ليبيا على أبواب تقلبات سياسية جديدة

وسط مخاوف من «تبخّر» حلم عقد انتخابات قريبة

اجتماع القاهرة للجنة العسكرية المشتركة (5+5) ولجان التواصل في كل من ليبيا والسودان والنيجر (UNSMIL)
اجتماع القاهرة للجنة العسكرية المشتركة (5+5) ولجان التواصل في كل من ليبيا والسودان والنيجر (UNSMIL)
TT

ليبيا على أبواب تقلبات سياسية جديدة

اجتماع القاهرة للجنة العسكرية المشتركة (5+5) ولجان التواصل في كل من ليبيا والسودان والنيجر (UNSMIL)
اجتماع القاهرة للجنة العسكرية المشتركة (5+5) ولجان التواصل في كل من ليبيا والسودان والنيجر (UNSMIL)

انفتح المشهد السياسي الليبي، من جديد، على جملة من المتغيرات اللافتة والصادمة أيضاً، التي من الممكن أن تزيد الأمور تعقيداً في بلاد تلتمس فرجاً قريباً. فموعد الانتخابات التي كان يرجوها البعض قبل نهاية العام الحالي، بدا أبعد مما يحلم به المتفائلون، وذلك على وقع توتر جديد بين بعض مما يسمون «الأطراف الفاعلة» وعبد الله باتيلي، رئيس بعثة الأمم المتحدة. وفقاً لـ«المبادرة الأممية»، انتهت أعمال لجنة (6+6) المشتركة، المؤلفة من ممثلين عن مجلسي النواب و«الأعلى الدولة» منتصف يونيو (حزيران) الحالي. لكن ما توصلت إليه من مشروعات قوانين مقترحة للانتخابات الرئاسية والنيابية، أحدث ردود فعل متباينة، واعتبر باتيلي أن الحصيلة «انطوت على ثغرات وأوجه قصور فنية»، ما وضعه في مرمى «الاتهامات»، ووضع ليبيا على أبواب تقلبات سياسية مرجحة.

عبد الله باتيلي، رئيس بعثة الأمم المتحدة إلى ليبيا، عدّ اعتماد مشروعات قوانين لجنة «6+6»، بالإضافة لمقترح تشكيل حكومة «موحدة»، أمرين يتطلبان اتفاقاً بين أبرز الفاعلين الليبيين. إلا أنه جوبه بانتقادات أفرقاء من كل جانب بعد إحاطته أمام مجلس الأمن الدولي، منتصف الأسبوع الماضي.

ما يُذكر أن أروقة السياسة الليبية، قُبيل إحاطة باتيلي، شهدت جدلاً واسعاً حول مخرجات اللجنة المشتركة، بعد قرابة أسبوعين من مباحثاتها بمدينة بوزنيقة المغربية، في 22 مايو (أيار)، و6 يونيو، وسرعان ما أعقب الجدل توافق ملحوظ على تلك المخرجات، في تغير عدّه متابعون «يستهدف قطع الطريق على باتيلي؛ كي لا يلجأ إلى خطته البديلة».

غير أنه في إطار «التقلبات السياسية» التي أفضت في جانب منها إلى مصالحة بين عبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، وصديقه القديم خالد المشري رئيس المجلس الأعلى للدولة، وبين ما يُعتقد بأن شيئاً ما يدور في كواليس السياسة بين الدبيبة والمشير خليفة حفتر، القائد العام لـ«الجيش الوطني الليبي»، حول ترتيبات لم يكشف عنها بعد، فإن المشهد قد ينفتح على مفاجآت جديدة في قادم الأيام.

استدعاء «مجلس الأمن»

منطلقات الأزمة الليبية راهناً، وفق باتيلي، تنبعث من «معايير الترشح للانتخابات الرئاسة وربطها بالبرلمانية، بالإضافة إلى تشكيل حكومة موحدة جديدة». وهو ما عدّه «مسائل خلافية، تتطلب اتفاقاً بين المكوّنات الرئيسية المشكِّلة للطيف السياسي الليبي».

ورجح باتيلي أن تؤدي هذه «المسائل» بالعملية الانتخابية إلى «طريق مسدودة، وأزمة جديدة»، على غرار ما حدث عام 2021، وأن تُفضي إلى مزيد من الاستقطاب وزعزعة الاستقرار في البلاد. غير أن جبريل أوحيدة، عضو مجلس النواب الليبي، رأى أن باتيلي «جعل من جزئية تشكيل حكومة جديدة موحدة تشرف على الانتخابات المقبلة... مُعضلة».

