عندما صدرت النتائج الأولية للانتخابات العامة الإسبانية منتصف ليل الأحد الفائت، أدرك ألبرتو فيخو، زعيم حزب التحالف الشعبي اليميني المحافظ، أنه قد يكون الأول بين زعماء الأحزاب التي فازت في الانتخابات العامة، الذي قد يتعذّر عليه أن يرأس الحكومة الجديدة، وأن خصمه زعيم الحزب الاشتراكي العمالي ورئيس حكومة تصريف الأعمال بيدرو سانتشيز قد يعود ليكرّر ولايته على رأس حكومة ائتلافية أخرى، مع أن حزبه حلّ في المرتبة الثانية بفارق كبير عن الحزب الشعبي.
وفي التصريحات الأولى التي أدلى بها فيخو خلال الاحتفال بالنصر أمام مؤيديه في العاصمة مدريد، قال إنه سيباشر بفتح قنوات الحوار مع الحزب الاشتراكي، بصفته الفائز في الانتخابات والمخّول تشكيل الحكومة الجديدة. ودعا خصمه سانتشيز إلى التحلّي بروح المسؤولية وتسهيل مهمته، وتجنب دفع البلاد مرة أخرى إلى طريق مسدودة لا مخرج منها سوى الذهاب مجدداً إلى صناديق الاقتراع. إلا أن فيخو كان يدرك جيداً أن الاشتراكيين ليسوا في وارد تسهيل مهمته، بل إن هدفهم هو العودة إلى الحكم، كما صرّح سانتشيز، الذي قد يكون هو أول زعيم سياسي يرأس الحكومة بعد أن خسر الانتخابات.
فيخو... نشأة وخلفية
ألبرتو نونيز فيخو من مواليد عام 1961 في إقليم جليقية (غاليسيا) المحاذي للبرتغال بأقصى شمال غربي إسبانيا، وهذا الإقليم الوحيد الذي لم يصل إليه الفتح الإسلامي على عهد ولاية الأندلس.
فيخو مجاز في الحقوق من جامعة سانتياغو دي كومبوستيلا، عاصمة الإقليم، وحائز على درجة الامتياز بين كبار المسؤولين في الحكومة الإقليمية. ولقد باشر مسيرته المهنية في عام 1985 عندما التحق بالإدارة المحلية عضواً في الهيئة العليا للحكومة المحلية، قبل أن يتولّى الأمانة العامة الفنية لوزارة الزراعة والغابات في الحكومة الإقليمية، ثم حقيبة الصحة والخدمات الاجتماعية حتى عام 1996. وانتقل بعد ذلك إلى الإدارة المركزية حيث تولّى منصب رئيس المعهد الوطني للصحة لفترة سنتين على عهد الرئيس الأسبق للحكومة اليميني خوسيه ماريّا آزنار، وتولّى بعدها إدارة الهيئة الوطنية للبريد التي أصبحت على عهده مؤسسة مشتركة بين القطاعين العام والخاص.
الانطلاق من جليقية
بدأ نجم فيخو السياسي يلمع في أوساط الحزب الشعبي اليميني المحافظ أواخر عام 2003 عندما تولّى وزارة الأشغال العامة في الحكومة الإقليمية لإقليم جليقية الذي يُعد أحد معاقل اليمين الإسباني، وذلك قبل تعيينه في منصب النائب الأول لرئيس الحكومة. ومن ثم، انتخابه في عام 2006 رئيساً للحزب الشعبي في الإقليم، حيث فاز 4 مرات متتالية بالغالبية المطلقة في الانتخابات الإقليمية التي كان آخرها في عام 2020.
في عام 2018، بعد سقوط حكومة ماريانو راخوي اليمينية المحافظة، إثر فقدانه ثقة البرلمان، ثم استقالته من رئاسة الحزب الشعبي، اتجهت الأنظار باتجاه فيخو ليكون المرشّح التوافقي لزعامة الحزب، بيد أنه اختار البقاء في منصبه رئيساً للحكومة الإقليمية الجليقية. ولاحقاً يعود فيفوز في الانتخابات المحلية بعد سنتين بغالبية مطلقة للمرة الرابعة على التوالي، معادلاً بذلك الرقم القياسي لمؤسس الحزب و«عرّاب» اليمين الإسباني مانويل فراغا إيريبارني.
