هولندا: قوى اليمين تعدّ العدة لانتخابات نوفمبر رغم تحسن فرص تحالف العمال - «الخضر»

بين «سندان» طالبي اللجوء و«مطرقة» نقص المساكن

مركز «تير آبيل» للاجئين في محافظة خرونينخن (آ.ن.ب)
مركز «تير آبيل» للاجئين في محافظة خرونينخن (آ.ن.ب)
TT

هولندا: قوى اليمين تعدّ العدة لانتخابات نوفمبر رغم تحسن فرص تحالف العمال - «الخضر»

مركز «تير آبيل» للاجئين في محافظة خرونينخن (آ.ن.ب)
مركز «تير آبيل» للاجئين في محافظة خرونينخن (آ.ن.ب)

أسقطت سياسة الهجرة واللجوء حكومة هولندا، ومعها رئيس الحكومة مارك روته الذي يحكم بلاده منذ 13 سنة، والذي كان حتى استقالته، صاحب ثاني أطول فترة لرئيس حكومة في أوروبا، بعد رئيس الحكومة المجري فيكتور أوربان. ومع أن بناء الائتلاف الحكومي في ولاية روته الرابعة استغرق وقتاً قياسياً لامس الـ300 يوماً (أو 9 أشهر)، بعد انتخابات عام 2021، فإن الخلافات حول قانون لمّ شمل أسر اللاجئين أسقطت الحكومة في وقت قياسي. كذلك لم يزد عُمر الائتلاف على بضعة أيام بعد سنة ونصف سنة فقط، ويومذاك فاجأ بناؤه كثيرين داخل هولندا. واليوم، يبدو أن حزباً واحداً، بالتحديد، سيكون في طليعة المستفيدين من مغادرة روته السياسة ودعوته إلى انتخابات نيابية في نوفمبر (تشرين الثاني). هذا الحزب هو «حركة المواطنين المزارعين» الذي أسس قبل 4 سنوات فقط، وهو تنظيم شعبوي يميني تحوّل إلى واحد من المنافسين الأساسيين في الانتخابات المقبلة في هولندا.

استقالة مارك روته جاءت بعدما اصطدم برفض أحد شركائه الثلاثة في الحكومة، القبول بفرض مهلة سنتين على اللاجئين قبل أن يتمكنوا من طلب لم شمل عائلاتهم. ومع أن الزعيم المستقيل عُرف بمهارته في تخطّي عقبات صعبة في الماضي، فإنه عجز هذه المرة عن إقناع شركائه في الحكومة بدعمه. كذلك عجز عن تخطي الضغوط داخل حزبه للتخلّي عن مساعيه بتشديد قوانين الهجرة، فوجد نفسه مضطراً للاستقالة. والآن سيبقى روته على رأس «حكومة تصريف» الأعمال حتى الانتخابات العامة في نوفمبر المقبل، المفترض أن تتيح تشكيل حكومة جديدة. ولكن في نظام أفرز أكثر من 17 حزباً لم يتمكن أي منها أبداً من الفوز بغالبية مطلقة في البرلمان، قد يستغرق تشكيل الحكومة العتيدة عدة أشهر... سيظل خلالها روته على رأس حكومة «تصريف الأعمال» حتى الصيف من العام المقبل.

ديلان يشيلغوز – زيغيريوس (آ.ن.ب)

تحالف غير متماسك

من ناحية ثانية، مع أن انهيار حكومة روته شكّل مفاجأة لكثيرين، فإن المراقبين داخل هولندا يقولون إن الائتلاف الذي قاده قام منذ البداية على تحالف هش تشوبه الخلافات، ما جعل سقوطه مسألة وقت لا غير؛ إذ إنه في حين كان «حزب الشعب للحرية والديمقراطية» بقيادة روته، يضغط مع حزب آخر من يمين الوسط داخل الحكومة بتجاه تشديد قوانين الهجرة، كان الاتحاد المسيحي (أيضاً من اليمين الوسط) وحزب «الديمقراطيون 66» (يسار الوسط) يشدّان في الاتجاه المعاكس. واللافت أنه على الرغم من ميل الأحزاب اليمينية عادة إلى تشديد قوانين الهجرة، فإن الاتحاد المسيحي المشارك في الحكومة رفض دعم روته من مبدأ رفضه تفريق العائلات وتشتيتها.

هذه الخلافات حول قوانين الهجرة واللجوء سلطت، في الواقع، الضوء على أزمة عادت إلى الواجهة في هولندا لتغدو الملف الأول من حيث الأهمية للناخب الهولندي، وفق آخر استطلاع للرأي نشره معهد في العاصمة أمستردام. فلقد نقلت وسائل إعلام هولندية عن الباحث بيتر كان، قوله إن «مسألة الهجرة واللجوء هي القضية الأهم بالنسبة للناخبين، خاصةً، بعد انهيار الحكومة». وبحسب الباحث، فإن حزب روته سيكون من المستفيدين مما حصل، مع أن زعيمه المستقيل نفسه أعلن أنه سيغادر الحلبة السياسية نهائياً، ولن يقود حزبه في الانتخابات المقبلة.

تركية - كردية لاجئة في الواجهة

وحقاً، رشّح الحزب - الذي يتمتع بأكبر كتلة نيابية هولندية حالياً - وزيرة العدل ديلان يشيلغوز - زيغيريوس لترؤس لائحة الحزب وتقوده في الانتخابات المقبلة. ويشيلغوز - زيغيريوس، المولودة في العاصمة التركية أنقرة، وصلت طفلة إلى هولندا ضمن عائلة أب تركي كردي يساري طلب اللجوء السياسي فيها. ومع أنها توافق روته في مواقفه حول الحد من اللاجئين، فليس واضحاً بعد ما إذا كانت ابنة العائلة اللاجئة من تركيا، ستتمكن من جمع الناخبين حول الحزب الذي قاده سلفها طوال 17 سنة.

روته نجح، بلا شك، خلال السنوات الـ13 التي قاد فيها هولندا، بأن يرسم لنفسه صورة الرجل العادي القريب من المواطن، الأمر الذي ساعده على التغلب على عدة فضائح كادت تطيح به خلال حكوماته السابقة. ولقد عُرف عنه أنه كان غالباً ما يتنقل بين بيته ومقر عمله ممتطياً دراجته الهوائية، بل شوهد ذات يوم وهو يمسح أرضية مدخل البرلمان بنفسه بعدما سقط من يده فنجان قهوته، بينما اصطف المنظفون بالقرب منه وهم يصفقون له. كذلك، ظل روته يدرّس مرة أسبوعياً في مدرسة بمدينة لاهاي، صباح كل اثنين، قبل أن يتوجه إلى المكتب، وهي مهنة قد يتفرّغ لها بعد اعتزاله السياسة.

