«بريكس»... وجهة الحالمين بـ«تغيير العالم»

التجمع يتمدّد بهدوء من أجل «التعددية القطبية» وتوسيعه يعزّز حضوره

من قمة «بريكس» الأخيرة في جوهانسبرغ (إ.ب.أ)
من قمة «بريكس» الأخيرة في جوهانسبرغ (إ.ب.أ)
TT

«بريكس»... وجهة الحالمين بـ«تغيير العالم»

من قمة «بريكس» الأخيرة في جوهانسبرغ (إ.ب.أ)
من قمة «بريكس» الأخيرة في جوهانسبرغ (إ.ب.أ)

«إننا جميعاً متفقون على تشكيل نظام عالمي متعدد الأقطاب يكون عادلاً بحق». بهذه الكلمات خاطب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين القمة الـ15 لتجمع دول «بريكس»، التي اختتمت أعمالها أخيراً في مدينة جوهانسبرغ الجنوب أفريقية. ولقد بدا بوضوح الهدف من كلمة الرئيس الروسي، الذي خاطب القمة عبر الفيديو، خشية إلقاء القبض عليه بموجب مذكرة توقيف صادرة بحقه من المحكمة الجنائية الدولية على خلفية الحرب في أوكرانيا، ألا وهو تشكيل نظام عالمي متعدد الأقطاب.

تكرر التعبير عن هدف «التعددية القطبية» بمفردات ولغات متنوعة على ألسنة قادة التجمع في قمة «بريكس» التاريخية الأخيرة في جوهانسبرغ، التي ربما كانت التدشين العملي للمكانة العالمية للتجمع، ليس باعتباره تجمعاً اقتصادياً ناجحاً فحسب، بل بقدرته أيضاً على اجتذاب الحالمين بـ«عالم جديد» والمشاركة في قيادة العالم، الذي يبدو التغيّر قاعدته الأكثر ثباتاً.

أكثر من هذا، ربما تؤكد اختيارات الدول الست المدعوة للانضمام إلى «بريكس» مطلع العام المقبل، وهي «المملكة العربية السعودية ومصر ودولة الإمارات العربية المتحدة وإثيوبيا وإيران والأرجنتين»، التوجه اللافت لدى قادة التجمع لتحويل التجمع من مجرد تكتل فاعل اقتصادياً، إلى كيان مؤثر سياسياً واستراتيجياً في تشكيل ملامح نظام دولي جديد.

الباحث أوليفر ستونكل، يقول في كتابه «بريكس ومستقبل النظام العالمي» (نشر عام 2015)، الذي يعدّه كثير من الباحثين أفضل ما كُتب حتى الآن لتحليل تجمع «بريكس»، إن «بريكس» أكبر من أن يكون مجرّد تجمع اقتصادي أو نادٍ لاقتصادات ناشئة.

ويؤكد الباحث الألماني - البرازيلي أن البُعد السياسي ظاهر في تأسيس التجمع منذ اللحظة الأولى، بل يعدّه «قوة قادرة على إنشاء نظام دولي موازٍ، أو تقديم بدائل للمؤسسات الاقتصادية العالمية والعملات الأكثر هيمنة على المعاملات الدولية».

قد لا تكون هذه الرؤية بهذا الوضوح لدى كثرة من المراقبين عند تأسيس «بريكس» قبل 14 سنة، بل إن التجمع لم يكن بتلك الجاذبية التي يحظى بها اليوم، وخاصة عقب توسيع العضوية، ذلك أن الأزمات التي عاشها العالم خلال السنوات القليلة الماضية جعلت «بريكس» محط أنظار كثير من دول العالم، ليس تلك الراغبة في تعزيز علاقاتها مع مجموعة من أسرع البلدان نمواً فقط، بل الساعية أيضاً إلى بناء نظام دولي مغاير لما عهده العالم على مدى أكثر من 3 عقود، بقيادة أميركية منفردة. ومعلوم أن هذه الحالة لطالما اقترنت بتنظيرات حول «نهاية التاريخ» و«صدام الحضارات»، في حين يقدم «بريكس» - على الأقل حتى الآن - صورة تبدو مختلفة وتبشر بإمكانية «إعادة إحياء التاريخ»، عبر «تعاون» الحضارات، لا صراعها.

جاذبية عالمية

يواجه تجمع «بريكس» منذ تأسيسه نظرة متفاوتة تصل إلى حد التطرف في تقييمه. إذ «يستهين» البعض، وخاصة في الغرب، بقدرته على تقديم بديل عالمي لنظام «الأحادية القطبية» الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة، التي لن تسمح بسهولة بمنافستها أو محاولة مشاركتها قيادة العالم.

وفي المقابل، «يهوّل» آخرون في توقعهم ما يمكن أن يقدمه التجمع لبناء عالم متعدد الأقطاب، ويروّج أنصار هذه الرؤية تعابير لا تخلو من «رومانسية» أحياناً، حول انتفاضة «الجنوب العالمي»، متجاهلين كثيراً من حقائق الواقع بشأن الهيمنة السياسية والاقتصادية التي لا تزال تتمتع بها دول «الشمال».

لكن بعيداً عن الاستهانة والتهويل، تبقى الحقيقة التي يعترف بها الباحثون الغربيون أنفسهم هي أن الـ«بريكس» بات أكثر بريقاً مما كان متوقعاً، وأنه غدا عاملاً مهماً في صياغة مستقبل العالم، ليس بما يضمه من «دول مؤسسة» (البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا) فقط، بل بما ينتظره بعد توسيع العضوية أيضاً. وهنا تبرز دعوة دول ذات تأثير اقتصادي وسياسي لافت في أقاليم عدة عبر العالم، في مقدمها السعودية والإمارات ومصر في منطقة الشرق الأوسط والفضاءين الآسيوي والأفريقي. هذا مع وجود لائحة انتظار طويلة، تضم دولاً أخرى لا تزال تترقب دعوتها، كثير منها يبدو متحمساً لتجاوز «أسيِجة الهيمنة الأميركية».

قراءات غربية

وزير الخارجية سيرغي لافروف مثّل روسيا في غياب فلاديمير بوتين (رويترز)

من ناحية أخرى، تبرز قراءة تحولات النظرة الغربية نحو «بريكس» حجم ما بات يتمتع به التجمع من تأثير. إذ رأى مارتن وولف، كاتب العمود في صحيفة الـ«فاينانشيال تايمز»، عام 2011، أي بعد سنتين من انعقاد قمة «بريكس» الأولى، أن دول التجمع «ليست مجموعة» و«ليس لديها أي شيء مشترك في الأساس»، مستنداً إلى أن هناك كثيراً من التباينات بين أعضاء التجمع المؤسسين. إذ اعتبر أن الصين وروسيا دولتان «شموليتان»، بينما كل من البرازيل والهند وجنوب أفريقيا دول «ديمقراطية». وبعكس بقية أعضاء «بريكس»، لا تمتلك البرازيل وجنوب أفريقيا أسلحة نووية، فضلاً عن وجود صراع حدودي حاد بين الصين والهند، حيث يندلع القتال مراراً وتكراراً بين العملاقين الآسيويين.