أوحيدة، الذي يعتقد بأن «دولاً بعينها لا تريد حل أزمة ليبيا، بل الاستمرار في إدارتها»، نوه بأن المبعوث الأممي يتصرف و«كأنه لا يعلم أن التعديل الدستوري الـ13 أعطى اللجنة المشتركة (6+6) الحق في مناقشة تشكيل حكومة جديدة». وانتهى إلى أن باتيلي «يرسخ إشكالية فرض سياسة الأمر الواقع التي ينتهجها الدبيبة ومَن يدعمه».

الملاحظ هنا، وللمرة الأولى منذ تسلمه مهامه في منتصف أكتوبر (تشرين الأول) 2022، أن المبعوث الأممي ذهب إلى استدعاء ما سمّاه «النفوذ الجمعي والفردي» لمجلس الأمن الدولي، بقصد زيادة الضغط على «الجهات الفاعلة» ذات الصلة، وذلك «بغية ضمان إظهار الإرادة السياسية المطلوبة للسير ببلادهم نحو انتخابات ناجحة».

وعددت البعثة الأممية ضمن ما سمّته «القضايا الأكثر إثارة للخلاف على الصعيد السياسي» - من بين ما أثمرته اللجنة المشتركة في بوزنيقة - شروط الترشح للانتخابات الرئاسية، والأحكام التي تنص على جولة ثانية إلزامية من الانتخابات الرئاسية حتى لو حصل أحد المرشحين على أكثر من 50 في المائة من الأصوات في الجولة الأولى، والأحكام التي تنص على عدم إجراء الانتخابات البرلمانية في حال فشلت الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية، والأحكام القاضية بتشكيل حكومة مؤقتة جديدة قبل إجراء الانتخابات.

وللعلم، يتيح مشروع القانون تأمين ما لا يقل عن 20 في المائة من المقاعد للنساء في مجلس النواب. ومع ذلك، فإنه يخصص 6 مقاعد فقط للمرأة، من أصل 90 مقعداً، في مجلس الشيوخ.

قطع الطريق على باتيلي

رئيسا مجلسي النواب و«الأعلى للدولة»، على الرغم من مواقفهما المتباينة من مخرجات اللجنة المشتركة، فإنهما قرآ المشهد الراهن مبكراً، وأبقيا على أن القوانين التي انتهت إليها «6+6»، أو التعديل عليها هي من سلطة اللجنة فقط، سعياً لقطع الطريق على لجوء باتيلي، إلى «خطته البديلة» التي كان أعلنها فور كلامه عن مبادرته في فبراير (شباط) الماضي.

إذ إن عقيلة صالح، رئيس مجلس النواب، الذي سارع وانتقد عملية عقد الانتخابات الرئاسية على جولتين، عاد ليؤكد، في مؤتمر صحافي من بنغازي بحضور نظيره المصري المستشار حنفي جبالي، منتصف الأسبوع الماضي، أن «ملاحظاته على مخرجات لجنة (6+6) فنية وقانونية، لا تمس الجوهر».

ومضى صالح مدافعاً عن اللجنة، بالقول إنها «نجحت في وضع أكثر من 90 في المائة من قوانين الانتخابات، ولا تزال قائمة حتى الانتهاء من هذه القوانين، وتشكيل حكومة جديدة تتحمل مسؤولية الاستحقاق الانتخابي المقبل».

ثم أحال المجلس الأعلى للدولة بدوره، إلى باتيلي، عشية عرض إحاطته، نسخة من القوانين، التي نتجت عن اجتماعات اللجنة المشتركة. ومع أنه شدد على أنها قوانين «توافقية ونهائية ومرحب بها من المجلسين»، فقد استدرك: «في حالة الحاجة إلى إجراء تعديل عليها، وهو أمر بعيد الاحتمال، يجب أن يتم هذا عن طريق اللجنة».