فرانتس تيمرمانز

من منجزاته دولياً

من ناحية أخرى، يرى مراقبون في هولندا أن الزعيم المستقيل نجح إبان سنوات حكمه في أن يحوّل هولندا إلى لاعب أكبر من حجمه الحقيقي على الساحة الأوروبية، كما أنه «شبّك» تحالفات من دول داخل الاتحاد الأوروبي تؤمن بالمبادئ نفسها حول تقليص الإنفاق والدَّين العام. وبالتالي، فغيابه سيترك فراغاً على الساحة الدولية، ويهدّد بتقليص دور هولندا مرة جديدة. ولكن، في المقابل، تفتح استقالة روته الباب مرة جديدة أمام أحزاب اليسار الوسط، وخاصة حزب العمال الذي شارك في السلطة للمرة الأخيرة عام 2002. فقد أعلن فرانتس تيمرمانز، الذي يشغل حالياً منصب نائب رئيسة المفوضية الأوروبية، نيته العودة إلى السياسة الهولندية وترؤس تحالف العمال مع حزب «الخضر» في انتخابات نوفمبر المقبلة. وحسب المتابعين، ما زال تيمرمانز - الذي شغل سابقاً منصب وزير الخارجية - يحظى بشعبية واحترام لا بأس بهما. ويبدو، فعلاً، أن اختيار تيمرمانز لقيادة تحالف العمال - «الخضر» رفع حظوظ الحزبين شعبياً. ذلك أن آخر استطلاعات الرأي أظهر أن التحالف اليساري - الوسطي يتصدّر الأحزاب المتنافسة، وسيفوز بـ28 مقعداً من أصل 150 في البرلمان، بزيادة 11 مقعداً عن المقاعد التي لدى الحزبين حالياً. وبيّن الاستطلاع نفسه أن حزب روته تحت قيادة يشيلغوز - زيغيريوس سيحل ثانياً بـ25 مقعداً. أما المرتبة الثالثة، بعدد مقاعد يصل إلى 21 مقعداً، فستكون لحزب «حركة المواطنين المزارعين» الذي أسس عام 2019 من قلب حركة المزارعين المعارضة لقرارات أصدرتها الحكومة تفرض على المزارعين تخفيض انبعاثات غاز النيتروجين الناتج عن مزارع الأبقار، بهدف خفض التلوث.

هذا، وكانت خطط الحكومة - التي كانت قد أجُبرت على إدخالها بعد قرارات أوروبية - قد أثارت جدلاً شديداً بين المزارعين الهولنديين الذين سيخسر كثيرون منهم مزارعهم بسبب تخفيض نسبة انبعاثات النيتروجين. وتترأس «حركة المواطنين المزارعين» اليوم صحافية سابقة اسمها كارولين فان دير بلاس، نجحت بقيادة الحزب الفتيّ لتحقيق أول انتصاراته في مارس (آذار) الماضي، بانتخابات المجلس الأدنى، حيث أصبح أكبر حزب ممثَّل فيه. ومع أن الحزب أسس أصلاً للدفاع عن المزارعين فقد جعلته طبيعة الشعبوية يستفيد أيضاً من الجدل الدائر حول اللاجئين.

اللجوء... اللجوء... اللجوء

جدير بالذكر أن هولندا شهدت جدلاً واسعاً في العام الماضي، بسبب نقص أماكن الإيواء والسكن للاجئين ما دفع بالمئات منهم لافتراش الأرض خارج أحد أكبر مراكز استقبال اللاجئين لعدة أشهر. بل توفي رضيع يبلغ من العمر 3 أشهر في المركز بسبب الاكتظاظ. ثم إن طالبي لجوء اضطروا للعيش في العراء لأشهر خارج مركز «تير أبيل» في محافظة خرونينخن (أقصى شمال هولندا)، المركز الرئيس والأكبر لاستقبال اللاجئين في هولندا، وصفوا الظروف التي تركوا فيها بأنها «غير إنسانية». وللعلم، فإن المركز المؤهل لاستيعاب ألفي لاجئ يُعد النقطة الأولى للاجئين حين يتقدمون بطلباتهم، وينتظرون فيه البت فيها. وبالفعل، انتقدت منظمات إنسانية الظروف الصحية التي ترك فيها اللاجئون، من دون القدرة على الاستحمام أو استخدام حمامات، والنوم في الخارج لأشهر، حتى المرضى منهم، ما يعني أن خطر انتقال الأمراض المعدية بينهم كان مرتفعاً. هذا، وبات قرابة الـ700 لاجئ معظمهم من دول عربية كاليمن وسوريا ودول فقيرة مثل أفغانستان، في العراء، بينما كان اللاجئون الأوكرانيون يحظون بمعاملة مختلفة، ويصار إلى توزيعهم على مساكن تابعة للبلديات المختلفة.

الحكومة الهولندية برّرت - آنذاك - الازدحام الشديد في مركز اللاجئين الرئيس المذكور، بإقفال العديد من مراكز الاستقبال إبان جائحة «كوفيد - 19»، وببقائها مقفلة بعد انحسار الجائحة. ولكن، ما يزيد الوضع سوءاً أن هولندا تعاني من نقص حاد ودائم على صعيد المساكن، ما يعني أن اللاجئين الذي يُمنحون أوراق إقامة بعد أشهر قليلة من وصولهم، لا يستطيعون العثور على أماكن ينتقلون إليها، فيضطرون إلى البقاء في مراكز اللجوء.

وبالفعل، تسببت هذه الفوضى في مركز لجوء «تير أبيل» ووفاة الرضيع بإعادة ملف اللاجئين إلى الواجهة. وفي حينه، تعهّد روته بوضع حد لأعداد اللاجئين نتيجة «عجز البلاد عن استيعابهم» كما قال. ومن ثم، جاء اقتراح وقف لمّ شمل العائلات لمدة سنتين ضمن الإجراءات التي تعهد باتخاذها لتخفيض أعداد اللاجئين، بيد أن الخلافات داخل حكومته الائتلافية أدت في النهاية إلى استقالته.