في المقابل، تغيّرت هذه النظرة مع اتساع رقعة نفوذ دول «بريكس»، على وقع الأزمات الدولية الراهنة، وتنامي جاذبية التجمع لدى كثير من دول العالم. وهذا ما يعترف به الباحثان ثورستن بينر وأوليفر ستونكل (من المعهد الدولي للسياسات العامة في برلين) في تحليل منشور مطلع شهر أغسطس (آب) الماضي، إذ يريان أن «الجاذبية» التي بات يتمتع بها «بريكس» لدى كثير من دول العالم «يجب أن تثير انتباه دول الغرب، وتدفعها إلى تقديم تحولات في نهج تعاملها على الساحة الدولية». ويلفت الباحثان إلى أن هذه الجاذبية تمثِّل «حجباً للثقة عن النظام الدولي الحالي»، وإلى أنه «يتوجّب على ألمانيا وأوروبا طرح عروض جادة للإصلاح، منها امتناع القارة عن تعيين رئيس صندوق النقد الدولي تلقائياً، والعمل بدلاً من ذلك من أجل تمثيل أفضل لأفريقيا وأميركا اللاتينية وآسيا في مجلس الأمن ومؤسسات الأمم المتحدة، بل تقديم عروض جيدة وعادلة في السياسات التجارية».

أدوات القوة

ولا تقتصر أسباب صعود «بريكس» سلم الاهتمام العالمي على تنامي جاذبيته فقط، أو قوة اقتصادات بعض أعضائه، وفي مقدمهم الصين ثاني كبرى القوى الاقتصادية في العالم، التي من المتوقع أن تغدو الأكبر خلال العقود القليلة المقبلة. وهي تشكل سوقاً ضخمة، خاصة للمواد الخام، ومصنعاً لا يُستغنى عنه لكل دول العالم، بما فيها الولايات المتحدة. ذلك أن الأمر يكمن في كثير من أسباب القوة التي استطاعت دول «بريكس» تطويرها، وعلى رأسها تقديم البديل. والبديل هنا لا يقتصر على فكرة طرح دول التجمع لبناء «عالم متعدد الأقطاب» كشعار نظري، بل عبر تحويل الشعار إلى واقع.

هنا، على سبيل المثال نجح التعاون بين دول «بريكس» في الصمود بوجه الأزمات العالمية، وخاصة الجائحة والحرب الروسية في أوكرانيا. إذ نأت دول «بريكس» بنفسها منذ بداية الأزمة، فلم تشارك الهند أو البرازيل أو جنوب أفريقيا أو الصين بفرض عقوبات على موسكو، وتأكد هذا بشكل متزايد مع المستويات شبه التاريخية للتجارة بين الهند وروسيا، أو في اعتماد البرازيل على الأسمدة الروسية.

أيضاً، قدمت دول «بريكس» بدائل تضاهي المنتديات والمؤسسات الاقتصادية والسياسية بزعامة الدول الغربية، مثل «مجموعة السبع الكبار» والبنك وصندوق النقد الدوليين. واليوم، يبلغ إسهام دول «بريكس» في الاقتصاد العالمي 31.5 في المائة من الاقتصاد العالمي، متجاوزاً إسهام الدول الصناعية السبع الكبرى. ويتوقع أن يرتفع إلى أكثر من 37 في المائة مع انضمام الدول الست المدعوة في قمة جوهانسبرغ.

كذلك، دشنت دول «بريكس» أخيراً «بنك التنمية الجديد» (NDB) برأس مال مبدئي قدره 50 مليار دولار في عام 2014 كبديل للبنك وصندوق النقد الدوليين. وقدم البنك (مقره شنغهاي بالصين) أكثر من 30 مليار دولار قروضاً لمشاريع تنموية بشروط أكثر يسراً من تلك التي تقدمها المؤسسات الدولية التي تهيمن عليها القوى الغربية، لمنح أعضاء التجمع مزيداً من السيطرة على تمويل التنمية.

ولم يقف الأمر عند ذلك، بل أسست دول التجمع صندوقاً احتياطياً للطوارئ، الغاية منه دعم الدول الأعضاء المكافحة من أجل سداد الديون بهدف تجنب ضغوط السيول، وأيضاً تمويل البنية التحتية والمشاريع المناخية في البلدان النامية. ومن جانب آخر، أنشأت دول التجمع نظام «دفع بريكس»، وهو نظام دفع للمعاملات بين دول «بريكس» دون الحاجة إلى تحويل العملة المحلية إلى دولارات. وتدرس هذه الدول الآن بجدية التوسع في التبادل التجاري فيما بينها بالعملات المحلية، أو إصدار عملة موحدة للتعامل البيني، وهو ما يعدّه مراقبون كثر طرحاً بديلاً بعيد المدى، وإن كان لن يؤثر في المستقبل القريب على هيمنة الدولار الأميركي الذي يمثل حالياً 60 في المائة من احتياطيات النقد الأجنبي لدى البنوك المركزية عالمياً.

شعار «بنك التنمية الجديد»

بناء متدرج

هذا البناء المتدرج لأدوات القوة من جانب دول الـ«بريكس» تراه الدكتورة نيفيديتا كوندو، خبيرة العلاقات الدولية، وزميلة مركز أبحاث المجلس الهندي للشؤون العالمية التابع لوزارة الشؤون الخارجية الهندية، «وسيلة فعالة» من جانب دول التجمع لفرض نفسها بشكل متزايد على الساحة السياسية العالمية، ولا سيما مجالات كالمفاوضات الدولية وحفظ السلام وجهود حل الصراعات، وبالأخص بعد انضمام دول كالسعودية والإمارات ومصر، تلعب أدواراً بارزة في أزمات منطقة الشرق الأوسط، وتتمتع بثقل في ملفات دولية عدة.

غير أن كوندو في ردّها على أسئلة لـ«الشرق الأوسط» تشدّد على أهمية الإدراك أن دول الـ«بريكس» راهناً «لا تهدف إلى الحلول محل الغرب، بل تسعى إلى تحقيق قدر أكبر من التمثيل والتأثير في الشؤون العالمية، والدعوة إلى بناء نظام اقتصادي وسياسي عالمي أكثر إنصافاً وشمولاً». وتشير إلى أن «بريكس» استفاد من نقاط قوته الجماعية، التي ازدادت قوة بإضافة الدول الست الجديدة، ورفعت حجم إسهام التجمع في الاقتصاد العالمي وامتلاكه انتشاراً وتنوعاً أكبر في الأسواق وأدوات التأثير، بما يساهم في زيادة قدرة «بريكس» على دفع التحول إلى اقتصاد عالمي أكثر استدامة وعدالة.

