«نظريات المؤامرة» تشغل العراقيين... من كركوك إلى خور عبد الله

هل يمهّد وصف الصدر حكومة السوداني بأنها «عباسية» إلى مناوأتها؟

مدينة كركوك (رويترز)
مدينة كركوك (رويترز)
TT

«نظريات المؤامرة» تشغل العراقيين... من كركوك إلى خور عبد الله

مدينة كركوك (رويترز)
مدينة كركوك (رويترز)

كثيراً ما تنشط «نظريات المؤامرة» في العراق. ومنذ تشكيل الحكومة الحالية، برئاسة محمد شياع السوداني، خلال شهر أكتوبر (تشرين الأول) 2022، وما جرى بعد ذلك، وخصوصاً ما وُصف بأنه «استقرار سياسي»، يمكن أن يكون مقدمة لتحقيق منجزات على الأرض لم تكف هذه «النظريات» عن حياكة مزيد من القصص والحكايات بشأن الآتي من الأيام. ومع كل بيان أو تصريح لرئيس الوزراء بشأن تحقيق تقدم في تنفيذ فقرات البرنامج الحكومي، كانت «نظريات المؤامرة» تشتغل في سياق موازٍ لما يجري، إلى حدٍّ غدا فيه الاستقرار السياسي والأمني في البلاد جزءاً من «مؤامرة» تُحاك في السر لـ«تفليش» كل شيء في المستقبل. وفي هذا السياق بدا الانقسام حادّاً بين مؤيدي الحكومة ومعارضيها. وكما هو معروف، يقود معسكر المؤيدين «ائتلاف إدارة الدولة»، أي الائتلاف السياسي ـ البرلماني الذي دعّم تشكيلها ويضم قوى «الإطار التنسيقي» الشيعي والسنّة والأكراد، بينما ينقسم المعارضون إلى قسمين يضمّان أنصار «التيار الصدري» (تابعون لزعيم التيار مقتدى الصدر)، والقوى المدنية التي كانت وما زالت تنتظر تحرك «التيار الصدري»، لكي تطلق تظاهرات الشارع العراقي ضد الحكومة.

السيد مقتدى الصدر (رويترز)

بعد سلسلة تجارب فاشلة تتصل بإمكانية أن يغيّر زعيم «التيار الصدري» مقتدى الصدر موقفه باتجاه إعلان معارضته حكومة محمد شياع السوداني، الأمر الذي قد يبرّر إخراج تظاهرات مُعادية للحكومة، ساعدت الأحكام التي أصدرها القضاء العراقي بحق الضباط الذين أخفقوا بحماية السفارة السويدية في بغداد على إعادة الكلام عن «مؤامرة». يُذكَر أن مؤيدين للصدر كانوا قد اقتحموا السفارة المذكورة وأحرقوها احتجاجاً على حرق نسخة من المصحف الشريف في العاصمة السويدية ستوكهولم.

وطوال الفترة الماضية، منذ تشكيل الحكومة الحالية وحتى اليوم، لم تصدر عن الصدر مواقف حادّة حيالها، وهو ما فسّره مؤيدو الحكومة بتأييد، ولو ضمنيّ، لها. أما المعارضون فيقفون موقفاً حائراً، ولا سيما أن الصدر وإن كان قد سحب نوابه من البرلمان، رغم فوزهم بأعلى الأصوات في الانتخابات البرلمانية عام 2021، فإنه لم يسحب المحسوبين عليه من الحكومة. غير أن ما حصل على صعيد الموقف السلبي الذي عبّر عنه الزعيم الشيعي حيال الأحكام بحق الضباط، بدا بيئة مناسبة لترويج توقّعات مفادها أنه سيتبنى موقفاً معارضاً - وبقوة - لحكومة السوداني، وبالأخص، بعد وصفه إياها بأنها «الحكومة العباسية». وللعلم، في أقوى بيان للصدر بعد صدور الأحكام القضائية قال «ليس من المستغرب أن يصدر من تلك الحكومة العباسية تلك العقوبة، فليس لهم من القرآن صحبة، ولا من العقيدة صحبة، وليس لديهم إلا الكراسي والفساد والمال». والواضح في تأويل وصفه للحكومة الحالية بأنها «عباسية» أنها محاولة لاستدعاء الخلاف التاريخي بين العباسيين والعلويين. لكن الصدر، وفي أعقاب موقفه هذا الذي يُعدّ الموقف الأقوى منذ تشكيل الحكومة، لم يتخذ أي إجراء لاحق يمكن أن يفسَّر على أنه ترجمة لما قاله بشأن الحكومة وخصومه من قوى «الإطار التنسيقي الشيعي».

السوداني في نيويورك (روينرز)

العلاقة الملتبسة مع واشنطن

الواقع أنه لا أسهل من اختبار «نظرية المؤامرة» لدى مراجعة العلاقة الملتبسة بين العراق والولايات المتحدة، بل تحديداً بين قوى «الإطار التنسيقي الشيعي» وواشنطن. فعند تشكيل أية حكومة عراقية يبدأ قياس قوى الضغط السياسي والرأي العام عبر مسار واحد هو علاقة رئيس الوزراء بالقيادة الأميركية. وغالباً، يدافع مؤيدو رئيس الوزراء عن سياساته وإنجازاته، دون الذهاب بعيداً باتجاه العلاقة الملتبسة شيعياً. ومعلوم أن رئيس الوزراء العراقي شيعيّ دائماً بعد عام 2003، ولكن في حين صنّفت واشنطن نفسها بعد أقل من شهر على احتلالها العراق (أبريل «نيسان» 2003) على أنها «قوة احتلال»، ظل الطيف السياسي الأول من الآباء المؤسسين للعملية السياسية، بعد سقوط النظام السابق، يعتبرها «سوبر صديقة».

أيضاً، مع بدء المقاومة ضد القوات الأميركية، سواءً من قِبل فصائل سُنّية أم «التيار الصدري»، تظل بقية القوى السياسية العراقية المشارِكة في الحكم تعمل جاهدة على إقامة أفضل العلاقات معها، وحقاً تُوّجت الجهود باتفاقية الإطار الاستراتيجي التي وقعت بين البلدين عام 2008.

