وسيم منصوري... قانوني بين ألغام «المصرف المركزي» اللبناني

يشترط التغطية والإصلاحات لعبور الأزمة المالية والتوازنات السياسية

وسيم منصوري... قانوني بين ألغام «المصرف المركزي» اللبناني
TT

وسيم منصوري... قانوني بين ألغام «المصرف المركزي» اللبناني

وسيم منصوري... قانوني بين ألغام «المصرف المركزي» اللبناني

فاجأ وسيم منصوري، حاكم «مصرف لبنان» (البنك المركزي) بالإنابة، الأوساط السياسية اللبنانية، بالشروط التي وضعها لقاء تسلّمه مهام الحاكمية خلفاً للحاكم السابق رياض سلامة. إذ لم يكن متوقعاً أن يرفق عملية التسلم بتلك التعقيدات التي أعادت خلط أوراق السياسات النقدية المعتمدة منذ 3 أشهر، وأقنعت كثيرين بأن الرجل، الآتي من خلفية قانونية، لا مالية، يسير بين ألغام التوازنات الداخلية والخارجية، ويبحث عن غطاء خارجي وداخلي استطاع انتزاعه لتحصين نفسه من الانتقادات. الواقع أن مثار الحذر والتعقيد يعود إلى شقين؛ أولهما أنه يخلف حاكماً مثيراً للجدل، شغل موقعه في «المركزي» طوال 30 سنة وارتبط اسمه به، وحدّد سياسات الحكومة اللبنانية في العقد الأخير، عندما كانت الحكومة محاصرة بالخلافات السياسية والتجاذبات الدولية والمقاربات المتنافرة، وانتهى فيها مديراً للأزمة المالية، ومُلاحقاً بالدعاوى القضائية والشبهات باستخدام النفوذ، وهي مثار تحقيقات أوروبية ومحلية متواصلة. أما الشق الثاني فيعود إلى كونه ينتمي إلى طائفة «الشيعة» التي لم يستلم أي من شخصياتها قبله حاكمية مصرف لبنان منذ تأسيسه قبل 6 عقود، وذلك لأن موقع «الحاكمية»، وهو أعلى منصب مالي في البلاد، مخصصٌ عُرفاً للمسيحيين الموارنة. ثم إنه يتزامن تسلّمه موقعه مع تنافر سياسي، له بُعد طائفي متصل بالمواقع والصلاحيات، في ظل عجز عن انتخاب رئيس جديد للجمهورية، ما أعاق تشكيل حكومة يفترض أن تجري تعيينات للمواقع الشاغرة.

ثمة عُرف في لبنان أن حاكم مصرف لبنان الذي تعيّنه الحكومة في الحاكمية، يجب أن يكون مسيحياً مارونياً. وله وفق القانون 4 نواب...

النائب الأول، عُرفاً، يشغله شيعي، والثاني يشغله درزي، والثالث سنّي، والرابع ينتمي إلى طائفة الأرمن الكاثوليك. وعملاً بالمحاصصة الطائفية، غالباً ما تتقاطع القوى السياسية على أسماء النواب الأربعة، ويجري تعيينهم دفعة واحدة.

في ظل هذه «الألغام» الداخلية، والمطالب الخارجية، كان رئيس البرلمان نبيه برّي، الذي اقترح اسم منصوري لتعيينه نائباً أول للحاكم في عام 2020، ميالاً لأن تجتمع الحكومة وتعيّن حاكماً، كما كان ميالاً لاستقالة منصوري من موقعه وقذف كرة التوازنات الداخلية في ملعب القوى الأخرى، قبل أن تتصاعد المطالب السياسية المحلية بتطبيق القانون، إذ ينص قانون النقد والتسليف في مادته الـ25 على أنه «في حال شغور منصب الحاكم، يتولى نائب الحاكم الأول مهام الحاكم ريثما يُعيَّن حاكم جديد». إلا أن استقالته مثلت عقبة، بالنظر إلى أنها ستترك شغوراً في حاكمية «المركزي»، وذلك في لحظة مالية وسياسية دقيقة بعد 30 سنة أمضاها رياض سلامة في موقعه. وهي للمفارقة، نصف عمر المصرف المركزي، ولقد استطاع خلالها رسم السياسات وابتداع المخارج للأزمات، وأدارها أخيراً بدعم حكومي وبمواكبة أذرع له في سوق القطع في الداخل، وبتقاطعات مع البنوك المراسلة.

ومع أن منصوري سمّاه رئيس البرلمان لموقعه، فإنه يحتفظ بهامش كبير من الاستقلالية، كما يقول عارفوه، ويقارب المسائل من زاوية تقنية وقانونية تلتزم المعايير الدولية. وهذا ما دفع قوى سياسية لبنانية متعددة للترحيب بوصوله إلى موقعه، وكان أبرزهم رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع الذي قال في تغريدة: «ما سمعناه من منصوري يبشّر بالخير».

قانوني في حاكمية «المركزي»

للمرة الثالثة منذ تأسيس مصرف لبنان المركزي، يصل إلى حاكميته قانوني، وليس مصرفي.

في المرة الأولى، انتقل المحامي والقاضي إلياس سركيس من منصب حاكمية المصرف المركزي إلى رئاسة الجمهورية. وفي المرة الثانية، وصل النائب والمرجع القانوني الراحل إدمون نعيم إلى الحاكمية في أصعب مراحل البلاد مالياً وسياسياً وعسكرياً بين 1985 و1991. والآن، وصل منصوري الذي يحمل شهادة الدكتوراه في القانون العام تخصّص القانون الدستوري من جامعة مونبيليه 1 في فرنسا، كما يحمل دبلوم دراسات عليا في القانون الشامل من الجامعة ذاتها، ودكتوراه أخرى من الجامعة اللبنانية، بجانب إجازة في الحقوق من الجامعة اللبنانية.

تشير سيرته الذاتية المنشورة على موقع المصرف المركزي إلى أنه تلقى تدريباً في المحاماة، وكان يدير «مكتب منصوري وشركاه للمحاماة» قبل تعيينه نائباً أول لحاكم المصرف المركزي. ثم شغل في وقت سابق موقع مدير الفرع الفرنسي في كلية الحقوق والعلوم السياسية والإدارية بالجامعة اللبنانية منذ يوليو (تموز) 2019 حتى 2020.