ونوّهت كوندو بأن استثمارات دول التجمع في التقنيات الناشئة كالذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة يمكن أن تجعلها محرّكات رئيسة للنمو الاقتصادي العالمي والابتكار في المستقبل القريب. وأضافت الخبيرة الهندية أنه من المتوقع بحلول عام 2030 أن تتمكن دول الـ«بريكس»، بعد «توسّع» جوهانسبرغ أو في مراحل أخرى مقبلة، من الإسهام بأكثر من 50 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. وإذا توصلت هذه الدول إلى اتفاق لإجراء التجارة باستخدام عملة مشتركة، فقد يؤدي ذلك إلى تسريع عملية إلغاء الدولار، الأمر الذي من شأنه أن يزيد من ترسيخ أهميتها على الساحة الدولية.

تغيير الجغرافيا السياسية

الاستحواذ على 50 في المائة من الناتج الإجمالي العالمي يبدو طموحاً مستقبلياً لدول الـ«بريكس»، علماً بأن هذه الدول تمتلك تقريباً هذا الرقم، ولكن من تعداد سكان الأرض ومن مساحة اليابسة عليها. إذ يضم التجمع 5 من أكبر دول العالم مساحة وأكثرها كثافة سكانية، وقد تعاظم مع توسيع العضوية، ليصبح «أداة لتغيير الجغرافيا السياسية»، وفق رؤية الدكتورة أميرة شوقي سليمان، وكيلة الدراسات العليا والبحوث بكلية الدراسات الأفريقية العليا في جامعة القاهرة.

تقول سليمان لـ«الشرق الأوسط» إنه مع انضمام الدول الست الجديدة، ومعظمها دول تمتك قدرات اقتصادية واعدة، وإمكانية انضمام مزيد من الأعضاء مستقبلاً (نحو 20 دولة تقدمت بطلبات رسمية، معظمها من جنوب الكرة الأرضية) «سيؤثر هذا على الجغرافيا السياسية والجيو اقتصادية العالمية بشكل كبير، ويمكن القول إن (بريكس) قد يعيد رسم خريطة العالم».

وتضيف الأكاديمية المصرية أن دول التجمع «تشهد حالياً صحوتها الجيوسياسية»، وأنه خلال السنوات العشر الماضية، حققت المجموعة نتائج مثمرة في الأمن السياسي والاقتصاد والتجارة والتمويل والتبادلات الثقافية والحوكمة العالمية وغيرها من مجالات التعاون. وأصبحت نموذجاً للتعاون بين دول الجنوب العالمي، وجذبت مزيداً من الدول النامية الراغبة في الانضمام إلى «بريكس» يوماً بعد يوم. وتستطرد لتقول إنه مع انضمام السعودية والإمارات ومصر وإيران، وهي دول منتجة للنفط والغاز، فضلاً عن استثماراتها المستقبلية في مجال الطاقة الخضراء، أصبحت المجموعة تمتلك أكثر من نصف حصة النفط والغاز الطبيعي العالميين، ما يعزز مكانة المجموعة في سوق الطاقة، وبالتالي يضاعف نفوذها العالمي.

مواجهة الغرب مؤجلة

في المقابل، فكرة الصراع مع الغرب لا تبدو - على الأقل حتى الآن - ضمن أولويات «بريكس»، ولعل ذلك من أدوات قوة التجمع، فدول الـ«بريكس» لا تتبنى عقيدة «مَن ليس معنا فهو ضدنا» التي عكستها السياسة الأميركية طيلة عقود. ولا تتوقع دول التجمع من جميع أعضائه اختيار تحالفات ثابتة، أو تبديل ارتباطهم بعلاقاتهم مع الدول الغربية، فالصين التي تمثل أقوى مؤسسي التجمع تمتلك علاقات تجارية وثيقة ومتنامية مع الولايات المتحدة وأوروبا، تتجاوز كثيراً حجم تجارتها مع دول «بريكس» نفسها. ولدى الهند والبرازيل أيضاً علاقات وطيدة مع الدول الغربية.

ومن ثم، فإن توسيع عضوية التجمع كما عكسته قرارات قمة جوهانسبرغ، وفق كثير من المراقبين، منهم باول كاريوكي، الباحث السياسي الجنوب أفريقي، «لا يعتمد على فكرة الهيمنة والاستقطاب». ويوضح كاريوكي لـ«الشرق الأوسط» أن تلك «المرونة في منح أعضاء (بريكس)، عقب التوسيع، حرية بناء التحالفات... يمكن أن تكون عنصر جذب لكثير من الدول، وفي مقدمتها الدول الأفريقية، التي انضمت منها دولتان (مصر وإثيوبيا) ولهما علاقات قوية مع الولايات المتحدة وأوروبا... إذ تريد معظم دول القارة تعزيز شراكتها مع (بريكس) من دون أن يكلفها ذلك الدخول في صراعات مع الغرب».

«بريكس»... من نظرية «محل شك» إلى «واقع» يفرض حضوراً عالمياً

جيم أونيل (بلومبرغ)

* مجموعة «بريكس»، التي كانت تحمل اسم «بريك» في بدايتها، صاغ فكرتها جيم أونيل، كبير الاقتصاديين في بنك «غولدمان ساكس» عام 2001. وجاء الاسم من الأحرف الأولى بالكتابة اللاتينية لأسماء كل من البرازيل وروسيا والهند والصين.

وكانت الفكرة تقوم على إمكانية بناء تحالف اقتصادي بين تلك الاقتصادات البازغة، ومحاولة تقديمها إطاراً مختلفاً للتعاون بين دول «الجنوب»، الذي غالباً ما خُصّ بنظرة متشككة في قدرته على النمو وتحقيق التقدم بعيداً عن هيمنة المنظومة الغربية «الشمالية».

شكوك كثيرة حاصرت «نظرية» أونيل وحاولت هدم الفكرة، من منطلق أن الدول الأربع ذات تنوع كبير يحول دون اصطفافها تحت لواء واحد. وهذا الأمر دفع البعض إلى القول إن «بريك» ليست سوى حيلة تسويقية من قبل بنك «غولدمان ساكس»، إلا أن الفكرة أخذت منحى مختلفاً في خضم الأزمة المالية العالمية.

وبينما كانت الدول الأربع تدرس تأسيس تجمعها منذ عام 2006، كانت الأزمة المالية العالمية آخذة في التصاعد. ومع انطلاق أولى قمم «بريك» عام 2009، بلغت الأزمة العالمية ذروتها، وفرضت تداعياتها على الجميع، لكن الدول الأربع رأت في الأزمة دافعاً إضافياً للتعاون.

عقد الاجتماع الأول لدول «بريك» عام 2009، في قمة استضافتها مدينة يكاترينبورغ الروسية، ولاحقاً ضمّت جنوب أفريقيا عام 2010 إلى التجمع، ليكتسب اسمه الحالي، أي... «بريكس».

اللافت أن عدوى الانتقاد انتقلت في ما بعد إلى صاحب النظرية نفسه. فقبل سنتين نشر جيم أونيل مقالاً هاجم فيه تباطؤ إنجاز «بريكس»، مشيراً إلى أنه «بخلاف إنشاء بنك بريكس، لم تحقق المجموعة إنجازاً غير الاجتماع السنوي».

