هل يستطيع نتنياهو الهروب إلى الحرب؟

بين حسابات الجيش... ورغبات اليمين الإسرائيلي المتشدد

المظاهرات المناوئة لخطة الحكومة الانقلابية (أ.ب)
المظاهرات المناوئة لخطة الحكومة الانقلابية (أ.ب)
TT

هل يستطيع نتنياهو الهروب إلى الحرب؟

المظاهرات المناوئة لخطة الحكومة الانقلابية (أ.ب)
المظاهرات المناوئة لخطة الحكومة الانقلابية (أ.ب)

من حربٍ إلى حرب، تقرع طبول الحرب في الشرق الأوسط بلا توقف. فما أن تضع حرب ما أوزارها، حتى تقرع طبول الحرب التالية. وإلى جانبها تدريبات عسكرية تتناول عدة سيناريوهات. وإذا لم يكن ذلك كافياً، فإن الجيش الإسرائيلي اخترع شيئاً اسمه «الحرب ما بين الحروب» (واسمها المختصر باللغة العبرية «مبام»)، وهي التي تشمل العمليات العسكرية المختلفة، الصغيرة والكبيرة، التي تجري على الطريق، ما بين حرب وأخرى. واليوم، بات الخبراء واثقين من أن الحرب المقبلة ليست مسألة أن تقع أم لا، بل... متى ستقع. ذلك أنها مؤكدة... وحتمية، وستبدو كأنها رحلة. ومن الطبيعي والحالة كهذه أن يكثر الكلام عن حرب مقبلة، ومتى وكيف، خاصة أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يعيش أزمة داخلية عويصة، يمكن أن تكون الحرب «أفضل» مخرج منها. ولقد حصل مثل هذا الأمر في الماضي. فنتنياهو نفسه لجأ إلى حرب عام 2012 لكي يجهض المظاهرات الشعبية ضده... ونجح. إذ أخمد الاحتجاج يومها، ثم شن عملية أخرى على غزة في 2014، وضمن لنفسه البقاء في الحكم 9 سنوات، حتى عام 2021. فلماذا لا يسلك الطريق نفسها اليوم؟ والسؤال الأهم هو؛ هل يرغب بذلك؟ وإن رغب، فهل يستطيع تكرار السلوك نفسه اليوم؟

على صعيد المصلحة الذاتية، لدى بنيامين نتنياهو، اليميني الليكودي، أسباب تدفع نحو شن حرب. أبرزها وضعه السياسي المتأزم جداً. فهو يواجه أكبر موجة احتجاج جماهيري في تاريخ إسرائيل، حيث يخرج كل مساء أيام السبت مئات ألوف المتظاهرين ضده، منذ أن صودق على حكومته، 31 أسبوعاً على التوالي.

وألوف المتظاهرون يلاحقونه شخصياً، حيثما تحرك، أمام بيته الخاص في قيسارية، ومقره في القدس، حتى أصبح يقلل من زياراته الميدانية إلى الحد الأدنى. بل لاحقوه في عطلته التي أمضاها في إحدى مستوطنات الجولان.

في هذه المظاهرات يُرفع الشعار اللاسع، الذي التصق بنتنياهو منذ توجيه اتهامات له بالاحتيال وخيانة الأمانة وتلقي الرشى «Crime Minister» (رئيس حكومة مجرم). وهو يشعر بالاختناق من المظاهرات التي ينظمها أيضاً المحتجون على خطته للانقلاب على منظومة الحكم وهجومه على أجهزة القضاء، التي بلغت حد التوجه إلى السفارات الأميركية والأوروبية رافعة شعارات «أنقذوا الديمقراطية من خطط نتنياهو الديكتاتورية» (SOS). ثم إنه فوجئ بجمهور الشباب، وشعر بالخوف. فبعدما ساد الانطباع أن الشباب لا يتدخلون في السياسة، غمر الشباب الإسرائيلي الساحات وجعلوا دماءهم الحارة تسير في عروق الاحتجاجات، حماسةً ومثابرة وقوة، وقادوا المظاهرات التي تلاحقه.

رغبة غلاة اليمين

وليس نتنياهو وحده الراغب في الخروج من هذا المأزق... بحرب، فحلفاؤه من غلاة اليمين المتشدد، بقيادة بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، يتحمّسون لها أكثر منه. وهنا ثمة هدف آخر للحرب، هو وقف المسار الذي يسعى اليه الأميركيون لتغيير الأوضاع مع الفلسطينيين واتخاذ إجراءات «لمنع سقوط السلطة الفلسطينية».

قوى اليمين المتشدد لا تسعى فقط لشطب بقايا «اتفاقيات أوسلو»، بل ترى أن وجودها في الحكم فرصة تاريخية قد لا تعود، ويجب استغلالها لتصفية القضية الفلسطينية تماماً. وهي تطالب باجتياح شامل للضفة الغربية، كما حصل عام 2002، وإعلان حرب على قطاع غزة. ولدى سموتريتش خطة متكاملة نشرها باسمه عام 2017 في مجلة «هشيلواح» اليمينية، تحت عنوان «خطة الحسم»، يضع فيها «خريطة طريق» لتصفية القضية الفلسطينية. تبدأ الخطة بنشر فوضى عارمة في الضفة الغربية، تؤدي إلى سقوط السلطة الفلسطينية، وتنتهي بتشجيع الفلسطينيين على الهجرة، ومساعدتهم على تأسيس دولة لهم في الأردن.

أيضاً لدى المتشددين خطة لحرب على لبنان، تنتهي بضم الجنوب إلى إسرائيل، وجعل نهر الليطاني حدوداً طبيعية بين البلدين، وبناء مستوطنات يهودية هناك، كما هي الحال في الضفة الغربية. وبالنسبة لهذا اليمين، تجهض الحرب حملات الاحتجاج وتدفع الجيش للتركيز على واجباته العسكرية. بل ثمة اتهام للجيش بأنه شريك في عملية الاحتجاج بشكل مباشر، وأن الظاهرة التي تنتشر في صفوف الجيش اليوم بالامتناع عن التطوّع للخدمة الاحتياطية هي خير دليل على ذلك.

من ناحية أخرى، كان بمقدور نتنياهو التوجه إلى الانتخابات للتخلص من المظاهرات، لكنه لا يجرؤ على ذلك. فجميع الاستطلاعات التي تنشرها وسائل الإعلام، والتي يجريها هو بشكل سرّي، تشير إلى أنه سيخسر الحكم، وسيفقد معسكره 10 أو 11 مقعداً على الأقل من أصل 64 مقعداً، حصل عليها في الانتخابات الأخيرة بنوفمبر (تشرين الثاني) الماضي. ولذا، فإن الحرب مصلحة مباشرة لحكم اليمين. لكن المشكلة أن هناك شركاء آخرين في قرار الحرب لديهم رأي مختلف... في مقدمتهم الجيش، الذي سيتولى مهمة خوض القتال.