خلال حقبة «العلاقة الذهبية» بين الزعامات العراقية من الجيل الأول والإدارات الأميركية المتعاقبة، وصولاً إلى إدارة دونالد ترمب التي قلبت الموازين، لم يكن رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني من بينهم. بيد أن السوداني، بعد فترة قصيرة من تولّيه منصب محافظ ميسان، بعد عام 2003، «استوزر» ليتولى منذ التغيير حتى تولّيه رئاسة الوزراء أواخر العام الماضي، نحو 5 وزارات.

ومع احتدام الصراع داخل الطبقة السياسية الشيعية بين الجيلين الأول والثاني، حسمت الغلبة عند اختيار رئيس الوزراء الجديد لصالح الجيل الثاني، الذي لم يعرف عنه عقد صداقات تقليدية مع الرؤساء الأميركيين؛ بمن فيهم الرئيس الحالي جو بايدن.

بايدن لم يلتقِ السوداني، كما لم يلتقِ السوداني به حين أدمن بايدن زيارة العراق لعشرات المرات منذ إسقاط نظام صدام حسين، حتى تولّيه منصب نائب الرئيس الأسبق باراك أوباما، إذ ظلّ يزور العراق بوصفه الأكثر اهتماماً بالملف العراقي.

وبعد نحو عقدين من الزمن احتكر خلالهما الجيل الشيعي الأول أهم منصب في البلاد وهو رئاسة الوزراء، جاء دور «الشاب» محمد شياع السوداني (مواليد 1970) في رئاسة الوزراء.

جاء تولّي السوداني وسط تناقضات عميقة على صعيد العلاقة مع واشنطن، فالقوى التي دعّمته هي نفسها التي ترفع لواء معاداتها.

إلا أنه بدا واضحاً وجود دعم أميركي لهذه الحكومة تمثَّل بمجموعة من الإجراءات؛ منها اتصال هاتفي للتهنئة من بايدن.

كذلك هناك زيارات لوزيري الخارجية أنتوني بلينكن، والدفاع لويد أوستن، إلى بغداد، وسلسلة لقاءات أجرتها السفيرة الأميركية إلينا رومانسكي مع السوداني، التي ربما تعدّت الـ8 لقاءات.

لكن مقابل ذلك، لم توجه، طوال الأشهر التسعة الماضية، التي تولَّى فيها السوداني السلطة، أية دعوة له لزيارة واشنطن، حاله في ذلك حالُ مَن سبقه من رؤساء الوزارات. وهكذا تجددت «نظريات المؤامرة»، وخصوصاً أن انسحاب «التيار الصدري» أدى إلى بلورة قوى معارِضة لقوى «الإطار التنسيقي الشيعي»، بدا أن رئيس الوزراء هو ضحيتها.

وفي حين تتشارك قوى «الإطار التنسيقي» مع «التيار الصدري» في رفض الوجود الأميركي والمطالبة بانسحابه، يظهر السوداني - الذي ينتمي إلى «الإطار» - في وضع حرِج لجهة الموازنة بين متطلبات منصبه الذي يتطلب علاقات دولة لدولة مع واشنطن... والضغوط النفسية والاعتبارية المتصلة بالاعتراض على الوجود الأميركي تحت أي مسمّى من المسميات.

سقوط نظرية المؤامرة

من جهة أخرى، ما إن حلّقت طائرة السوداني متجهة إلى نيويورك، للمشاركة في إجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، حتى تطايرت تساؤلات عما إذا كان سيحظى بلقاء مع بايدن أم لا... وهل سيكون اللقاء - في حال حصوله - لقاء بين «زعيمين»، ومن خلال وفدين رسميين، أم مجرد لقاء سريع لالتقاط الصور من منطلق أن السوداني - من وجهة نظر هؤلاء - يحتاج إلى التقاط صورة كي يبين لخصومه أنه التقى بايدن أخيراً.

المفاجأة التي لم يكن يتوقعها خصوم السوداني هي أنه ما إن وصل إلى نيويورك حتى كانت باكورة لقاءاته مع كبار المسؤولين الأميركيين، كوكيل وزارة الخزانة الأميركية، ثم أنتوني بلينكن وزير الخارجية.

رئيس الوزراء العراقي، الذي ترك وراءه الدولار الأميركي في حالة ارتفاع أمام الدينار العراقي، أكد، لوكيل الخزانة، قيامه بإجراءات للإصلاح المالي المطلوب، والذي ربما يأخذ وقتاً.

أما اللقاء مع بلينكن فكان مفاجأة بحد ذاته حين سلَّمه دعوة رسمية من الرئيس جو بايدن لزيارة واشنطن التي قد يلبّيها السوداني أواخر العام الحالي.

بايدن وفّى بالتزامه، وأوضح أنه ما كان يفكر بأية قطيعة مع رئيس الوزراء العراقي، بخلاف ترويج «نظريات المؤامرة». ومن جانبه، تحرَّر السوداني تماماً من قصة اللقاء مع بايدن في نيويورك أم لا، إذ ضمن الدعوة التي ستكون واحداً من أهم أسلحته في مواجهاته الداخلية.

ميناء خور عبد الله (أ.ب)

بين كركوك... واتفاقية خور عبد الله

> وسط انشغال الأوساط السياسية في العراق بالأوضاع في مدينة كركوك، أطلّت المفاجأة، المتمثلة بقرار «المحكمة الاتحادية العليا» في العراق بشأن «اتفاقية خور عبد الله» بين العراق والكويت.

القضيتان شغلتا الرأي العام العراقي، وطبعاً نشطت، في موازاة ذلك، «نظرية المؤامرة»، سواءً بشأن الأهداف والتوقيت والملابسات، وكيفية مواجهة القضيتين معاً، مع أن كل واحدة منهما منفصلة عن الأخرى، فقضية كركوك قضية داخلية عراقية ترتبط بالدرجة الأساس بطبيعة الوضع السياسي، ومنطقة كركوك واحدة من المناطق التي يطلَق عليها مسمّى المناطق «المتنازع عليها»، طبقاً للدستور العراقي، ومن ثم تخضع للمادة 140 من الدستور. أما «اتفاقية خور عبد الله» فإنها تدخل فيما يمكن تسميته «خلافات حدودية» بين العراق والكويت، بوصفها جزءاً من تبِعات الغزو العراقي للكويت على عهد النظام العراقي السابق. إلا أن «نظريات المؤامرة» لاحت، مع هذا، في سياق ما قِيل داخل العراق عن صلة تلك الاتفاقية بميناء الفاو، ربطها آخرون بما يُتداول من شائعات عن تواطؤ بعض المسؤولين العراقيين وتلقّيهم رشاوى.