غير أن «محنة» الأزمات العالمية، تتحول دائماً إلى «منحة» لدول الـ«بريكس». إذ تضاعف الاهتمام الدولي بالتجمع، مع تصاعد وتيرة أزمات ما بعد الجائحة والحرب في أوكرانيا. وبدلاً من تكريس الانتقادات لتباطؤ إنجاز «بريكس» وانفراد الصين بمعدلات النمو المرتفعة، ضاعفت الهند تقريباً نسبة الناتج المحلي الإجمالي إلى الفرد. ومنذ عام 2015، بدأ مؤشر الاستثمار الأجنبي المباشر في التقارب مع مؤشر البرازيل، ثم تجاوز البرازيل، حيث زاد المؤشر بأكثر من الضعف في عام 2020 وحده، ما وضع الهند في المركز الثاني ضمن المجموعة.

والأهم أن النظرة إلى «بريكس» أخذت تتجاوز الأطر الاقتصادية، وصار «التجمع» مساراً للتنسيق السياسي والأمني والاستراتيجي، في عالم يخطو بسرعة باتجاه مواجهة عواصف من شتى الأنواع والاتجاهات.


مقالات ذات صلة

لولا: تتعين محاكمة مادورو في فنزويلا وليس خارجها

أميركا اللاتينية الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا (يمين) والرئيس الفنزويلي المخلوع نيكولاس مادورو خلال لقاء في عام 2023 (رويترز) p-circle

لولا: تتعين محاكمة مادورو في فنزويلا وليس خارجها

قال الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، الجمعة، إن الرئيس الفنزويلي المخلوع نيكولاس مادورو يجب أن يُحاكم في بلده، وليس خارجها.

«الشرق الأوسط» (برازيليا)
الاقتصاد رجل يتحدث من هاتفه أثناء مروره بجانب شعار البنك الاحتياطي الهندي داخل مقرّه في مومباي (رويترز)

الهند تقترح مبادرة لربط العملات الرقمية لدول «بريكس» لكسر هيمنة الدولار

أفاد مصدران بأن البنك المركزي الهندي قد اقترح على دول الـ«بريكس» ربط عملاتها الرقمية الرسمية لتسهيل التجارة عبر الحدود ومدفوعات السياحة.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
أفريقيا حكومة جنوب أفريقيا تحقق في كيفية انضمام 17 من مواطنيها إلى قوات المرتزقة المشاركة بالصراع بين روسيا وأوكرانيا (إ.ب.أ)

جنوب أفريقيا تحقق في انضمام 17 من مواطنيها للمرتزقة بصراع روسيا وأوكرانيا

قالت حكومة جنوب أفريقيا، اليوم (الخميس)، إنها ستحقق في كيفية انضمام 17 من مواطنيها إلى قوات المرتزقة المشارِكة في الصراع بين روسيا وأوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (جوهانسبرغ)
أميركا اللاتينية الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا (أ.ف.ب) p-circle

لولا يعدّ الانتشار العسكري الأميركي في الكاريبي «عامل توتر»

عدّ الرئيس البرازيلي، لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، خلال اجتماع عبر الفيديو لمجموعة «بريكس»، الانتشار العسكري الأميركي في منطقة البحر الكاريبي «عاملَ توتر».

«الشرق الأوسط» (برازيليا)
الاقتصاد الزعيمان الصيني والهندي خلال لقائهما على هامش أحد مؤتمرات «بريكس» في روسيا (رويترز)

بكين ونيودلهي لإعادة بناء علاقاتهما التجارية بسبب الرسوم الأميركية على الهند

تعمل الهند والصين على استعادة الصلات الاقتصادية التي توترت إثر اشتباك حدودي مميت عام 2020، وذلك في أحدث علامة على اقتراب رئيس الوزراء الهندي من دول «بريكس».

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
TT

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة معقدة من العلاقات في المنطقة. فبكين، التي تحوّلت خلال العقدين الأخيرين إلى أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين في الشرق الأوسط، تجد نفسها اليوم أمام معادلة شديدة الحساسية: فمن جهة كيف تحافظ على شراكتها الاستراتيجية مع إيران، ومن جهة أخرى، وفي الوقت ذاته، كيف تصون علاقاتها العميقة مع دول الخليج، وتتجنب الإضرار بعلاقاتها الاقتصادية والتكنولوجية مع إسرائيل.

معادلات الشرق الأوسط ليست سهلة. فهذه المنطقة بالنسبة للصين ليست مجرد مساحة جغرافية بعيدة، بل منطقة حيوية تتقاطع فيها ثلاثة عناصر أساسية في الاستراتيجية الصينية: أمن الطاقة، واستقرار طرق التجارة، وتوسّع «مبادرة الحزام والطريق». ولذا؛ فإن أي حرب واسعة في المنطقة لا تشكّل تهديداً سياسياً فحسب، بل تمسّ مباشرة مصالح الصين الاقتصادية والاستراتيجية.

من هذا المنطلق، يمكن فهم الموقف الصيني من الحرب على إيران بوصفه محاولة واعية للحفاظ على سياسة التوازن الدقيق بين أطراف متعارضة، دون الانخراط في الصراع أو التحول إلى طرف فيه.

إيران وموقعها في الاستراتيجية الصينية

تحتل إيران موقعاً مهماً في الرؤية الجيوسياسية الصينية، ليس فقط بسبب مواردها الطاقوية الكبيرة، بل أيضاً بسبب موقعها الجغرافي الذي يربط آسيا الوسطى بالشرق الأوسط وأوروبا. وقد تعزّز هذا الموقع مع توقيع «اتفاقية التعاون الاستراتيجي الشامل» لمدة 25 سنة بين الصين وإيران في عام 2021، وهي الاتفاقية التي فتحت الباب أمام تعاون واسع في مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل والاستثمار.

بالنسبة لبكين، تمثل إيران عقدة مهمة في مشروع «مبادرة الحزام والطريق»؛ ذلك أنها تشكل ممراً جغرافياً رئيساً يربط الصين بالأسواق الغربية عبر آسيا الوسطى والشرق الأوسط. ثم أن إيران، بحكم استقلالية قرارها السياسي عن الغرب، تُعد شريكاً بإمكان الصين التعامل معه خارج منظومة الضغوط والعقوبات الغربية، وهو ما يفسر استمرار التعاون الاقتصادي بين البلدين رغم القيود الدولية.

لكن في الوقت ذاته، لا تنظر الصين إلى علاقتها مع إيران بوصفها تحالفاً عسكرياً أو سياسياً موجّهاً ضد طرف آخر. إذ إن بكين تدرك أن الانحياز الكامل إلى طهران سيعرّض مصالحها الواسعة في المنطقة للخطر. ولذلك؛ تحرص دائماً على إبقاء العلاقة في إطار الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية من دون أن تتحول إلى اصطفاف جيوسياسي حاد.