استفادة اليمين

على أي حال، استفاد حزب روته من أزمة اللاجئين، وأيضاً «حركة المواطنين المزارعين» من الأحزاب التي قد تكسب كثيراً من هذه الأزمة. فحزب «حركة المواطنين المزارعين»؛ كونه تنظيماً شعبوياً صريحاً يؤمن بمعالجة أزمة اللاجئين «في دول المنبع»، أي بتقديم مساعدات مالية للدول التي ينطلق منها اللاجئون إلى أوروبا وهولندا، مثل تونس وليبيا. بل يروّج البعض داخل هذا الحزب بأن اللاجئين «هم الذين يتسببون بأزمة السكن» في هولندا، وأن الحكومة تسعى للاستحواذ على المزارع لتحويلها إلى مجمعات سكنية. وحقيقة الأمر أن الحكومة أقرت، بالفعل، خطة لشراء مزارع بتمويل من الاتحاد الأوروبي - الذي خصّص مبلغ مليار ونصف مليار يورو - لتمويل برنامج الحكومة الهولندية بشراء مزارع بهدف تخفيض انبعاثات النيتروجين الضارة. وراهناً، تسعى الحكومة إلى خفض معدلات أوكسيد النيترات والأمونيا إلى النصف بحلول عام 2030، بعد تبنيها أخيراً خطة يقول ناشطون بيئيون إنها «جاءت متأخرة»، وإن الحكومات الهولندية المتعاقبة «تلكأت لسنوات في مواجهة الكميات الكبيرة من الانبعاثات الضارة التي تتسبب بها المزارع في البلاد».

ولكن، في المقابل، تعد الزراعة - ومن ضمنها تربية الماشية - جزءا أساسيا من الاقتصاد الهولندي. وبحسب مجموعة «الزراعة الوطنية» هناك قرابة الـ54 ألف شركة أعمال مرتبطة بالزراعة. ووصلت قيمة الصادرات الزراعية من هولندا إلى قرابة الـ95 مليار يورو عام 2019. وحقاً، تعد هولندا ثاني أكبر مصدّر زراعي في العالم بعد الولايات المتحدة، وأكبر مصدر للحم في أوروبا. واليوم يُستخدم ثلثا الأراضي في هولندا للزراعة وتربية الماشية، ما يعني أن النظام الزراعي يتسبب بأضرار بالغة على الطبيعة بسبب التلوثات الناتجة عن تربية الماشية بشكل أساسي.

الحسابات الانتخابية

وعلى الصعيد الانتخابي، بينما تتوقّع الاستطلاعات تحقيق حزب «حركة المزارعين المواطنين» نتائج طيبة في الانتخابات، مستفيدة من غضب المزارعين وأزمة اللاجئين، فإن حزباً يمينياً متطرفاً آخر يتوقع أن يحقق مكاسب من الخلافات حول الهجرة، هو «حزب الحرية» بقيادة النائب المتشدد خِيرت فيلدرز الذي يقود الحزب منذ عام 2006. وهنا، نشير إلى أن روته كان يرفض الدخول في تحالفات مع حزب فيلدرز، لكن ثمة إشارات بدأت الآن تخرج من داخل حزب روته توحي بإمكانية تحالف الحزبين بعد الانتخابات المقبلة؛ إذ قال النائب روبن بريكلمانز، الذي يعد من الوجوه الصاعدة في حزب روته، إنه لا يريد استبعاد إنشاء تحالف مع «حزب الحرية» حول الهجرة، رغم كلامه عن «استمرار» الخلافات الجوهرية مع الزعيم اليميني المتطرف الذي كان تعهد عام 2014 بمنع القرآن، وإغلاق كل المساجد في هولندا في حال انتخابه، من بين جملة سياسات متطرفة أخرى.

بناءً على ما تقدم، تبدو هولندا الآن أمام تقاطع 3 طرق: فإما أن يختار الناخبون مجدداً حزب روته ويخاطروا بجنوحه نحو اليمين المتطرف، وإما أن يختاروا «حركة المواطنين المزارعين» سائرين مباشرة في خيار التطرف اليميني، وإما أن يقرّروا السير مع التحالف اليساري المعتدل والعودة إلى زعيم ما زال محبوباً في أنحاء هولندا هو فرانتس تيمرمانز، رغم غيابه عن السياسة المحلية منذ انتقاله إلى بروكسل قبل 9 سنوات.


مقالات ذات صلة

قراءات موسكو لاعتماد واشنطن سياسة «القوة الخشنة»

حصاد الأسبوع الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)

قراءات موسكو لاعتماد واشنطن سياسة «القوة الخشنة»

في عام 2020، أطلق السياسي الروسي الراحل والمثير للجدل فلاديمير جيرينوفسكي نبوءة لافتة؛ إذ قال إن الولايات المتحدة سوف تسيطر على فنزويلا، وإن الطريق سيكون ممهداً

رائد جبر (موسكو)
حصاد الأسبوع بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن

ديلسي رودريغيز... يسارية ملتزمة براغماتيتها سهّلت «خلافتها» لمادورو في رئاسة فنزويلا

العملية العسكرية الخاطفة التي نفّذتها قوات النخبة الأميركية في مقرّ الرئاسة الفنزويلية، انتهت فجر الثالث من هذا الشهر بإلقاء القبض على نيكولاس مادورو واقتياده

شوقي الريّس (مدريد)
حصاد الأسبوع ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)

رودريغيز كانت القوة الدافعة باتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق داخل الحزب الحاكم

ليس الانتقال السياسي تحت الوصاية الأميركية هو التحدي الوحيد الذي تقف أمامه الرئيسة الفنزويلية بالوكالة، ديلسي رودريغيز، التي قررت إدارة دونالد ترمب الرهان

«الشرق الأوسط» ( مدريد)
حصاد الأسبوع مناورات بحرية أميركية في بحر الصين الجنوبي (أ.ب)

أميركا والصين... تحوّلات في ميزان القوى بين الاقتصاد والدفاع

تتصاعد في السنوات الأخيرة النقاشات حول لحظة التحول الحاسمة في ميزان القوى العالمي بين الولايات المتحدة والصين، وسط تنامي المؤشرات على انتقال مركز الثقل الدولي

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع «مقام السيدة زينب» من الداخل ويبدو خالياً من الزوار ومن أعلام إيران ورموزها ورايات ميليشياتها (الشرق الأوسط)

«السيدة زينب»... حي دمشقي يطوي صفحة «التغيير الديموغرافي» الإيراني

تعود التركيبة السكانية إلى طبيعتها بوتيرة متسارعة في منطقة «السيدة زينب» جنوب دمشق، بعد عام على إسقاط حكم بشار الأسد وإنهاء الوجود الإيراني وميليشياته في سوريا،

موفق محمد (دمشق)

قراءات موسكو لاعتماد واشنطن سياسة «القوة الخشنة»

الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
TT

قراءات موسكو لاعتماد واشنطن سياسة «القوة الخشنة»

الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)