على أية حال، ومع أن الكويت احتجّت على قرار «المحكمة الاتحادية» بشأن ما قيل إنه «إلغاء للاتفاقية» من جانب واحد (هو الجانب العراقي)، ما كان قرار المحكمة إلغاء الاتفاقية بقدر ما هو تعليق العمل بها إلى حين تعديل القانون من قِبل البرلمان، فالمحكمة قضت بلا دستورية قانون تصديق اتفاقية الملاحة البحرية في خور عبد الله مع الكويت. والتطمينات التي حاولت قيادات عراقية عليا تقديمها للكويت لم تقلل من أهمية المخاوف الكويتية بهذا الشأن.

ما يجدر ذكره هنا أن «البرلمان العراقي» كان قد صادق على الاتفاقية بموجب القانون 42 لعام 2013، و«مجلس الأمة الكويتي» بموجب القانون الصادر رقم 4 لعام 2013، وجرى إيداعها لدى «الأمم المتحدة»، لكن قرار «المحكمة الاتحادية العليا» في العراق أعاد الأمور إلى المربع الأول.

سياسياً، وطبقاً لما يقوله الأكاديمي والباحث العراقي، الدكتور يحيى الكبيسي، لـ«الشرق الأوسط»، فإنه «أولاً، لا يمكن للحكومة العراقية إلا أن تعمل على تهدئة الأمور مع الكويت، وذلك بأن ترسل رسالة رسمية إلى الكويت والأمم المتحدة توضح أن إلغاء التصديق على الاتفاقية اتخذته المحكمة الاتحادية لأسباب تتعلق بالمرجعية القانونية للتصويت على الاتفاقية، ولا تأثير له على الاتفاقية الموقَّعة بين الحكومتين، وأن الحكومة العراقية ستعمد إلى إرسال الاتفاقية مرة ثانية إلى مجلس النواب للتصويت عليها وفقاً لقانون المعاهدات رقم 35 لسنة 2015». وأردف الكبيسي: «وثانياً، إن الحكومة العراقية تُجري، في الوقت نفسه، اتصالات ثنائية مع الكويت لتعديل الفقرات التي كانت استُخدمت ذريعة التحشيد ضد الاتفاقية... وذلك لإسكات هؤلاء المحشّدين، ومنعهم من الزعم بأن هذه الاتفاقية المتعلقة بتنظيم الملاحة لا يمكن تأويلها أو تفسيرها على أنها تتضمن ترسيماً ضمنياً للحدود البحرية بين البلدين بعد العلامة 162 جنوباً».

أما قانونياً، وكما يرى الخبير القانوني علي التميمي، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، فإن «قرار المحكمة الاتحادية العليا يتعلق بلا دستورية قانون تصديق الاتفاقية الخاصة بخور عبد الله مع الكويت، حيث استندت إلى أن الدستور العراقي يشترط تشريع قانون خاص للتصويت على الاتفاقيات المهمة، بما فيها ترسيم الحدود والسياسة بغالبية ثلثي عدد أعضاء البرلمان». وتابع التميمي: «قرار الاتحادية بلا دستورية التصويت لا يعني إلغاء الاتفاقية بقدر ما يعني تعليقها لحين تشريع قانون يتطلب التصويت بغالبية الثلثين... وهو ما يعني أنه في حال صادق عليها البرلمان الحالي بعد تشريع القانون بغالبية الثلثين، تعتبر شرعية وتمضي، ولكن في حال لم يصادق عليها البرلمان؛ عند ذاك تعتبر مُلغاة لكن من جانب واحد». وبيّن أن «النص الصريح في الاتفاقية، طبقاً للمادة 14، يشير إلى أن أي خلاف بين الطرفين بخصوص الاتفاقية تتم تسويته ودياً، وفي حال عدم التوصل إلى حل يُحال إلى محكمة البحار التي مقرُّها في ميونيخ، وهو ما يعني أن البرلمان العراقي، ما لم يصوِّت، تُعتبر مُلغاة من جانب واحد. وهناك مادة أخرى في الاتفاقية (المادة 16) تتضمن أنه في حالة أراد أي طرف إلغاء الإتفاقية، لا بد أن يخبر الطرف الآخر قبل 6 شهور، على أن يتم الإنهاء باتفاق الطرفين، وبعكسه يُصار إلى اللجوء إلى محكمة البحار».

داخل الصندوق

في هذه الأثناء، ومع احتدام الجدل عراقياً وكويتياً بشأن قرار «المحكمة الاتحادية»، فإن النزاع حول كركوك جرى تبريده ثانية باتجاه جولة تالية قد تُعقب انتخابات مجالس المحافظات المقرر إجراؤها نهاية العام الحالي. ومع أن كل القوى السياسية العراقية تسعى لإثبات وجودها واختبار قوتها عبر هذه الانتخابات، يتوقع أن يزداد الصراع على كركوك حِدةً أمام هشاشة التوافقات العراقية. وفي هذا السياق يرى محمود خوشناو، القيادي في «الاتحاد الوطني الكردستاني»، في تصريح، لـ«الشرق الأوسط»، أن «المشكلة تكمن في أن الجميع يفكرون داخل الصندوق لا خارجه... وكأنما نعيش منذ عقود، حين كانت الخلافات بأدوات قديمة، لكنها الآن بأدوات جديدة».

ويضيف خوشناو: «كل الأطراف متمسكة بالصيغ القديمة نفسها، حيث يطغى البعد القومي والبعد الطائفي، ويهيمن حب السيطرة والنفوذ على الذهنية السياسية في العراق، سواءً على المستوى الاتحادي أم على مستوى إقليم كردستان». ويتابع أن «الضغط الإقليمي موجود كذلك، وآخِر ذلك ما أعلنه الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، الذي وجّه رئيس الاستخبارات بشأن كركوك، وهو تدخُّل في شأن محلي عراقي». ثم يستطرد أن «الدستور لا ينفَّذ في كركوك، بدءاً من المادة 140 والمواد الأخرى، لأسباب تتعلق بالأجندات السياسية الداخلية والخارجية، وربما كركوك الآن تستخدم بوصفها منطقة رخوة لتافتعال أزمة جديدة بالعراق... وهو ما حذَّرنا منه نحن في الاتحاد الوطني؛ لأن هناك معلومات بهذا الشأن. هذا يتطلب منا جميعاً ترك الصيغ القديمة، وانتهاج صيغ جديدة للحل».