وزير الخارجية السعودي الأميرفيصل بن فرحان مع نظيره الصيني وانغ يي (وزارة الخارجية الصينية)

الخليج: شريان الطاقة للصين

من جانب آخر، إذا كانت إيران شريكاً مهماً للصين، فإن دول مجلس التعاون الخليجي الخليج تمثل بالنسبة للقيادة الصينية الركيزة الأساسية لأمن الطاقة.

فالصين اليوم هي أكبر مستورد للنفط في العالم، ويأتي جزء كبير من وارداتها النفطية من دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وقطر والكويت.

وهذا الاعتماد الكبير على الطاقة الخليجية جعل بكين تعمل خلال السنوات الماضية على تطوير علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول المنطقة بشكل غير مسبوق. وبالفعل، شهدت العلاقات الصينية الخليجية توسعاً كبيراً في مجالات الاستثمار والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والبنية التحتية.

ثم أن التعاون بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي لم يعد مقتصراً على النفط، بل امتد إلى مشاريع كبرى في مجالات المواني واللوجيستيات والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي؛ وهو ما يعكس تحوّل العلاقة إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.

في هذا السياق، تدرك القيادة في بكين أن أي حرب واسعة النطاق في المنطقة قد تهدّد استقرار أسواق الطاقة العالمية، وتؤدي بالتالي إلى اضطرابات في إمدادات النفط والغاز؛ وهو ما قد ينعكس سلباً على الاقتصاد الصيني. وبناءً عليه؛ ترى بكين اليوم في الاستقرار الإقليمي شرطاً أساسياً لحماية مصالحها الاقتصادية.

ولقد ظهر هذا التوجه بوضوح في الدور الذي لعبته بكين في رعاية الاتفاق التاريخي لاستئناف العلاقات بين السعودية وإيران في عام 2023، وهو اتفاق اعتبره كثيرون مؤشراً على صعود الدور الدبلوماسي الصيني في الشرق الأوسط.

العلاقة «المعقدة» مع إسرائيل

في الوقت عينه، طوّرت الصين خلال العقود الماضية علاقات اقتصادية وتكنولوجية مهمة مع إسرائيل. فقد أصبحت إسرائيل أحد الشركاء البارزين للصين في مجالات الابتكار والتكنولوجيا المتقدّمة، كما شاركت الشركات الصينية في تنفيذ مشاريع بنية تحتية مهمة داخل إسرائيل، بما في ذلك تطوير بعض المواني ومشاريع النقل.

هذه العلاقة تعكس اهتمام الصين بالاستفادة من القدرات التكنولوجية الإسرائيلية، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

لكن في ظل التصعيد العسكري في المنطقة، حرصت سلطات بكين على التأكيد أن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً. وفي هذا السياق، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي اتصالات مع الأطراف المعنية، شدّد خلالها على «ضرورة وقف العمليات العسكرية وتجنب توسيع رقعة الحرب، والعمل على إعادة فتح المسارات الدبلوماسية، بما في ذلك تواصل مع الجانب الإسرائيلي ضمن مساعي التهدئة».

غير أن هذه العلاقة شهدت خلال السنوات الأخيرة بعض التعقيدات، خصوصاً في ظل الضغوط الأميركية على إسرائيل لتقليص تعاونها التكنولوجي مع الصين. كما أن التصعيد العسكري المتكرّر في المنطقة وضع بكين أمام تحدٍ إضافي في إدارة علاقاتها مع إسرائيل دون أن تبدو منحازة في الصراعات الإقليمية.

موقف الصين من الحرب

انطلاقاً من هذه الشبكة المعقدة من العلاقات، جاء الموقف الصيني من الحرب على إيران منسجماً مع نهج بكين التقليدي في السياسة الخارجية، لكنه في ضوء التطورات الأخيرة بات أكثر حذراً وواقعية.

ذلك أن التصعيد الذي شهدته المنطقة خلال الأيام الماضية، من ضربات واسعة واستهدافات مباشرة وردود متبادلة طالت مصالح وقواعد، وضع الصين أمام مشهد يتجاوز الحسابات التقليدية. والقصد هنا أن الحرب لم تعد مجرد احتمال، بل صارت مساراً قائماً يتّسع تدريجياً.

في هذا السياق، كثّفت بكين تحركاتها الدبلوماسية بشكل لافت، فأرسلت مبعوثها الخاص إلى الشرق الأوسط، حيث أجرى لقاءات مع عدد من المسؤولين، أبرزها مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في خطوة تعكس إدراك الصين لأهمية التنسيق مع القوى المحوَرية في استقرار المنطقة. وبالتوازي، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي سلسلة اتصالات مع أطراف إقليمية ودولية، شملت أيضاً تواصلاً مع الجانب الإسرائيلي، ركّز خلالها على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، ورفض توسيع دائرة الحرب، والدفع نحو إعادة فتح المسارات السياسية.

أيضاً شددت القيادة الصينية على أهمية «احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها»، ورفضت أي سياسات تقوم على تغيير الأنظمة بالقوة أو فرض الوقائع العسكرية خارج إطار الشرعية الدولية.

غير أن ما يلفت في الموقف الصيني هو إدراكه أن هذه الحرب، إذا ما استمرت، لن تبقى محصورة في حدود إيران، بل ستصبح مرشحة لإعادة رسم توازنات المنطقة بأكملها، بما في ذلك الخليج وشرق المتوسط. وهذا الأمر، بالذات، يفسّر الحذر الشديد في الخطاب السياسي الصيني إزاء الحرب الراهنة، فهو من جهة يتجنب الانحياز العلني، لكنه من جهة ثانية - وفي الوقت ذاته - يرفض منطق الحسم العسكري.

بكين ترى أن هذه الحرب - إذا استمرت - لن تبقى محصورة في حدود إيران... بل ربما تؤدي لرسم توازنات المنطقة بأكملها

قراءات الصين بين الاستفادة والحذر

وسط هذا المشهد، يُطرح سؤال يتكرر في الأوساط السياسية: هل تُعدّ الصين الرابح من تعثر الولايات المتحدة في إدارة الحرب؟

الواقع أن الإجابة ليست بهذه البساطة.

إذ بكين تراقب، من دون أدنى شك، كيف تواجه واشنطن صعوبات في تحقيق حسم سريع، وما قد يرافق ذلك من «تآكل في صورة» القوة القادرة على فرض نتائجها. وبالطبع، هذا ربما يمنح الصين هامشاً سياسياً أوسع لتعزيز خطابها حول عالم متعدد الأقطاب، وإعادة طرح تساؤلات حول فاعلية السياسات القائمة على القوة العسكرية.

ولكن في المقابل، لا تنظر الصين إلى هذا التعثر بوصفه «نصراً» لها بقدر ما تراه مؤشراً على بيئة دولية أكثر اضطراباً وخطورة. ذلك أن «الحروب المفتوحة» في منطقة الشرق الأوسط لا تخدم المصالح الصينية، بل، بالعكس، تهدد مباشرة أمن الطاقة واستقرار طرق التجارة وسلاسل الإمداد التي يقوم عليها صعودها الاقتصادي.