رئيساً للحزب الشعبي
بعد الأزمة الداخلية التي شهدها الحزب الشعبي عام 2022، والتي أدّت إلى استقالة رئيسه آنذاك بابلو كاسادو وامتناعه عن الترشّح خلال المؤتمر الاستثنائي، أعلن فيخو ترشحه لرئاسة الحزب حيث فاز بغالبية ساحقة، إذ حصل على 98 في المائة من الأصوات. وبناء عليه، أصبح من الطبيعي أن يكون المرشّح لرئاسة الحكومة المركزية في الانتخابات العامة التالية التي أجريت يوم الأحد الفائت. وفي نهاية أبريل (نيسان) من العام الماضي، استقال من رئاسة الحكومة الإقليمية في جليقية كي يتفرّغ لزعامة الحزب، الذي باشر تحضيراته للعودة إلى الحكم بعد الانتخابات العامة التي كانت كل الاستطلاعات ترجّح فوزه فيها.
غير أن حقيقة أن فيخو ليس نائباً في البرلمان المركزي شكّلت حائلاً دون مواجهته رئيس الحكومة بيدرو سانتشيز في مجلسي الشيوخ والنواب. الأمر الذي دفع البرلمان الجليقي إلى تعيينه في مايو (أيار) من العام الماضي عضواً في مجلس الشيوخ عن إقليم جليقية. وهكذا، أتيح له خوض سلسلة من المناظرات الدورية المباشرة مع رئيس الوزراء الاشتراكي سانتشيز وبعض أعضاء حكومته.
انتصار انتخابي كبير
لقد تميّز وصول فيخو إلى رئاسة الحزب الشعبي بإعادة هيكلة الهيئة المشرفة على إدارة الشؤون السياسية والتنظيمية، والاتجاه نحو نهج أكثر اعتدالاً وانفتاحاً على الحوار والتفاهم مع الحزب الاشتراكي العمالي ضمن مواثيق محددة حول قضايا تتناول المصلحة العليا للبلاد. وبعدما ترسّخت زعامته وأحاط نفسه بفريق من معاونيه السابقين، خاض الحزب الشعبي الانتخابات الإقليمية والبلدية أواخر مايو الفائت حيث حقق انتصاراً ساحقاً جدد فيه رئاسته للأقاليم التي كانت خاضعة له، وانتزع من الحزب الاشتراكي رئاسة 4 أقاليم، ما دفع رئيس الوزراء بيدرو سانتشيز إلى تقديم موعد الانتخابات العامة التي كانت مقرّرة في الخريف المقبل لإجرائها يوم الأحد الفائت.
في هذه الانتخابات حصل الحزب الشعبي على 33 في المائة من الأصوات، مسجلاً ثالث أفضل نتيجة له منذ تأسيسه، ورافعاً عدد مقاعده في مجلس النواب من 98 مقعداً إلى 136 مقعداً. غير أن هذا الفوز الواضح جاء دون التوقعات التي كانت تشير إلى حصول الحزب الشعبي على 150 مقعداً، الأمر الذي حرم الكتلة اليمينية من تأمين الغالبية المطلقة في البرلمان، خاصة بعد تراجع حزب «فوكس» اليميني المتطرف وخسارته 19 مقعداً.
هذه المفارقة التي حملتها هذه الانتخابات تعني أن الفوز الذي حققه الحزب الشعبي له طعم الخسارة المرّة، بعدما تأكد أنه لن يضمن له الغالبية البرلمانية الكافية التي تسمح له بتشكيل الحكومة، التي كان ألبرتو فيخو يتأهب للإعلان عن أسماء أعضائها خلال الأيام القليلة المقبلة. يضاف إلى ذلك أن حزب «فوكس» اليميني المتطرف سارع إلى إلقاء اللوم على الحزب الشعبي الذي حاول أن ينأى عنه في الشوط الأخير من الحملة الانتخابية، بعدما كان الحزبان اليمينيان قد حصدا فوزاً ساحقاً في الانتخابات الإقليمية والبلدية، وأبرما تحالفات للحكم في معظم الأقاليم الكبرى.
أبرز أسباب النكسة
اليوم، تجمع الآراء على أن التحالفات التي أبرمها الحزب الشعبي مع متطرفي «فوكس»، بعد الانتخابات الإقليمية والبلدية، كانت من الأسباب الرئيسية التي أدّت إلى النتائج التي حصدها الشعبيون بعدما رجّحت التوقعات تكرار نتائج تلك الانتخابات وحصول التحالف الثنائي اليميني على الغالبية المطلقة.