في عام 2020، أطلق السياسي الروسي الراحل والمثير للجدل فلاديمير جيرينوفسكي نبوءة لافتة؛ إذ قال إن الولايات المتحدة سوف تسيطر على فنزويلا، وإن الطريق سيكون ممهداً لصفقة مُرضية للطرفين: فنزويلا للأميركيين، وأوكرانيا لروسيا! جيرينوفسكي عُرف على مدى سنوات طويلة بإطلاق توقعات صاخبة، أصابت في أكثر من مناسبة، بينها بالنسبة للشرق الأوسط مثلاً انفجار مواجهة كبرى في الشرق الأوسط بين عامي 2023 و2024، وتعرض إيران لهجوم قوي من جانب واشنطن وتل أبيب. وسقوط مدوٍ لنظام بشار الأسد في سوريا، فضلاً عن بعض التوقعات الدقيقة لتطورات جرت في روسيا وحولها، مثل اندلاع الحرب الكبرى في أوكرانيا في 2023. كان السياسي الراحل (توفي عام 2022) يتكلم حينذاك في برنامج «توك شو» تلفزيوني، وقال إن الرئيس دونالد ترمب سيعود بقوة إلى البيت الأبيض بعد انتخابات 2024... و«علينا أن نساعده»(!)، قبل أن يضيف أن التوافق مع الرئيس الجمهوري في عدد من الملفات الحيوية «ممكن وضروري». وبعد ذلك أطلق عباراته المشهورة: «سوف يستولي (ترمب) على فنزويلا... هذا أمر واضح وأكيد، ونحن سنحكم سيطرتنا على أوكرانيا»، ورأى أن تلك ستكون «صفقة عادلة».

ليس من قبيل المصادفة أن يتذكّر الجميع في روسيا كلمات فلاديمير جيرينوفسكي بعد «العملية الخارقة» الأميركية التي أسفرت عن إلقاء القبض على الرئيس الفنزويلي اليساري نيكولاس مادورو ونقله إلى نيويورك بالطريقة التي تابعها العالم. ولا شك أن السياسي الشعبوي الروسي، الذي كان مقرّباً جداً من دوائر اتخاذ القرار في روسيا لسنوات طويلة، لم يكن ليطلق نبوءاته السياسية جزافاً، وهذا على الرغم من أن الكثير منها بدا للوهلة الأولى «ساذجاً» - حسب وصْف معلقين - أو «سخيفة وغير محتملة إطلاقاً»، مثل حديثه عن «انهيار سريع لنظام الأسد»، في وقت كانت فيه موسكو تؤكد انتهاء الحرب السورية، واستقرار الوضع نهائياً في هذا البلد.

لكن، عندما يستعيد الروس حالياً شريط توقعاته بشأن فنزويلا والصفقة المحتملة مع واشنطن، فإن النظرة إليها تختلف بالتأكيد عن نظرتهم لعباراته الصاخبة في أوقات سابقة.

جيرينوفسكي (آ ب)

ارتباك في أوساط النخب السياسية

واقع الأمر أن العملية الأميركية الخاطفة في فنزويلا، أصابت بعض النخب السياسية الروسية بنوع من الارتباك. ولقد برز هذا في تعليقات أظهرت انقساماً واضحاً حيال الحدث الفنزويلي بين طرفين:

إذ يرى الطرف الأول أن العملية الأميركية تشكل «فرصة مهمة» أمام موسكو لإطلاق عمليات مماثلة تجاه أوكرانيا، وللتشدد أكثر تجاه ملف التسوية.

أما الطرف الثاني فمال إلى تغليب الموقف التقليدي المتحفّظ، منطلقاً في حساباته من أن واشنطن، على الرغم من اختطاف الرئيس مادورو، «ليست قريبة أبداً من فرض سيطرة مطلقة في فنزويلا التي يحافظ التشافيزيون (نسبة إلى الرئيس السابق الراحل هوغو تشافيز) على تماسك مواقعهم وسيطرتهم في البلاد، بل يرى أصحاب هذا الرأي، الذي عبّرت عنه وكالة «نوفوستي» الحكومية في مقالة لمعلّقها السياسي، أن الطريق ما زالت طويلة أمام ترمب لإحكام السيطرة على نفط فنزويلا، وأن تهديداته للقادة الحاليين في هذا البلد لن تنعكس خطوات عملية؛ لأن هذا سوف يعني إدخال فنزويلا في حرب أهلية دامية.

لا تأثير يذكر لموقف روسيا والصين

في أي حال، هذا الرأي (الثاني)، وفقاً لمعلّقين، لن تكون له تأثيرات كبرى على آليات تعامل الكرملين مع الحدث الكبير، وخصوصاً أنه مهما كانت طبيعة التطورات اللاحقة، فإن مستوى التأثير الروسي أو الصيني على الأحداث اللاحقة سيكون محدوداً للغاية. وهذا ما يعني الحاجة إلى الإقرار بأن واشنطن انتقلت بالفعل إلى استخدام «القوة الخشنة» لتأمين مصالحها، وبدأت بفرض واقع جديد ينطلق من فكرة إحياء «شرعة مونرو»، وإحباط أي جهد خارجي للتأثير في منطقة نفوذ الولايات المتحدة في نصف الكرة الغربي.

بعبارة أخرى، فإن الرؤية الروسية التي تجري بلورتها حالياً، قد تقوم على تحاشي تصعيد المواجهة مع واشنطن، والانطلاق - بدلاً عن ذلك - من تفحّص الفرص التي يمكن أن يوفرها الحدث الفنزويلي لتحقيق مكاسب لروسيا.

في هذا الإطار، يستبعد خبراء روس أن تذهب موسكو باتجاه تكرار «سيناريو» فنزويلا حرفياً. ذلك أنها ليست بحاجة إلى اختطاف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، لكن الأولوية ستكون باتجاه تصعيد الضغط العسكري على كييف لحملها على تقديم تنازلات مؤلمة. ومن جهة أخرى، تصعيد الضغط السياسي على العواصم الأوروبية، بهدف تقليص الأخيرة مطالبها حول الضمانات الأمنية التي تجري مناقشتها راهناً. ومن ثم، بالتوازي مع هذا المسار، يتوقع خبراء أن تعمل موسكو على تثبيت مبدأ «عدم شرعية زيلينسكي»، وأنه لن يكون مقبولاً في أي مرحلة مقبلة كـ«شريك في السلام».

بين حسابات الصفقات والتعامل مع الدخل

بطبيعة الحال، تعود هنا إلى الأذهان فكرة «الصفقة» المحتملة لاحقاً مع واشنطن، وهذا على الرغم من الضجة التي أثارها ترمب أخيراً حول تشديد العقوبات على موسكو.