لذلك؛ يمكن القول إن الصين ليست رابحاً مباشراً في هذه الحرب، بل فاعل حذر يستفيد من أخطاء الآخرين دون أن يتمنى استمرارها... ويدرك أن أي انفلات واسع في المنطقة قد يتجاوز الجميع ويعيد رسم قواعد اللعبة الدولية بشكل لا يمكن التحكم به.

الشرق الأوسط في الرؤية الصينية

خلال السنوات الأخيرة، بدأت الصين تنظر إلى الشرق الأوسط من منظور أوسع يتجاوز البُعد الاقتصادي وحده. فالمنطقة أصبحت ساحة مهمة في التنافس الدولي، لكنها - وفقاً للمسؤولين الصينيين - تمثّل في الوقت نفسه فرصة لبكين لتعزيز دورها كقوة دولية كبيرة تسعى إلى دعم الاستقرار والتنمية.

وفي هذا السياق، طرحت الصين مجموعة من المبادرات الدولية التي تهدف إلى إعادة صياغة آليات التعاون الدولي، من أبرزها: «مبادرة التنمية العالمية»، و«مبادرة الأمن العالمي»، و«مبادرة الحوكمة العالمية» التي تركز على إصلاح منظومة الحوكمة الدولية وتعزيز التعددية واحترام سيادة الدول.

وفق مسؤولين في بكين، تنسجم هذه المبادرات مع رؤية الرئيس الصيني شي جينبينغ، الذي يؤمن بأن العالم يحتاج إلى نظام دولي «أكثر توازناً وعدالة»، يقوم على «التعاون المتكافئ بين الدول واحترام خصوصياتها التنموية والثقافية».

«دبلوماسية التوازن»

في ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن السياسة الصينية في الشرق الأوسط تقوم راهناً على ما يمكن تسميته «دبلوماسية التوازن». إذ إن الصين تحاول الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الأطراف الإقليمية، من دون الانحياز إلى محور ضد آخر. وهذه الدبلوماسية تقوم على ثلاث معادلات أساسية:

- الحفاظ على الشراكة مع إيران

- ضمان أمن الطاقة عبر الخليج

- الاستمرار في التعاون مع إسرائيل.

لكن مع اتساع رقعة التصعيد، لم يعُد هذا التوازن مجرّد خيار دبلوماسي مريح، بل تحوّل ضرورة استراتيجية معقدة، تتطلّب إدارة دقيقة لتفادي الانزلاق إلى مواقف قد تضرّ بمصالح الصين أو تقيّد حركتها في المنطقة.

وفي لحظة تتقدّم فيها لغة القوة على ما عداها، تحاول سلطات بكين أن تطرح رؤيتها كصوت مختلف، لا يملك أدوات الحسم العسكري، لكن لديه رؤية تقوم على منع الانهيار الشامل بدل من الاكتفاء بإدارة نتائجه. أخيراً، مع اتساع رقعة المواجهة في المنطقة، سيبقى اختبار بكين الحقيقي ليس فقط قدرتها على الحفاظ على توازن علاقاتها، بل في مدى نجاحها في تحويل هذا التوازن دوراً فاعلاً يمنع الانزلاق نحو حرب أكبر.

وبخاصة، أنه في شرق أوسط يشتعل على أكثر من جبهة، لم يعد التوازن خياراً دبلوماسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية... للصين وللعالم.

 

* رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث ورئيس الرابطة العربية الصينيةللحوار والتواصل


ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
TT

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة أُنهكت بالفضائح والاحتجاجات وسوء التواصل مع الكونغرس، بل عن شخصية تعكس، بأسلوبها وطباعها، المرحلة نفسها: صدامية، وهجومية، ومشدودة بالكامل إلى أولوية الهجرة والأمن الحدودي قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. فمَلين لا يأتي من مدرسة الأمن القومي التقليدية، ولا من أجهزة إنفاذ القانون أو الاستخبارات، بل من عالم الأعمال العائلية والرياضة القتالية والسياسة الشعبوية. لذا يبدو ترشيحه، في جوهره، رسالة سياسية أكثر منه تعييناً تكنوقراطياً. ترمب يريد وزيراً قادراً على الدفاع عن نهجه، وامتصاص غضب الجمهوريين من فوضى نويم، ومواجهة الديمقراطيين الذين يربطون تمويل الوزارة بإصلاحات تحدّ من أساليب وكالة الهجرة والجمارك (آيس)، وهيئة الجمارك وحماية الحدود (سي بي بي). لكن هذا الاختيار نفسه يفتح أسئلة ثقيلة منها: هل تصلح شخصية قتالية لإدارة جهاز ضخم يضم أكثر من 20 وكالة ومئات آلاف الموظفين؟ وهل يستطيع مَلين أن يكون رجل ضبط مؤسسي، لا مجرد رأس حربة سياسي؟

ماركواين مَلين، المولود في مدينة تولسا، ثاني كبرى مدن ولاية أوكلاهوما، عام 1977، هو أصغر الأبناء السبعة لجيم مارتن مولين وبريندا غايل موريس مَلين، وابن بيئة ريفية محافظة في أوكلاهوما، نشأ في مزرعة العائلة ببلدة وستفيل. وبصفته عضواً في «أمة الشيروكي»، أكبر قبيلة من شعوب أميركا الأصلية (الهنود الحُمر)، يُعد أول سيناتور من السكان الأصليين منذ تقاعد السيناتور بن نايتهورس كامبل عام 2005. كما أنه ثاني مواطن من «الشيروكي» يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ منذ عام 1925.

خلفية ريفية

خلال الفترة من 2013 إلى 2023، شغل مَلين منصب الممثل الأميركي عن الدائرة الانتخابية الثانية لولاية أوكلاهوما. وكان قد تخرج في مدرسة ستيلويل الثانوية بمدينة ستيلويل بأوكلاهوما، والتحق بكلية ميسوري فالي، إلا أنه تركها مؤقتاً في سن العشرين بعدما مرض والده، ليتولّى مع زوجته كريستي إنقاذ شركة العائلة «مَلين لأعمال السباكة»، ثم توسيعها إلى شبكة أعمال شملت مجالات أخرى.

ولاحقاً، تابع دراسته الجامعية في تكنولوجيا البناء بمعهد التكنولوجيا الملحق بجامعة ولاية أوكلاهوما، وبنى صورته السياسية على أنه «رجل من خارج المؤسسة» يعرف الاقتصاد الحقيقي والأعمال الصغيرة أكثر مما يعرف «بيروقراطية» واشنطن.

خلفيته هذه هي التي جعلته جذاباً داخل الحزب الجمهوري، وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين؛ فهو رجل ناجح، ريفي، متديّن، قريب من المزاج المحافظ في أوكلاهوما (أكثر ولايات أميركا محافظةً)، ويمكن تسويقه بسهولة بوصفه نموذجاً لـ«الأميركي المنتج» لا السياسي المحترف.