حسابات الجيش

الجيش الإسرائيلي يعد للحرب بكل قوته. ولديه خطط حربية لكثير من «السيناريوهات»، مثل حرب على لبنان وحده، أو حرب ينخرط فيها الجيش السوري، الذي وفق تقرير صادر عن «معهد أبحاث الأمن القومي» في تل أبيب، سيشهد هذا الجيش «إجراءات ترميم متسارعة»، كما أن «قسماً من هذه الإجراءات بات يضع الآن تهديداً استراتيجياً محتملاً، ويتعيّن على إسرائيل الاعتراف به». أيضاً لدى الجيش الإسرائيلي خطط لحرب على قطاع غزة، وأخرى لحرب متعددة الجبهات في آن واحد، وحرب إقليمية تدخل فيها إيران وميليشياتها في العراق حتى اليمن مع غزة والضفة الغربية. بل يدخل في حساباته «احتمال ان ينفجر المواطنون العرب في إسرائيل في مظاهرات عنيفة»، وربما تكون بينهم «خلايا إرهاب نائمة» سبق تنظيمها بأيدي قوى خارجية مثل «حماس» و«الجهاد الإسلامي» أو «حزب الله» لكي تستغل الحرب لشن عمليات مسلحة في الجبهة الداخلية.

الجيش يأخذ بالاعتبار هذا التصوّر الراديكالي، البعيد عن الواقع، ضمن رؤية عسكرية تأخذ في الحساب أكبر وأخطر الاحتمالات. والهدف من التدرب على أخطر الاحتمالات هو ألا يصدم بمفاجآت. وكلما ازدادت التصورات واتسعت، تدخل القوات العسكرية الأميركية إلى الساحة. ولذا، نلاحظ طفرة في عدد وحجم المناورات المشتركة التي يجريها الجيشان، بشكل ثنائي، وكذلك ضمن الشراكة في «القيادة الوسطى للولايات المتحدة» (سنتكوم) في الشرق الأوسط.

أسلحة جديدة

في العادة، يجرّب الجيش الإسرائيلي في كل حرب أسلحة جديدة بشكل دائم. وهذه التجارب تجعل أسلحته مميزة، كونها مجربة ميدانياً. إلا أن الجيش يواجه راهناً تناقضات عصيبة تجعله لا يتحمس للحرب ويبذل وسعه لضمان ألا تنشب. ومع أن قادته يؤكدون أنه جاهز للحرب ويهددون «العدو» أو الأعداء مجتمعين» بأن يمتنعوا عن الحرب: «لا تمتحنوا قوتنا فهي ضاربة وفتاكة» و«ستعيد لبنان إلى العصر الحجري»، فإنهم يتكلمون في الغرف المغلقة عن «مساس في الجاهزية» بسبب خطة الحكومة الانقلابية.

وبحسب «القناة 12» للتلفزيون الإسرائيلي (الخميس)، فإن «مسؤولاً أمنياً رفيعاً حذّر من أن الجيش سيفقد جاهزيته للحرب، ولا سيما سلاح الجو، خلال الشهر الحالي، ما لم يعمل على إعادة المتطوعين إلى الخدمة في الاحتياط». أيضاً، لو أراد الجيش الحرب، فإنه يحتاج إلى قاعدة شعبية موحّدة وراءه، وهذه القاعدة غير متوافرة الآن. ولأن الحرب ستكون مكلفة جداً، فهو يحتاج إلى اقتناع شعبي واسع بأنها ضرورية واضطرارية للدفاع عن النفس.

قبل أيام، وتحديداً يوم 7 أغسطس (آب) الحالي، نشرت توقعات لمسؤولين تقول إنه «في الأيام الأولى لقتال مع (حزب الله) وحده في حرب مقبلة، قد تواجه إسرائيل حوالي 6000 صاروخ في اليوم». وكتبت صحيفة «يسرائيل هيوم»، التي تعدّ مقربة من نتنياهو، أن «تقديرات المسؤولين الأمنيين الإسرائيليين تفيد بأن هناك احتمالاً حال نشوب حرب أن يبدأ (حزب الله) القتال بإطلاق بين 5 و6 آلاف صاروخ في اليوم، ثم يخفضها تدريجياً إلى ما بين 1500 و2000 صاروخ في اليوم». وقالت أيضاً إن «هؤلاء المسؤولين الأمنيين يتوقعون أن يتطور تزايد الحوادث على الحدود الإسرائيلية اللبنانية في الأسابيع الأخيرة، إلى سيناريو حرب معقدٍ ضد (حزب الله)». وتابعت أن هؤلاء لا يستبعدون إمكانية مشاركة الجماعات المسلحة في غزة والضفة الغربية أيضاً في القتال، ما يعرض إسرائيل لتهديدات متعددة. ويخشون بشكل خاص أعمال الشغب داخل المجتمع العربي الإسرائيلي، وهو «السيناريو» الذي يعتبرونه الأكثر رعباً.

البُعد الإيراني للمواجهة

وفق «يسرائيل هيوم» أيضاً، يتوقع المسؤولون الأمنيون أن «تكون القبة الحديدية (منظومة اعتراض الصواريخ)، قادرة على تحييد قسم كبير من الصواريخ، لكن قذف 6000 صاروخ لن يكون بالأمر الهين، خاصة مع الفاعلية الواضحة للطائرات المسيّرة، كما تجلّى خلال الحرب في أوكرانيا». ثم إنهم لا يستبعدون تمكن «حزب الله» أو إيران أو حلفائهما من إلحاق أضرار بالمنشآت الاستراتيجية في إسرائيل، مثل محطات الطاقة. وذكرت أن الخوف الرئيس يكمن في توجيه ضربة إلى محطات الطاقة. الأمر الذي قد يضر بشكل خطير بقدرة إسرائيل على توليد الكهرباء، وربما يتسبب مثل هذا السيناريو في انقطاع التيار الكهربائي لعدة ساعات حتى أيام، ما يغرق البلاد في الظلام لمدة 24 إلى 72 ساعة.

واعتماداً على هذا الحجم الضخم لإطلاق الصواريخ، يتوقع السيناريو الحالي أن تؤدي حملة مشتركة بقيادة «حزب الله» إلى مقتل حوالي 500 مدني إسرائيلي، وإصابة آلاف آخرين على الجبهة الداخلية. وكي يتحمل الجمهور مثل هذا الثمن، يجب أن يكون موحداً وراء قيادتيه السياسية والعسكرية. وهذا غير متوفر اليوم. فاليمين الحاكم يدير حرباً سياسية شرسة ضد الجيش، ليست بسبب خطة الحكومة الانقلابية فقط.