في المقابل، ثمة مخاوف أخرى لدى الروس برزت بعد العملية الأميركية في فنزويلا. وهي تقوم على انتهاج القيادة الأميركية سياسة جديدة متشددة في التعامل مع ملفات إقليمية عدة، في جوهرها استخدام القوة العسكرية والتدخل المباشر بدلاً من استخدام أدوات «القوة الناعمة» التي لطالما استُخدمت في أوقات سابقة.

ولا شك أن هذا العنصر سيضيف هاجساً جديداً للسياسة الروسية، التي استشعرت - على الرغم من كل المؤشرات - اقتراب الرئيس ترمب من فهم أوسع لمطالب موسكو في أوكرانيا؛ إذ إن خطوته العملية الأخيرة في فنزويلا، من شأنها التسبب بأضرار فادحة للكرملين على المدى البعيد.

من الأمثلة على ذلك في الفترة القصيرة الفائتة، استبعاد موسكو عملياً من مناقشة الملفات الإقليمءية، كما ظهر في ملف التسوية في غزة، وأيضاً استبعادها من الملف النووي الإيراني. وهذا وذاك فضلاً عن سياسات «عزل» موسكو في آسيا الوسطى التي هي تقليدياً منطقة نفوذ حيوي روسي، وتفاقم المنافسة الأميركية (والصينية) في هذا الإقليم.

جنوب القوقاز... أو الخاصرة الرخوة

غير أن الأخطر من كل هذا، أن موسكو واجهت تطوراً غير مسبوق في منطقة جنوب القوقاز، التي لا تقل في أهميتها وخطورتها بالنسبة إلى الكرملين عن آسيا الوسطى... فهي «الخاصرة الرخوة» لروسيا على مدى قرون.

في هذه المنطقة لم تكتف واشنطن بإبعاد موسكو عن مباحثات التسوية بين أرمينيا وأذربيجان، بل فرضت واقعاً جديداً عبر إبرام اتفاق «ممر زانغزور». وهذا اتفاق يسمح للولايات المتحدة، وللمرة الأولى في التاريخ، أن يكون لها وجود أمني واقتصادي - وربما عسكري لاحقاً - في هذه المنطقة، الأمر الذي يهدد بشكل مباشر المصالح الاستراتيجية لروسيا، ولإيران أيضاً.

كل هذا حدث خلال العام الأول من ولاية دونالد ترمب الثانية فقط. وهذا المنحى مرشح للتصاعد أكثر في سياق العملية الأميركية في فنزويلا، وليس فقط بسبب التوقعات المتشائمة في موسكو بانخفاض حاد على أسعار النفط. فهذه توقعات لم ترتبط فقط بالحدث الفنزويلي بل سبقتها مؤشرات عدة.

مع هذا البعد الاقتصادي، الحيوي جداً للكرملين في هذه الظروف، تبدو الأبعاد السياسية المحتملة لانتقال واشنطن إلى استخدام القوة الخشنة لفرض سياساتها مسألة أكثر إلحاحاً للكرملين.

خلال الفترة القصيرة الفائتة جرى استبعاد موسكو عملياً

من مناقشة الملفات الإقليمية كملفي التسوية في غزة

و«النووي» الإيراني

الفهم الروسي لإزاحة مادورو

ينطلق الفهم الروسي من أن الولايات المتحدة لم تكتف في فنزويلا بالإطاحة برئيسٍ عجزت عن السيطرة عليه؛ إذ عبر خطف نيكولاس مادورو، كشفت واشنطن عن «تقنية» جديدة تستثمرها للتأثير الدولي. وبعد هذا الاستعراض الباهر الذي تعمّد ترمب وفريقه إبراز كل تفاصيله، يتوقع على نطاق واسع «استنساخ» هذه «التقنية»، بل تصديرها.

ما يستحق الإشارة إليه في هذا السياق، ما كتبه محلل سياسي روسي عن أنه في السنوات الأخيرة، برزت شكوك قوية حول قدرة الولايات المتحدة على التأثير في حياة وسياسات الدول الأخرى.

فلقد كانت التقنية الرئيسة للتأثير الأميركي في الخارج بأواخر القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين هي ما يُسمى بـ«الثورات الملوّنة»، أي تغيير الأنظمة الناتج عن اضطرابات جماهيرية تُدبّرها شبكات من وسائل الإعلام والمنظمات غير الحكومية وقادة الرأي الموالين للغرب.

أما اليوم، فبات من الواضح أن هذه التقنية قد توقّفت عن العمل. وكان هذا جلياً من خلال فشل الثورات الملوّنة في جورجيا وبيلاروسيا (روسيا البيضاء) وصربيا والمكسيك، وفنزويلا أيضاً.

هنا يرى فريق من الخبراء الروس أن هذا فقط واحد من الأسباب - وليس لأن الحزب الديمقراطي الأميركي كان يتولى السلطة في واشنطن - التي دفعت دونالد ترمب إلى حلّ الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) العام الماضي. ومعلومٌ أن تلك الوكالة كانت أكبر جهة مانحة وراعية لجميع هؤلاء «القادة الشعبيين للاحتجاج» حول العالم، لكنها فقدت كل فاعليتها.

انطلاقاً من هذه الحقيقة، بات واضحاً أن البيت الأبيض لن يتقبّل بعد اليوم بسهولة فقدان النفوذ الأميركي في الخارج، بل سيسعى إلى أدوات جديدة أكثر فاعلية.

الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران... نموذجاً

وبهذا الفهم، تحديداً، يفسّر الخبراء الروس الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران، العام الماضي، بوصفه «تجربة أولية» للمبدأ الجديد للسياسة الأميركية القائم على استخدام القوة المباشرة.

هذا المبدأ يقوم على تغيير الأنظمة التي تناكف واشنطن من خلال تدخل عسكري خارجي مباشر، مدعوم بخيانة داخلية. وهنا يجوز القول إنه ما كان من الممكن، مثلاً، القضاء على القيادة العسكرية الإيرانية لولا عملاء «الموساد» الإسرائيلي، الذين قدموا «التوجيهات» داخل العاصمة الإيرانية طهران. وحالياً، لا تنكر واشنطن البتة عامل التواطؤ مع بعض عناصر الدائرة المقرّبة من مادورو.

باختصار، عند هذه النقطة، تعود الولايات المتحدة إلى ممارسة قديمة، وإن كانت مُحسّنة قليلاً، ألا وهي «الانقلابات العسكرية». ولإعادة إحياء «القوة الناعمة» الأميركية، طُوّرت معادلة «الغزو بالإضافة إلى التآمر داخل النخبة».

ومن ثم، يرى بعض الخبراء أن التجربة الأميركية قد لا تقتصر على بلدان في فناء أميركا الخلفي بل قد تمتد إلى مناطق عدة، بينها حتى أوروبا، التي لا تبدي بعض دولها ارتياحاً كبيراً للتحركات الأميركية.