خلال سنوات سابقة، عمل مستشاراً قانونياً لوزارة المالية، حين كان وزير المال الأسبق علي حسن خليل، كما عمل مستشاراً قانونياً للبرلمان في السنوات الأخيرة.

ومع أن تجربة سركيس في الحاكمية كانت سلسة ومحصّنة ضمن نظام مالي وسياسي مستقر، أتاح له تخزين الذهب لصالح «المركزي»، فإن تجربة منصوري تتقاطع مع نعيم لجهة صعوبة الظروف السياسية والمالية. ففي عام 1985، كانت الليرة اللبنانية بدأت تتدهور، وفقدت 800 في المائة من قيمتها خلال الفترة التي خرج فيها نعيم من الحاكمية، وتزامنت مع خلافات سياسية عميقة وحروب وشغور في الرئاسة اللبنانية.

واليوم، يتسلم منصوري الحاكمية بعدما فقدت الليرة اللبنانية نحو 600 في المائة من قيمتها، في ظل شغور رئاسي وتجاذبات سياسية وانقسامات عميقة تتخذ بُعداً طائفياً أيضاً، وهو ما دفعه لفرض شروطه. انتقال مشروط لم يكن انتقال الحاكمية إلى منصوري سلساً. بل تدرّج من تلويح باستقالة نواب الحاكم الأربعة، إلى فرض شروط على البرلمان والحكومة لتحصين هذا التسلم بغطاء تشريعي وتنفيذي، وغطاء «صندوق النقد الدولي» كون شروطه متطابقة مع مطالب الصندوق. هذا الغطاء، يوازيه غطاء آخر من وزارة الخزانة الاميركية التي زارها في يونيو (حزيران) الفائت، وتتقاطع مع الصندوق في الإصلاحات التي يشترطها لوضع لبنان على سكة النهوض.

ولقد أبلغت مصادر مواكبة لزيارته إلى واشنطن «الشرق الأوسط» أن الزيارة كانت «إيجابية»، ويستحيل أن يكون شخص في موقعه نائباً لحاكمية المركزي أو حاكماً له، ليس على علاقة واضحة وشفافة مع الخزانة الأميركية، وذلك لضمانة التزام لبنان بمكافحة تبييض الأموال وتطبيق القوانين والإجراءات الدولية.

غير أن هذا الالتزام يتخطّى كونه تقاطعاً مع القوانين والشروط الدولية، بالنظر إلى أن منصوري، والنواب الثلاثة الآخرين للحاكمية، يؤمنون بها. وجرى التعبير عن ذلك من خلال عشرات المراسلات مع السلطات اللبنانية (وزارة المالية والحكومة وحاكمية مصرف لبنان) بعد شهرين على تسلّمهم مناصبهم في صيف 2020، اعتراضاً على بعض الإجراءات التي يتخذها حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة، ومن ضمنها منصة «صيرفة» المثيرة للجدل.

شروط بوجه الحكومة

على الضفة الداخلية، وضع منصوري شروطاً لمهمته أعلنها عشيّة تسلّمه منصبه، حين قال إن القيادة الجديدة للبنك المركزي تخطط لفرض قيود صارمة على متى يمكن للبنك المركزي إقراض الحكومة، معتبراً أن الإقراض «لم يعُد خياراً، والتدرّج باتخاذ القرار يحتاج إلى قانون، وسيسمح قانون إقراض الحكومة بدفع رواتب القطاع العام، والتشريع المطلوب يسمح بتنشيط الإدارة وتأمين الأموال للدواء». كذلك، أكد أن الحلّ الوحيد لأزمة حاجة الحكومة للدولار يكمن في إصلاح المالية العامة، «فالمسألة ليست نقديّة، والحلّ ليس في المركزي، إنّما في السياسة المالية للحكومة».

أيضاً، قال منصوري إنه يتوجب على السلطات أيضاً التخلص التدريجي من منصة «صيرفة» التي يديرها مصرف لبنان. وأوضح أن «تحرير سعر الصرف وتوحيده يجب أن يتحقق بالتدّرج حفاظاً على الاستقرار»، لافتاً إلى أن «هذا القرار يُتّخذ بالتوافق مع الحكومة». وأضاف: «لقد تواصلنا مع القوى الأمنية والقضاء للقضاء على التلاعب بسعر الصّرف»، مشدداً على أن «ما يُعزّز الاستقرار النقدي هو القانون الذي ستطلب الحكومة إقراره».

من جهة ثانية، وصف منصوري الوضع اللبناني بأنه «أمام مفترق طرق»، وقال: «الاستمرار في نهج السياسات السابقة في ظلّ إمكانات المركزي المحدودة يعني أنّه لا بدّ من الانتقال إلى وقف تمويل الدولة بالكامل، ولن يوقَّع على أيّ صرف لتمويل الحكومة إطلاقاً خارج قناعاتي وخارج الإطار القانوني لذلك».

ثم أشار إلى أنّ «وقف التمويل للحكومة لا يمكن أن يحصل بشكلٍ مفاجئ، بل يجب أن يحصل تعاون قانوني متكامل بين الحكومة ومجلس النواب والمركزي (أي مصرف لبنان) ضمن خطّة متكاملة تكفل أن تُعاد الأموال... وننظر إلى فترةٍ انتقاليّة قصيرة تسمح بتمويل الدولة بموجب قانون».

بالتزامن، دعا الحاكم بالإنابة الحكومة إلى تنفيذ إصلاحات تشكل قانون «الكابيتال كونترول» وقانوناً لإعادة الهيكلة المالية وميزانية الدولة لعام 2023 في غضون 6 أشهر، قائلاً إن هذه هي «الفرصة الأخيرة» للبنان لسنّ التغييرات.

مهمة معقّدة

في الواقع، لا توصف مهمة منصوري بالسلسة، إذ يكاد يجمع كثيرون على أنها «مهمة معقدة»، بالنظر إلى أن تجربة سلفه سلامة مع إقراض الحكومة لم تكن مشجعة، حيث يفرض تغطية قانونية من السلطات التنفيذية والتشريعية لإقراض الحكومة.