هذه السيرة الشخصية تحمل أيضاً عنصراً رمزياً مهماً: مَلين سيكون، إذا ثُبّت، من أبرز الشخصيات المنتمية إلى «أمة الشيروكي» في أعلى هرم السلطة الفيدرالية الأمنية.

غير أن هذا البُعد الرمزي لا يكفي وحده لرد الانتقادات؛ فخصومه لا ينازعونه في قصة الصعود الاجتماعي، بل في صلتها الفعلية بالمنصب الجديد. ومَن انتقل من السباكة والأعمال إلى مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ، لم يمرّ عبر مسار مهني تقليدي في الأمن الداخلي، أو إدارة الحدود، أو الاستجابة للكوارث... وهذه ملفات تمثل عصب الوزارة التي سيقودها. ولهذا فإن ما يُحسب له انتخابياً بوصفه «قريباً من الناس»، قد يُحسب عليه إدارياً بوصفه نقصاً في الخبرة النوعية.

«المقاتل الخشن»

ما ميّز مَلين في واشنطن ليس فقط خطه المحافظ، بل أسلوبه الشخصي؛ فهو مقاتل فنون قتالية مختلطة سابق، وسيرته الرسمية تذكر سجلّه الاحترافي غير المهزوم، كذلك بُني حضوره العام طويلاً على صورة الرجل القوي، السريع الغضب، المستعد للمواجهة المباشرة.

هذه الصورة بلغت ذروتها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 حين تحدّى شون أوبراين، رئيس النقابة الدولية لعمال النقل (التيمسترز)، إلى عراك داخل جلسة استماع في مجلس الشيوخ، في مشهد تحوّل إلى اختصار رمزي لشخصيته السياسية: هجومية، واستعراضية، وغير معنية كثيراً بخطوط الوقار المؤسسي التقليدية.

حتى جلسة تثبيته نفسها لم تخلُ من هذا الإرث؛ إذ افتتحها رئيس لجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية في مجلس الشيوخ السيناتور الجمهوري راند بول، بمواجهة شخصية قاسية، مذكّراً بخلافاتهما السابقة، وباللغة التي استخدمها مَلين بحقه، ما جعل الجلسة منذ بدايتها اختباراً للمزاج والطباع بقدر ما كانت اختباراً للسياسات.

هنا تكمن المعضلة الأساسية؛ فترمب يرى في «الصلابة» ميزة، وكثيرون من الجمهوريين يؤمنون بأن وزارة الأمن الداخلي، بعد شهور من الفوضى والارتباك، تحتاج إلى شخص «يمسكها بقبضة قوية». لكن ما يراه البيت الأبيض حزماً، يراه الديمقراطيون وبعض الجمهوريين اندفاعاً قد يزيد تأزيم وكالة تعمل أصلاً تحت ضغط سياسي ومالي وشعبي غير مسبوق.

«غموض» السيرة الأمنية

لكن أخطر ما يلاحق مَلين راهناً ليس افتقاره إلى الخبرة الإدارية فحسب، بل أيضاً الغموض الذي أحاط به شخصياً حول ما وصفه مراراً بأنه خبرات أو «مهمات خاصة» خارج وزارة الدفاع وفي الخارج؛ إذ تكلّم في مناسبات مختلفة عن وجوده في «بيئات حرب»، وعن «رائحة الحرب». وأشار بعد اقتحام «الكابيتول» يوم 6 يناير (كانون الثاني) 2021 إلى أنه «دافع عن المبنى»؛ لأنه أدرك سريعاً خطورة الموقف؛ لأنه «كان في مثل هذه الظروف في الخارج» من قبل، بيد أنه أحجم مراراً عن تقديم تفاصيل. وعندما سُئل، عاد لمكتبه هذا الأسبوع ليقول إن الأمر يتعلق بأعمال تبشيرية ودعم معنوي للجنود الأميركيين العائدين، إضافة إلى رحلات وفود برلمانية اعتيادية. هذه الفجوة بين الإيحاء الأمني والتفسير المتأخر هي ما جعل منتقديه يتكلمون عن محاولة لصناعة «رصيد بطولة ضمني» لا تدعمه سيرة معلنة أو خدمة عسكرية فعلية.

تتصل بهذه النقطة أيضاً «حكاية أفغانستان» في صيف 2021، حين حاول مَلين - وكان آنذاك نائباً في مجلس النواب - الوصول إلى المنطقة للمساعدة في إجلاء أميركيين وحلفاء بعد الانسحاب الأميركي الفوضوي.

بالنسبة لمؤيديه، كانت تلك الحلقة دليلاً على نزعة فعلية للمبادرة والمخاطرة... ولكن بالنسبة لمنتقديه جسّدت ميلاً إلى الأداء الفردي الملتبس عند تقاطع الأمن والسياسة والاستعراض.

هذا السجال مهمٌّ؛ لأن المنصب المطروح اليوم ليس منصب «رسول أزمة»، بل رئاسة مؤسسة عملاقة تحتاج إلى وضوح في التسلسل القيادي، وتحديد قانوني دقيق للمهام، وانضباط في الخطاب العام.

6 يناير... والولاء لترمب

في السياسة، يُقرأ مَلين أولاً كحليف شديد الوفاء لترمب. صحيح أنه حاول بعد هجوم «الكابيتول» أن يقدّم نفسه كأحد الذين استشعروا الخطر وساعدوا شرطة «الكابيتول». والمشكلة ليست في تلك اللحظة وحدها، ولكن عندما لم يتحوّل بعد 6 يناير إلى جمهوري ناقد لترمب، بل بقي داخل الدائرة المخلصة له سياسياً.

هذا الولاء هو بالضبط ما يطمئن البيت الأبيض اليوم، ويجعل كثيراً من الديمقراطيين مقتنعين بأن تغيير الاسم على باب الوزارة لن يعني تغييراً حقيقياً في سياساتها. فمَلين، في ملفات الهجرة خاصة، كان في حالة تطابق شبه كامل مع خط الإدارة، ودافع عن عناصر «آيس» حتى بعد حوادث القتل التي فاقمت الغضب العام.

وهنا تأتي المفارقة: الرجل يُسوَّق جمهورياً على أنه بديل عن كيرستي نويم، لكنه يُفهم ديمقراطياً على أنه استمرار أكثر انضباطاً لنهجها، لا قطيعة معه، ثم إن الديمقراطيين لا يرون أن مشكلتهم كانت مع شخصية نويم وحدها، بل مع بنية القرار نفسها داخل البيت الأبيض، حيث لا يزال ستيفن ميلر، مستشار ترمب ونائب كبير موظفي البيت الأبيض، صاحب التأثير الأكبر في ملف الأمن الداخلي والهجرة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن مَلين قد ينجح في تحسين العلاقة مع الكونغرس، أو في إعادة شيء من الانضباط الإداري، لكنه لن يكون حراً في قلب فلسفة الوزارة، أو تخفيف القبضة على إنفاذ الهجرة.