أما من الناحية الاستراتيجية، فقد يصبح «الفضاء ما بعد السوفياتي» بأكمله هدفاً لهذه الممارسة الأميركية القديمة – الجديدة؛ كونه منطقة حساسة لاثنين من منافسي أميركا العالميين: روسيا والصين. وبالتالي، فإن كازاخستان وتركمانستان وبيلاروسيا (روسيا البيضاء)، جميعها دول مُعرّضة للهجوم.

لوكاشينكو (آ ب)

حالة بيلاروسيا

في بيلاروسيا، على سبيل المثال، وعلى مدار السنوات الثلاثين التي تولت السلطة فيها حكومة متحالفة مع روسيا، جرت ست أو سبع محاولات لـ«ثورات ملوّنة» هزّت العاصمة مينسك، غير أنها باءت جميعها بالفشل. مع هذا لا يزال الغرب يرفض الاعتراف بأن دولة رئيسة (بيلوروسيا) في أوروبا الشرقية لا تزال متحالفة عسكرياً وسياسياً مع موسكو.

من هذا المنطلق، يحذر خبراء في موسكو من أن الغرب قد يحاول التخلّص من الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو باستخدام «سيناريو مادورو». ولعل «صياغة» اتهامات ضد لوكاشينكو تُصنّفه كـ«مجرم» لن تشكّل مشكلةً للأميركيين. علاوة على ذلك، هناك بولندا، «جارة» بيلاروسيا، التي تتهم لوكاشينكو «بتصدير الفوضى والسلاح والمهاجرين غير الشرعيين» إليها. وبالمناسبة، يرى البعض في روسيا أن «وظيفة» بولندا بالنسبة إلى سياسات ترمب في أوروبا تكاد تكون مُطابقة لوظيفة إسرائيل في الشرق الأوسط.بالتأكيد، لا يعني وجود هذا التهديد حتمية تطبيقه، لكن حقيقة أن تعليقات ومقالات كثيرة في روسيا باتت ترسل إشارات وتنبيهات من هذا النوع، تعكس درجة من القلق المتزايد بسبب سياسات ترمب.  


ديلسي رودريغيز... يسارية ملتزمة براغماتيتها سهّلت «خلافتها» لمادورو في رئاسة فنزويلا

بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
TT

ديلسي رودريغيز... يسارية ملتزمة براغماتيتها سهّلت «خلافتها» لمادورو في رئاسة فنزويلا

بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن

العملية العسكرية الخاطفة التي نفّذتها قوات النخبة الأميركية في مقرّ الرئاسة الفنزويلية، انتهت فجر الثالث من هذا الشهر بإلقاء القبض على نيكولاس مادورو واقتياده مع زوجته إلى نيويورك للمحاكمة أمام القضاء الأميركي بتهم «الإرهاب المرتبطة بالمخدرات». وبعد القرار المفاجئ الذي أعلنته إدارة الرئيس دونالد ترمب بتهميش المعارضة الفنزويلية - على الأقل في المرحلة الراهنة – وإبعادها عن مسار انتقال السلطة، يبدو أنها راهنت على بعض أركان النظام لتحقيق أهداف هذه العملية غير المسبوقة التي لا يُعرَف منها إلى الآن سوى إحياء قطاع النفط الفنزويلي وتسليمه للشركات الأميركية. ثم، تتجه كل الأنظار الآن إلى ديلسي رودريغيز، نائبة مادورو التي تولّت الرئاسة بالإنابة، كما تولّت منصب القائد العام للقوات المسلحة، وبدأت تشرف على توجيه وإدارة «المرحلة» الانتقالية على وقع تهديدات ترمب، الذي ما انفكّ يكرّر: «الأمر لي في فنزويلا»، ويتوعّد من يخالف تعليماته بعواقب أين منها تلك التي نزلت بالرئيس المخلوع.

ديلسي رودريغيز ليست شخصية طارئة، أو حديثة العهد على المشهد السياسي الفنزويلي المضطرب والمعقّد. فهي في الصورة منذ صعود شخصية هوغو تشافيز الذي وضع أركان النظام الحالي، مروراً بفشل محاولته الانقلابية ودخوله السجن، إلى إطلاق سراحه وتوليه رئاسة البلاد، حتى مرضه ورحيله... ومجيء نيكولاس مادورو إلى سدّة الرئاسة.

خلفية يسارية ملتزمة

بل يمكن القول إن رودريغيز، التي «تدير» اليوم أخطر أزمة مرّت بها فنزويلا في تاريخها الحديث، تحمل السياسة في «حمضها النووي». وحكايتها مع السياسة تتمة لحكاية والدها خورخي أنطونيو الذي كان من قادة حركة «اليسار الثوري» الماركسية في ستينات القرن الماضي، وهو الذي أسّس «الرابطة الاشتراكية»... أي الحركة التي تدرّج فيها نيكولاس مادورو ناشطاً نقابياً، وكانت المدماك الأساسي في علاقة ديلسي وشقيقها خورخي مع «وريث» هوغو تشافيز.

الأب، خورخي أنطونيو، لقي حتفه عندما كان في عهدة الشرطة عام 1976 بعد اعتقاله بتهمة الضلوع في خطف أحد رجال الأعمال الأميركيين، وكانت ديلسي لا تزال في السابعة من عمرها. ولقد أثارت وفاته الناجمة عن تعرضه للتعذيب وسوء المعاملة على يد الاستخبارات السياسية، غضباً واسعاً في الأوساط الشعبية، سيما وأن فنزويلا كانت تنعم يومذاك بأجواء من الحرية السياسية النسبية على عهد الرئيس الاشتراكي الديمقراطي كارلوس أندريس بيريز. وهنا تقول رودريغيز إن تلك الواقعة هي التي حفزتها لدراسة الحقوق، حيث تخرجت محامية من جامعة فنزويلا المركزية في كاراكاس، ثم تابعت تخصصها في القانون النقابي في باريس ولندن.

ديلسي ترعرعت مع شقيقها الأكبر خورخي في أجواء اليسار الفنزويلي المتشدد والحزب الذي أسسه والدهما... وكان أنصاره يعاملون الشقيقين دائماً بوصفهما ولدَي «شهيد الحركة اليسارية»، وكانا يشاركان خطيبَين في الاحتفالات بذكرى استشهاد أبيهما.

التأثر بهوغو تشافيز

وتعترف رودريغيز بأن «الثورة البوليفارية» التي حملت «القائد» هوغو تشافيز إلى رئاسة البلاد كانت بمثابة «انتقام شخصي» لذكرى أبيها، وحافزاً قوياً لها لدخول المعترك السياسي، وأيضاً لشقيقها خورخي الذي يتولّى حالياً رئاسة البرلمان... وسبق له أن أشرف على المفاوضات التي أجراها النظام على مراحل مع الإدارة الأميركية.