هذا، وحاولت الحكومة مواكبته حين ناقشت في يوم تسلمه مهامه مشروع القانون الذي كانت الحكومة بصدد إعداده للاقتراض من مصرف لبنان بالعملة الأجنبية. وتقرر بعد التشاور مع الوزراء أن يُطلب إلى مجموعة من النواب تقديمه بصيغة اقتراح قانون، لأن البعض يعتبر أن حكومة تصريف الأعمال لا يحق لها تقديم مشاريع قوانين. وتلافياً للتأخير ووفق النظام الداخلي، فإن أي مشاريع قوانين تحتاج لمهلة أسبوع، وقرّرت أن يكون هناك مشروع قانون، وليس اقتراح قانون من الحكومة، علماً أن ذلك يعني تقاذف مسؤوليات ورمي الكرة في ملعب المجلس النيابي، في وقت يشترط رئيس البرلمان نبيه برّي أن ترسل له الحكومة مشروع قانون، لأنها المعنية بتحديد مصدر وآلية رد هذه الأموال.

غير أن هذا الجانب محاط بعراقيل سياسية، في ظل رفض سياسي لبناني للتشريع، في ظل الشغور الرئاسي، ومعارضة اتخاذ الحكومة قرارات أساسية في ظل هذا الشغور. لكن من جانبه، يؤمن منصوري بأنه «لا يمكن أن يُطلب من النواب الأربعة تنفيذ مهام الحاكم، بغياب الحد الأدنى من الإصلاحات المالية والسياسية المطلوبة... وفي فترة معقدة، يحيط بها وضع مالي دقيق وخطير». ويصرّ على أنه «من دون إصلاحات ودعم حكومي وبرلماني، ستقوّض مهمة أي شخص في هذا الموقع».

ثم يكرّر تأكيده أن الإصلاحات «لا يمكن تطبيقها من دون توحيد لسعر الصرف، كما أن تحرير سعر الصرف لا يمكن تنفيذه من دون إقرار قانون الكابيتال كونترول»، ما يعني في النتيجة أن الأمر «يحتاج إلى تكامل الحكومة والبرلمان والمصرف المركزي في جهود متطابقة وتعاون لإضفاء جو من الثقة».

لم يكن انتقال الحاكمية إلى منصوري سلساً. بل تدرّج من تلويح باستقالة

نواب الحاكم الأربعة، إلى فرض شروط على البرلمان والحكومة

بطاقة شخصية

- وسيم منصوري... حاكم المصرف المركزي اللبناني

- يحمل شهادة الدكتوراه في القانون العام تخصص القانون الدستوري من جامعة مونبيليه 1 في فرنسا

- حائز دبلوم دراسات عليا في القانون الشامل من جامعة مونبيليه 1.

- حائز دكتوراه في القانون من الجامعة اللبنانية.

- شغل بين 2019 و2020 موقع مدير الفرع الفرنسي في كلية الحقوق والعلوم السياسية والإدارية بالجامعة اللبنانية.

- عُين في أغسطس (آب) 2020 نائباً أول لحاكم المصرف المركزي.

3 نواب من خلفيات مصرفية ومالية يواكبون منصوري في مهمته

لم يخرج نواب حاكم مصرف لبنان الأربعة، طوال الشهر الفائت الذي سبق تسلم وسيم منصوري الحاكمية، متباينين في المواقف. إذ أصدر النواب الأربعة بيانات مشتركة، كما ظهر النواب الثلاثة إلى جانب منصوري أثناء المؤتمر الصحافي الذي عقده عشية تسلمه منصبه، وأعلن فيه شروطه.

ولحاكم مصرف لبنان، الماروني عُرفاً، 4 نواب؛ الأول شيعي، والثاني درزي، والثالث سني، والرابع ينتمي إلى طائفة الأرمن الكاثوليك. وبحسب المادة 18 من قانون النقد والتسليف، فإن مهمّة هؤلاء أو وظائفهم تقتصر على المهام التي يسندها إليهم الحاكم، ولهم حق إبداء الرأي في القرارات التي يتّخذها الحاكم، لكنها ليست سلطة تقريرية، حيث يتمتع الحاكم بصلاحيات واسعة واستقلالية كبيرة.

وينص القانون اللبناني على تعيين نواب الحاكم بموجب مرسوم من قبل مجلس الوزراء لمدة 5 سنوات قابلة للتجديد، وذلك بالتشاور مع الحاكم وبناء على اقتراح من وزير المالية، ومهمتهم المساعدة في إدارة المصرف، وتنفيذ المهام المحددة من قبل الحاكم.

يواكب منصوري اليوم 3 نواب، هم...

بشير يقظان

عندما عيّن في يونيو (حزيران) 2020، كان يقظان (ينتمي إلى طائفة الموحدين الدروز) يشغل منصباً مالياً في أحد المصارف اللبنانية. ولقد شغل عدة مناصب في بنك بيروت والبلاد العربية «BBAC». منها؛ مساعد المدير العام لشؤون الحوكمة والمخاطر والامتثال بين 2018 و2020، ورئيس إدارة المخاطر بين 2012 و2020، وضابط ائتمان الشركات بين 1999 و2006.

بشير يقظان

ويقظان حاصل على الماجستير في إدارة الأعمال عام 2000 من الجامعة اللبنانية الأميركية، والبكالوريوس عام 1997 من الجامعة الأميركية في بيروت. وسبق له أن عمل مدرّساً للمالية في الجامعة الأميركية للعلوم والتكنولوجيا بين عامي 2011 و2019، كما تولى منصب مساعد المدير العام لشؤون الائتمان وإدارة المخاطر في «بنك سوريا والمهجر» بين 2011 و2012، ومدير الائتمان والمخاطر في البنك ذاته بين 2006 و2011.

سليم شاهين

مثل يقظان، وصل النائب الثالث للحاكم في عام 2020 إلى موقعه من خلفية مالية ومصرفية. وهو عضو مجلس إدارة في «جبيل غروب» وبنك البحر المتوسط في لبنان ومصرف TURKLAND .

يحمل شاهين، الذي كان أستاذاً جامعياً في الجامعة الأميركية في بيروت، درجة الدكتوراه في الاقتصاد من جامعة إيكس – مرسيليا 3، وشهادتي ماجستير في الهندسة المالية من كلية كيدج للأعمال في فرنسا. وكان شاهين قد بدأ حياته المهنية كمحلل مالي في صناعة خطوط الأنابيب والنفط في أوروبا. وعمل لاحقاً مستشاراً لبنوك ومؤسسات مالية أوروبية وعربية بارزة، بينما بدأ مسيرته المهنية في المجال الأكاديمي.

