هل تهزم «براغماتية» ميتسوتاكيس «تعقيدات» التاريخ والجغرافيا؟

حكومته الثانية قد تحمل تحولات جوهرية في «شرق المتوسط»

ميتسوتاكيس مصافحا أردوغان في قمة ناتو الاربعاء الماضي (أ.ب)
ميتسوتاكيس مصافحا أردوغان في قمة ناتو الاربعاء الماضي (أ.ب)
TT

هل تهزم «براغماتية» ميتسوتاكيس «تعقيدات» التاريخ والجغرافيا؟

ميتسوتاكيس مصافحا أردوغان في قمة ناتو الاربعاء الماضي (أ.ب)
ميتسوتاكيس مصافحا أردوغان في قمة ناتو الاربعاء الماضي (أ.ب)

يبدو رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس شخصية هادئة، لم تُعرف عنه الحدة قولاً أو فعلاً، ولم يُضبَط يوماً وهو يمارس سياسة القرارات الصادمة، بل أبدى خلال سنوات حكمه نمطاً «براغماتياً» يوازن بين إدارة تحولات بلاده، التي لا تزال مثقلة بأعباء أزمتها السابقة التي وصلت بها إلى حافة الإفلاس، وبين إدارة سياسة خارجية لا يتمتع من يديرها بأريحية كاملة. هذا السياسي المحافظ المعتدل مثقل، في الواقع، بأعباء وهموم تاريخية لطالما أدخلت اليونان في مواجهات مع جيران بالإقليم، وتعقيدات جغرافية كادت تؤجج جذوة حروب قديمة. لقد تعلم ميتسوتاكيس (55 سنة) من الأميركيين الذين تخرج في أرقى جامعاتهم (هارفارد) القدرة على إدارة المتناقضات. وتعوّد عبر عمله الطويل السابق في شركة «ماكينزي» الأميركية للاستشارات دقة الحسابات، والتحسب المسبق للخطر. وفي حين أكسبه ميراثه السياسي العائلي العريق (بما في ذلك كونه نجل كونستانتينوس ميتسوتاكيس، رئيس وزراء اليونان من 1990 حتى 1993) فهماً عميقاً للماضي وسطوته، فإنه لا يزال يحتفظ بذلك الشغف اليوناني القديم بالمستقبل وجرأته. واليوم، يعزّز ميتسوتاكيس موقعه السياسي، بشعبية كبيرة و«تفويض واضح» -كما وصفه هو نفسه- عقب فوز حزبه اليميني «الديمقراطية الجديدة» بغالبية مطلقة في الانتخابات اليونانية الأخيرة ما مكّنه من تأمين 158 مقعداً في البرلمان المكون من 300 مقعد، مقابل 47 مقعداً فقط لمنافسه اليساري حزب «سيريزا». ومن ثم، تبدو اليونان مقبلة على تحولات جوهرية تفرضها طبيعة المتغيرات العميقة في الإقليم، لا سيما في أعقاب الحرب الروسية - الأوكرانية، والتسابق الإقليمي والدولي على منطقة شرق المتوسط، التي باتت «بحيرة» الطاقة الواعدة في ظل اكتشافات الغاز الكبيرة خلال السنوات الأخيرة. وهذه الطاقة، وإن بدت أداة لصناعة مستقبل اقتصادي كبير لدول المنطقة، فهي في الوقت ذاته يمكن أن تكون عود الثقاب الذي يطلق الشرارة الأولى في منطقة معبأة برائحة الغاز وأعباء الماضي.

الولاية الحكومية الأولى لرئيس وزراء اليونان كيرياكوس ميتسوتاكيس، التي بدأت عام 2019، اختتمت عقداً من الأزمات عانت اليونان خلاله تداعيات ثقيلة لما عُرفت بأزمة «الديون السيادية»، التي عصفت بالبلاد في أبريل (نيسان) 2010 حين عجزت عن سداد ديونها الخارجية. وآنذاك طلبت أثينا من الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي إنقاذها من خطر الإفلاس والتخلف عن السداد عبر تفعيل خطة إنقاذ تتضمن تقديم قروض ضخمة مقابل تنفيذ أثينا إجراءات تقشف.

تلك كانت فترة مثقلة بأعباء استمرار خطة التقشف، لكنها أيضاً كانت فرصة لإعادة إطلاق مسار علاقات خارجية أكثر انفتاحاً لوريثة الحضارة الإغريقية، لا سيما في منطقة شرق المتوسط، واستعادة اليونان دورها كلاعب محوري في معادلة التأثير في منطقة تتعاظم أهميتها الجيو - استراتيجية والاقتصادية بشكل متسارع.

سياسات متوازنة

استطاع ميتسوتاكيس الاستثمار في الشراكات الثنائية لبناء سياسة خارجية إقليمية نشطة تقوم على الدبلوماسية، بعكس حكومة «جاره» الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، الذي اتخذ نهجاً صدامياً مع جيرانه في المنطقة وحلفائه الغربيين، وهكذا حافظت اليونان على علاقات دفاعية وثيقة مع واشنطن وباريس. وبينما كان إردوغان يقود تركيا باتجاه تقارب كبير مع موسكو، كان ميتسوتاكيس يقود اليونان في الاتجاه المقابل نحو مزيد من الاندماج الغربي، مولّياً ظهره لميراث التقارب اليوناني - السوفياتي إبان حكومات أثينا اليسارية.

وبالفعل، نجحت اليونان خلال السنوات الأخيرة في بناء شبكة من التحالفات والعلاقات الوثيقة مع دول منطقة الشرق الأوسط، من دون أن تتورط في مشكلات المنطقة. وبناءً عليه، نجحت في تعزيز الروابط مع ليبيا على الرغم من الانقسام السياسي فيها، وتقديم المساعدة للبنان بعد انفجار مرفأ بيروت. لكن ربما جاء نجاحها الأكبر عبر صياغتها استراتيجية موازنة إقليمية من خلال التعاون مع دول الجوار الرئيسية مثل مصر وإسرائيل.

لقد مثّل التقارب اليوناني مع مصر في إطار «تحالف ثلاثي»، يضم قبرص إلى جانبهما، واحدة من قصص نجاح إدارة السياسة الإقليمية لحكومة ميتسوتاكيس الأولى، ومساراً يراهن عليه رئيس الوزراء اليوناني في حكومته الجديدة. ثم إن هذا التعاون الثلاثي يتجاوز إطار منتدى غاز شرق المتوسط الذي أُسس في مطلع 2019، وتستضيف القاهرة مقره الأساسي، وتشارك فيه اليونان ومصر وقبرص إضافةً إلى إيطاليا، والأردن، وفلسطين، وإسرائيل. وقد اكتسب المنتدى زخماً كبيراً مع حرص البنك الدولي على حضور جميع فعالياته، وكذلك الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والإمارات العربية المتحدة بصفة مراقبين.

الدكتور عبد اللطيف درويش، أستاذ الاقتصاد وإدارة الأزمات بجامعة «كارديف متروبوليتان» البريطانية -المقيم في العاصمة اليونانية– أوضح في حوار مع «الشرق الأوسط» أن سياسة اليونان تجاه الشرق الأوسط، «سعت حقاً إلى تحقيق التوازن، اتساقاً مع الموقف الرسمي اليوناني والأوروبي الملتزم بحل الدولتين في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية» إلا أنه من الملاحَظ أن «التقارب مع الكيان الصهيوني والعلاقات قد فاقا كل الأزمنة من حيث التعاون العسكري والأمني والدفاعي وشراء الأسلحة والطائرات المسيّرة وغيرها من التجهيزات العسكرية الإسرائيلية وذلك بغرض مواجهة تركيا».

التوتر مع تركيا

محدد المواجهة مع تركيا يبدو أحد العناصر الرئيسية في صياغة تحركات اليونان الخارجية، سواء خلال عهد الحكومة الأولى لميتسوتاكيس، أو حتى في سنوات حكومته الثانية. وللتاريخ هنا تأثير لافت، وذاكرة الصراع بين أثينا وأنقرة تمثل عبئاً ثقيلاً على البلدين، لا سيما أن نوازع التوتر حاضرة بقوة، ومتوافرة طوال الوقت. وقد فرضت الطبيعة الجغرافية لانتشار الجزر اليونانية، التي لا يبعد بعضها عن الساحل التركي سوى كيلومترين فقط، حالة تماس دائم واشتباك محتمل.