وحقاً، بدأت ديلسي رودريغيز صعودها السياسي في تراتبية النظام مع تشكيل حكومة تشافيز الأولى، حين تولت حقيبة مكتب الرئاسة التي غادرتها بعد أشهر قليلة بسبب اعتراضها العلني على بعض القرارات التي اتخذها تشافيز، وانتقلت للعمل مع شقيقها خورخي الذي كان يومذاك رئيساً لبلدية كاراكاس.

ولكن مع وصول مادورو إلى السلطة بدأ حضورها يترسّخ في المشهد السياسي الفنزويلي، فتولّت حقائب وزارية مهمة مثل الإعلام والاقتصاد والخارجية. كذلك اختارها مادورو نائبة له وكلّفها حقيبة النفط المهمة بعد إقالة الوزير السابق طارق العيسمي، المتحدر من أصول سورية - لبنانية، وسط فضائح مالية، وصارت تُعرف بلقب «سيّدة النفط».

شخصية بارزة ومؤثرة

رودريغيز تولّت أيضاً رئاسة «المجلس الوطني الدستوري التأسيسي»، وهو منصب بالغ الأهمية؛ إذ يمنحه الدستور سلطة أعلى من سلطة رئيس الجمهورية. وعلى غرار شقيقها الأكبر خورخي، الذي أقسمت اليمين الدستورية أمامه، كانت ركناً أساسياً في نظام مادورو، داخل فنزويلا وخارجها؛ إذ كانت المُحاور الرئيس مع الدول الحليفة مثل روسيا والصين وتركيا وإيران. واليوم تشكّل ديلسي، مع شقيقها خورخي، ووزير الداخلية ديوسدادو كابيّو، وسيليا فلوريس زوجة مادورو، الدائرة الضيّقة التي يقوم كان يرتكز إليها نظام مادورو بشكل أساس.

ووفق مقربين منها، فإنها تعمل دائماً بتنسيق تام مع شقيقها، ويتمتع كلاهما باحترام كبير في أوساط النظام لما يحملان من مؤهلات وخبرة وتمرّس، خاصة بعد انكفاء عدد كبير من الساسة المخضرمين عن المشهد السياسي مع مجيء مادورو. وفي عام 2018، فرضت الإدارة الأميركية عقوبات على ديلسي وشقيقها خورخي ووزير الدفاع فلاديمير بادرينو و«السيدة الأولى» سيليا فلوريس (زوجة مادورو). وهي تخضع أيضاً لعقوبات من الاتحاد الأوروبي بتهم انتهاكات حقوق الإنسان وتدهور النظام الديمقراطي في فنزويلا. وللعلم، رودريغيز متزوجة من رجل الأعمال المتحدر من أصول لبنانية يوسف أبو ناصيف الصميلي.

مثقفة ومنفتحة طبقياً

من جهة أخرى، يتفق الدبلوماسيون ورجال الأعمال الأجانب الذين تعاطوا مع رودريغيز خلال السنوات المنصرمة، على أنها تتمتع بثقافة عالية ولها علاقات جيّدة مع الأوساط البورجوازية الفنزويلية، وتعرف عنها مهارة فائقة في التفاوض حول الملفات الشائكة.

أيضاً، يذكر مطلعون أنها تدرك جيداً وجود «عالم» خارج معركتها الثورية، يقوم على المفاوضات والتفاهمات. وهذا ما ظهر إبان توليها حقيبة النفط بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في هذا القطاع الحيوي بالنسبة لفنزويلا على عهد سلفها في المنصب؛ إذ حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن، وهي التي كانت وراء بقاء عملاق النفط الأميركي «شيفرون» في فنزويلا.

ولا شك، أنه بعد انكشاف هدف واشنطن الرئيس من وراء عملية اعتقال مادورو وإبعاد المعارضة في هذه المرحلة، أسهمت هذه الصفات في دفع إدارة دونالد ترمب، ووزير خارجيته ماركو روبيو «المهندس الحالي» للسياسة اللاتينية في الولايات المتحدة، إلى المراهنة على ديلسي رودريغيز في إدارة المرحلة الانتقالية.

بيد أنها، في المقابل، تعرَف ديلسي باحتقارها الشديد للمعارضة الفنزويلية، وقسوة تصريحاتها حول الكثير من قياداتها وفي رأسهم كورينا ماتشادو؛ إذ تسكنها قناعة بأن مهمتها الرئيسة هي ترسيخ الثورة التي بدأها هوغو تشافيز. ثم أن رودريغيز شديدة الإعجاب بالزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو، وغالباً ما تستشهد بإنجازات الثورة الكوبية وبـ«الحركة الساندينية» في نيكاراغوا، ومفكّرها المفضّل هو الكاتب المعروف إدواردو غاليانو، أحد كبار منظّري اليسار الأميركي اللاتيني وصاحب المؤلف الشهير «أوردة أميركا اللاتينية المفتوحة».

امتحانها الأول...بعد إطاحة مادورو

الامتحان الأول الذي يفترض برودريغيز أن تتجاوزه، وبسرعة، هو الموقف الذي سيتخذه وزير الداخلية ديوسدادو كابيّو، الذي يعدّ «الرجل الثاني في النظام»، وهو القادر على إثارة الفوضى عن طريق سيطرته الكاملة على قوى الأمن والشرطة، وبخاصة على الميليشيا الشعبية المسلّحة التي تجوب شوارع المدن على دراجاتها النارية وتزرع الرعب في صفوف المواطنين منذ سنوات. وهذا الواقع دفع واشنطن إلى تحذيره من أنه قد يلقى مصير مادورو إذا امتنع عن تسهيل مهمة ديلسي رودريغيز كرئيسة مؤقتة للبلاد.

للعلم، كان لافتاً أن كابيّو، بخلاف بقية أركان النظام، خرج إلى الشارع بعد ساعات قليلة على اختطاف مادورو، معتمراً خوذة فولاذية وسترة واقية من الرصاص ومحاطاً بأفراد من الشرطة والجيش المسلحين. لكن معلومات تداولتها بعض أجهزة الإعلام الأميركية أفادت بأن إدارة الرئيس ترمب، بإيعاز من وزير الخارجية روبيو، قرّرت أيضاً المراهنة مرحلياً على كابيّو للحفاظ على الأمن خلال المرحلة الانتقالية، وعلى وزير الدفاع فلاديمير بادرينو لوبيز الذي يقود التيّار الأكثر تشدداً داخل النظام. ويذكر أنه سبق لواشنطن أن أعلنت في الماضي عن جائزة مقدارها 25 مليون دولار لمن يساعد في القبض على كابيّو، وأخرى بقيمة 15 مليون دولار على رأس وزير الدفاع.