سليم شاهين

خبرته المهنية وسيرته الأكاديمية والبحثية أكسبته عدة جوائز، أهمها جائزة «مؤسسة الكويت للتقدم العلمي». وعند الإعلان عن الجائزة، تحدثت المؤسسة عن «أبحاث شاهين المتميزة حول المواضيع المتعلقة بالتمويل والمصارف، بما في ذلك تمويل المشاريع ورأس المال الاستثماري وحوكمة الشركات».

ألكسندر موراديان

ينتمي النائب الرابع لحاكم مصرف لبنان إلى طائفة الأرمن الكاثوليك، ووصل إلى موقعه من خلفية مصرفية أيضاً، أسوة بالنائبين اللذين سبقاه. فقد كان لحظة تعيينه مدير العلاقات مع المستثمرين في «بنك لبنان والمهجر»، ولقد سماه حزب «الطاشناق» (أكبر الأحزاب الأرمنية) لموقعه.



واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
TT

واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)

لم تعد المواجهة الأميركية - الإيرانية تدور عند هامش الهدنة، أو في منطقة الالتباس بين الحرب والتفاوض؛ فمع الضربات الجوية الأميركية، دخلت الأزمة طور «التفاوض تحت النار»؛ إذ نفّذ الرئيس الأميركي دونالد ترمب تهديداته بعدما اتهم طهران بالمماطلة و«اللعب على الوقت»، وأمر بموجة ضربات على أهداف في جنوب إيران، شملت، بحسب مسؤولين أميركيين، منظومات دفاع جوي ورادارات ووحدات قيادة وسيطرة للطائرات المسيّرة. كذلك، لم تعد واشنطن تعرض القوة باعتبارها رداً محدوداً على إسقاط مروحية «أباتشي» أميركية قرب مضيق هرمز فحسب، بل كأداة ضغط لإجبار إيران على القبول باتفاق بشروط أميركية. وبهذا المعنى، انتقلت إدارة ترمب من الردع الدفاعي إلى «الدبلوماسية القسرية» المكشوفة. وتصريحات وزير الدفاع بيت هيغسيث، بأن واشنطن «ستفاوض بالقنابل إذا لزم الأمر»، أوضحت الهدف السياسي من الضربات. لكن المفارقة الخطرة أن استخدام القوة لتقصير طريق الاتفاق قد يدفع طهران إلى رد يوسّع الاشتباك، ويفتح الباب أمام حرب تقول واشنطن إنها لا تريدها.

بدأ التصعيد الأخير في «الحرب الإيرانية - الأميركية - الإسرائيلية» بردّ أميركي على إسقاط مروحية من نوع «أباتشي» في منطقة مضيق هرمز. وفي حينه بدت الضربات الأولى محسوبة: استهداف رادارات ومنظومات دفاعية ومواقع تحكّم، مع الحرص على تجنب سقوط قتلى إيرانيين يفرضون على طهران ردّاً أكبر. إلا أن موجة الأربعاء غيّرت المعنى السياسي والعسكري للعملية. ذلك أن الضربة الثانية لم تُقدَّم فقط بوصفها انتقاماً من حادث بعينه، بل كجزء من قرار أميركي بزيادة الكلفة على إيران كلما تأخرت في توقيع اتفاق.

أكبر من رسالة وأقل من حرب

هذا التدرّج يشرح حسابات ترمب، أي: ضربات كبيرة بما يكفي لإيصال رسالة، ومحدودة بما يكفي لتجنب حرب شاملة.

إنه يريد إثبات أن تهديداته ليست كلاماً انتخابياً، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام صفقة. غير أن المعادلة باتت أكثر هشاشة، بعدما تحوّلت التهديدات إلى ضربات مباشرة داخل أراضٍ إيرانية حساسة بجنوب البلاد وقرب مضيق هرمز.

فرزين نديمي، الباحث المتخصص في شؤون الأمن والدفاع في إيران ومنطقة الخليج في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى»، رأى في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن الطرفين يحاولان في هذه المرحلة «فرض إرادتيهما ووضع القواعد». وهنا لا يستبعد نديمي كلياً أن يكون اصطدام المسيّرة الإيرانية بالمروحية الأميركية حادثاً غير مقصود، لكنه يقرأ السلوك الإيراني في سياقه الأوسع، أي أنه محاولة لإظهار مَن يملك اليد العليا في المضيق، والتدخل في العمليات الأميركية، واختبار حدود الردع الأميركي. ولذا، في رأيه، جاء رد ترمب السريع على أهداف عسكرية داخل إيران لإفهام طهران أن العبث بحرية الحركة الأميركية في الخليج لن يبقى بلا ثمن.

في المقابل، تدرك واشنطن أن مقتل جنود أميركيين أو إصابة منشآت خليجية كبرى قد يخرج الأزمة من دائرة «الضغط من أجل الاتفاق» إلى دائرة الحرب. ولهذا فإن عبارة «الضرب من أجل التفاوض» لا تلغي خطر الانزلاق، بل تكشف عنه. فالقوة هنا محاولة لإعادة ترتيب الطاولة قبل الجلوس إليها، لكن الطرف الآخر قد يردّ على الطاولة نفسها بالقوة أيضاً.

ربط الساحات

في خلفية التصعيد، تواصل إيران العمل بمنطق «ربط الساحات». وهي اليوم لا تتعامل مع مضيق هرمز، والملف النووي، ولبنان، وإسرائيل، والقواعد الأميركية كملفات منفصلة، بل تحاول تحويلها إلى أوراق داخل مساومة واحدة مع واشنطن: فإذا ضُغط عليها نووياً، لوّحت بالملاحة؛ وإذا استُنزف «حزب الله» في لبنان، أمكنها التصعيد ضد إسرائيل أو في الخليج؛ وإذا طُلبت منها تنازلات قاسية، حضرت ورقة القواعد الأميركية والسفن ومنشآت النفط.