وهنا يرى الدكتور درويش، أن الكثير من الدول الأوروبية والولايات المتحدة «تسعى إلى الضغط على الطرفين (تركيا واليونان) لخلق تقارب بهدف مواجهة موضوع اللاجئين واستغلال الثروات البحرية بين الطرفين وتيسير اللقاءات بين رئيس الوزراء اليوناني والرئيس التركي على هامش اجتماعات الناتو كبداية لإيجاد أرضية مشتركة... ومن هنا يمكن القول إن سياسة الحكومة اليونانية تتجه غرباً وتلتزم بالمواقف الأوروبية والأميركية».

ومن ثم، يذهب درويش إلى القول إن اليونان «رأت أن الخلاف المصري - التركي لمصلحتها ولا ترى في التقارب إيجابية، بل ترى أنها تخسر قوة يمكن أن تعينها وتفيدها في الصراع مع تركيا... ولكن يمكن القول إنه قد يساعد على إمكانية الاستفادة من الثروات البحرية من خلال خفض التوتر أو من خلال انضمام تركيا إلى منتدى غاز شرق المتوسط للغاز».

من جهة أخرى، مع أن جذور التوتر في العلاقات التركية - اليونانية تمتد إلى أمد بعيد، سواء في عهد الدولة العثمانية أو بعد تأسيس الجمهورية التركية، فإن تطورات الواقع في المنطقة تُبقي نوازع التوتر قابلة دوماً للاشتعال. ولقد اقتربت مياه منطقة شرق المتوسط من درجة الغليان في أغسطس (آب) 2020، عندما أصبحت المنطقة على أعتاب مواجهة عسكرية مباشرة بين تركيا واليونان، على خلفية مواصلة أنقرة التنقيب عن الغاز في المناطق المتنازَع عليها بالقرب من الجزر اليونانية. وما زاد من تعقيد الأوضاع التصادم البحري بين فرقاطة يونانية وأخرى تركية، أعقبه نشر فرنسا سفناً حربية لإجراء تدريبات مشتركة مع البحرية اليونانية، علاوة على نشرها مقاتلات فرنسية من طراز «رافال» في جزيرة كريت اليونانية. غير أن مساعي دبلوماسية متعددة، كان أبرزها تلك التي بذلتها المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل (آنذاك)، أسهمت في نزع فتيل الأزمة ولو مؤقتاً.

وهنا يُبدي الدكتور أحمد قنديل، رئيس وحدة العلاقات الدولية ورئيس برنامج دراسات الطاقة في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، تصوراً يقوم على أنه «رغم كل اعتبارات التوتر التي يمكن أن يقدمها السياق التاريخي للمنطقة، فإن ثمة متغيرات كثيرة تفرض نفسها على جميع الأطراف، ومن بينها الأزمات الاقتصادية التي باتت شبحاً يخيِّم على جميع دول العالم، في مرحلة ما بعد جائحة (كوفيد – 19) والحرب الروسية - الأوكرانية».

ويعتقد قنديل أن هناك أيضاً «تحولات لافتة باتجاه تقاربات إقليمية في منطقة شرق المتوسط، فضلاً عن إدراك كثير من صناع القرار أن إدارة العلاقات البينية وفق نموذج المصالح المشتركة هو الأفضل للجميع». ومن هنا يمكن بناء تصوّر يقول إن التقاربين المصري – التركي، واليوناني – التركي، اللذين انعكسا في أعقاب أزمة زلزال فبراير (شباط) الماضي يمكنان أن يكونا «خطوة على طريق يُفضي إلى نوع من التفاهمات نحو ترسيم الحدود البحرية التركية - اليونانية». وهو ما يراه قنديل «حجر زاوية في إرساء تفاهمات خفض التوتر في شرق المتوسط». هذا، ويتوقع الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية أن تسلك أثينا «مساراً تصالحياً» في هذا الشأن. «لأنه مع إعادة انتخاب ميتسوتاكيس، وكذلك إعادة انتخاب إردوغان، تبدو الحاجة إلى إجراءات لبناء الثقة العسكرية والأمنية بين البلدين، وربما ترسخت قناعة لدى قيادتي البلدين أن استمرار التوتر يحرم الجميع من الاستفادة من عوائد استغلال الثروات البحرية في المنطقة»، وهنا يمكن لـ«دبلوماسية الغاز» أن «توفر إطاراً فعالاً لحلحلة صراعات تاريخية مثل الأزمة القبرصية وترسيم الحدود البحرية، وإحراز تقدم في ملف تجنب عسكرة الجزر اليونانية القريبة من الحدود التركية»، وفي كل الأحوال «ستبقى اليونان لاعباً مهماً في معادلة الأمن والاستقرار في شرق المتوسط، وستحدد تحركات حكومتها في الفترة المقبلة الكثير من ملامح المستقبل»، حسب قنديل.

هوية جيو - سياسية جديدة

في سياق متصل، «المستقبل» كلمة لا تبدو دائماً حاضرة عند النظر إلى المشهدين السياسي والأمني في شرق المتوسط. إذ إن الماضي ربما يكون أكثر تأثيراً على طبيعة العلاقات داخل تلك المنطقة، كونه يفرض حضوراً طاغياً عند قراءة سطور ملف العلاقات اليونانية - التركية، أو القبرصية – التركية، أو العربية – التركية، أو العربية - الإسرائيلية. ولكن يبدو أن اليونانيين، الذي اهتموا منذ قرون بعيدة بقراءة المستقبل، باتوا أكثر ميلاً لاستشراف المستقبل. واليوم، ثمة أدوات ووسائل أخرى لبناء المستقبل، ومن الواضح أن حكومة ميتسوتاكيس تراهن على أن مستقبلها يتجه غرباً، رغم انخراطها تاريخياً في الشرق، حيث تقوم أثينا ببناء هوية جيو - سياسية جديدة كحصن للغرب في شرق المتوسط... ويرى كثيرون أنه يمكن إسناد مسؤوليات جديدة إلى اليونان في إطار تخطيط حلف شمال الأطلسي «ناتو» وأوروبا لمسارات الأمن الإقليمي.

ويذهب تحليل نشرته مجلة «فورين بوليسي» في سبتمبر (أيلول) 2020 إلى أن «أثينا تعيد إحياء نفسها كقوة دبلوماسية»، مستشهداً بتحركات يونانية مكثفة بين إسرائيل وفلسطين، وذهاب رئيس وزرائها في جولة إلى شمال أفريقيا شملت طرابلس والقاهرة، وتوثيق العلاقات الاقتصادية والعسكرية مع المملكة العربية السعودية، وتنشيط العلاقات الدبلوماسية مع ليبيا، والحفاظ على تنامي العلاقات بصورة غير مسبوقة مع مصر والأردن والإمارات وقبرص.

وحقاً، تسعى اليونان، التي تتمتع بموقع متميز بين ثلاث قارات، وتمتلك أكبر أسطول تجاري يعمل على مستوى العالم، ولديها في موانئ بيرايوس وتيسالونيكي وألكساندروبوليس «بوابات» للاتحاد الأوروبي ومنطقة البحر الأسود، إلى استغلال قدراتها تلك لتعزيز وجودها كقوة في شرق المتوسط، سواءً كمركز للطاقة بين الأسواق الأوروبية والمنتجين الإقليميين، أو كقوة عسكرية عبر تعزيز قدراتها بالتعاون مع الولايات المتحدة وأوروبا.

وبالمناسبة، أعلن رئيس الوزراء اليوناني في منتصف سبتمبر (أيلول) 2020، عن «برنامج مهم» لتعزيز القدرات العسكرية للبلاد، يشتمل على شراء أسلحة بينها 18 مقاتلة «رافال» فرنسية، وأربع فرقاطات متعددة المهام، فضلاً عن تجنيد 15 ألف جندي إضافي، كما تخطط أثينا أيضاً لزيادة حجم إنفاقها العسكري خلال السنوات العشر المقبلة، ليصل إلى 10 مليارات يورو.