في السياق نفسه يرى الأكاديمي وأستاذ الإعلام الدكتور غالب الدعمي، في تصريح، لـ«الشرق الأوسط»، أن «استخدام حصة الإقليم المالية لغرض تصفية حسابات مع شعب عراقي هم الكرد، أمر غير صحيح... ومن ثم مطلوب من بغداد تسديد حصة كردستان من الموازنة المالية التي أقرّها مجلس النواب». ويوضح الدعمي أنه «في قضية كركوك، تحديداً، لا يجوز أن تكون أملاك الدولة عرضة للخلافات بين الجهات السياسية، ومن ثم يجب احترام إجراءات الدولة في هذا السياق عبر منع سيطرة الأحزاب السياسية على ممتلكات الدولة، بمن فيها تلك التي خُصّصت في النظام السابق». ويضيف الدعمي أنه «إذا كانت الأملاك في كركوك مِلكاً للدولة فيجب أن تعود للدولة... مثلما حصل في محافظات الوسط والجنوب، باستثناء ما كان خصّصه النظام السابق من مقرّات لأجهزته القمعية، يمكن أن تعود إلى كردستان أو أية جهة تدَّعي ملكيتها». ويوضح أن «المشاكل التي تحصل حالياً ليست في صالح البلاد؛ لأن الأوضاع ليست مستقرة... وهذا مؤشر سلبي ينبغي التنبه إليه، علماً بأن الحكومة ليست مسؤولة عن محاولات تقويض الاستقرار، وإن محاولات إضعاف الدولة مقصودة». جاء تولّي السوداني وسط تناقضات عميقة على صعيد العلاقة مع واشنطن... فالقوى التي دعّمته هي نفسها التي ترفع لواء معاداتها



كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
TT

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)

لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسمياً، والتي لطالما أثارت شكوكاً أميركية بسبب تاريخها النووي وعلاقاتها المعقدة مع الجماعات المسلحة، كانت حتى الأمس القريب تبدو أقرب إلى هامش النظام الإقليمي الجديد منها إلى مركزه. إلا أن الحرب على إيران، وطبيعة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشخصية والصفقية، والحاجة الأميركية إلى وسيط يجمع بين القدرة على مخاطبة طهران وعدم القطيعة مع واشنطن، كلها عوامل أعادت إسلام آباد إلى الواجهة دفعة واحدة.

عودة باكستان إلى الساحة الإقليمية الشرق أوسطية لا يجوز فهمها فقط من زاوية الوساطة الحالية، بل يجب قراءتها بوصفها نتيجة مسار أطول يتضمن:

1- إعادة تأهيل تدريجية للعلاقة الأميركية - الباكستانية بعد سنوات من التراجع لمصلحة الصين.

2- استثمار باكستان لعناصر قوتها الخاصة، من موقعها الجغرافي إلى وزنها العسكري والنووي، مروراً بعلاقاتها مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج.

3- الأهم أن هذه العودة تطرح سؤالاً أكبر هو: هل تتحوّل باكستان من مجرد «وسيط ظرفي» إلى أحد اللاعبين الذين يسهمون في إعادة صياغة توازن القوة الإقليمي، في لحظة تتعرض فيها إيران إلى ضغط غير مسبوق، وتعيد فيها القوى الكبرى والإقليمية ترتيب مواقعها؟

مخاطبة ترمب بلغته

في ولايته الأولى، لم يُخفِ ترمب ضيقه من باكستان. اتهمها يومها بأنها لم تُقدم لواشنطن سوى «الأكاذيب والخداع»، في تعبير لخّص مرحلة من الفتور العميق بين البلدين. وحقاً، كانت واشنطن ترى أن باكستان تستفيد من المساعدات الأمنية والمالية الأميركية، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بهوامش واسعة في أفغانستان، وتُبقي علاقاتها بالصين أولوية استراتيجية. غير أن ما تبدل لاحقاً لم يكن فقط سلوك إسلام آباد، بل أيضاً إدراكها العميق لطبيعة ترمب نفسه.

وفق تقرير لصحيفة «واشنطن بوست»، أدركت النخبة الباكستانية مبكراً أن ترمب لا يتجاوب مع الخطاب التقليدي القائم على التحالفات الطويلة أو اللغة الدبلوماسية المجردة، بل مع ما يُمكن تسويقه إليه بوصفه إنجازاً مباشراً وملموساً. لذلك صاغت إسلام آباد عرضها بلغة «صفقة»، أي: التعاون في مكافحة الإرهاب، والانفتاح على «صفقات» المعادن الحيوية، والإشارة إلى «شراكات» في مجال العملات الرقمية عبر اتفاقات مرتبطة بجهات على صلة بعائلة ترمب.

هذا هو ما عبّر عنه المسؤول الباكستاني السابق مشاهد حسين سيد، حين قال إن بلاده قدّمت لترمب «الثلاثية»: العملة المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب.

هنا يكمن التحوّل الأساسي، إذ إن باكستان لم تُحاول إقناع واشنطن بأنها تغيّرت جذرياً، بل حاولت إقناع ترمب بأنها مفيدة له شخصياً وسياسياً. ولقد عزّزت هذا المسار بخطوات رمزية وسياسية مدروسة، منها الإشادة المتكررة بدوره في وقف النار مع الهند، وترشيحه لجائزة نوبل للسلام، والانضمام إلى مبادرات ذات طابع احتفائي مرتبطة بخطابه الدولي. وبحلول الخريف، كان ترمب قد انتقل إلى وصف قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير بأنه «المشير المفضّل» لديه.

هذه ليست مجرد مجاملة.

إنها تعني أن باكستان نجحت في تحويل العلاقة مع واشنطن من ملف مؤسساتي ثقيل وموروث من «الحرب على الإرهاب»، إلى قناة شخصية مباشرة مع رئيس أميركي يُعلي من قيمة الولاء والجدوى الفورية أكثر من أي اعتبارات أخرى.