نديمي، بالتالي، يضع المسألة في إطارها السياسي الأوضح. فهو يقول إن النظام الإيراني يريد إدخال لبنان، أو على الأقل بيروت وضواحيها، في أي «صفقة» مع الولايات المتحدة، لكنه يستبعد قبول إسرائيل بذلك. وبحسب هذه القراءة، لا يقتصر «ربط الساحات» على تحريك حلفاء أو إطلاق صواريخ، بل يشمل أيضاً استخدام خطر اشتعال الجبهة الإيرانية - الإسرائيلية، وتهديد المضيق والقواعد الأميركية، من أجل منع إسرائيل من استكمال تقويض «حزب الله» في لبنان، ومنع الدولة اللبنانية من احتكار القرارين الأمني والعسكري.

لكن هذه الاستراتيجية تعكس القدرة على التعطيل أكثر مما تعكس قدرة على فرض تسوية مستقرة؛ فإيران تستطيع إرباك الملاحة، لكنها لا تتحمل إغلاقاً طويلاً للمضيق من دون رد عسكري واقتصادي واسع. وهي تستطيع أيضاً استخدام «حزب الله» كورقة ردع، لكنها لا تستطيع بسهولة إعادة بناء موقعه السابق بعد الحرب والضربات الإسرائيلية والضغط الأميركي. ثم إن تفوّق الولايات المتحدة وإسرائيل الجوي والاستخباراتي يجعل كلفة المواجهة المفتوحة باهظة.

لا تتعامل واشنطن مع هرمز والنووي ولبنان وإسرائيل والقواعد الأميركية كملفات منفصلة

مضيق هرمز: ورقة الضغط الأخطر

يبقى مضيق هرمز قلب الأزمة. فإسقاط المروحية الأميركية، والحديث عن مضايقة السفن، والضربات على الرادارات والدفاعات الجوية في الجنوب الإيراني، عناصر تؤكد أن الصراع على المضيق صار أحد مفاتيح التفاوض.

واشنطن تريد تثبيت أن المرور في هذا الشريان العالمي لن يخضع لإذن إيراني، وأن أي محاولة لفرض «رسوم سياسية» أو أمنية على الملاحة ستواجه بالقوة. أما إيران فتريد إثبات أن أي اتفاق يتجاهل قدرتها على التأثير في المضيق سيكون اتفاقاً ناقصاً.

وتنسجم هذه القراءة مع ما يقوله نديمي عن أن طهران لا تختبر فقط قدرة واشنطن على الرد، بل تختبر أيضاً مدى استعدادها لفرض قواعد اشتباك جديدة في الممر البحري الأكثر حساسية في العالم. وهي مع محاولة إظهار اليد العليا في المضيق لا تهدف فقط إلى إحراج الجيش الأميركي، بل إلى تثبيت فكرة أن أي تفاهم حول النووي أو العقوبات أو خفض التصعيد لا يمكن أن يتجاهل موقع إيران الجغرافي وقدرتها على تهديد خطوط الطاقة.

هذه النقطة تكتسب أهمية أكبر بعد كشف ترمب عن عمليات أميركية لمرافقة سفن تجارية عبر المضيق، وكلامه عن استمرار تدفق كميات كبيرة من النفط على الرغم من التهديدات الإيرانية. وحتى لو بالغ في تصوير العملية باعتبارها «سرية»، تظل الرسالة السياسية واضحة وهي واشنطن تريد كسر الانطباع بأن إيران تستطيع خنق السوق النفطية العالمية متى شاءت. فاضطراب التأمين والشحن يمنح طهران ورقة ضغط، بينما نجاح واشنطن في تأمين المرور يضعفها.

... لبنان داخل «الصفقة الكبرى»

وسط هذه المواجهة، لا يغيب لبنان عن الحسابات الإيرانية والأميركية والإسرائيلية. فإيران تنظر إلى «حزب الله» باعتباره آخر أوراق نفوذها الكبرى في المشرق، وأي تسوية لا تحمي موقعه أو تمنع استكمال إضعافه ستُقرأ في طهران كهزيمة استراتيجية. لذا تحاول إيران، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إدخال لبنان في أي تفاهم مع واشنطن، أو على الأقل منع إسرائيل من استثمار اللحظة لإعادة رسم ميزان القوى جنوب لبنان.

في المقابل، لا تريد واشنطن أن تتحوّل المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية إلى رهينة إيرانية. ويشرح ديفيد شينكر، نائب وزير الخارجية الأميركي الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، أن إدارة ترمب تدرك مخاوف الحكومة اللبنانية من مواجهة مباشرة مع «حزب الله»، لذلك تدفع بخطة تقلل احتمالات الصدام تتضمن نشر وحدات الجيش اللبناني في مناطق تكون إسرائيل قد أخلتها من عناصر الحزب ومخازنه، ثم تتولى منع عودة المقاتلين والسلاح إليها. ويضيف شينكر أن عودة السكان، وبالذات الشيعة، قد تمنح الحكومة رصيداً إذا نجحت في تأمين المناطق. لكنه يحذّر من أن «حزب الله» سيختبر الجيش ويحاول إعادة بناء حضوره، وأن الخطة ستفشل ما لم يتخذ الجيش خطوات فعلية لمنع ذلك.

هنا تدخل العقوبات الأميركية كأداة ضغط موازية للضغط العسكري في الخليج. وبحسب شينكر، فإن صدور عقوبات جديدة مسألة «شبه مضمونة»، وأن استهداف معاوني رئيس مجلس النواب نبيه برّي الأمنيين «كان رسالة بأنه نفسه سيحاسَب إذا عرقل المسارين السياسي والعسكري بين لبنان وإسرائيل». أما العقوبات على ضباط في الأمن العام واستخبارات الجيش، فهي في رأيه أهم؛ لأنها تستهدف نمطاً قديماً من التنسيق والتسريب والتعايش بين مؤسسات أمنية لبنانية و«حزب الله». وبالتالي، فالرسالة الأميركية ليست موجهة إلى الحزب وحده، بل أيضاً إلى بنية الدولة التي سمحت له بالبقاء داخل القرار الأمني.

عقدة «النووي» والصفقة الناقصة

في سياق متصل، في قلب التصعيد كله، تبقى المفاوضات النووية. فواشنطن لا تريد تهدئة عسكرية فقط، بل «اتفاقاً ذا معنى»، كما قال ترمب، يقيّد البرنامج النووي الإيراني لسنوات.