ثم إن اليونان، على الرغم من الأزمة المالية التي هزّتها خلال العقد الماضي، تأتي في مرتبة متقدمة بين الدول الأعضاء في «الناتو» من حيث نسبة الإنفاق العسكري بالنسبة لحجم الاقتصاد الوطني. فخلال العام الماضي، أنفقت اليونان نحو 2.29 في المائة من ناتجها المحلي الإجمالي على السياسات الدفاعية، علماً بأن متوسط حجم الإنفاق الدفاعي في دول الحلف (قبل الحرب في أوكرانيا) تراوح بين 1.2 و2 في المائة.

وأيضاً، تعاقدت اليونان مع الولايات المتحدة لشراء نحو 20 طائرة من مقاتلات «إف - 35» (الشبح)، مع إمكانية إضافة 20 طائرة أخرى في المستقبل، وانتشرت أنباء عن اتفاق بشأن مشاركة اليونان في برنامج تصنيعها، إلى جانب تعاقدها على ترقية 84 طائرة «إف - 16»، علاوة على شراء المسيّرات الأميركية «إم كيو - 9»، ووضع مشروع تصنيع طائرات مسيّرة يونانية الصنع على أجندة المرحلة المقبلة في إطار مواجهة المسيّرات التركية.

هذا، وتراهن اليونان في مسعاها لزيادة حضورها الإقليمي على علاقات تاريخية تجمعها مع واشنطن. إذ يبدو ملف العلاقات الأميركية مع أثينا واحداً من ملفات معدودة لا يختلف عليها الجمهوريون والديمقراطيون، وتتجه العلاقات بثبات نحو بناء «تحالف استراتيجي جديد» بين البلدين، يمكن أن يكون بمثابة بديل لتركيا... بل تشير تقارير أميركية عدة إلى أن هناك دراسة لاستخدام الجزر اليونانية بديلاً لقاعدة «إنغرليك» الجوية في تركيا. وما يُذكر أن أثينا كانت قد استغلت التوتر بين أنقرة وواشنطن لتوطيد علاقتها بالأخيرة. وفي 12 مايو (أيار) 2022 مدّدت اتفاقية دفاعية مبرمة مع واشنطن لمدة 5 سنوات، ما يسمح للجيش الأميركي بالوصول إلى 3 قواعد في البر الرئيسي لليونان إلى جانب وجوده العسكري في جزيرة كريت.

ومع استراتيجية واشنطن لدعم وحماية شرق أوروبا من التمدد الروسي، خصوصاً مع تفاقم الأزمة بين روسيا و«الناتو» بسبب الحرب في أوكرانيا، زادت واشنطن وجودها العسكري في رومانيا وبلغاريا واليونان. وهو ما دعا نيكولاس بيرنز، السفير الأميركي السابق لدى الناتو وأثينا وأستاذ السياسة الدولية بجامعة «هارفارد»، إلى وصف اليونان خلال فعالية على الإنترنت لـ«صندوق مارشال الألماني» في بروكسل عام 2021 بأنها «أهم شريك عسكري للولايات المتحدة في شرق المتوسط».

كذلك رأى وزير الخارجية السابق مايك بومبيو، الذي يعد أحد مهندسي الاتفاقية العسكرية مع اليونان، في تصريح له -بعد مغادرته منصبه– لصحيفة «كاثميريني» اليونانية في 29 مارس (آذار) 2022، أن «قاعدة كريت العسكرية الأميركية ستُغير موازين قوى المنطقة، وستؤمّن طرق التجارة البحرية العالمية». ومعلوم أن أثينا عززت أيضاً تحالفها مع أبرز شركائها التاريخيين في أوروبا، إذ وقَّعت مطلع العام الماضي مع فرنسا اتفاقية للتعاون العسكري يتضمن صد أي هجوم ضد إحداهما، وهذه الاتفاقية هي الثانية العسكرية بين الدولتين بعد توقيعهما في سبتمبر 2021 على اتفاقية الدفاع الثنائية.

هذه السياسة يراها الدكتور عبد اللطيف درويش «استمراراً لسياسات اليمين اليوناني على الصعيد العسكري»، حيث تسعى الحكومة إلى دعم قواها من خلال الانتشار العسكري الواسع في الجزر وشراء الأسلحة والطائرات من فرنسا والولايات المتحدة، بالإضافة إلى النجاح الدبلوماسي الذي «حال خلال السنوات الأخيرة دون حصول تركيا على طائرات F16 وF52 الأميركية وأنواع أخرى من التجهيزات العسكرية الغربية، الأمر الذي خلق توتراً مع تركيا». ولكن في المقابل يرى الدكتور أحمد قنديل أن تعزيز العلاقات اليونانية - الأميركية، وإن كان يمثل ركيزة لبناء منظومة الأمن اليونانية، فإنه قد «يمثل في الوقت ذاته أداة لإثارة مخاوف تركيا، واستدعاء استقطابات دولية في المنطقة».

كيرياكوس ميتسوتاكيس (إيبا إيفي)

محطات مهمة في تاريخ «شرق المتوسط»

> تبدو منطقة «شرق المتوسط»، وبخاصة على المسرح «اليوناني - التركي - القبرصي»، حافلة بالمحطات التاريخية ذات الدلالة، التي تسهم إلى اليوم في صياغة ملامح العلاقة بين أطراف المنطقة. ولعل من أبرز تلك المحطات ما يلي:

- يرجع توتر العلاقات بين اليونان وتركيا إلى تأسيس دولة يونانية مستقلة عن الإمبراطورية العثمانية عقب حرب الاستقلال اليونانية عام 1820، ومنذ ذلك الحين، لعبت العوامل القومية والدينية والجيو - سياسية دورها كمحفزات دائمة للتوتر بين الدولتين.

- تجدد الصراع بين تركيا واليونان، بعد مشاركة اليونان مع الحلفاء ضمن الحرب العالمية الأولى، في احتلال جزء من الأراضي التركية، وما جاء بعدها من «حرب تحرير» قادها مصطفى كمال «أتاتورك» انتهت بإنهاء «الاحتلال اليوناني» لغرب تركيا وتأسيس الدولة التركية عام 1923.

- بعد الحرب العالمية الثانية، ومن خلال «اتفاقية باريس 1947»، تخلّت إيطاليا عن سيادتها على 14 جزيرة في بحر إيجة لليونان، وهو ما أطلق خلافاً جديداً بين أنقرة وأثينا بسبب قرب هذه الجزر من السواحل التركية. وحتى الآن يبقي موضوع ترسيم الحدود البحرية بين تركيا واليونان في بحر إيجة وشرق المتوسط مشكلة دون حل جذري.

- عام 1966 اتخذ البرلمان التركي قراراً يفيد بأن إعلان اليونان مد حدودها البحرية في بحر إيجة إلى 12 ميلاً بحرياً يعني «إعلان حرب» بين البلدين.

- في 20 يناير (كانون الثاني) 2021 أعلن رئيس وزراء اليونان كيرياكوس ميتسوتاكيس مد الحدود البحرية لليونان في البحر الأيوني (جنوب بحر إيجة) إلى 12 ميلاً بحرياً، مع الاحتفاظ بحق اليونان في توسيع هذا الحق إلى بحر إيجة لاحقاً.

- عام 1974 قُسمت جزيرة قبرص عندما غزت تركيا ثلثها الشمالي، رداً على الانقلاب اليميني الذي وقع في الجزيرة بدعم من حكام اليونان العسكريين الانقلابيين.

- في ديسمبر (كانون الأول) 2019 وقّعت تركيا اتفاقية مع «حكومة الوفاق الوطني» الليبية، لترسيم حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة بين تركيا وليبيا في البحر المتوسط، وهو ما رفضته مصر واليونان وقبرص.

- في 9 يونيو (حزيران) 2020 أبرمت إيطاليا واليونان اتفاقية لتعيين المنطقة الاقتصادية الخالصة بين الدولتين، ومثّلت الاتفاقية أهمية كبيرة لأنه يمكن استخدامها لتقويض اتفاق تركيا مع «حكومة الوفاق الوطني» الليبية.