هذه الحرب بدأت عام 2010، عندما رفض الجيش خطة نتنياهو ووزير دفاعه في ذلك الوقت إيهود باراك شن حرب على إيران. فمنذ ذلك العام، بدأ ذبح «البقرة المقدسة» وأطلق اليمين حملته ضد الجيش. ووسائل الإعلام العبرية اليمينية، التي أسست في تلك الفترة، مثل «ميدا» و«القناة 14» وصحيفة «يسرائيل هيوم»، بجانب وسائل الإعلام الاستيطانية «القناة السابعة» و«مكور ريشون» ومعاهد الأبحاث اليمينية، نشرت مقالات ودراسات حول «تراجع قيم الوحدة الوطنية» و«عقيدة الإقدام والقتال والاشتباك» واتهمت الجيش بالتبذير والفساد.

معسكر معارضي اليمين

في الطرف الثاني من الشارع الإسرائيلي، يرى معارضو خطة الحكومة الانقلابية أن الدولة «الجديدة» التي يبنيها نتنياهو مع سموتريتش وبن غفير ليست الدولة التي تستحق التضحية بالأرواح.

وهؤلاء يتظاهرون أسبوعياً، وفي بعض الأحيان يومياً، تحت الشمس الحارقة أو الأمطار، فيتركون عائلاتهم أو يصحبونهم معهم في الشوارع ويظهرون خوفاً حقيقياً على مستقبلهم.

هؤلاء هم المقاتلون في الجيش والمخابرات والشرطة، وهم قادة قطاع «الهايتك» الذين يجلبون 40 في المائة من المداخيل في الدولة، وهم قطاع البنوك والتجارة والصناعات الحربية والمدنية، وهم رؤساء الجامعات والمحاضرون والطلاب، هم الباحثون والعلماء والمخترعون، وهم قادة الجهاز الطبي ونقابة المحامين والجهاز القضائي.

إنهم الدولة العميقة

هؤلاء لا يترددون في امتداح الجيش والالتفاف حوله، لكنهم يطرحون فكرة قوية مقنعة لغالبية الجمهور؛ أن اليمين الديني يحطم الدولة، ويؤسس دولة ذات قيم غريبة، ويجعل منا مسخرة، فنحن الذين نعمل وندفع الضرائب... وهم الذين لا يعملون ويقبضون.

نحن الذين نضحي بحياتنا في الجيش... وهم الذين ينعمون بالدراسة في المعاهد الدينية ويربحون المال. إنهم يعيشون على حسابنا. وبعد هذا كله يشتموننا ويعتبروننا أعداء. هل لأجلهم نحارب ونموت؟

في هذا الجو يصعب على الجيش الخروج إلى الحرب، حتى لو لم يعترف بذلك علناً.

التعامل مع «الأعداء»!

ولكن هنا يدخل شريك آخر إلى الميدان. هو ما يسمى بـ«العدو» أو «الأعداء». في إسرائيل شعور بأن إيران تحث «حزب الله» كي يحارب، بينما تدفع بتنظيم «الجهاد الإسلامي» الفلسطيني ليحارب، وتمارس أيضاً ضغوطاً على «حماس».

صحيح أن الحروب في منطقتنا ما عادت بحاجة إلى قرار، بل يكفي أن يشن طرف ما عملية ما، ويرد الطرف الآخر بمنسوب زائد حتى تشتعل الحرب. فغالبية الحروب نشبت في المنطقة، بعد «حرب أكتوبر» 1973 من دون رغبة من أحد. ولذا يتدرب الإسرائيليون على كل صنوف الحرب باستمرار، لأنهم يعرفون هذه المعادلة. وفي الوقت نفسه، يبذلون الجهود لإبعادها.

لكن اليمين المتشدد الحاكم يحاول اليوم تغيير هذه المعادلة، ويقول إن الامتناع عن مهاجمة إيران قبل 12 سنة أتاح لطهران تعزيز قوتها العسكرية وأن تعيد نشر مرافقها النووية على امتداد البلاد وبناءها بعمق مئات الأمتار في قلب الجبال. كذلك، يرون أن الإحجام عن احتلال لبنان عام 2006 والحذر من «الرد على استفزازات (حزب الله) بحرب» جعل الحزب يبني ترسانة أسلحة تضم أكثر من 150 ألف صاروخ وقذيفة. وبينما يتهمون حكومات إسرائيل بدعم سلطة «حماس» في قطاع غزة والامتناع عن فعل أي شيء لإرغامها على إطلاق سراح الأسرى الإسرائيليين، يعتبرون السلطة الفلسطينية «عدواً» و«مشجعاً» للإرهاب.

لكل هذا، يضغط اليمين على الجيش ويهاجم قادته ويستفزهم، ولا يكتفون بما يقوم به الجيش من ممارسات بشعة في المناطق الفلسطينية، من أعمال قتل وجرح واعتقالات وعمليات حصار وبطش، بل يحاولون جره إلى معارك أكبر ضد الفلسطينيين.

والجيش، من جهته، يحاول صد هذه الضغوط بنعومة. وفي بعض الأحيان، يساير ويقدم على البطش أكثر وعلى إطلاق التهديدات وقصف سوريا. بيد أنه لا يكف عن جهوده لإيصال رسائل للأطراف العربية أنه غير معني بتصعيد حربي.

بل إن الناطق بلسان الجيش، العميد دانئيل هجري، جعلها رسالة علنية، إذ أطلق تصريحات تهدئة في السابع من الشهر الحالي، عبر إذاعة جيشه (غالي تصاهل)، وقال: «الجيش على أتم الجاهزية لمواجهة أي تهديد في الشرق الأوسط، لكنه يعمل كل ما في وسعه لئلا تنشب حرب. ولديه وسائل كافية لنزع الفتيل». وأضاف: «لا أريد أن يدخل المواطنون في حالة ضغط، فالجيش يبذل جهوداً خارقة لحماية أمنهم، ولا ينجر في كل استفزاز لـ(حزب الله)».

وضرب مثلاً على ذلك بالخيمة التي نصبها «حزب الله» على الحدود، وقال: «أجل هذا استفزاز، لكن ليس لدرجة أن نشعل حرباً بسببه. بل نعدّه تهديداً هامشياً»، و«حزب الله» من جهته أخلى الخيمة، وأعاد رجاله إلى الجهة اللبنانية من الحدود.

بنيامين نتنياهو وسموترتش (رويترز)

تجربة «حرب أكتوبر»... والتعامل مع «حزب الله»

> ترفض رموز اليمين الإسرائيلي المتشدد منطق الجيش في التعامل مع «حزب الله»، ويعرب هؤلاء عن اعتقادهم بأن أمينه العام حسن نصر الله يمارس الخداع، ومن شأنه أن يفاجئ إسرائيل بحرب.