الملفات المطروحة معقدة: تعليق التخصيب، التعامل مع مخزون اليورانيوم المخصب، تعطيل أو تفكيك منشآت رئيسية، وقبول تفتيش مفاجئ. وهذه ليست تنازلات تقنية بسيطة، بل تمسّ ما تعدّه إيران سيادة وطنية ورمزاً لقدرتها على تحدي الضغوط الغربية.

لذلك، تبدو طهران مترددة. فهي تريد تخفيف العقوبات والإفراج عن الأموال المجمّدة والاعتراف بدورها الإقليمي، لكنها لا تريد الظهور كأنها وقّعت تحت القصف.

ثم إنها تخشى من أن يؤدي اتفاق نووي صارم إلى تقليص أوراق قوتها من دون ضمانات لبقاء نفوذها الإقليمي. لكن مغادرة الوفد القطري المفاوض للعاصمة طهران، مساء الأربعاء، من دون تحقيق أي خرق دبلوماسي، أكدت أن الفجوة لا تزال عميقة. وفي المقابل، يعتقد ترمب أن الوقت الذي منحته واشنطن لإيران استُهلك بلا نتيجة، وأن الضربات قد تكسر المراوحة وتدفع طهران إلى قرار سريع.

الدبلوماسي الأميركي المخضرم دينيس روس رأى في مقالة رأي أن لجوء ترمب لسياسات الضغط القصوى دفع القادة الإيرانيين إلى الشعور بأنه ليس لديهم ما يخسرونه، فاستخدموا أوراقاً قصوى كتعطيل الملاحة. لكن روس يشدد على أن الاقتصاد الإيراني بات على حافة الانهيار، وأن تدمير الرادارات والدفاعات الجوية وشبكات المياه - كما حدث في مقاطعة سيريك الإيرانية - يعمّق أزمات النظام الداخلية.

ويضيف روس أن «الخطر الأكبر ليس في انهيار المفاوضات فقط، بل في التوصل إلى صفقة ناقصة». فقد ينجح الطرفان في وقف الضربات وفتح المضيق وتجميد بعض عناصر البرنامج النووي، لكن من دون معالجة آليات التصعيد الأخرى، مثل: المضايقات البحرية، ونشاط «حزب الله» في لبنان، وحرية إسرائيل في تنفيذ ضربات ضد أهداف إيرانية أو حليفة لإيران. عندها لن تنتهي الحرب، بل سيعاد تنظيمها في اشتباكات محسوبة قابلة للانفجار في أي لحظة.

أيضاً فإن تخفيفاً اقتصادياً واسعاً وغير مشروط للعقوبات قد يمنح النظام الإيراني فرصة لإعادة ترميم قدراته وشبكاته الإقليمية، بينما قد يدفعه الضغط بلا أفق سياسي إلى تصعيد أوسع. لذلك تبدو واشنطن أمام توازن بالغ الدقة: أن تقدم لإيران مخرجاً لا يبدو إنقاذاً مجانياً، وأن تفرض قيوداً لا تجعل التوقيع مستحيلاً، وأن تردع من دون أن تنزلق إلى حرب لا تريدها.


أربع قضايا نووية تركز عليها أميركا وإيران في المباحثات

صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

أربع قضايا نووية تركز عليها أميركا وإيران في المباحثات

صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)

على الرغم من حدة الاشتباكات الميدانية، فقد كشفت التقارير الدبلوماسية عن أن خلف الكواليس تستمر مفاوضات صاغ فيها مساعدو الرئيس ترمب مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الخطوط العريضة لاتفاق نووي محتمل مدته 15 سنة، يتجاوز مجرد تأمين حرية الملاحة في مضيق هرمز المغلق منذ ما يزيد على 100 يوم. وبحسب صحيفة الـ«نيويورك تايمز»، الخلاصات الأساسية لهذه المفاوضات المعقدة، تتمحور حول أربعة ملفات شائكة:

- مدة تعليق التخصيب: تطالب واشنطن بوقف كامل لتخصيب اليورانيوم لمدة لا تقل عن 20 عاماً، في حين تصر طهران على 10 سنوات، مع وجود مؤشرات على إمكانية التسوية عند 15 عاماً.

- مصير المخزون المخصب: تسعى الولايات المتحدة بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية لـ«تخفيف» كامل المخزون الإيراني البالغ 11 طناً (بما في ذلك الوقود القريب من درجة إنتاج الأسلحة)، وسط خلاف حول ما إذا كان التدمير سيجري محلياً أم بنقله خارج البلاد.

- تفكيك المنشآت الحصينة: تصرّ واشنطن على التفكيك التام لمواقع نطنز وفوردو وأصفهان، التي تضررت سابقاً في ضربات «مطرقة منتصف الليل»، بينما ترفض إيران التخلي عما تسميه «حق التخصيب» وتطالب بالإبقاء على منشأة واحدة مفتوحة.

- التفتيش الفجائي والصارم: يطالب الجانب الأميركي بمنح المفتشين الدوليين صلاحية الدخول «في أي وقت وإلى أي مكان»، وهو ما يواجه ممانعة إيرانية شديدة؛ نظراً لوجود العديد من المواقع المشتبه بها داخل القواعد العسكرية المغلقة التابعة لـ«الحرس الثوري».

وتُظهر الخلاصات أن أي اتفاق نووي مستقبلي - رغم أفضليته الفنية مقارنة باتفاق عام 2015 - سيبقى رهينة لمدى التزام النظام الإيراني على أرض الواقع، وقدرته على كبح جماح التيار المتشدد داخل «الحرس الثوري»، الذي يرى في هذه الشروط استسلاماً كاملاً. وهو ما يفسر لجوء طهران لرفع وتيرة التصعيد العسكري كأداة لتحسين شروط التفاوض هرباً من تقديم تنازلات استراتيجية تمس جوهر بقاء النظام ونفوذه الإقليمي.