- في 6 أغسطس (آب) 2020، وقّعت مصر واليونان اتفاقاً لترسيم الحدود البحرية بينهما بعد ما يقرب من 13 جولة تفاوضية خلال أكثر من 15 سنة. وتسهم الاتفاقية في إضفاء شرعية قانونية ودولية على كل الأنشطة البحرية المتعلقة باستغلال الثروات الطبيعية في المنطقة المشمولة بالاتفاق، كما أنها تؤمّن حقوق البلدين في أي اكتشافات مستقبلية للغاز في تلك المنطقة، وأعلنت تركيا اعتراضها على الاتفاق. مثّل التقارب اليوناني مع مصر في إطار «تحالف ثلاثي» يضم قبرص إلى جانبهما واحدة من قصص نجاح إدارة السياسة الإقليمية لحكومة ميتسوتاكيس الأولى


مقالات ذات صلة

شراكة مصر مع قبرص واليونان لم تمنع تطور علاقاتها بتركيا

العالم العربي الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يتوسط الرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليدس ورئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس متسوتاكيس (الرئاسة المصرية)

شراكة مصر مع قبرص واليونان لم تمنع تطور علاقاتها بتركيا

يثير التعاون المتنامي بين القاهرة وأنقرة، الذي امتد إلى مجالات التنسيق العسكري، تساؤلات بشأن انعكاساته على الشراكة الاستراتيجية التي تجمع مصر باليونان وقبرص.

هشام المياني (القاهرة)
شمال افريقيا ختام تدريب عسكري بين مصر واليونان (المتحدث العسكري للجيش المصري)

مناورات جوية مصرية - يونانية لتطوير القدرات القتالية

أجرى الجيش المصري ونظيره اليوناني مناورات عسكرية استمرت لمدة 5 أسابيع بمشاركة عناصر من القوات الجوية للبلدين إلى جانب مشاركة القوات الجوية الإسبانية بصفة مراقب.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا حفتر مستقبلاً رئيس أركان الجيش المصري (المتحدث العسكري المصري)

«الجيش الوطني» الليبي يدعو إلى التصدي لـ«التنظيمات الإرهابية العابرة للحدود»

تحدّث الفريق خالد حفتر، رئيس أركان «الجيش الوطني» الليبي عن «تحديات أمنية تواجه دول البحر المتوسط، من بينها نشاط التنظيمات الإرهابية متعددة الجنسيات».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
أوروبا صورة جوية لنهر ميلجاكا شبه الجاف والطحالب التي تظهر من خلاله وسط موجة حر وجفاف في سراييفو - البوسنة (أ.ب)

منذ أبريل... الجفاف يطال أكثر من نصف أوروبا وحوض البحر المتوسط

طال الجفاف 52 % من الأراضي الأوروبية وسواحل البحر المتوسط في يوليو (تموز) للشهر الرابع على التوالي.

«الشرق الأوسط» (باريس)
المشرق العربي وزير الخارجية اللبناني عبد الله بوحبيب مع نظيره الإيطالي أنطونيو تاجاني في مؤتمر «حوار روما المتوسطي»... (إ ب أ)

لبنان أمام «حوار روما المتوسطي»: نتطلع إلى دعمكم لبناء دولة قوية

جدّد وزير الخارجية اللبناني، عبد الله بوحبيب، التأكيد أن بلاده مستعدة للوفاء بالتزاماتها المنصوص عليها في القرار «1701»، مشدداً على أنه «لن يكون هناك سلاح دون…

«الشرق الأوسط» (بيروت)

حرية الصحافة وحدود السلطة وأزمة الثقة في أميركا

ترمب مع مراسلي الإعلام قبل الأزمة الأخيرة (أ.ف.ب - غيتي)
ترمب مع مراسلي الإعلام قبل الأزمة الأخيرة (أ.ف.ب - غيتي)
TT

حرية الصحافة وحدود السلطة وأزمة الثقة في أميركا

ترمب مع مراسلي الإعلام قبل الأزمة الأخيرة (أ.ف.ب - غيتي)
ترمب مع مراسلي الإعلام قبل الأزمة الأخيرة (أ.ف.ب - غيتي)

معركة الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع الإعلام، لم تعد خلافاً على سؤال مستفز أو تقرير سلبي. فمع منع الـ«سي إن إن» والـ«إم إس ناو» و«بوليتيكو» من دخول البيت الأبيض، وتعليق الشبكات الكبرى التغطية التلفزيونية المشتركة لأنشطته، انتقل النزاع إلى اختبار حدود السلطة على المعلومات، وقدرة الصحافة على الدفاع عن استقلاليتها أمام جمهور تتراجع ثقته بها. وتجمع المواجهة بين أسئلة يصعب فصلها: أين تنتهي صلاحية الإدارة في تنظيم الوصول إلى المؤسّسات الحكومية؟ وأين تبدأ معاقبة التوجه التحريري؟ وهل أضعفت بعض وسائل الإعلام موقعها حين غلَّبت الخصومة السياسية على تفسيرها للوقائع؟ ثم هل يفسر أسلوب ترمب وحده هذا التصعيد، أم أنه يكشف عن أزمة أوسع في العلاقة بين المؤسسات المنتخبة والصحافة والمواطنين؟ وبين رئيس يرى في التغطية «المعادية» تشويهاً لسياساته، ومؤسسات تعد استبعادها اعتداء على حرية الصحافة، يدور صراع يتجاوز الطرفين: من يحدد المعلومات التي تصل للأميركيين عن حكومتهم، وبأي شروط؟

بدأ الفصل الأخير، الأسبوع الماضي، حين أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب حظر الـ«سي إن إن» والـ«إم إس ناو» و«بوليتيكو»، متهماً إياها بنشر أخبار كاذبة. وبعد ذلك منع صحافيوها من الدخول وسحبت تصاريحهم. ودخل القضاء على خط المواجهة بعدما لجأت المؤسسات إليه يوم الاثنين. ويوم الأربعاء أمر القاضي تيموثي كيلي، الذي عيّنه ترمب عام 2017، بإعادة اعتمادات صحافيي المؤسسات الثلاث فوراً، ووقف تنفيذ الحظر لمدة 14 يوماً. ورجح القرار مخالفة الحظر للضمانات الدستورية، واعتبر أن مبررات الأمن القومي تفتقر إلى سند واقعي كاف. وهو تدخّل مؤقت يضع إجراءات الإدارة تحت الرقابة القضائية، فيما يستمر النزاع بشأن حدود سلطتها على وصول الصحافة.

جذور في ولاية ترمب الأولى

للخلاف جذور في ولاية ترمب الأولى، حين ألغى اعتماد مراسل الـ«سي إن إن» جيم أكوستا عام 2018، قبل أن يأمر كيلي بإعادته لغياب الضمانات الإجرائية اللازمة. لكن الانتقال من إجراء ضد مراسل إلى استبعاد مؤسسات كاملة يوسع نطاق السؤال: هل ينظم عمل الصحافة وفق قواعد معلنة، أم يصبح استمرار وجودها رهناً بتقييم الرئيس لتغطيتها؟

وامتد النزاع في ولايته الثانية إلى مواقع أخرى. ففي فبراير (شباط) 2025، أخرج البنتاغون مؤسسات من مساحات عملها ضمن برنامج قال إنه يوسع فرص الوصول لمؤسسات أخرى. ثم أثارت شروط الاعتماد اللاحقة نزاعاً قضائياً، وفي مارس (آذار) 2026، حكم قاض بعدم دستورية السياسة المطعون فيها، قبل أن تعلن الوزارة تعديلات ومواصلة الاستئناف.

