد» نفسه. لم يعد مجرد أمين عام مساعد يتحرّك في حدود اختصاصه، بل صار فاعلاً مباشراً في الصراع حول هوية المنظمة، وأولوياتها، وطبيعة قيادتها المقبلة.

شرعية تنظيمية بدل «الكاريزما» الصاخبة

وحين انتخب أميناً عاماً، لم يصل السالمي بصفته زعيماً شعبوياً يراهن على البلاغة العالية، بل بصفته رجلاً تراه الهياكل قادراً على الإمساك بالمنظمة من الداخل. وهنا بالتحديد تكمن خصوصيته. فالسالمي لا يبدو في صورته العامة كاريزمياً بالمعنى الذي تستسيغه الشاشات، لكنه يبدو صاحب ما هو أكثر أهمية داخل جهاز مثل الاتحاد: الشرعية التنظيمية، والخبرة الهادئة، والمعرفة الدقيقة بالجهات، والقدرة على التحرك داخل التعقيد دون استعراض.

ومع ذلك، فإن ما قد يمثل مصدر قوته قد يتحول أيضاً إلى امتحانه الأصعب. فالرجل يتولى القيادة في واحدة من أكثر اللحظات تعقيداً في تاريخ البلاد و«الاتحاد». ووسط أزمة ثقة داخلية، تراجعت صورة العمل النقابي لدى جزء من الرأي العام، واضطربت العلاقة مع السلطة مثقلة بملفات اجتماعية صعبة، وأوضاع اقتصادية شديدة الهشاشة.


قيادة جديدة بعد مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل»

مقر "الاتحاد" (رويترز)
مقر "الاتحاد" (رويترز)
TT

قيادة جديدة بعد مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل»

مقر "الاتحاد" (رويترز)
مقر "الاتحاد" (رويترز)

أسفر مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل» عن فوز كبير لقائمة «الثبات والتحدّي» بقيادة صلاح الدين السالمي، التي حصدت المقاعد الـ15 كاملة داخل المكتب التنفيذي الجديد. وهذه نتيجة عكست في ظاهرها حسماً انتخابياً واضحاً، لكنها في عمقها كشفت عن إعادة تركيب موازين القوى داخل «الاتحاد»، وعن سعي واسع إلى إنتاج تسوية داخلية جديدة، تستوعب جزءاً مهماً من معارضي القيادة السابقة، وتعيد ترتيب العلاقة بين أنصار الأمين العام السابق نور الدين الطبوبي وخصومه، من دون أن تنهي تماماً التناقضات الحادة التي ظلت تتفاعل داخل المنظمة خلال السنوات الأخيرة.

النتيجة هذه لم تكن تفصيلاً عابراً. فهي تعني، أولاً، أن جزءاً مهماً من النقابيين اختار تجاوز منطق الصدام المفتوح داخل البيت النقابي، وفضّل الذهاب نحو تسوية تنظيمية واسعة تضمن الاستمرارية وتمنع الانقسام. وكذلك تعني أن «الاتحاد»، وهو يدخل مرحلة جديدة، قرر أن يعيد بناء مركز قيادته على أسس أكثر مرونة وأقل ارتهاناً للاستقطابات الآيديولوجية الحادة التي حكمت بعض مفاصله في السنوات الماضية.

مع هذا، كشف المؤتمر أيضاً عن عمليات إقصاء وإعادة فرز داخلية، لا سيما مع فشل القائمة المنافسة التي قادها «اليسار الراديكالي» بزعامة فاروق العياري، والتي كانت مدعومة من شخصيات نقابية بارزة قاطعت المؤتمر، مثل سامي الطاهري وسمير الشفي، وهما من أبرز الوجوه التي مثّلت تيارات اليسار الراديكالي والقومية العربية المتشددة في الاتحاد والبلاد خلال العقود الماضية.

نور الدين الطبوبي (رويترز)

لقد بدا واضحاً أن مؤتمر المنستير لم يكن فقط مناسبة لانتخاب قيادة جديدة، بل كان أيضاً مناسبة لإعادة تعريف «الكتلة المهيمنة» داخل «الاتحاد». فالمكتب التنفيذي الجديد يضم غالبية من النقابيين المستقلين عن الأحزاب، إلى جانب شخصيات من اليسار النقابي المعتدل، كما يضم وجوهاً محسوبة على اتجاهات سياسية متباينة، من بينها نقابي قريب من التيار الإسلامي المحافظ ومن حركة النهضة، وآخر عُرف بقربه سابقاً من شبكات الحزب الحاكم في العهد السابق ثم من محيط حزب «نداء تونس» لاحقاً. وهذا التنوع لا يعكس انفتاحاً آيديولوجياً بالمعنى النظري فقط، بل يشير أيضاً إلى أن الاتحاد اتجه، تحت ضغط أزماته الداخلية وأزمات البلاد، نحو منطق «براغماتي» في بناء القيادة يقوم على جمع شبكات النفوذ القطاعية والجهوية والتنظيمية في «سلة واحدة»، أكثر مما يقوم على التجانس الفكري أو السياسي الصارم.

هنا تتجاوز أهمية المؤتمر مسألة الأسماء والأرقام. إذ تكمن المسألة الجوهرية في طبيعة المرحلة التي جاء فيها هذا التحوّل. وتونس اليوم ليست بصدد أزمة عابرة في ملف الأجور أو مفاوضات دورية بين الحكومة والنقابات، بل تعيش أزمة مركبة تمس بنية الاقتصاد، ووظائف الدولة، وتوازنات النظام السياسي، وثقة المجتمع في النخب والمؤسسات.