لكن لعلّ السبب الأبرز في التراجع المفاجئ لشعبية فيخو، خلال انتخابات الأحد الفائت، كان تركيز الأحزاب المنافسة خلال الأسابيع الأخيرة من الحملة الانتخابية على علاقاته الشخصية بأحد كبار مهرّبي المخدرات في إقليم جليقية، ونشر بعض وسائل الإعلام صوراً لهما معاً. فقد نشرت صحيفة «إلباييس» الواسعة الانتشار صورة لفيخو مع مهرّب المخدرات المعروف مارسيال دورادو، الذي أمضى عقوبة بالسجن بعد إدانته بتهم الاتجار بالمخدرات. وتبيّن الصورة فيخو في يخت برفقة دورادو على سواحل جزر الباليار الإسبانية.
مقابل ذلك، نفى زعيم الحزب الشعبي وجود أي علاقة مع مهرّب مخدرات، ادعى أنه لا توجد صداقة من أي نوع بينهما، وأنه عندما علم بوجود ملف قضائي حول ضلوع دورادو بتهريب المخدرات، قطع علاقته الاجتماعية والترفيهية به. كما زعم أنه إبان تولّيه مهاماً سياسية في الحكومة الإقليمية لم يوقّع على إعطاء أي مساعدات لشركات أو مؤسسات تابعة للمهرّب المذكور.
وبعد نشر وسائل الإعلام معلومات وصوراً إضافية عن العلاقة بين الرجلين، اعترف فيخو بوجود «علاقات اقتصادية» بين دورادو والحكومة الإقليمية الجليقية، لكنه ادعى أن تلك العلاقات تعود للفترة التي كانت فيها الحكومة الإقليمية بيد الائتلاف بين الحزب الاشتراكي والحزب القومي المحلي، وأن تلك الحكومة هي التي أعطت شركات دورادو أكبر المساعدات.
من جهة ثانية، كان فيخو، خلال رئاسته الحكومة الإقليمية، قد رفض الكشف عن معلومات طلبتها المعارضة حول المساعدات المقدمة إلى شركات تابعة لدورادو. ثم تذرّع بأنها لم تعد موجودة، ليقول لاحقاً إن «كميتها ضخمة ويحتاج الكشف عنها لجهود وموارد غير متاحة»، ثم يصرّح في ما بعد أن قسماً كبيراً منها قد أتلف في فيضانات تعرّض لها المبنى حيث كانت محفوظة.
لكن ما لبثت أن انهارت جميع الحجج والتبريرات التي قدّمها فيخو عندما أكّد مارسيال دورادو نفسه، خلال مقابلة صحافية، وجود علاقة وثيقة ربطته بفيخو عندما كان هذا الأخير رئيساً للحكومة الإقليمية الجليقية. وتابع المهرّب أنه أمضى فترات في منزل فيخو، معرباً عن أسفه لتصريحات الزعيم اليميني، التي أنكر فيها وجود علاقة صداقة بينهما. وفي المقابل، امتدح دورادو «نزاهة فيخو وحسن إدارته كسياسي»، قائلاً إنه مستعد للتصويت له في الانتخابات.
ماذا بعد «الفضيحة»؟
هذا، وفي الأيام الأخيرة، تحدثت بعض وسائل الإعلام عن «معلومات أكثر خطورة» حول علاقة فيخو بمهرّب المخدّرات، مشيرة إلى أنها قد تعرّضه للابتزاز في حال وصوله إلى رئاسة الحكومة.
وبالفعل، كان فيخو قد تعرّض في الشوط الأخير من الحملة الانتخابية إلى «نيران» مركّزة من أحزاب المعارضة ومنظمات غير حكومية بسبب تصريحات ومواقف له، وصفتها هذه الجهات بأنها ذكورية تتعارض مع حقوق المرأة، وهذا موضوع يثير حساسيات عميقة داخل المجتمع الإسباني. ولقد تعرّض فيخو لانتقادات شديدة في البرلمان الإقليمي بسبب هذه التصريحات التي لم يقدّم أي اعتذار بشأنها، رغم الدعوات المتكرّرة التي وجهت إليه، وأحياناً من بعض رفاقه في الحزب.