وتكشف هذه الوقائع عن أن القضية تتصل بقواعد مؤسسية قابلة للاستمرار بعد مغادرة ترمب منصبه. وفي المقابل، فإن اختزال خيارات اليمين، من الهجرة إلى التجارة والسياسة الخارجية، في شخصية الرئيس، يحجب النقاش حول أسباب تأييدها. فالإعلام يستطيع مساءلة الخيارات ونتائجها، لكن تفسير كل منها بوصفه نزوة شخصية قد يضعف قدرته على فهم المجتمع الذي يمنحها التأييد. كما أن «شخصنة» الصراع تؤدي أيضاً خدمة سياسية للرئيس: فحين تتحوّل المناقشة إلى محاكمة طباعه، يسهل تقديم الاعتراض على قراراته، باعتباره خصومة معه ومع ناخبيه. وعندئذ تتراجع الأسئلة القابلة للتحقق، مثل كلفة السياسة ونتائجها والبدائل المتاحة، لمصلحة سجال حول النيات والولاءات. وتلك مشكلة تحريرية حتى حين تكون الانتقادات الأصلية مبرّرة.

الصحافة تحت الاختبار

تمنح أزمة الثقة هذا الخطاب أرضية أوسع؛ ففي استطلاع «غالوب»، نشر في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، قال 28 في المائة من الأميركيين إن لديهم ثقة كبيرة أو معقولة بقدرة الصحف والتلفزيون والإذاعة على تقديم الأخبار بدقة وإنصاف وشمول. وبلغت النسبة 8 في المائة بين الجمهوريين، و27 في المائة بين المستقلين، و51 في المائة بين الديمقراطيين.

وحقاً، لا تثبت هذه الأرقام أن الأخبار خاطئة، لكنها تظهر أن المؤسسات الإعلامية لا تخاطب جمهوراً يتفق على أهليتها للحكم على الوقائع. كما أن ضعف الثقة بين المستقلين، وتراجعها حتى عند الديمقراطيين، يمنعان تفسير المشكلة كنتيجة لخطاب ترمب وحده.

ومع ذلك، يحتاج اتهام الإعلام بالتحول إلى معارضة سياسية إلى أدلة تتجاوز عدد الأخبار السلبية: هل تُمنح المعلومات المخالفة للرواية الغالبة مكانها؟ هل يظهر التصحيح بوضوح؟ وهل يستطيع القارئ تمييز الخبر من التحليل والرأي؟ وهي معايير يمكن تطبيقها على المؤسسات الليبرالية والمحافظة معاً.

في تغطية حرب إيران، على سبيل المثال، يتهم وزير الخارجية ماركو روبيو وسائل الإعلام بأنها بدت وكأنها تدافع عن طهران. هنا يختلف نقد قرار الحرب أو مساءلة الرواية الرسمية عن تفاصيل عملياتية قد تعرّض أفراداً للخطر. كما يختلف التحقيق في خسائر أو إخفاقات عن افتراض سوء نيات الإدارة سلفاً. وحين تصف السلطة النقد بالخيانة أو بتشويه الحقائق، وحين تتعامل التغطية مع كل تفسير رسمي بوصفه تضليلاً محسوماً، تضيع هذه الفروق.

بيد أن مشكلة المصالح تظهر في ملفات أخرى، كالجدل الدائر حول «أخطار» الذكاء الاصطناعي. ففي مقال رأي في الـ«وول ستريت جورنال»، جادل غابرييلي مازيني الذي يشغل منصب زميل في مبادرة «إم آي تي كونيكشن ساينس»، وقاد الفريق الذي صاغ مقترح قانون الذكاء الاصطناعي الخاص بالمفوضية الأوروبية، بأن تضخيم شركات الذكاء الاصطناعي أخطار تقنياتها، قد يخدم مصالح تنظيمية وتجارية واحتكارية. وهذه حجة تستدعي اختبار روايات الشركات ومصادرها، من دون أن تثبت أن الأخطار مختلقة أو أن الصحافة تتبنى أجندة موحدة ضد الرئيس.

والاختبار هنا عملي: هل تُعامل ادعاءات شركة نافذة بالمقدار نفسه من التدقيق الذي يواجه به تصريح سياسي؟ وهل يوضح التقرير ما ثبت بالتجربة وما بقي متوقعاً؟ هذه الأسئلة تصلح أيضاً للتعريفات الجمركية والهجرة والحروب، حيث تتنافس مصادر رسمية وتجارية وحزبية على توجيه التغطية. ومن نافلة القول إن مهنية الصحافة تقاس بقدرتها على كشف هذه المصالح، بما فيها مصالح المصادر التي تتفق معها.

في دفاعها أمام المحكمة،

قالت الإدارة إن دخول البيت الأبيض

«امتياز وليس حقاً»، واتهمت المؤسسات

المستبعدة بمخالفة معايير المهنية

الأمن القومي وحدود السلطة

في دفاعها أمام المحكمة، قالت الإدارة إن دخول البيت الأبيض «امتياز وليس حقاً»، واتهمت المؤسسات المستبعدة بمخالفة معايير المهنية ونشر معلومات حساسة وسرية. وبحسب «نيويورك تايمز»، استشهدت الرسائل الموجهة إليها بتقارير عن منشآت البيت الأبيض وترتيبات أمنية، وأخرى عن تقديرات ترمب للحرب مع إيران.

هذه حجج للسلطة التنفيذية في دعوى جارية، وليست أحكاماً تثبت وقوع مخالفات. وتقول المؤسسات الإعلامية إن العقوبة استهدفت توجهها التحريري ونُفذت من دون إنذار أو فرصة مسبقة للاعتراض، بينما تتمسك الإدارة بأن الإجراءات التي وفرتها بعد المنع كانت كافية. والتمييز القانوني أساسي: ليست الصحافة صاحبة حق مطلق في دخول كل مكان أو حضور كل لقاء رئاسي. لكن سابقة «شيريل ضد نايت» عام 1977 قررت أن إدارة نظام التصاريح الصحافية تخضع لضمانات دستورية، تشمل معايير واضحة وإخطاراً بأسباب الرفض وفرصة الرد.

ومن هنا، لا يكفي وصف الدخول بالامتياز لإعفاء قرارات الاستبعاد من المراجعة. وتزداد حساسية المساءلة عندما يتسع مفهوم الأمن القومي ليشمل نشر تقدير سياسي لا يعجب الرئيس. ونقلت الـ«نيويورك تايمز» عن أستاذة القانون باربرا ماكويد قولها، إن المحاكم تمنح السلطة التنفيذية هامشاً في المسائل الأمنية، لكنها حذرت من أن الاستخدام غير الجدي لهذه الذريعة قد يضعفها حين تكون ضرورية بالفعل.

ويشمل النزاع توقيت تقديم أسباب المنع والضمانات المتاحة للاعتراض عليه. وتقول المؤسسات الثلاث إن الإدارة سحبت اعتمادات صحافييها من دون إخطار مسبق أو فرصة للطعن، بينما يتمسك البيت الأبيض بكفاية الإجراءات التي أتاحها بعد تنفيذ القرار. ونقلت الصحيفة عن غيب روتمان، نائب رئيس السياسات في لجنة المراسلين لحرية الصحافة، اعتراضه على تعليق الاعتماد ثم تقديم مبررات لاحقة. وبذلك، يمتد الخلاف إلى الإجراءات التي اتبعتها الإدارة، إلى جانب النزاع بشأن مضمون التغطية الصحافية.

السوابق ومعيار المقارنة

يدافع نائب الرئيس جي دي فانس عن القرار بعدّه حجباً لوصول مميز عن مؤسسات تمارس، وفق وصفه، الدعاية، ويستشهد بمعاملة وسائل محافظة في عهدي أوباما وبايدن. وتقول الإدارة إن المؤسسات المستبعدة ما زالت قادرة على النشر، بينما ترى تلك المؤسسات أن استمرار البث لا يعوض حرمانها من جمع الأخبار داخل المقر الرئاسي.

وتوجد بالفعل سوابق لضغوط اتخذتها إدارات ديمقراطية، أبرزها تحقيقات التسريبات في عهد أوباما التي شملت سجلات الـ«أسوشييتد برس» ومراسل «فوكس نيوز» جيمس روزن. غير أن هذه السوابق لا تنتج تبريراً تلقائياً للإجراء الحالي، ولا تسمح بنسبة حسابية تختزل المقارنة بين الحزبين.