... رهان أميركي

المتفائلون بنجاح الرهان الأميركي على كابّيو، يستندون إلى مساره السياسي بعد وفاة تشافيز الذي تردّد حتى اللحظات الأخيرة قبل رحيله، إثر مرض عضال، بين كابيّو ومادورو. وبعد اختيار الأخير لخلافة تشافيز، توقّع كثيرون أن الخصومة بين الاثنين قد تؤدي إلى ترنّح النظام وإسقاطه. لكن تبيّن لاحقاً أن المساكنة بينهما كانت ناجحة من حيث إنها حافظت على السلطة طيلة هذه السنوات الصعبة التي واجه فيها النظام مشاكل على صعيد الاعتراف بشرعيته إقليمياً ودولياً، وكان محط اتهامات عدّة بانتهاك حقوق الإنسان، وفرضت عليه عقوبات قاسية.

حقائق

رودريغيز... في سطور

> ولدت 18 مايو (أيار) 1969 في العاصمة الفنزويلية كاراكاس

> والدها القيادي اليساري البارز خورخي أنطونيو رودريغيز (زعيم حركة اليسار الثوري، ثم مؤسس حزب «الرابطة الاشتراكية») ووالدتها ديلسي غوميز

> أخوها القيادي اليساري خورخي رودريغيز، رئيس مجلس النواب الحالي والوزير السابق.

> شريك حياتها: يوسف أبو ناصيف الصميلي

> حياتها الحزبية: عضو الحزب الاشتراكي المتحد (2012 - 2018) ثم حركة «نحن فنزويلا»

> تعليمها: محامية تخرجت في كلية حقوق جامعة فنزويلا المركزية، بجانب دراسة قانون العمل (من دون أن تتخرج في جامعة باريس الأولى (باريس بانثيون - سوربون)

> مناصبها السياسية: وزيرة شؤون الرئاسة (2006) - وزيرة القوة الشعبية للاتصال والإعلام (2013 - 2014) - وزيرة الخارجية (2014 - 2017) - رئيسة المجلس الوطني الدستوري (2017 - 2018) - وزيرة الاقتصاد والمالية (2020 - 2024) - وزيرة النفط والثروة الهيدروكربونية (2024) - نائبة رئيس الجمهورية (2024 - 2026) - رئيسة الجمهورية بالوكالة (2026)



رودريغيز كانت القوة الدافعة باتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق داخل الحزب الحاكم

ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
TT

رودريغيز كانت القوة الدافعة باتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق داخل الحزب الحاكم

ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)

ليس الانتقال السياسي تحت الوصاية الأميركية هو التحدي الوحيد الذي تقف أمامه الرئيسة الفنزويلية بالوكالة، ديلسي رودريغيز، التي قررت إدارة دونالد ترمب الرهان عليها لإدارة هذه المرحلة مع أن العقوبات المفروضة عليها تمنعها من دخول الولايات المتحدة.

الواقع أنه عندما أقسمت رودريغيز اليمين الدستورية أخيراً، كان شبح التضخّم الجامح قد عاد يخيّم مجدداً على الاقتصاد الفنزويلي المنهك، ويهدد بتحطيم كل الأرقام القياسية السابقة، بعدما كان وصل إنتاج النفط إلى أدنى مستوياته التاريخية، وتراجع إجمالي الناتج القومي بنسبة 70 في المائة عن المستوى الذي كان عليه منذ عشر سنوات.

لكن قبل أن تتولى الرئيسة الحالية مهامها بالوكالة، سبق لها أن تولّت حقيبة المال والاقتصاد، وأيضاً حقيبة النفط، واعترفت علناً بفشل السياسات السابقة. ومن ثمّ قررت اللجوء إلى فريق جديد من الاستشاريين والخبراء، بعدما كان المصرف المركزي قد توقّف طوال حكم نيكولاس مادورو عن نشر تفاصيل الوضع الاقتصادي المتدهور، فيما واصلت رودريغيز «تغييراتها» بعيداً عن الأضواء. من التدابير التي اتخذتها رودريغيز إعادة الأصول المؤمّمة على عهد تشافيز إلى أصحابها، الذين كان معظمهم قد أعلن إفلاسه أو انهيار مؤسساته، ودخل الاقتصاد الفنزويلي في دائرة الدولار بعد رفع القيود والمراقبة على صرف العملات الأجنبية. وكذلك أمرت بوقف تجاوزات القوات المسلحة على القطاع الاقتصادي، وبدأت مرحلة من التفاهم والتنسيق مع أصحاب العمل الذين كان مادورو يصفهم بـ«البرجوازية الطفيلية» في خطبه الأولى.

ولذا يجمع المراقبون على أن التعافي النسبي الذي شهده الاقتصاد الفنزويلي في السنوات الثلاث المنصرمة، مدين للتدابير التي اتخذتها رودريغيز والفريق الاستشاري الذي كانت تستعين بخبراته، وبعلاقاتها الوطيدة مع مادورو الذي أقنعته بصواب تلك التدابير. بل كانت هي التي دفعت - داخل الحزب الحاكم - في اتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق بعد سنوات مديدة من تدخل الدولة العميق في إدارة الحركة الاقتصادية وانهيار قطاع النفط الذي يشكّل الشريان الأبهر لثروة البلاد.

أيضاً، كانت ديلسي رودريغيز «المُحاور» الأساسي للنظام مع المؤسسات التي ما زالت تنشط داخل فنزويلا، وهي التي حدّدت معها مجالات عمل مشترك وتحالفات في السنوات المنصرمة. وتحت إدارتها ارتفع إنتاج النفط الفنزويلي إلى مليون برميل يومياً بعدما كان انهار إلى 300 ألف عام 2016، بينما تبلغ قدرته الإنتاجية 3 ملايين برميل يومياً.

وللعلم، سجّل الاقتصاد الفنزويلي نمواً قياسياً خلال العام الماضي في حجم إجمالي الناتج القومي، بلغ 5 في المائة. لكن الضباب السياسي الذي يلفّ المرحلة الراهنة التي ترزح تحت الحضور الأميركي الطاغي، من شأنه أن يُلزم رودريغيز بخطاب معتدل تجاه واشنطن التي يتكلّم رئيسها عن مستقبل يختلف كل الاختلاف عن الواقع الذي تراه رودريغيز.

عاجل مسؤول إيراني لـ«رويترز»: مقتل نحو 2000 شخص في الاحتجاجات