عمر أرتان... موهبة صومالية أفقدتها حسابات السياسة صافرة «المونديال»

في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
TT

عمر أرتان... موهبة صومالية أفقدتها حسابات السياسة صافرة «المونديال»

في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم

في أحد أحياء العاصمة الصومالية مقديشو ووسط أجواء حرب أهلية، أبصر عمر أرتان النور يوم يونيو (حزيران) 1992، ليشق طريقه وسط ظروف قاسية نحو عالم كرة القدم. لم يكن نجماً يطارد الأهداف؛ بل كان حكماً حمل الصافرة ليصبح وجهاً صومالياً بارزاً في الملاعب الأفريقية. وبعد 34 سنة وبالشهر ذاته، يونيو 2026، كاد أرتان يولد من جديد ويدخل منصة الكبار عبر حلم «المونديال» بالمشاركة في نهائيات كأس العالم التي انطلقت الخميس، لولا «كارت أحمر» أصدرته واشنطن ضده في مطار ميامي الأميركي، بزعم «تطبيق قانون يمنع دخول جنسيات من بينها الصومال». وهكذا تحوّل عمر إلى «أيقونة عالمية»، وتصدّر اسمه النشرات الإخبارية وسط مواقف دعم من مختلف البلدان، واستقبلته بلاده استقبال الملوك في احتفال غير مسبوق، وتقدّم المستقبلين الرئيس حسن شيخ محمود.

في مسيرة الـ34 سنة، نجاحات عديدة خطّها عمر عبد القادر أرتان، الحاصل على بكالوريوس في التنمية. وفي دولة أنهكتها الحرب الأهلية، يواجه كثيرون تحدّيات جمة في رسم مستقبل ناجح، ولكن كان لأرتان رأي آخر تكشفه الأرقام؛ إذ سرعان ما حصل على الشارة الدولية في عام 2018، وأدرج رسمياً في قائمة حكام «الفيفا» (الاتحاد الدولي لكرة القدم) الدوليين بعد سنتين فقط من حصوله على فرصة التحكيم في دوري الدرجة الأولى الصومالي عام 2016، و4 سنوات من ولوجه تدريبات التحكيم الرياضي عام 2014، وبدء إدارة الدرجة الثالثة بالدوري الصومالي.

اعتماده حكماً دولياً

كانت أول مباراة تولّى أرتان تحكيمها خارج النطاق المحلي، بعد اعتماده حكماً دولياً، مباراة أجريت في كينيا بين فريقي ناديين من كينيا ومدغشقر. وبعدها شارك أرتان حكماً في دورة اتحاد شمال أفريقيا تحت 20 سنة في عام 2022، وفي كأس الأمم الأفريقية تحت 23 سنة في عام 2023.

ثم، في يناير (كانون الثاني) 2024، أصبح أول صومالي يدير مباراة في كأس الأمم الأفريقية بكوت ديفوار، لدى إشرافه على لقاء تونس وناميبيا ضمن دور المجموعات، وقد وصفت وكالة الأنباء الصومالية (صونا) تلك المباراة يومذاك، بـ«المباراة الصعبة».

هذا السجل المشرّف لم يتوقف؛ إذ صار أرتان أول صومالي يحكم مباراة نهائي أفريقيا، حين أدار مباراة الإياب بين بيراميدز المصري وماميلودي صنداونز الجنوب أفريقي في القاهرة، وكانت تلك الخطوة المتفردة في شهر يونيو (حزيران) في عام 2025.

وفي يوليو (تموز) 2025، اختير الحكم الصومالي الموهوب ضمن قائمة «الفيفا» التي يدير حكامها مباريات كأس العالم للشباب تحت 20 سنة، التي نظمت في تشيلي. وبعدها، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، عرف أرتان نجاحاً جديداً وكبيراً عندما توّج بجائزة «أفضل حكم في أفريقيا» لعام 2025، خلال حفل جوائز الاتحاد الأفريقي لكرة القدم (الكاف) الذي استضافته العاصمة المغربية الرباط، وكان هذا الإنجاز وفق وكالة الأنباء الصومالية «الأكبر في تاريخ التحكيم الصومالي».

حكم أفريقيا البارز

جاء اختيار أرتان، في حينه، بعد منافسة قوية مع حكمين من جنوب أفريقيا وموريشيوس. وأعلنت لجنة الجوائز في «الكاف» فوزه تقديراً لأدائه الاستثنائي خلال العام الحالي، وإدارته عدداً من أهم المباريات القارية والدولية، وعلى رأسها نهائي دوري أبطال أفريقيا، ومباريات كأس العالم تحت 20 سنة التي تُوِّج بها المنتخب المغربي.

وحقاً، يُعدّ هذا التتويج محطة بارزة في مسيرة أرتان، الذي لمع اسمه خلال السنوات الأخيرة بفضل انضباطه، وحرفيته، وقراراته الدقيقة داخل الملعب، ما جعله - بحسب وكالة الأنباء الصومالية - واحداً من أبرز حكام القارة.

ومن ثم، دفع هذا التتويج رئيس الصومال، حسن شيخ محمود، للقاء أرتان والإشادة به، واعتبار نجاحه «إنجازاً تاريخياً يعكس صورة مشرقة للشباب الصومالي وقدرته على التنافس في الميادين الدولية». وأردف أنه «يمثل نموذجاً للإصرار والتميز... وفوزه يشرف الصومال وشعبها».

في مصاف «الكبار»... وصدمة مؤلمة

في أبريل (نيسان) 2026، دخل عمر أرتان مكانة الكبار في كرة القدم باختياره للمشاركة في نهائيات كأس العالم لكرة القدم، ليصبح بذلك أول حكم صومالي يبلغ هذا الإنجاز التاريخي في مسيرة الرياضة الوطنية. وهذه المحطة دفعت رئيس البلاد لتهنئته للمرة الثانية، واعتباره «نموذجاً مُلهماً ومصدر فخر للأجيال الصاعدة من الشباب الطامح إلى التميز».

غير أن فرحة مقديشو وعمر أرتان لم تدُم سوى شهرين؛ إذ صدمه قرار رسمي أميركي من واشنطن منعه في يونيو الحالي من دخول البلاد.

فلقد أوقف أرتان في مطار ميامي ومنع من دخول الولايات المتحدة، ونقلت وكالة «رويترز» الأربعاء، عن إدارة الجمارك وحماية الحدود الأميركية في بيان، أن مواطناً صومالياً، دون ذكر اسمه، وصل إلى مطار ميامي الدولي آتياً من إسطنبول يوم السبت الماضي، واعتُبر غير مسموح له بالدخول بسبب مخاوف تتعلق بالتحريات الأمنية. وجاء القرار بعد أشهر من فرض واشنطن حظراً شاملاً على سفر مواطني 12 دولة منها الصومال في عام 2025.