إذ إن ملاحقة مصدر، والحصول على سجل اتصالات، والاستبعاد من مقابلة، وسحب اعتماد مؤسسة، إجراءات تختلف في طبيعتها وآثارها. وقد يكون إجراء محدود العدد بالغ التأثير إذا أخاف المصادر وعطل التحقيقات. المعيار الأكثر جدية يجمع بين نطاق الإجراء ومدته، وضمانات الاعتراض عليه، ومدى ارتباطه بمخالفة محددة أو بموقف تحريري.

وتعقّد مشاركة «فوكس نيوز»، المحسوبة على الجمهوريين، في موقف الشبكات اختزال المواجهة بأنه صراع مع الإعلام الليبرالي. ففي بيان مشترك نشرته الشبكة مع الـ«إيه بي سي» والـ«سي بي إس» والـ«سي إن إن» والـ«إن بي سي»، أكّدت المؤسسات «مصلحة الجمهور في معلومات مستقلة»، ورفضت تقييد مؤسسة بسبب الاعتراض على تقاريرها. غير أن هذا «التضامن» وإن كان لا يلغي المنافسة أو الانحيازات بين الشبكات، لكنه يوضح وجود مصلحة مهنية مشتركة في منع السلطة من اختيار من يراقبها. وأيضاً يضع سؤالاً أمام الإعلام نفسه عن كيفية الدفاع عن حق الوصول مع استمرار تزويد الجمهور بالمعلومات، حتى في أثناء الاحتجاج على القيود.

الديمقراطية وأزمة الثقة

قابل البيت الأبيض تراجع التغطية المشتركة بإطلاق بث «ترمب تي في»، الذي يقدم محتوى تختاره الإدارة. وبدأ بخطابات الرئيس ومشاهد عسكرية، من دون برامج أصلية. وهو ما يبرز إمكانية تجاوز الوسيط الصحافي والوصول مباشرة إلى الجمهور، مع غياب الأسئلة المستقلة عن الشاشة الرسمية. غير أن أزمة الوساطة ليست أميركية حصراً، فقد وجد تقرير «معهد رويترز لدراسة الصحافة» لعام 2026 أن الثقة بالأخبار انخفضت في 29 من أصل 48 سوقاً شملها، وبلغ متوسطها 37 في المائة. ويربط التقرير هذا التراجع بتحولات استهلاك الأخبار والقلق الأوسع من المؤسسات، مع بقاء الثقة بعلامات إعلامية محددة أكثر تماسكاً من الثقة بالإعلام عموماً.

وتدعم النتائج بحث أزمة أوسع في الديمقراطيات الغربية، لكنها لا تكفي لإعلان انهيار نموذج واحد. فالفروق بين الدول، وأنظمة الإعلام، واستقلال المحاكم، وملكية المؤسسات، تؤثر في قدرة كل مجتمع على مواجهة الضغط. كما أن تراجع الثقة قد يطال الحكومة والصحافة معاً، فلا تستفيد منه السلطة بالضرورة على المدى الطويل.

وفي الولايات المتحدة يختبر اللجوء إلى القضاء والتضامن بين شبكات متنافسة قدرة المؤسسات على فرض حدود للصراع. ومع أن القضاء تدخل لإعادة الاعتمادات مؤقتاً، فإن قراره لا يعالج وحده شكوك جمهور يرى الصحافة خصماً، ولا يعفي غرف الأخبار من مراجعة أخطائها.

والواقع أن المواجهة الجارية بين ترمب ووسائل الإعلام تكشف عن تاريخ أوسع من استخدام السلطة التنفيذية أدواتها للضغط على الصحافة؛ إذ شهد عهد الرئيس الديمقراطي باراك أوباما إجراءات طالت اتصالات الصحافيين ومصادرهم، وأثارت اعتراضات حادة على إدارة تعهدت بالشفافية، ثم وسعت ملاحقة تسريبات المعلومات الحكومية.

في مايو (أيار) 2013، كشفت وكالة الـ«أسوشييتدبرس» أن وزارة العدل حصلت سراً على سجلات 21 خطاً هاتفياً استخدمها صحافيوها ومكاتبها خلال فترة شهرين. واعترض رئيس الوكالة آنذاك، غاري برويت، على اتساع الإجراء وتنفيذه من دون إخطار مسبق يتيح الطعن فيه، محذراً من أثره في قدرة الصحافة على جمع الأخبار.

وطالت التحقيقات جيمس روزن، مراسل «فوكس نيوز»؛ إذ حصل المحققون على سجلات اتصالاته وبريده الإلكتروني في قضية تسريب معلومات عن كوريا الشمالية. ولقد وصفته وثائق التحقيق بأنه شريك محتمل في مخالفة قانون التجسس، بما أثار مخاوف من التعامل مع العمل الصحافي نفسه بوصفه نشاطاً جنائياً. ولم توجّه إليه اتهامات، لكن الإجراء وضع سرية علاقته بمصادره تحت ضغط مباشر.

وبحسب تقرير «لجنة حماية الصحافيين» في أكتوبر 2013، شملت الملاحقات بموجب قانون التجسّس منذ 2009 ستة موظفين حكوميين ومتعاقدَين اثنين، مقارنة بثلاث ملاحقات مماثلة في الإدارات السابقة مجتمعة. وتتعلق هذه الأرقام بقضايا التسريب، لكنها تكشف عن حجم التصعيد الذي رافق خطاب الإدارة عن الانفتاح.

وتبرز هذه الوقائع وجهاً للضغط لا يظهر بالضرورة في منع كاميرا أو سحب اعتماد: حين يخشى المصدر كشف اتصالاته، قد تتوقّف المعلومة قبل وصولها إلى الصحافي. ولذلك، لا يكفي استمرار مؤسسة إعلامية في النشر للقول إن حريتها لم تتأثر. وتمنح هذه السوابق أساساً للاعتراض على انتقائية الدفاع عن الصحافة وفق هوية الرئيس أو المؤسسة المستهدفة. فالمعيار هو ما تفعله السلطة بأدواتها، ومدى خضوعها للمساءلة. ومن مراقبة الاتصالات في عهد أوباما إلى سحب الاعتمادات في عهد ترمب، يبقى السؤال: كيف تُحمىَ قدرة الصحافة على كشف ما تُفضِّل الإدارة حجبه عن الجمهور؟


أولريش زيغموند... شاب يفرض «البديل» قوة حزبية شعبوية متطرفة في ألمانيا

تعبير «إعادة الهجرة»، الذي استُخدم للمرة الأولى في ذلك الاجتماع السرّي، أصبح شعار الحزب العلني
تعبير «إعادة الهجرة»، الذي استُخدم للمرة الأولى في ذلك الاجتماع السرّي، أصبح شعار الحزب العلني
TT

أولريش زيغموند... شاب يفرض «البديل» قوة حزبية شعبوية متطرفة في ألمانيا

تعبير «إعادة الهجرة»، الذي استُخدم للمرة الأولى في ذلك الاجتماع السرّي، أصبح شعار الحزب العلني
تعبير «إعادة الهجرة»، الذي استُخدم للمرة الأولى في ذلك الاجتماع السرّي، أصبح شعار الحزب العلني

عبر مكبر الصوت في أحد التجمعات الانتخابية في ولاية سكسونيا-أنهالت في شرق ألمانيا، يخرج هتاف «زيغ»، الذي في الألمانية يعني «النصر». دلالات الهتاف التاريخية لا تخفى على أحد في ألمانيا ولا خارجها؛ ذلك أن «زيغ هايل»، ومعناه «يعيش النصر»، كان شعار النازيين الذي تردد لسنوات، وأصبح محظوراً في ألمانيا بعد هزيمة النازيين من ضمن مساعي البلاد للابتعاد عن إرثها الداكن. ومع ذلك، يلعب مرشح حزب «البديل من أجل ألمانيا» الفائر بالانتخابات في ولاية سكسونيا-أنهالت، أولريش (أولي) زيغموند، على الكلمات، ويحمّس مؤيديه على الرد لدى سماع كلمة «زيغ» في تجمّعاته، بكلمة «موند»، وهي تعني بالألمانية «فم»، ثم يمازح قائلاً إن اسمه «زيغ موند»، وإن الهتاف هو هتاف لاسمه، ضاحكاً ومتسائلاً: «ما المشكلة في اسمي؟!». لعل هذه القصة تلخّص الكثير عن الرجل الذي تحوّل إلى نجم من دون منافس لدى الحزب اليميني المتطرف، والذي سيصبح قريباً أول رئيس حكومة محلية في ألمانيا ينتمي إلى حزب يميني متطرف منذ هزيمة النازيين. فهو يستخدم خليطاً من الفكاهة و«الكاريزما» ليرى إلى أي مدى يمكنه تخطي الخطوط الحمراء. وكما حول الشعار المحظور إلى دعابة، يسعى الشاب البالغ من العمر 35 سنة إلى فرض واقع جديد في ألمانيا. ويسعى حزبه إلى أن يختبر عبره إلى أي مدى يمكن الذهاب في ولاية صغيرة، على أمل نقل التجربة على الصعيد الوطني قريباً.