دورية للقوات الدولية "اليونيفيل" في المنطقة الحدودية بجنوب لبنان (لرويترز)

أحد نشطاء اليمين، وهو العميد في جيش الاحتياط أوري أجمون، حذر خلال مقابلة مع «معريب» (10 الحالي): «أشعر بأننا نعيش أجواء شبيهة بما حصل قبيل حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973. أعتقد أن نصر الله يعد لنا مفاجآت. وليس عندي شك في أننا نعيش أوضاعاً حساسة ستقود إلى حرب». وأضاف أجمون: «في حينه، تلبّكنا وطرحنا أيضاً كثيراً من الأسئلة. وكانوا يردون علينا؛ لا داعي للقلق. المصريون والسوريون لن يحاربوا. وفجأة تعرّضنا لهجوم حربي منسّق، انطوى على خطر على كيان الدولة برمّتها، لولا أننا قلبنا المعادلة بمساعدة قوية من أميركا».

يرى معارضو نتنياهو أن «الدولة» التي يبنيها لا تستحق التضحية


مقالات ذات صلة

تساؤلات في مصر بشأن مدى تأثرها حال قصف مفاعل ديمونة بإسرائيل

شمال افريقيا آثار الدمار ظاهرة بعد ضربة صاروخية إيرانية على مبنى بمدينة ديمونة بصحراء النقب جنوب إسرائيل السبت (أ.ف.ب)

تساؤلات في مصر بشأن مدى تأثرها حال قصف مفاعل ديمونة بإسرائيل

أثارت الضربة الصاروخية الإيرانية التي استهدفت مدينة ديمونة بجنوب إسرائيل تساؤلات ومخاوف في الأوساط المصرية بشأن احتمال تأثير أي هجوم على مفاعل ديمونة النووي

علاء حموده (القاهرة)
شؤون إقليمية جندي إسرائيلي يستخدم مصباحاً يدوياً لتفقد الأضرار التي خلفها صاروخ إيراني في ديمونة (رويترز)

ضربات ديمونة وعراد تهز الإسرائيليين بقوة

الضربات الإيرانية الأخيرة التي أصابت بلدتي ديمونة وعراد في النقب، أحدثت هزة قوية في إسرائيل، باعتبارهما من المناطق الحساسة والخطرة لوجود منشأة نووية.

نظير مجلي (تل أبيب)
شؤون إقليمية آثار قصف إسرائيلي سابق بجنوب لبنان (إ.ب.أ)

إسرائيل تعلن مقتل قائد القوات الخاصة بـ«قوة الرضوان» في جنوب لبنان

أعلن الجيش الإسرائيلي أنه قضى على قائد القوات الخاصة في وحدة «قوة الرضوان» - قوة النخبة التابعة لجماعة «حزب الله» - وعلى عناصر أخرى من الجماعة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
شؤون إقليمية إيرانيون يفحصون حطام منزلهم بعد تعرضه لأضرار جراء ضربة جوية نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل واستهدفت محطة شرطة بطهران (أ.ب) p-circle

إيران: أضرار جسيمة ببنى تحتية للمياه والطاقة جراء الضربات الأميركية والإسرائيلية

كشف وزير الطاقة الإيراني عباس علي آبادي، اليوم الأحد، أن البنية التحتية الحيوية للمياه والطاقة في إيران تعرضت لأضرار جسيمة جراء ضربات أميركية وإسرائيلية.

«الشرق الأوسط» (طهران)
شؤون إقليمية دمار ونيران في جسر القاسمية الساحلي على نهر الليطاني بجنوب لبنان (أ.ف.ب) p-circle

إسرائيل تقصف جسراً رئيسياً على نهر الليطاني في جنوب لبنان

قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، اليوم الأحد، إنه ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أصدرا تعليمات للجيش بتسريع هدم منازل اللبنانيين في «قرى خط المواجهة».

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
TT

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة معقدة من العلاقات في المنطقة. فبكين، التي تحوّلت خلال العقدين الأخيرين إلى أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين في الشرق الأوسط، تجد نفسها اليوم أمام معادلة شديدة الحساسية: فمن جهة كيف تحافظ على شراكتها الاستراتيجية مع إيران، ومن جهة أخرى، وفي الوقت ذاته، كيف تصون علاقاتها العميقة مع دول الخليج، وتتجنب الإضرار بعلاقاتها الاقتصادية والتكنولوجية مع إسرائيل.

معادلات الشرق الأوسط ليست سهلة. فهذه المنطقة بالنسبة للصين ليست مجرد مساحة جغرافية بعيدة، بل منطقة حيوية تتقاطع فيها ثلاثة عناصر أساسية في الاستراتيجية الصينية: أمن الطاقة، واستقرار طرق التجارة، وتوسّع «مبادرة الحزام والطريق». ولذا؛ فإن أي حرب واسعة في المنطقة لا تشكّل تهديداً سياسياً فحسب، بل تمسّ مباشرة مصالح الصين الاقتصادية والاستراتيجية.

من هذا المنطلق، يمكن فهم الموقف الصيني من الحرب على إيران بوصفه محاولة واعية للحفاظ على سياسة التوازن الدقيق بين أطراف متعارضة، دون الانخراط في الصراع أو التحول إلى طرف فيه.

إيران وموقعها في الاستراتيجية الصينية

تحتل إيران موقعاً مهماً في الرؤية الجيوسياسية الصينية، ليس فقط بسبب مواردها الطاقوية الكبيرة، بل أيضاً بسبب موقعها الجغرافي الذي يربط آسيا الوسطى بالشرق الأوسط وأوروبا. وقد تعزّز هذا الموقع مع توقيع «اتفاقية التعاون الاستراتيجي الشامل» لمدة 25 سنة بين الصين وإيران في عام 2021، وهي الاتفاقية التي فتحت الباب أمام تعاون واسع في مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل والاستثمار.

بالنسبة لبكين، تمثل إيران عقدة مهمة في مشروع «مبادرة الحزام والطريق»؛ ذلك أنها تشكل ممراً جغرافياً رئيساً يربط الصين بالأسواق الغربية عبر آسيا الوسطى والشرق الأوسط. ثم أن إيران، بحكم استقلالية قرارها السياسي عن الغرب، تُعد شريكاً بإمكان الصين التعامل معه خارج منظومة الضغوط والعقوبات الغربية، وهو ما يفسر استمرار التعاون الاقتصادي بين البلدين رغم القيود الدولية.

لكن في الوقت ذاته، لا تنظر الصين إلى علاقتها مع إيران بوصفها تحالفاً عسكرياً أو سياسياً موجّهاً ضد طرف آخر. إذ إن بكين تدرك أن الانحياز الكامل إلى طهران سيعرّض مصالحها الواسعة في المنطقة للخطر. ولذلك؛ تحرص دائماً على إبقاء العلاقة في إطار الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية من دون أن تتحول إلى اصطفاف جيوسياسي حاد.

وزير الخارجية السعودي الأميرفيصل بن فرحان مع نظيره الصيني وانغ يي (وزارة الخارجية الصينية)

الخليج: شريان الطاقة للصين

من جانب آخر، إذا كانت إيران شريكاً مهماً للصين، فإن دول مجلس التعاون الخليجي الخليج تمثل بالنسبة للقيادة الصينية الركيزة الأساسية لأمن الطاقة.