الاتحاد الدولي (الفيفا) أكد الاثنين الماضي، أن أرتان لن يتمكن من التدريب والتحكيم في نهائيات كأس العالم، التي انطلقت الخميس في كل من الولايات المتحدة وكندا والمكسيك. ولم يجد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، تبريراً في مواجهة انتقاد رياضي بدأ يتزايد إلى أن يخرج الأربعاء، مدّعياً أن الولايات المتحدة منعت دخول الحكم الصومالي بسبب صلته بأفراد «يشتبه في انتمائهم إلى منظمات إرهابية»، من دون أن يقدم دليلاً على ذلك.

غير أن اتهام ترمب كان بلا صدى؛ إذ كان ضجيج الاحتفالات والتضامن مع الحكم الصومالي الأعلى أصداءً. وأفادت وكالة الأنباء الصومالية الأربعاء، بأن «أرتان وصل إلى العاصمة مقديشو وسط استقبال حافل في مطار آدم عبد الله الدولي، تقدمه وزراء ونواب في البرلمان الفيدرالي، وممثلون عن الاتحاد الوطني لكرة القدم، بالإضافة إلى مسؤولين آخرين وشرائح المجتمع المدني المختلفة، بخلاف دعم دولي».

وبحسب الصورة التي نشرتها الوكالة، كانت ملامح وجه أرتان تشع بالفرحة وسط زحام كبير، عزّزته لغة صمود بدت في تصريحاته، وقال أثناء تلويح مئات الجماهير بعلم الصومال: «أعدكم، بمشيئة الله، أنني سأحضر البطولة التالية. أريد أن يطمئنّ الشعب الصومالي إلى هذا، وأن يظل واثقاً».

أما «وكالة الصحافة الفرنسية» (أ.ف.ب) فنقلت عن أرتان قوله: «على الرغم من الظروف التي أمرّ بها، فإنني في مزاج إيجابي وأركّز على التحدّيات المقبلة في مسيرتي التحكيمية». وتابع: «أود أن أشكر عائلة كرة القدم على رسائلها، وأتمنى لزملائي كل التوفيق والنجاح خلال كأس العالم، وأتطلع إلى الانضمام إليهم مجدّداً في مسابقات مستقبلية».

تعليقات صومالية

سعاد جالو، الرئيسة بالإنابة للجنة الأولمبية الوطنية الصومالية، قالت لـ«الشرق الأوسط» معلّقة، إنها «حزينة لما يحدث... وإذا كانت هناك اعتبارات أمنية، فلماذا مُنحت له التأشيرة أصلاً؟»، قبل أن تجيب: «عندما تغيب الشفافية عن الإجراءات، تتراجع الثقة في النظام بأكمله وتمسّ مصداقية (الفيفا)، وتتناقض مع الإرث الطويل من الانفتاح والاستضافة للولايات المتحدة».

أما المحلل السياسي الصومالي حسن نور، فقد اعتبر أن «الصومال ربح أكثر من مرة من هذا الحكم الصومالي المتميز»، وأضاف لـ«الشرق الأوسط»، أن أرتان «رمز رياضي كبير استطاع أن يجمع الشعب الصومالي حكومة ومعارضة عليه، رغم خلافاتهما التي تجاوزت أكثر من سنة، والجميع توحّد خلف دعمه، في موقف غير مسبوق».

من جهة أخرى، رأى نور أن كأس العالم خسرت حكماً متميزاً، «وعرف العالم أن الصومال يضم نجوماً كباراً، فضلاً عن الاحتفاء الواسع والتضامن الكبير الذي لاقاه أرتان عقب عودته إلى بلاده، بخلاف دعم غير منقطع النظير من السلطات الحكومية».

بدوره، أعرب الاتحاد الصومالي لكرة القدم في بيان، عن «حزنه إزاء ما حدث»، واصفاً تعيين أرتان لإدارة مباريات كأس العالم بأنه إنجاز تاريخي للبلاد نتج عن سنوات من التفاني والمهنية والنزاهة. وتابع أنه «رغم أن نهائيات كأس العالم انطلقت الخميس بمشاركة 48 منتخباً، بحثاً عن تتويج وفوز عالمي يوم الختام 19 يوليو، فإن الحكم الصومالي المبعد عمر أرتان كان أول الفائزين باحتفاء عالمي غير مسبوق، كان ربما لا يصل إليه حال استمر بالبطولة، وكأنه ينطبق عليه عبارة (من رحم المعاناة يولد الأمل)».

على الصعيد الرسمي

أما على الصعيد الرسمي، فقد أعربت وزارة الخارجية الصومالية في بيان الأربعاء، عن أسفها الشديد إزاء قرار السلطات الأميركية منع دخول الحكم الدولي الصومالي، مشددة على أن أرتان «أحد أبرز الرموز الرياضية في الصومال، ومصدر فخر واعتزاز وطني لإسهاماته الكبيرة وإنجازاته التي ألهمت الشباب الصومالي».وقالت الوزارة إن الحكومة الفيدرالية بذلت جهوداً دبلوماسية مكثفة مع الجهات المعنية لتسهيل سفر أرتان، إلا أن تلك المساعي لم تفضِ إلى النتيجة المرجوة. وبالتالي، عاد الحكم إلى مقديشو وسيواصل أداء مهامه ومسؤولياته الوطنية والقارية بالمستوى نفسه من التفاني والمهنية العالية التي عُرف بها طوال مسيرته الرياضية. ووجّهت «الخارجية» الصومالية خالص شكرها وتقديرها لجميع الدول الشقيقة، والأفراد، والهيئات والمؤسسات الرياضية التي عبّرت عن تضامنها ودعمها خلال هذه الفترة. وشدد البيان على أن «الخارجية» ستواصل اتصالاتها مع الشركاء المعنيين للحصول على إيضاحات إضافية بشأن هذه المسألة، مؤكدةً التزامها الثابت بصون كرامة مواطنيها وحماية حقوقهم في الخارج.