باكستان «وسيط» رغم عدم اعترافها بإسرائيل

المفارقة الظاهرية أن الدولة التي لا تعترف بإسرائيل أصبحت اليوم منصة للتفاوض في حرب تكون إسرائيل أحد أطرافها الرئيسيين. بيد أن هذه المفارقة تتلاشى إذا نظرنا إلى الوساطة من منظور وظيفي لا آيديولوجي. فإسلام آباد لا تلعب دور الضامن لاتفاق شامل بين طهران وتل أبيب، بل دور الميسّر لقناة أميركية - إيرانية، على قاعدة أن مفتاح التأثير الحقيقي موجود في واشنطن. ومن هذه الزاوية، فإن إحجامها عن الاعتراف بإسرائيل قد لا يكون عائقاً، بل ربما هو عنصر طمأنة إضافي للإيرانيين.

وفق الـ«واشنطن بوست» تمتلك باكستان ثلاثة عناصر تمنحها أهلية خاصة لهذا الدور: أولها، مستوى من الثقة النسبية مع إيران، بحكم الجوار البري الطويل، والحاجة المتبادلة إلى ضبط الحدود ومنع تحول المناطق المشتركة إلى بؤر فوضى دائمة. وثانيها، قدرتها على مخاطبة واشنطن من داخل علاقة أُعيد ترميمها مع دونالد ترمب شخصياً. وثالثها، ثقلها النووي والعسكري، الذي يمنحها مكانة تختلف عن مكانة الوسطاء التقليديين الأقل وزنًا.

ويُشير ذلك بوضوح إلى أن هذا الثقل النووي يضيف إلى «هيبة» باكستان في نظر مختلف الأطراف.

لكن الأهم من ذلك أن سلطة إسلام آباد ليست وسيطاً محايداً بالكامل، بل وسيط مصلحي. ذلك أنها معنية بمنع انهيار إيراني شامل أو تفكّك داخلي على حدودها الغربية، كما أنها معنية في الوقت نفسه بمنع طهران من ترجمة أزمتها إلى ضغط أمني أو مذهبي داخل الساحة الباكستانية. وبالفعل، أظهرت التطورات الأخيرة مدى هشاشة الداخل الباكستاني أمام ارتدادات الحرب، مع وقوع اضطرابات وأعمال عنف بعد مقتل المرشد الإيراني، ومحاولة اقتحام القنصلية الأميركية في كراتشي.

من هنا، لا تبدو الوساطة الباكستانية «عملاً خيرياً» أو مجرد إنجاز دعائي. إنها أيضاً محاولة دفاع متقدّم عن الأمن الوطني الباكستاني، فالدولة النووية الكبرى المجاورة لإيران لا تستطيع تحمل «سيناريو» الفوضى الطويلة الأمد، ولا «سيناريو» سيطرة مطلقة لـ«الحرس الثوري» على بلد مأزوم ومتفكّك، ولا كذلك «سيناريو» تدخّلات إقليمية متشابكة قد تفتح الخرائط على احتمالات يصعب ضبطها.

باكستان نجحت

في تحويل العلاقة

مع واشنطن من ملف ثقيل عن «الحرب

على الإرهاب» إلى قناة شخصية مباشرة

مع رئيس أميركي

السعودية بوابة العودة

من جهة ثانية، لم تعد العلاقة الباكستانية - الأميركية تُفهم بعيداً عن الدور السعودي. فخلال سنوات التراجع الأميركي النسبي في التعاطي مع باكستان، ومع تنامي الحضور الصيني الاقتصادي والاستراتيجي في البلاد، بقيت المملكة العربية السعودية ومعها دول خليجية صماماً مالياً وسياسياً أساسياً لإسلام آباد. ولقد اضطرت باكستان أخيراً للاعتماد على حزم إنقاذ وقروض من السعودية والإمارات، في ظل أزماتها النقدية وغلاء المعيشة، بعدما كانت تلجأ أيضاً إلى صندوق النقد الدولي.

ثم إن هذا البُعد المالي لا ينفصل عن البُعد الاستراتيجي، فالرياض كانت تاريخياً الجسر الذي يسمح لباكستان بالحفاظ على صلة وثيقة بالمنظومة الأمنية العربية الحليفة لواشنطن، حتى حين كانت العلاقات الباكستانية - الأميركية تمر بمراحل فتور. واليوم، مع توقيع «معاهدة الدفاع الاستراتيجية» بين الرياض وإسلام آباد، ومع ترجمة ذلك -ولو رمزياً- عبر إرسال طائرات حربية وقوات باكستانية إلى السعودية في رسالة ردع إلى طهران، باتت باكستان أقرب إلى موقع «الشريك الأمني المرِن» الذي يمكن توظيفه في التوازن الخليجي - الإيراني من دون وضعه في الواجهة الأولى للمواجهة.

هذا الدور المزدوج للسعودية مهم «ذهاباً وإياباً»، فهي من جهة تمنح باكستان دعماً مالياً وسياسياً يُخفف هشاشتها الداخلية، ومن جهة أخرى تفتح لها باب العودة إلى واشنطن عبر إبرازها بوصفها عنصر استقرار داخل المنظومة الإقليمية التي تريد الولايات المتحدة إعادة ضبطها. بهذا المعنى، فإن التقارب الباكستاني - الأميركي ليس بديلاً عن الصين بقدر ما هو عملية تنويع اضطرارية للمحاور، تقودها حاجة باكستان إلى تجنّب الارتهان الكامل لبكين، وحاجة واشنطن إلى شريك يملك مفاتيح في أفغانستان وإيران والخليج معاً.

والواقع أن هذه البراغماتية هي ما يُفسّر قدرة باكستان على الجمع بين خطوط تبدو متناقضة:

- شراكة وثيقة مع الصين.

- علاقة أمنية متقدمة مع السعودية.

- قناة مفتوحة مع واشنطن.

- لا جسور مقطوعة مع إيران.

إنها -أي باكستان- تُحاول أن تكون «دولة تقاطع» لا «دولة محور»، مستفيدة من موقعها الجغرافي، ومن لحظة سيولة إقليمية غير مسبوقة.

الرئيس الباكستاني شهباز شريف مع نائب الرئيس الأميركي فانس (آ ب)

توازن القوة الإقليمي

بالتوازي مع ما سبق، في حين لا تبدو باكستان مرشحة لأن تحل محل القوى الإقليمية التقليدية، فإنها باتت مرشحة جدّية لأن تصبح رقماً أصعب في معادلة التوازن. إذ إن السعودية تبقى «لاعب الثقل المالي والنفطي» العربي، وتركيا تملك أدوات نفوذ عسكرية وسياسية أكثر تمدداً في المشرق وشرق المتوسط، ومصر تحتفظ بثقل الدولة المركزية العربية، وإن كان دورها الإقليمي أكثر حذراً، في حين تبقى إسرائيل القوة العسكرية الأكثر تفوقاً تكنولوجياً والأكثر التصاقاً بالقرار الأميركي في هذه الحرب.