فالصين اليوم هي أكبر مستورد للنفط في العالم، ويأتي جزء كبير من وارداتها النفطية من دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وقطر والكويت.

وهذا الاعتماد الكبير على الطاقة الخليجية جعل بكين تعمل خلال السنوات الماضية على تطوير علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول المنطقة بشكل غير مسبوق. وبالفعل، شهدت العلاقات الصينية الخليجية توسعاً كبيراً في مجالات الاستثمار والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والبنية التحتية.

ثم أن التعاون بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي لم يعد مقتصراً على النفط، بل امتد إلى مشاريع كبرى في مجالات المواني واللوجيستيات والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي؛ وهو ما يعكس تحوّل العلاقة إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.

في هذا السياق، تدرك القيادة في بكين أن أي حرب واسعة النطاق في المنطقة قد تهدّد استقرار أسواق الطاقة العالمية، وتؤدي بالتالي إلى اضطرابات في إمدادات النفط والغاز؛ وهو ما قد ينعكس سلباً على الاقتصاد الصيني. وبناءً عليه؛ ترى بكين اليوم في الاستقرار الإقليمي شرطاً أساسياً لحماية مصالحها الاقتصادية.

ولقد ظهر هذا التوجه بوضوح في الدور الذي لعبته بكين في رعاية الاتفاق التاريخي لاستئناف العلاقات بين السعودية وإيران في عام 2023، وهو اتفاق اعتبره كثيرون مؤشراً على صعود الدور الدبلوماسي الصيني في الشرق الأوسط.

العلاقة «المعقدة» مع إسرائيل

في الوقت عينه، طوّرت الصين خلال العقود الماضية علاقات اقتصادية وتكنولوجية مهمة مع إسرائيل. فقد أصبحت إسرائيل أحد الشركاء البارزين للصين في مجالات الابتكار والتكنولوجيا المتقدّمة، كما شاركت الشركات الصينية في تنفيذ مشاريع بنية تحتية مهمة داخل إسرائيل، بما في ذلك تطوير بعض المواني ومشاريع النقل.

هذه العلاقة تعكس اهتمام الصين بالاستفادة من القدرات التكنولوجية الإسرائيلية، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

لكن في ظل التصعيد العسكري في المنطقة، حرصت سلطات بكين على التأكيد أن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً. وفي هذا السياق، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي اتصالات مع الأطراف المعنية، شدّد خلالها على «ضرورة وقف العمليات العسكرية وتجنب توسيع رقعة الحرب، والعمل على إعادة فتح المسارات الدبلوماسية، بما في ذلك تواصل مع الجانب الإسرائيلي ضمن مساعي التهدئة».

غير أن هذه العلاقة شهدت خلال السنوات الأخيرة بعض التعقيدات، خصوصاً في ظل الضغوط الأميركية على إسرائيل لتقليص تعاونها التكنولوجي مع الصين. كما أن التصعيد العسكري المتكرّر في المنطقة وضع بكين أمام تحدٍ إضافي في إدارة علاقاتها مع إسرائيل دون أن تبدو منحازة في الصراعات الإقليمية.

موقف الصين من الحرب

انطلاقاً من هذه الشبكة المعقدة من العلاقات، جاء الموقف الصيني من الحرب على إيران منسجماً مع نهج بكين التقليدي في السياسة الخارجية، لكنه في ضوء التطورات الأخيرة بات أكثر حذراً وواقعية.

ذلك أن التصعيد الذي شهدته المنطقة خلال الأيام الماضية، من ضربات واسعة واستهدافات مباشرة وردود متبادلة طالت مصالح وقواعد، وضع الصين أمام مشهد يتجاوز الحسابات التقليدية. والقصد هنا أن الحرب لم تعد مجرد احتمال، بل صارت مساراً قائماً يتّسع تدريجياً.

في هذا السياق، كثّفت بكين تحركاتها الدبلوماسية بشكل لافت، فأرسلت مبعوثها الخاص إلى الشرق الأوسط، حيث أجرى لقاءات مع عدد من المسؤولين، أبرزها مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في خطوة تعكس إدراك الصين لأهمية التنسيق مع القوى المحوَرية في استقرار المنطقة. وبالتوازي، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي سلسلة اتصالات مع أطراف إقليمية ودولية، شملت أيضاً تواصلاً مع الجانب الإسرائيلي، ركّز خلالها على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، ورفض توسيع دائرة الحرب، والدفع نحو إعادة فتح المسارات السياسية.

أيضاً شددت القيادة الصينية على أهمية «احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها»، ورفضت أي سياسات تقوم على تغيير الأنظمة بالقوة أو فرض الوقائع العسكرية خارج إطار الشرعية الدولية.

غير أن ما يلفت في الموقف الصيني هو إدراكه أن هذه الحرب، إذا ما استمرت، لن تبقى محصورة في حدود إيران، بل ستصبح مرشحة لإعادة رسم توازنات المنطقة بأكملها، بما في ذلك الخليج وشرق المتوسط. وهذا الأمر، بالذات، يفسّر الحذر الشديد في الخطاب السياسي الصيني إزاء الحرب الراهنة، فهو من جهة يتجنب الانحياز العلني، لكنه من جهة ثانية - وفي الوقت ذاته - يرفض منطق الحسم العسكري.

بكين ترى أن هذه الحرب - إذا استمرت - لن تبقى محصورة في حدود إيران... بل ربما تؤدي لرسم توازنات المنطقة بأكملها

قراءات الصين بين الاستفادة والحذر

وسط هذا المشهد، يُطرح سؤال يتكرر في الأوساط السياسية: هل تُعدّ الصين الرابح من تعثر الولايات المتحدة في إدارة الحرب؟

الواقع أن الإجابة ليست بهذه البساطة.

إذ بكين تراقب، من دون أدنى شك، كيف تواجه واشنطن صعوبات في تحقيق حسم سريع، وما قد يرافق ذلك من «تآكل في صورة» القوة القادرة على فرض نتائجها. وبالطبع، هذا ربما يمنح الصين هامشاً سياسياً أوسع لتعزيز خطابها حول عالم متعدد الأقطاب، وإعادة طرح تساؤلات حول فاعلية السياسات القائمة على القوة العسكرية.

ولكن في المقابل، لا تنظر الصين إلى هذا التعثر بوصفه «نصراً» لها بقدر ما تراه مؤشراً على بيئة دولية أكثر اضطراباً وخطورة. ذلك أن «الحروب المفتوحة» في منطقة الشرق الأوسط لا تخدم المصالح الصينية، بل، بالعكس، تهدد مباشرة أمن الطاقة واستقرار طرق التجارة وسلاسل الإمداد التي يقوم عليها صعودها الاقتصادي.