في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2024، وقف أولريش زيغموند أمام قرابة 20 شخصاً، بينهم نازيون جدد ومتطرفون يمينيون، داخل فندق فخم ناءٍ في مدينة بوتسدام القريبة من برلين، يتكلم أمام مشاركين في اجتماع سرّي دُعي إليه برسائل ورقية.

كان حينذاك رئيس الكتلة النيابية لحزبه «البديل من أجل ألمانيا» في ولاية سكسونيا-أنهالت. ووقف داعياً المشاركين إلى تقديم تبرعات لحملته الانتخابية التي كان بدأ يعد لها منذ ذلك الوقت، وعارضاً أفكاره لـ«تغيير صورة الشوارع في ألمانيا».

في ذلك التجمع قال إنه في حال فوزه، فإن «المطاعم الأجنبية» في ولايته «ستصبح تحت ضغوط كبيرة»، وإنه سيجعل العيش في سكسونيا-أنهالت «غير جذاب بأكبر قدر ممكن لهذه الفئة»، قاصداً بذلك المهاجرين ومَن هم من أصول مهاجرة، الذين كانوا حقاً موضوع نقاش الاجتماع السرّي. وتابع يقول إن تحقيق ذلك «سيكون سهلاً جداً جداً».

فضح الاجتماع السرّي

الاجتماع السرّي فضحه لاحقاً صحافيون ألمان من موقع «كوريكتيف» الاستقصائي الذي كشف أن إحدى الرسائل سُربت إليه، وأنه أرسل صحافياً إلى الفندق لكي يراقب الاجتماع ويكتب عنه.

وكان هدف الاجتماع الذي دعا إليه اثنان من كبار رجال الأعمال والمموّلين الألمان، مناقشة خطة لترحيل ملايين المهاجرين والألمان من أصول مهاجرة، بحسب الموقع الاستقصائي.

أثار الكشف عن الاجتماع آنذاك غضباً كبيراً في ألمانيا وإدانات سياسية واسعة؛ خاصة لأنه حمل أصداء تاريخية، مذكّراً باجتماع النازيين لمناقشة وإقرار «الحل النهائي» الذي شكّل بداية المحرقة (الهولوكوست). وللعلم، أيضاً عُقد اجتماع النازيين في مدينة بوتسدام في مكان قريب من موقع الاجتماع الحديث الذي شارك فيه زيغموند.

اللافت أن زيغموند كان واحداً من 3 سياسيين في حزب «البديل من أجل ألمانيا» شاركوا في الاجتماع، والثلاثة يعتبرون من المتطرفين داخل الحزب؛ ولذا حاول الحزب إبعاد نفسه عنهم، مدّعياً أنهم حضروا «بصفة شخصية»، وأن ما نوقش ليس سياسة يتبناها الحزب. غير أن الحزب لم يتمكن من إنكار ما نوقش بسبب وجود تسجيلات تثبت ذلك.

لا ذكر للاجتماع في الإعلام

أيضاً، كان لافتاً أنه رغم الصدمة والنقمة التي تسبب فيها الكشف عن الاجتماع في ذلك الحين، لم تُذكر القصة في الإعلام الألماني خلال حملة زيغموند الانتخابية وتغطية الانتخابات التي سبقت فوزه، وكأن الجميع نسي أنه شارك في ذاك الاجتماع، علماً بأنه في ذاك الوقت لم يكن معروفاً خارج ولايته، على عكس الوضع اليوم؛ فهو الآن بات معروفاً ليس فقط في كامل ألمانيا، بل في العالم بأسره؛ ذلك أن فوزه جذب الإعلام العالمي وترددت أصداء فوزه في كل مكان. وقد تكون مجلة «دير شبيغل» قد ساهمت عن غير قصد في تحويله إلى «نجم» بعدما وضعته على غلافها قبل الانتخابات، في صورة تثني عليه مع عنوان «أخطر رجل في ألمانيا»، ولكن من دون مضمون يعكس العنوان. زيغموند، نفسه، استغل ذلك لينشر صوراً له مع المجلة مبتسماً، والحزب اشترى كل الأعداد ليوزّعها على مؤيديه الذين بدأوا يصطفون في تجمّعاته حاملين المجلة للحصول على توقيعه.

وعندما سئل زيغموند أخيراً عن مشاركته في اللقاء قبل سنتين في سؤال عابر ضمن مقابلة مع مجلة «بوليتيكو» أخيراً، قلّل القيادي اليميني المتطرف من أهمية اللقاء، منتقداً في المقابل الصحافة التي زعم أنها «ضخّمت القصة!». أيضاً رفض زيغموند وصفه بـ«رجل متطرّف خطير»، مدّعياً أنه «شخص عادي يقلق على بلده، ويريد بلداً أفضل له ولعائلته وأولاده». وأردف: «ببساطة لا أستطيع أن أقف على الحياد في حين أشاهد بلدي يتطوّر بهذا الشكل السلبي وبسرعة». ولكن رغم إنكار الحزب تبنّي السياسات التي ناقشها الاجتماع السرّي، فإن الحملة الانتخابية في سكسونيا-أنهالت، التي قادها زيغموند وأوصلته إلى الفوز، أثبتت أن «البديل من أجل ألمانيا» تبنّى الكثير منها، ثم إن تعبير «إعادة الهجرة»، الذي استُخدم للمرة الأولى في ذلك الاجتماع السرّي، أصبح شعار الحزب العلني؛ فزعيمته أليس فايدل، التي تحظى بإعجاب «أغنى رجل في العالم» إيلون ماسك، تكرّر أنه يجب إعادة كل السوريين إلى بلدهم. والحزب أيضاً استخدم التعبير مراراً في بيانه الانتخابي في ولاية سكسونيا-أنهالت الذي امتد على أكثر من 140 صفحة. وفيه يتعهد الحزب بإلغاء المشاريع المموّلة من الحكومة والمخصّصة لدمج المهاجرين، وإلغاء مسؤولي ومفوّضي الدمج وإبدال «مفوضي إعادة الهجرة» بهم.

نشأة زيغموند وتدرّجه

وُلد أولريش زيغموند عام 1990 في بلدة هافلبرغ بولاية سكسونيا-أنهالت لعائلة كاثوليكية. وهو متزوّج من يوليا، التي تعمل مدرّسة، ولديهما ابنة، ويعيشان في بلدة تانغرمونده القريبة من مكان ولادته في هافلبرغ.

في بدايات حياته المهنية، تلقى زيغموند تدريباً في تجارة الجملة والتجارة الخارجية، وأسّس شركة عطور عام 2014. وتخرّج لاحقاً عام 2016 في جامعة هامبورغ ببكالوريوس في العلوم الإدارية وعلم النفس الاقتصادي.

وعام 2017 هجر زيغموند الكنيسة الكاثوليكية بسبب «دورها السياسي المشين» بحسب زعمه. وللعلم، تدافع الكنيسة الكاثوليكية عن اللاجئين بشكل مستمر، وتفتح أبوابها للذين تصدر بحقهم طلبات ترحيل.