ما الذي يرثه مَلين بعد نويم؟

خروج كيرستي نويم لم يكن مجرد تبديل روتيني؛ فبحسب «رويترز» ووسائل أميركية عدة، جاء بعد تراكم أزمات: مقتل مواطنين أميركيين في مينيابوليس خلال عمليات مرتبطة بإنفاذ الهجرة، وغضب من الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما)، وتأخر المساعدات، ومأزق إعلان حكومي ضخم بقيمة تفوق 200 مليون دولار ارتبط باسمها، وأثار امتعاض ترمب نفسه حين قال إنه لم يوافق عليه.

كذلك اشتكى جمهوريون من ضعف التواصل بين الوزارة والكونغرس، وهذه نقطة تكرّرت بقوة خلال الأيام التي سبقت جلسة مَلين. وبهذا المعنى، أُخرجت نويم بوصفها «كبش فداء» جزئياً، لكن أيضاً بوصفها عنواناً لفشل سياسي وإداري صار مكلفاً انتخابياً.

بالتالي، ما يرثه مَلين ليس جهازاً متماسكاً، بل وزارة مأزومة: نزاع أدى إلى تعطل تمويل بعض أنشطة الوزارة، وضغط ديمقراطي لفرض قيود على سلوك عناصر الهجرة، وتراجع في الرأي العام تجاه أساليب «آيس»، واستنزاف معنوي داخل أجهزة مثل إدارة أمن النقل (تي إس إيه) و«فيما». ففي استطلاع «رويترز - إبسوس» في يناير الماضي، قال 58 في المائة إن حملة «آيس» قد «ذهبت بعيداً»، في حين هبطت شعبية ترمب بموضوع الهجرة إلى 39 في المائة، رغم بقاء الجمهوريين متقدمين نسبياً على الديمقراطيين في ثقة الناخبين بهذه القضية.

هذه الأرقام تفسر سبب حاجة ترمب إلى شخصية قادرة على الجمع بين أمرين متناقضين ظاهرياً؛ أي مواصلة التشدد، لكن من دون إعادة إنتاج الفوضى البصرية والسياسية التي التصقت بنويم.

انتخابات نوفمبر

على الأرجح، لن يُقاس نجاح مَلين خلال الأشهر القليلة المقبلة بمعيار الإصلاح المؤسسي العميق، بل بثلاثة اختبارات أكثر مباشرة:

الأول، هل يستطيع تهدئة الجبهة الجمهورية الداخلية عبر تحسين إدارة «فيما»، والرد على شكاوى أعضاء الكونغرس من انقطاع التواصل؟

الثاني، هل ينجح في تمرير تمويل الوزارة، أو على الأقل تخفيف تكلفة الاشتباك مع الديمقراطيين حوله؟

والثالث، هل سيستطيع مواصلة حملة ترمب على الهجرة بطريقة أقل فوضى وأقل تكلفة دعائية؟

لكن حدود نجاحه واضحة أيضاً؛ فالديمقراطيون سيواصلون استخدامه منصة لإبراز ما يعتبرونه «قانونية منفلتة» داخل «آيس»، وهيئة الجمارك وحماية الحدود «سي بي بي»، لا سيما بعد حوادث مينيابوليس، ثم إن افتقاره إلى الخبرة المباشرة في ملفات الأمن الداخلي يمنح خصومه مادة جاهزة للتشكيك في قدرته على إدارة وزارة بهذا التعقيد. وإضافة إلى ذلك، فإن أي محاولة منه لتقديم نفسه مصلحاً معتدلاً ستصطدم بولائه السياسي لترمب، وأي انحياز كامل إلى خط البيت الأبيض سيعني تثبيت الانطباع بأنه مجرد منفذ سياسي لسياسات صاغها آخرون.

لذا يُرجَّح أن يكون مَلين «وزير احتواء» أكثر منه «وزير إعادة تأسيس»؛ أي رجل مهمته تنظيم الفوضى لا تغيير الاتجاه، وترميم صورة التشدد لا التخلي عنه.

في المحصلة، يختصر ماركواين مَلين مفارقة «الترمبية» في ولايتها الثانية: شخصيات من خارج الاختصاص تُدفع إلى مواقع سيادية؛ لأنها تتقن لغة الصدام السياسي والولاء الشخصي أكثر مما تتقن البيروقراطية الحكومية... قوته الحقيقية لا تكمن في خبرة أمنية مثبتة، بل في قدرته على تمثيل مزاج ترمب أمام الكونغرس والشاشات والقاعدة الجمهورية.


وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
TT

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب والهجمات العابرة للحدود، إلى الهجرة غير النظامية، والكوارث الطبيعية، والهجمات السيبرانية.

لقد أُنشئت الوزارة بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بهدف توحيد عمل أجهزة أمنية كانت موزّعة على عدة مؤسسات، بحيث تغدو الاستجابة أسرع، ويغدو التنسيق أقوى بين الأمن الحدودي، والاستخبارات، وإدارة الطوارئ، وحماية البنية التحتية. وحقاً تقول الوزارة إن مهمتها الأساسية هي «حماية الشعب الأميركي والوطن والقيم الأميركية»، وهذه مهمة تتجاوز المعنى التقليدي للأمن، لتشمل أيضاً ضمان استمرارية السفر والتجارة الشرعيين وحماية المؤسسات الحيوية.

تكمن أهمية الوزارة أيضاً في أنها لا تتعامل فقط مع الأخطار الخارجية، بل أيضاً مع التهديدات الداخلية التي قد تمسّ الحياة اليومية مباشرة، مثل أمن المطارات، وحماية الحدود البرية والبحرية، والاستجابة للأعاصير والفيضانات، وتأمين الانتخابات والبنية التحتية الرقمية، ومكافحة تهريب البشر والمخدرات، وحماية كبار المسؤولين. ولهذا فهي من أكثر الوزارات تشعّباً وحساسية سياسياً، إذ إنها تضم أكثر من 260 ألف موظف، وتعمل عند تقاطع الأمن، والهجرة، والحريات المدنية، وإدارة الأزمات.

أما أبرز أجهزة الوزارة ومكوّناتها الأمنية والتنفيذية فهي: هيئة الجمارك وحماية الحدود (سي ب بي) وهي المسؤولة عن المعابر والحدود، ووكالة الهجرة والجمارك (آيس) التي تتولى التحقيقات وعمليات الترحيل، وإدارة أمن النقل (تي إس إيه) المكلفة بأمن المطارات ووسائل النقل، وخفر السواحل الأميركي والخدمة السرية والوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما) ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية، بالإضافة إلى خدمات المواطنة والهجرة، ومكتب الاستخبارات والتحليل. وبذلك تُعد الوزارة مركزاً جامعاً للأمن الحدودي، والأمن الداخلي، وإدارة الكوارث، والدفاع عن البنية التحتية الحيوية في آنٍ واحد.