مع هذا، باكستان تضيف الآن شيئاً عناصر لا تتوفر مجتمِعةً لدى اللاعبين المذكورين، أبرزها: أنها دولة إسلامية نووية، وذات جيش كبير، وحدود مباشرة مع إيران، وذات قابلية للتحاور مع واشنطن وطهران والخليج في آنٍ معاً. وبهذا، المعنى، قد يتحوَّل دور إسلام آباد إلى أحد ثلاثة أشكال.

الأول: وسيط أمني - سياسي يسهّل التهدئة؛ حيث تعجز القنوات المباشرة، خصوصاً في الملفات التي تمس إيران والخليج.

الثاني: شريك ردع رمزي إلى جانب السعودية، يرسل إشارات أكثر مما يخوض مواجهات مباشرة.

والثالث: عنصر توازن يمنع أن تتحوّل أي تسوية إقليمية جديدة إلى ترتيب يستثني القوى الإسلامية غير العربية الكبرى.

إلا أن هذا الطموح يصطدم بقيود واضحة. وتقول الـ«واشنطن بوست» إن معظم الباكستانيين لن يلمسوا من هذه الوساطات شيئاً ما لم تنجح الدولة في معالجة أزماتها الاقتصادية البنيوية. كما ينبه مسؤولون وخبراء سابقون إلى أن بعض الصفقات المعلنة مع واشنطن قد يكون أقرب إلى الضجيج السياسي منه إلى التحوّل الاقتصادي الحقيقي. وفضلاً عن ذلك، فإن خصوم القيادة الباكستانية الحالية يرون في انخراطها الخارجي محاولة لصرف الأنظار عن الصراعات الداخلية، وتعزيز شرعية المؤسسة العسكرية.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إسلام آباد نجحت في كسب ود ترمب؛ هي فعلت ذلك بالفعل إلى حد بعيد، بل السؤال هو ما إذا كانت قادرة على تحويل هذا الود إلى نفوذ مستدام، لا إلى لقطة دبلوماسية عابرة.

نجاحها في ذلك سيتوقف على ثلاثة شروط: أولاً، أن تُحافظ على خط توازن دقيق مع إيران يمنع التدهور الحدودي والفوضى. وثانياً، أن تترجم تقاربها مع واشنطن إلى مكاسب اقتصادية ومؤسساتية فعلية لا صفقات دعائية. وثالثاً، أن تدير شراكتها مع الرياض بطريقة تُعزز موقعها الإقليمي من دون أن تزجّ بها في مواجهة مباشرة مفتوحة مع طهران.

وهكذا، في المحصلة، عادت باكستان إلى أميركا؛ لأنها فهمت كيف تُخاطب ترمب، ولأن الحرب على إيران رفعت قيمة موقعها الجغرافي والسياسي في لحظة حرجة. لكنها عادت أيضاً لأن الإقليم نفسه بات يبحث عن قوى وسيطة تملك القدرة على وصل الخطوط المتباعدة.وإذا كانت السنوات الماضية قد كرّست صورة باكستان بوصفها دولة تتأرجح بين الأزمات، فإن الأشهر الأخيرة توحي بأنها تحاول إعادة تقديم نفسها بوصفها دولة مفصلية في إعادة تركيب توازنات المنطقة. غير أن هذه العودة، مهما بدت لافتة، ستظل ناقصة ما لم تنجح إسلام آباد في تحويل الدور الخارجي إلى استقرار داخلي، وفي إثبات أن الوساطة ليست فقط طريقاً إلى رضا ترمب، بل أيضاً إلى مكانة إقليمية يصعب تجاوزها.


أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
TT

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك، الجنرال عاصم منير، قائد الجيش، بوصفه الرجل الأقوى في باكستان وصاحب التأثير الأكبر في ملفات الأمن والسياسة الخارجية.

وأهمية منير لا تعود فقط إلى موقعه الداخلي، بل إلى نجاحه في بناء قناة مباشرة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى حد أن الأخير عدّه «المشير المفضل» لديه بحلول أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في إشارة رمزية إلى حجم التحول في العلاقة.

إلى جانب منير، لعب رئيس الوزراء شهباز شريف دور الواجهة السياسية لهذا التقارب. فالحكومة الباكستانية كثفت الإشادة العلنية بترمب، وشكرته مراراً على تدخله لوقف إطلاق النار مع الهند، كما رشحته إسلام آباد لجائزة نوبل للسلام، في خطوات هدفت إلى مخاطبة ترمب بلغته السياسية القائمة على التقدير الشخصي والرمزية الإعلامية.

مشاهد حسين سيد(فايسبوك)

كذلك برز مشاهد حسين سيد، الرئيس السابق للجنة الدفاع في مجلس الشيوخ الباكستاني، بوصفه من أبرز من شرحوا فلسفة هذا التحول. إذ قال إن باكستان «قرأت ترمب جيداً»، وقدمت له ما سماها «الثلاثية»: العملات المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب. وتكشف هذه العبارة عن أن إسلام آباد تعمّدت إعادة «تسويق» نفسها في واشنطن من زاوية «المنفعة المباشرة»، لا من زاوية التحالفات التقليدية فقط.

وبالطبع، لا يقل أهمية عن هؤلاء فريق الدولة الاقتصادي والدبلوماسي، الذي أسهم في ترجمة الانفتاح إلى صفقات وممرّات تواصل، من اتفاق المعادن الحيوية إلى الترتيبات المالية والسياسية التي حسّنت صورة باكستان داخل إدارة ترمب. وعليه، يمكن القول إن عاصم منير كان «مهندس» القناة الاستراتيجية، وشهباز شريف واجهتها السياسية، فيما وفّر مشاهد حسين سيد الإطار التفسيري لهذا التحوّل.


روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
TT

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي رئاسة جمهورية بنين، الواقعة في غرب أفريقيا. واداني يخلف الرئيس المنتهية ولايته باتريك تالون، الذي لا يحق له الترشح مجدداً بعدما أمضى ولايتين رئاسيتين مدة كل منهما 5 سنوات. وللعلم، حصل الرئيس الجديد، الذي يلقب بين أقرانه اختصاراً لاسمه بـ«رو»، على أكثر من 94 في المائة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية التي أجريت يوم 12 أبريل (نيسان) الحالي، متفوقاً على منافسه المعارض بول هونكبي، في انتخابات بلغت نسبة المشاركة فيها 58.78 في المائة.

روموالد واداني، الذي كان يوصف بأنه «الخليفة المختار» للرئيس باتريك تالون، أعلن في أول تصريحاته عقب فوزه برئاسة بنين اعتزامه البناء على ما وصفه بـ«الأسس الصلبة» التي أرساها سلفه، وأنه سيكرس مساراً سياسياً يقوم على الاستمرارية أكثر من التغيير، مع تأكيد حرصه على «التماسك الوطني»، الذي مثّله حجم فوزه في الانتخابات.

الفوز كان متوقعاً

الفوز في حد ذاته لم يكن مفاجئاً، لا سيما أن واداني (49 سنة)، يمثل نموذج «التكنوقراطي الصاعد» في أفريقيا؛ إذ جاء إلى الحكم من بوابة الإدارة المالية لا السياسة التقليدية. وطوال عقد كامل شغل خلاله منصب وزير الاقتصاد والمالية، منذ عام 2016، ارتبط اسم واداني بتغييرات هيكلية أعادت ضبط المالية العامة، وخفّضت عجز الموازنة إلى نحو 3 في المائة من الناتج المحلي، في حين حقق الاقتصاد معدلات نمو تجاوزت 6 في المائة سنوياً في المتوسط. وهذه النتائج هي ما بنى عليه الرجل برنامجه الانتخابي للوصول إلى سدة الحكم، بعدما اكتسب ثقة المستثمرين مرسّخاً اسمه كمهندس «الاستقرار المالي» في واحد من أسرع اقتصادات غرب أفريقيا نمواً.

يوصف روموالد وادني بأنه «هادئ الطباع»، لا سيما مع قلة ظهوره الإعلامي، بيد أنه وفق محللين سياسيين كان «العقل المدبر» خلف التغييرات الاقتصادية في بنين طوال العقد الماضي؛ ما جعله يتصدّر المشهد كخليفة لتالون. وبالفعل، تحوّل «البيروقراطي» الذي لطالما عمل خلف الكواليس شخصاً جماهيرياً يجوب البلاد ويخطب في تجمّعات جماهيرية، متخلياً عن ربطة العنق والخطاب المكتوب، في محاولة للتقرّب من الشارع وكسر صورة «التكنوقراطي الاقتصادي الصارم».

نقلت وكالة «أ.ف.ب» الفرنسية، من جهتها، عن أحد حلفائه قوله إن الحملة «أظهرت وجه واداني الحقيقي كشخص قريب من الناس»، في تحوّل لافت لرجل ظل لسنوات يعمل بعيداً عن الأضواء. أما عن السباق الرئاسي نفسه، فقد خاضه واداني مدعوماً من أحزاب الائتلاف الحاكم. وأقرّ منافسه الوحيد، بول هونكبي، بالهزيمة قبل إعلان النتائج رسمياً، وهو ما اعتبره واداني بعد الفوز «مؤشراً على النضج الديمقراطي».

نشأة اقتصادية

وُلد روموالد واداني يوم 20 يونيو (حزيران) 1976 في مدينة لوكوسا بجنوب غربي بنين، قرب الحدود مع توغو، لأسرة متعلّمة ذات خلفية اقتصادية. ونشأ بين صرامة والده مهندس الإحصاء وأستاذ الرياضيات وروح المبادرة عند والدته رائدة الأعمال، وانعكس هذا الواقع فيما بعد على مسيرته التعليمية والمهنية.

إذ اتجه الشاب الطموح لدراسة الإدارة والمحاسبة والتمويل في «المدرسة العليا لإدارة الأعمال» بمدينة غرونوبل الفرنسية قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة للدراسة في معهد إدارة الأعمال بجامعة هارفارد الأميركية العريقة. ولكن، مع أن تكوين واداني العملي والعملي الأساسي كان خارج البلاد، فإنه دائماً ما أبدى حرصه على تأكيد ارتباطه بجذوره، عبر إشارات متكرّرة إلى امتلاكه مزرعة في بنين.

مهنياً، يتمتع واداني بصفة محاسب قانوني معتمد في كل من فرنسا والولايات المتحدة، كما أنه حصل على درجة الماجستير في التمويل، وتلقى تدريباً متخصصاً في مجالات الاستثمار المباشر ومخاطر رأس المال. وقبل دخوله العمل الحكومي، راكم «رو» خبرة دولية عملية داخل شركة «ديلويت» المحاسبية العالمية الشهيرة، حيث بدأ مسيرته المهنية في فرنسا عام 1998، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة عام 2003. وخلال هذه الفترة، طوّر واداني خبرات في مجالات عدة، وقدّم خدمات استشارية لقطاعات متنوعة من بينها: التعدين، والتكنولوجيا والإعلام والاتصالات، والقطاع المالي، والقطاع العام، والتجزئة، فضلاً عن تعاونه مع حكومات وجهات مانحة دولية.

ثم في عام 2012، عندما كان لا يزال في سن الـ36، رُقّي واداني إلى منصب شريك ومدير إداري في «ديلويت»، وبعد ذلك بثلاث سنوات، كُلّف إنشاء مكتب جديد للشركة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، كما تولى مسؤولية إدارة التدقيق والممارسة المهنية لأنشطة «ديلويت» في دول أفريقيا الناطقة بالفرنسية.

وزيراً للاقتصاد والمالية

تجربة واداني المهنية الدولية دفعت لتعيينه في منصب وزير دولة للاقتصاد والمالية يوم 7 أبريل (نيسان) 2016 ضمن أول حكومة للرئيس باتريك تالون، وفيها كُلّف تنفيذ برنامج تغييري طموح، قبل أن يُعاد تعيينه في مايو (أيار) 2021، ويواصل لعب دور محوَري في رسم السياسات الاقتصادية لبنين.