لذلك؛ يمكن القول إن الصين ليست رابحاً مباشراً في هذه الحرب، بل فاعل حذر يستفيد من أخطاء الآخرين دون أن يتمنى استمرارها... ويدرك أن أي انفلات واسع في المنطقة قد يتجاوز الجميع ويعيد رسم قواعد اللعبة الدولية بشكل لا يمكن التحكم به.

الشرق الأوسط في الرؤية الصينية

خلال السنوات الأخيرة، بدأت الصين تنظر إلى الشرق الأوسط من منظور أوسع يتجاوز البُعد الاقتصادي وحده. فالمنطقة أصبحت ساحة مهمة في التنافس الدولي، لكنها - وفقاً للمسؤولين الصينيين - تمثّل في الوقت نفسه فرصة لبكين لتعزيز دورها كقوة دولية كبيرة تسعى إلى دعم الاستقرار والتنمية.

وفي هذا السياق، طرحت الصين مجموعة من المبادرات الدولية التي تهدف إلى إعادة صياغة آليات التعاون الدولي، من أبرزها: «مبادرة التنمية العالمية»، و«مبادرة الأمن العالمي»، و«مبادرة الحوكمة العالمية» التي تركز على إصلاح منظومة الحوكمة الدولية وتعزيز التعددية واحترام سيادة الدول.

وفق مسؤولين في بكين، تنسجم هذه المبادرات مع رؤية الرئيس الصيني شي جينبينغ، الذي يؤمن بأن العالم يحتاج إلى نظام دولي «أكثر توازناً وعدالة»، يقوم على «التعاون المتكافئ بين الدول واحترام خصوصياتها التنموية والثقافية».

«دبلوماسية التوازن»

في ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن السياسة الصينية في الشرق الأوسط تقوم راهناً على ما يمكن تسميته «دبلوماسية التوازن». إذ إن الصين تحاول الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الأطراف الإقليمية، من دون الانحياز إلى محور ضد آخر. وهذه الدبلوماسية تقوم على ثلاث معادلات أساسية:

- الحفاظ على الشراكة مع إيران

- ضمان أمن الطاقة عبر الخليج

- الاستمرار في التعاون مع إسرائيل.

لكن مع اتساع رقعة التصعيد، لم يعُد هذا التوازن مجرّد خيار دبلوماسي مريح، بل تحوّل ضرورة استراتيجية معقدة، تتطلّب إدارة دقيقة لتفادي الانزلاق إلى مواقف قد تضرّ بمصالح الصين أو تقيّد حركتها في المنطقة.

وفي لحظة تتقدّم فيها لغة القوة على ما عداها، تحاول سلطات بكين أن تطرح رؤيتها كصوت مختلف، لا يملك أدوات الحسم العسكري، لكن لديه رؤية تقوم على منع الانهيار الشامل بدل من الاكتفاء بإدارة نتائجه. أخيراً، مع اتساع رقعة المواجهة في المنطقة، سيبقى اختبار بكين الحقيقي ليس فقط قدرتها على الحفاظ على توازن علاقاتها، بل في مدى نجاحها في تحويل هذا التوازن دوراً فاعلاً يمنع الانزلاق نحو حرب أكبر.

وبخاصة، أنه في شرق أوسط يشتعل على أكثر من جبهة، لم يعد التوازن خياراً دبلوماسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية... للصين وللعالم.

 

* رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث ورئيس الرابطة العربية الصينيةللحوار والتواصل


ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
TT

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة أُنهكت بالفضائح والاحتجاجات وسوء التواصل مع الكونغرس، بل عن شخصية تعكس، بأسلوبها وطباعها، المرحلة نفسها: صدامية، وهجومية، ومشدودة بالكامل إلى أولوية الهجرة والأمن الحدودي قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. فمَلين لا يأتي من مدرسة الأمن القومي التقليدية، ولا من أجهزة إنفاذ القانون أو الاستخبارات، بل من عالم الأعمال العائلية والرياضة القتالية والسياسة الشعبوية. لذا يبدو ترشيحه، في جوهره، رسالة سياسية أكثر منه تعييناً تكنوقراطياً. ترمب يريد وزيراً قادراً على الدفاع عن نهجه، وامتصاص غضب الجمهوريين من فوضى نويم، ومواجهة الديمقراطيين الذين يربطون تمويل الوزارة بإصلاحات تحدّ من أساليب وكالة الهجرة والجمارك (آيس)، وهيئة الجمارك وحماية الحدود (سي بي بي). لكن هذا الاختيار نفسه يفتح أسئلة ثقيلة منها: هل تصلح شخصية قتالية لإدارة جهاز ضخم يضم أكثر من 20 وكالة ومئات آلاف الموظفين؟ وهل يستطيع مَلين أن يكون رجل ضبط مؤسسي، لا مجرد رأس حربة سياسي؟

ماركواين مَلين، المولود في مدينة تولسا، ثاني كبرى مدن ولاية أوكلاهوما، عام 1977، هو أصغر الأبناء السبعة لجيم مارتن مولين وبريندا غايل موريس مَلين، وابن بيئة ريفية محافظة في أوكلاهوما، نشأ في مزرعة العائلة ببلدة وستفيل. وبصفته عضواً في «أمة الشيروكي»، أكبر قبيلة من شعوب أميركا الأصلية (الهنود الحُمر)، يُعد أول سيناتور من السكان الأصليين منذ تقاعد السيناتور بن نايتهورس كامبل عام 2005. كما أنه ثاني مواطن من «الشيروكي» يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ منذ عام 1925.

خلفية ريفية

خلال الفترة من 2013 إلى 2023، شغل مَلين منصب الممثل الأميركي عن الدائرة الانتخابية الثانية لولاية أوكلاهوما. وكان قد تخرج في مدرسة ستيلويل الثانوية بمدينة ستيلويل بأوكلاهوما، والتحق بكلية ميسوري فالي، إلا أنه تركها مؤقتاً في سن العشرين بعدما مرض والده، ليتولّى مع زوجته كريستي إنقاذ شركة العائلة «مَلين لأعمال السباكة»، ثم توسيعها إلى شبكة أعمال شملت مجالات أخرى.

ولاحقاً، تابع دراسته الجامعية في تكنولوجيا البناء بمعهد التكنولوجيا الملحق بجامعة ولاية أوكلاهوما، وبنى صورته السياسية على أنه «رجل من خارج المؤسسة» يعرف الاقتصاد الحقيقي والأعمال الصغيرة أكثر مما يعرف «بيروقراطية» واشنطن.

خلفيته هذه هي التي جعلته جذاباً داخل الحزب الجمهوري، وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين؛ فهو رجل ناجح، ريفي، متديّن، قريب من المزاج المحافظ في أوكلاهوما (أكثر ولايات أميركا محافظةً)، ويمكن تسويقه بسهولة بوصفه نموذجاً لـ«الأميركي المنتج» لا السياسي المحترف.