وقبل الانتخابات التي فاز بها حزب «البديل من أجل ألمانيا» في سكسونيا-أنهالت، حذّرت الكنيسة الكاثوليكية في ماغدبورغ، عاصمة الولاية، من التصويت للحزب. وعلّقت لافتات ضخمة على الكاتدرائية وسط المدينة تذكّر فيها بالأخلاق المسيحية، وتدعو إلى التصويت «بضمير»، ومما كتبت: «أَحِب جارك، الحوار، الكرامة الإنسانية، التضامن، صوّت بضمير!». وبعد فوز الحزب المتطرف، أعرب مطران الكاتدرائية، إلى جانب الكنيسة البروتستانتية، عن صدمته وقلقه الكبير من زيادة الانقسام في المجتمع.

العداء للهجرة واللاجئين

من ناحية أخرى، مع أن زيغموند وُلد وكبر في ريف سكسونيا-أنهالت، حيث أعداد اللاجئين ضئيلة، فهو بنى شعبيته في الولاية على مهاجمة اللاجئين وسياسات الحكومة الفيدرالية «وسخائها» في المعونات المقدّمة لهم، مدّعياً أنه يعبر عن مشاعر أبناء الولاية. وهو دائماً يكرّر في مقابلاته أن الشوارع في ألمانيا «لم تعُد آمنة»، ويزعم أن طفولته في المقابل كانت «مليئة بالحرية... وكان بإمكانك اللعب بأمان في الشوارع ليلاً». ومن ثم، يقول إن هذه ألمانيا التي يريد إعادتها. بالطبع، هو يلمِّح إلى مسؤولية اللاجئين والمهاجرين عن جعل الشوارع أقل أماناً.

في المقابل، رغم تسخيف حزب «البديل من أجل ألمانيا» التهم الموجّهة إليه بأن بعض أفكاره تحمل صدى النازية، فإن زيغموند نفسه تكلّم عن «استخدام القوة» لتنفيذ خطط «إعادة المهاجرين».

وعندما سئل عن موقفه من خطط فتح مصنع سلاح في الولاية، قال إنه لا يعارض الفكرة، مضيفاً: «سنحتاج بطبيعة الحال إلى الموارد اللازمة لحملة إعادة الهجرة والترحيل اللاحقة، وهذا يصب في مصلحة الأمن الداخلي واستقرارنا الذاتي والدفاع الوطني»، ثم عاد ليوضح لاحقاً أن «المصنع سيصنع أيضاً المعدات والآليات ووسائل تكنولوجية وغيرها لتستخدمها القوات المسلحة الألمانية والشرطة والسلطات الأمنية». ولكن الشركة التي يتكلم عنها شركة تصنيع أسلحة إسرائيلية متخصصة فقط في تصنيع تكنولوجيا عسكرية وأنظمة دفاع وآليات مدرعة، ولا علاقة لها بتصنيع معدات للشرطة.

على خطى أبيه

في الحقيقة، لا يحمل «أولي» زيغموند أفكاراً بعيدة عن أفكار عائلته؛ فوالده يعمل لدى أحد نواب حزب «البديل من أجل ألمانيا»، وهو ما دفع كثيرين لاتهامه وأعضاء في الحزب بالمحسوبية. ومثل معظم المنتمين إلى اليمين المتطرف، يتشكك زيغموند من الإعلام، ويتكلم عن خطط لـ«إصلاحه»، وإقفال القناة الرسمية المموّلة من أموال دافعي الضرائب في الولاية. وعوضاً عن ذلك، يترافق بشكل شبه عام مع «مؤثرين» على «يوتيوب» يحملون أفكاراً يمينية متطرفة، يروّجون له وينتقدون الإعلام المهني.

ويدعو برنامج الحزب إلى وقف توظيف الأجانب حتى في الوظائف المتخصصة، في مقابل إعداد خطط لإعادة جذب الألمان الذين هاجروا لملء تلك الوظائف.

وعن طلاب المدارس من أبناء المهاجرين أو المتحدّرين من أصول مهاجرة، يقول إنه يريد فصلهم في صفوف خاصة، والإحجام عن دمجهم مع الطلاب الألمان، وبدلاً من ذلك تعليمهم بمناهج بلدهم الأصلي، وبواسطة أساتذة مهاجرين، إذا أمكن، وذلك «تمهيداً لترحيلهم إلى بلدانهم» عندما تسمح الظروف بذلك.


ولاية سكسونيا ــ أنهالت تتأهب لتحالف متطرفي اليمين واليسار

سوق في ماغدبورغ عاصمة سكسونيا-أنهالت (أ.ب)
سوق في ماغدبورغ عاصمة سكسونيا-أنهالت (أ.ب)
TT

ولاية سكسونيا ــ أنهالت تتأهب لتحالف متطرفي اليمين واليسار

سوق في ماغدبورغ عاصمة سكسونيا-أنهالت (أ.ب)
سوق في ماغدبورغ عاصمة سكسونيا-أنهالت (أ.ب)

يدخل أولريش زيغموند زعيم التنظيم المحلي لحزب «البديل من أجل ألمانيا» في ولاية سكسونيا-أنهالت الألمانية مفاوضات مع حزب «تحالف زارا فاغنكنيشت» الشعبوي اليساري المتطرف لتشكيل حكومة جديدة للولاية، وذلك بعدما تبين أن هذا الحزب كان الوحيد الذي وافق على التفاوض مع الحزب اليميني لتشكيل حكومة.

تلاقى الحزبان المتطرفان - يميناً ويساراً - بأفكارهما حول تشديد الهجرة وإعادة العلاقات مع روسيا. وبالتالي، يأمل زيغموند أن يصبح قريباً أول رئيس حكومة ولاية ينتمي لحزب متطرف في ألمانيا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

خطط الحزب تمتد إلى المناهج التعليمية التي يريد تعديلها لكي تخفّف التركيز على الشعور بالذنب الذي يلاحق الألمان بسبب ما ارتكبوه أيام النازيين، وإعادة توجيهها بحيث تركز على «الوطنية والجوانب الإيجابية».

ولا يتردد زيغموند نفسه في الكلام عن ذلك؛ إذ ينتقد فكرة أن النازيين ارتكبوا «أعظم جريمة ضد الإنسانية في التاريخ»، ويقول إن ما يبدو إنكاراً للمحرقة النازية، وهي جريمة يعاقب عليها القانون الألماني، «لا أدعي القدرة على الحكم على ذلك؛ لأنني لا أستطيع تقييم البشرية جمعاء». ويضيف: «أرى أن هذا التفسير مبالغ فيه للغاية ومنفصل تماماً عن الواقع، فبالنسبة لي من المهم التطلع إلى المستقبل لا النظر إلى الماضي. وبالطبع يجب علينا دائماً أن نتعلم من التاريخ، ليس فقط من جوانب محددة منه، بل من التاريخ ككل».

أفكار زيغموند هذه نجح في إيصالها إلى أعداد كبيرة من مؤيديه من خلال متابعيه على شبكات التواصل الاجتماعي التي ينشط عليها بشكل كبير، خاصة على منصتَي «تيك توك» و«إنستغرام» اللتين يتابعه عليهما أكثر من 600 ألف شخص، ما يجعله من ثم السياسي الألماني الأكبر شعبية على المنصتين، ثم إنه غالباً ما ينشر صوراً له تظهره «واحداً من الشعب»، في نقيض للسياسيين المنتمين للأحزاب الأخرى.

بداية مشوار زيغموند مع التطرف غير واضحة، ولكن على الأرجح أنه كان دائماً يحمل أفكاراً متطرفة تطوّرت مع الوقت لتطول اللاجئين والمهاجرين. بداياته السياسية تظهر أنه بدأ مشواره عندما كان يبلغ 19 سنة مع أكثر الأحزاب محافظةً آنذاك، وهو حزب «الاتحاد الديمقراطي المسيحي»، الذي يتزعمه اليوم المستشار الألماني فريدريش ميرتس.

في حينه، لم يكن حزب «البديل من أجل ألمانيا» قد أُسس بعد، ولم تكن هناك أحزاب على يمين الديمقراطيين المسيحيين، ولكن بعد تأسيس «البديل من أجل ألمانيا» عام 2013، انضم زيغموند للحزب عام 2015.