بعد ذلك، تولى واداني حقيبة الاقتصاد عندما كانت بنين تشكو فيه ارتفاع عجز الموازنة، وسوء إدارة الدين العام، وتراجع ثقة المستثمرين. وبالفعل، قاد سياسة تغييرية تقوم على محورَين رئيسين: الأول يتمثل في إدارة مالية عامة تتّسم بالشفافية لتحقيق «انضباط» الميزانية وتعبئة التمويل الدولي وتعزيز ثقة المانحين الدوليين من القطاعين العام والخاص. والآخر يركّز على تحسين مناخ الأعمال وتعزيز قدرة القطاع الخاص على مواجهة الصدمات الخارجية.

بفضل هذه السياسة، سجلت بنين نمواً بنسبة 8 في المائة عام 2025، وهو مستوى غير مسبوق لمدة ثلاثة عقود، وفق ما ذكره موقع الحملة الانتخابية لواداني. وحسب الموقع أيضاً، سُجّل رفع نصيب الفرد من الدخل بنسبة 50 في المائة خلال أقل من عشر سنوات، وتحديث أكثر من 14 ألف كيلومتر من الطرق، وبناء مستشفيات ومدارس جديدة، بالإضافة إلى برنامج المقصف المدرسي الذي يسمح لنحو 1.3 مليون طفل بالاستفادة من وجبة ساخنة يومياً.

أيضاً، تمكّن واداني من إجراء تغييرات على المالية العامة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 في المائة من الناتج المحلي، كما أطلق خلال ولايته مشاريع بنية تحتية كبرى حققت نمواً اقتصادياً واستقراراً، عزّزا ثقة المستثمرين الدوليين، ورسّخا صورة بنين كنموذج إصلاحي صاعد في المنطقة.

وعلى الصعيد الإقليمي، لعب واداني دوراً بارزاً في غرب أفريقيا، حيث ترأس المجلس القانوني لوزراء مالية «الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا»، وقاد مفاوضات مع فرنسا تُوجت بتوقيع اتفاق في ديسمبر (كانون الأول) 2019 لإنهاء العمل بعملة الفرنك الأفريقي (CFA) في المنطقة، في خطوة اعتُبرت تحولاً مهماً في مسار السيادة النقدية لدول الإقليم.

القائد الشاب... والمرشح الرئاسي

خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 أعلن روموالد واداني اعتزامه الترشح للرئاسة رغبةً منه في إكمال مسار التغيير، وتحقيق مزيد من التقدّم. وتعهد أيضاً بتوفير فرص عمل والقضاء على الفقر لتصل ثمار التغيير إلى كل بيت في بنين رافعاً شعار «نبني معاً بنين أحلامنا».

واليوم، وفق صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية، يعكس فوز واداني بالرئاسة «توجّهاً نحو تجديد الطبقة السياسية الحاكمة وتطوّراً للعقلية السياسية» في بنين «باختيار جيل من الحكّام أقرب للواقع». وهو بذا، ينضم إلى مجموعة محدودة من الرؤساء الشباب في قارة أفريقيا.

ثم إنه ممّا يزيد أهمية الحدث كون واداني وصل إلى قمة السلطة عبر انتخابات، اعتبر مراقبون دوليون أنها «أجريت بشكل سلمي ومنظم»، وأن ما سُجّل من ملاحظات محدودة لا يمسّ صدقية النتائج، وإن غابت عنها التعدّدية الفعلية.

التحديات الأمنية

من جهة ثانية، لانتخابات الرئاسة في بنين أهمية إضافية؛ كونها نُظّمت وسط تحديات أمنية كادت تهدّد إجراءها من الأساس. ففي ديسمبر الماضي، سيطر عدد من أفراد الجيش على محطة التلفزيون الرئيسة، وهاجموا قصر الرئاسة في محاولة انقلاب فاشلة احتجاجاً على تدهور الوضع الأمني في شمال البلاد وتصاعد تهديد الإرهاب. وبالتالي، جاءت الانتخابات بعد تعرّض بنين لإحدى أكثر سنواتها عنفاً على الإطلاق في 2025، وسلّطت المحاولة الانقلابية الضوء على هشاشة الأوضاع السياسية في دولة تعدّ واحدة من الديمقراطيات الأفريقية المستقرة نسبياً. وفي أي حال، نجحت الانتخابات الرئاسية الأخيرة في تحقيق خامس انتقال سلمي للسلطة منذ استقلال بنين عام 1960. كما أنه بالنسبة لمؤيدي واداني يمثل صعوده «بروز جيل جديد من القادة، أقل اهتماماً بالشعارات وأكثر تركيزاً على النتائج» حسب الـ«نيويورك تايمز»، لكن معارضيه يرون فيه «استمراراً لنظام سياسي يضيق فيه هامش التعدّدية».

إرث مثقل بالتحديات

في الواقع، يمكن القول إن روموالد واداني يتولّى محمّلاً بإرث مثقل بالتحدّيات السياسية والأمنية والاتهامات بتقييد المعارضة، ومسار اقتصادي تغييري حقّق قدراً من النمو والازدهار؛ ما يضعه أمام معادلة صعبة لاستكمال مسار التغيير الاقتصادي ومواجهة التحدّيات الأمنية مع الحفاظ على استقرار البلاد سياسياً.

ويُعدّ الفقر أحد أخطر التحديات التي تواجه واداني، لا سيما مع تجاوز نسبته أكثر من 30 في المائة من السكان. ويضاف إلى ذلك تصاعد الهجمات «الإرهابية» في الشمال؛ ما يفرض ضغوطاً على الجيش والسلطة، وانتقادات المعارضة لغياب التعددية و«الانفتاح السياسي الحقيقي».

وبينما يرى مراقبون أن الرئيس الجديد سيواصل النهج الاقتصادي الذي قاده خلال فترة سلفه تالون، فهم يؤكدون أن قياس نجاحه سيظل رهناً بقدرته على تحقيق تنمية أكثر شمولاً من جهة واحتواء التهديدات الأمنية وإعادة التوازن للحياة السياسية من جهة أخرى.وهكذا، بين الاستمرارية وضغوط الانفتاح والتغيير الديمقراطي، يدخل واداني عازماً على تحقيق مستقبل أفضل لشعب بنين. ويرى مراقبون أن سنواته الأولى في الحكم ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان سيُرسّخ نموذجاً ناجحاً للحكم الرشيد، أم سيواجه أزمات تعيد طرح الأسئلة القديمة حول الديمقراطية والتنمية في غرب أفريقيا.