هذه السيرة الشخصية تحمل أيضاً عنصراً رمزياً مهماً: مَلين سيكون، إذا ثُبّت، من أبرز الشخصيات المنتمية إلى «أمة الشيروكي» في أعلى هرم السلطة الفيدرالية الأمنية.

غير أن هذا البُعد الرمزي لا يكفي وحده لرد الانتقادات؛ فخصومه لا ينازعونه في قصة الصعود الاجتماعي، بل في صلتها الفعلية بالمنصب الجديد. ومَن انتقل من السباكة والأعمال إلى مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ، لم يمرّ عبر مسار مهني تقليدي في الأمن الداخلي، أو إدارة الحدود، أو الاستجابة للكوارث... وهذه ملفات تمثل عصب الوزارة التي سيقودها. ولهذا فإن ما يُحسب له انتخابياً بوصفه «قريباً من الناس»، قد يُحسب عليه إدارياً بوصفه نقصاً في الخبرة النوعية.

«المقاتل الخشن»

ما ميّز مَلين في واشنطن ليس فقط خطه المحافظ، بل أسلوبه الشخصي؛ فهو مقاتل فنون قتالية مختلطة سابق، وسيرته الرسمية تذكر سجلّه الاحترافي غير المهزوم، كذلك بُني حضوره العام طويلاً على صورة الرجل القوي، السريع الغضب، المستعد للمواجهة المباشرة.

هذه الصورة بلغت ذروتها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 حين تحدّى شون أوبراين، رئيس النقابة الدولية لعمال النقل (التيمسترز)، إلى عراك داخل جلسة استماع في مجلس الشيوخ، في مشهد تحوّل إلى اختصار رمزي لشخصيته السياسية: هجومية، واستعراضية، وغير معنية كثيراً بخطوط الوقار المؤسسي التقليدية.

حتى جلسة تثبيته نفسها لم تخلُ من هذا الإرث؛ إذ افتتحها رئيس لجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية في مجلس الشيوخ السيناتور الجمهوري راند بول، بمواجهة شخصية قاسية، مذكّراً بخلافاتهما السابقة، وباللغة التي استخدمها مَلين بحقه، ما جعل الجلسة منذ بدايتها اختباراً للمزاج والطباع بقدر ما كانت اختباراً للسياسات.

هنا تكمن المعضلة الأساسية؛ فترمب يرى في «الصلابة» ميزة، وكثيرون من الجمهوريين يؤمنون بأن وزارة الأمن الداخلي، بعد شهور من الفوضى والارتباك، تحتاج إلى شخص «يمسكها بقبضة قوية». لكن ما يراه البيت الأبيض حزماً، يراه الديمقراطيون وبعض الجمهوريين اندفاعاً قد يزيد تأزيم وكالة تعمل أصلاً تحت ضغط سياسي ومالي وشعبي غير مسبوق.

«غموض» السيرة الأمنية

لكن أخطر ما يلاحق مَلين راهناً ليس افتقاره إلى الخبرة الإدارية فحسب، بل أيضاً الغموض الذي أحاط به شخصياً حول ما وصفه مراراً بأنه خبرات أو «مهمات خاصة» خارج وزارة الدفاع وفي الخارج؛ إذ تكلّم في مناسبات مختلفة عن وجوده في «بيئات حرب»، وعن «رائحة الحرب». وأشار بعد اقتحام «الكابيتول» يوم 6 يناير (كانون الثاني) 2021 إلى أنه «دافع عن المبنى»؛ لأنه أدرك سريعاً خطورة الموقف؛ لأنه «كان في مثل هذه الظروف في الخارج» من قبل، بيد أنه أحجم مراراً عن تقديم تفاصيل. وعندما سُئل، عاد لمكتبه هذا الأسبوع ليقول إن الأمر يتعلق بأعمال تبشيرية ودعم معنوي للجنود الأميركيين العائدين، إضافة إلى رحلات وفود برلمانية اعتيادية. هذه الفجوة بين الإيحاء الأمني والتفسير المتأخر هي ما جعل منتقديه يتكلمون عن محاولة لصناعة «رصيد بطولة ضمني» لا تدعمه سيرة معلنة أو خدمة عسكرية فعلية.

تتصل بهذه النقطة أيضاً «حكاية أفغانستان» في صيف 2021، حين حاول مَلين - وكان آنذاك نائباً في مجلس النواب - الوصول إلى المنطقة للمساعدة في إجلاء أميركيين وحلفاء بعد الانسحاب الأميركي الفوضوي.

بالنسبة لمؤيديه، كانت تلك الحلقة دليلاً على نزعة فعلية للمبادرة والمخاطرة... ولكن بالنسبة لمنتقديه جسّدت ميلاً إلى الأداء الفردي الملتبس عند تقاطع الأمن والسياسة والاستعراض.

هذا السجال مهمٌّ؛ لأن المنصب المطروح اليوم ليس منصب «رسول أزمة»، بل رئاسة مؤسسة عملاقة تحتاج إلى وضوح في التسلسل القيادي، وتحديد قانوني دقيق للمهام، وانضباط في الخطاب العام.

6 يناير... والولاء لترمب

في السياسة، يُقرأ مَلين أولاً كحليف شديد الوفاء لترمب. صحيح أنه حاول بعد هجوم «الكابيتول» أن يقدّم نفسه كأحد الذين استشعروا الخطر وساعدوا شرطة «الكابيتول». والمشكلة ليست في تلك اللحظة وحدها، ولكن عندما لم يتحوّل بعد 6 يناير إلى جمهوري ناقد لترمب، بل بقي داخل الدائرة المخلصة له سياسياً.

هذا الولاء هو بالضبط ما يطمئن البيت الأبيض اليوم، ويجعل كثيراً من الديمقراطيين مقتنعين بأن تغيير الاسم على باب الوزارة لن يعني تغييراً حقيقياً في سياساتها. فمَلين، في ملفات الهجرة خاصة، كان في حالة تطابق شبه كامل مع خط الإدارة، ودافع عن عناصر «آيس» حتى بعد حوادث القتل التي فاقمت الغضب العام.

وهنا تأتي المفارقة: الرجل يُسوَّق جمهورياً على أنه بديل عن كيرستي نويم، لكنه يُفهم ديمقراطياً على أنه استمرار أكثر انضباطاً لنهجها، لا قطيعة معه، ثم إن الديمقراطيين لا يرون أن مشكلتهم كانت مع شخصية نويم وحدها، بل مع بنية القرار نفسها داخل البيت الأبيض، حيث لا يزال ستيفن ميلر، مستشار ترمب ونائب كبير موظفي البيت الأبيض، صاحب التأثير الأكبر في ملف الأمن الداخلي والهجرة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن مَلين قد ينجح في تحسين العلاقة مع الكونغرس، أو في إعادة شيء من الانضباط الإداري، لكنه لن يكون حراً في قلب فلسفة الوزارة، أو تخفيف القبضة على إنفاذ الهجرة.

ما الذي يرثه مَلين بعد نويم؟

خروج كيرستي نويم لم يكن مجرد تبديل روتيني؛ فبحسب «رويترز» ووسائل أميركية عدة، جاء بعد تراكم أزمات: مقتل مواطنين أميركيين في مينيابوليس خلال عمليات مرتبطة بإنفاذ الهجرة، وغضب من الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما)، وتأخر المساعدات، ومأزق إعلان حكومي ضخم بقيمة تفوق 200 مليون دولار ارتبط باسمها، وأثار امتعاض ترمب نفسه حين قال إنه لم يوافق عليه.

كذلك اشتكى جمهوريون من ضعف التواصل بين الوزارة والكونغرس، وهذه نقطة تكرّرت بقوة خلال الأيام التي سبقت جلسة مَلين. وبهذا المعنى، أُخرجت نويم بوصفها «كبش فداء» جزئياً، لكن أيضاً بوصفها عنواناً لفشل سياسي وإداري صار مكلفاً انتخابياً.

بالتالي، ما يرثه مَلين ليس جهازاً متماسكاً، بل وزارة مأزومة: نزاع أدى إلى تعطل تمويل بعض أنشطة الوزارة، وضغط ديمقراطي لفرض قيود على سلوك عناصر الهجرة، وتراجع في الرأي العام تجاه أساليب «آيس»، واستنزاف معنوي داخل أجهزة مثل إدارة أمن النقل (تي إس إيه) و«فيما». ففي استطلاع «رويترز - إبسوس» في يناير الماضي، قال 58 في المائة إن حملة «آيس» قد «ذهبت بعيداً»، في حين هبطت شعبية ترمب بموضوع الهجرة إلى 39 في المائة، رغم بقاء الجمهوريين متقدمين نسبياً على الديمقراطيين في ثقة الناخبين بهذه القضية.

هذه الأرقام تفسر سبب حاجة ترمب إلى شخصية قادرة على الجمع بين أمرين متناقضين ظاهرياً؛ أي مواصلة التشدد، لكن من دون إعادة إنتاج الفوضى البصرية والسياسية التي التصقت بنويم.

انتخابات نوفمبر

على الأرجح، لن يُقاس نجاح مَلين خلال الأشهر القليلة المقبلة بمعيار الإصلاح المؤسسي العميق، بل بثلاثة اختبارات أكثر مباشرة:

الأول، هل يستطيع تهدئة الجبهة الجمهورية الداخلية عبر تحسين إدارة «فيما»، والرد على شكاوى أعضاء الكونغرس من انقطاع التواصل؟

الثاني، هل ينجح في تمرير تمويل الوزارة، أو على الأقل تخفيف تكلفة الاشتباك مع الديمقراطيين حوله؟

والثالث، هل سيستطيع مواصلة حملة ترمب على الهجرة بطريقة أقل فوضى وأقل تكلفة دعائية؟

لكن حدود نجاحه واضحة أيضاً؛ فالديمقراطيون سيواصلون استخدامه منصة لإبراز ما يعتبرونه «قانونية منفلتة» داخل «آيس»، وهيئة الجمارك وحماية الحدود «سي بي بي»، لا سيما بعد حوادث مينيابوليس، ثم إن افتقاره إلى الخبرة المباشرة في ملفات الأمن الداخلي يمنح خصومه مادة جاهزة للتشكيك في قدرته على إدارة وزارة بهذا التعقيد. وإضافة إلى ذلك، فإن أي محاولة منه لتقديم نفسه مصلحاً معتدلاً ستصطدم بولائه السياسي لترمب، وأي انحياز كامل إلى خط البيت الأبيض سيعني تثبيت الانطباع بأنه مجرد منفذ سياسي لسياسات صاغها آخرون.

لذا يُرجَّح أن يكون مَلين «وزير احتواء» أكثر منه «وزير إعادة تأسيس»؛ أي رجل مهمته تنظيم الفوضى لا تغيير الاتجاه، وترميم صورة التشدد لا التخلي عنه.

في المحصلة، يختصر ماركواين مَلين مفارقة «الترمبية» في ولايتها الثانية: شخصيات من خارج الاختصاص تُدفع إلى مواقع سيادية؛ لأنها تتقن لغة الصدام السياسي والولاء الشخصي أكثر مما تتقن البيروقراطية الحكومية... قوته الحقيقية لا تكمن في خبرة أمنية مثبتة، بل في قدرته على تمثيل مزاج ترمب أمام الكونغرس والشاشات والقاعدة الجمهورية.


وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
TT

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب والهجمات العابرة للحدود، إلى الهجرة غير النظامية، والكوارث الطبيعية، والهجمات السيبرانية.

لقد أُنشئت الوزارة بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بهدف توحيد عمل أجهزة أمنية كانت موزّعة على عدة مؤسسات، بحيث تغدو الاستجابة أسرع، ويغدو التنسيق أقوى بين الأمن الحدودي، والاستخبارات، وإدارة الطوارئ، وحماية البنية التحتية. وحقاً تقول الوزارة إن مهمتها الأساسية هي «حماية الشعب الأميركي والوطن والقيم الأميركية»، وهذه مهمة تتجاوز المعنى التقليدي للأمن، لتشمل أيضاً ضمان استمرارية السفر والتجارة الشرعيين وحماية المؤسسات الحيوية.

تكمن أهمية الوزارة أيضاً في أنها لا تتعامل فقط مع الأخطار الخارجية، بل أيضاً مع التهديدات الداخلية التي قد تمسّ الحياة اليومية مباشرة، مثل أمن المطارات، وحماية الحدود البرية والبحرية، والاستجابة للأعاصير والفيضانات، وتأمين الانتخابات والبنية التحتية الرقمية، ومكافحة تهريب البشر والمخدرات، وحماية كبار المسؤولين. ولهذا فهي من أكثر الوزارات تشعّباً وحساسية سياسياً، إذ إنها تضم أكثر من 260 ألف موظف، وتعمل عند تقاطع الأمن، والهجرة، والحريات المدنية، وإدارة الأزمات.

أما أبرز أجهزة الوزارة ومكوّناتها الأمنية والتنفيذية فهي: هيئة الجمارك وحماية الحدود (سي ب بي) وهي المسؤولة عن المعابر والحدود، ووكالة الهجرة والجمارك (آيس) التي تتولى التحقيقات وعمليات الترحيل، وإدارة أمن النقل (تي إس إيه) المكلفة بأمن المطارات ووسائل النقل، وخفر السواحل الأميركي والخدمة السرية والوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما) ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية، بالإضافة إلى خدمات المواطنة والهجرة، ومكتب الاستخبارات والتحليل. وبذلك تُعد الوزارة مركزاً جامعاً للأمن الحدودي، والأمن الداخلي، وإدارة الكوارث، والدفاع عن البنية التحتية الحيوية في آنٍ واحد.