اللافت، أن المشير خليفة حفتر، القائد العام لـ«الجيش الوطني الليبي»، دخل على خط دعم لجنة (6+6)، لا سيما بعد استضافته للمرة الأولى، صالح ومعه 92 نائباً من مجلسه في مكتبه بمدينة الرجمة، بشرق ليبيا. وعدّ حفتر ما قامت به اللجنة «أولى الخطوات المهمة التي تمهد لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية». وحث المجلسين على «الإسراع في إنهاء الانقسام السياسي، وتشكيل حكومة (تكنوقراط) جديدة تشرف على الانتخابات في أنحاء البلاد كافة»، كما دعا البعثة الأممية، «للاضطلاع بدورها لدعم التوافق الذي يقود إلى هذه الانتخابات بطريقة صحيحة وشفافة».

ومضى حفتر ليؤكد دعمه «الحلول السياسية الصادقة كلها؛ لإنهاء الأزمة السياسية التي تشهدها ليبيا دون مغالبة أو إقصاء أو مصادرة حقوق أي طرف، حتى تحقق القوانين الانتخابية أكبر توافق ممكن لإجراء الانتخابات في موعدها، وضمان تحقيق نتائجها».

وفق المبادرة الأممية، تتضمن «الخطة البديلة» تشكيل لجنة توجيهية تضم ممثلين عن المؤسسات السياسية، وقيادات سياسية وقبلية، ومنظمات المجتمع المدني، ومسؤولين أمنيين وآخرين، مهمتها الوصول للانتخابات الرئاسية والبرلمانية خلال العام الحالي، من خلال وضع إطار زمني محدد، وتيسير اعتماد الإطار القانوني، وكذلك صياغة مدونة سلوك للمرشحين. وتمت الاستعاضة باللجنة المشتركة التابعة لمجلسي النواب و«الأعلى للدولة»، بدلاً من اللجنة الأممية، التي لم تشكّل أصلاً.

وللعلم، فإن واشنطن عبر سفيرها ومبعوثها الخاص إلى ليبيا، ريتشارد نورلاند، غير متحمسة لفكرة تغيير حكومة الدبيبة، واستبدال أخرى بها، خصوصاً راهناً، وترى أن الأفضل إجراء انتخابات «بأسرع وقت ممكن». وهذا المعنى أكد عليه نورلاند، خلال لقائه باتيلي، (الأربعاء الماضي)، مشيداً بإحاطته أمام مجلس الأمن، «للتعريف بالعقبات الرئيسية أمام تحديد خريطة طريق ذات مصداقية لإجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية». وتابع نورلاند: «نعيد تأكيد دعم الولايات المتحدة لجهوده (باتيلي) الرامية إلى جمع صفوف الليبيين للتغلب على تلك العقبات».

هل تبخر حلم الانتخابات؟

وسط ردود الفعل الغاضبة التي أحدثتها إحاطة المبعوث الأممي أمام مجلس الأمن، في الأوساط السياسية الليبية، حرص الأول على سرعة التواصل مع الأطراف المختلفة في البلاد، كي لا تتسع هوة الخلاف بينهم. وقال إنه تحدث مع المشري، و«اعتبرا مخرجات لجنة (6+6) خطوة مهمة إلى الأمام، واتفقا على الحاجة إلى إشراك الأطراف الرئيسية المعنية جميعها؛ بهدف تأمين اتفاق سياسي شامل وملائم بين كل الأفرقاء الرئيسيين في ليبيا».

جهود البعثة الأممية ولقاءات باتيلي مع المسؤولين بالبلاد، لم تمنع السفير طاهر محمد السني، مندوب ليبيا الدائم لدى الأمم المتحدة، من القول إن الليبيين اليوم «في حالة من الغضب والاستياء الشديد، وهم يرون أن حلم الانتخابات يتبخر للمرة الثانية»، داعياً مجلس الأمن «ألا يخذلهم هذه المرة». وكان مقرراً أن تشهد ليبيا انتخابات رئاسية وتشريعية في ديسمبر (كانون الأول) 2021، لكنها أُرجئت إلى أجل غير مسمى؛ بسبب الخلافات حول الأساس الدستوري للانتخابات ووجود مرشحين مثيرين للجدل، من بينهم الدبيبة وحفتر وسيف الإسلام، نجل الرئيس الراحل معمر القذافي.

السني تحدث أمام مجلس الأمن، عن ضرورة «تفادي تكرار التجارب السابقة التي أثبتت عدم نجاعتها وملّ منها الليبيون، بخلق مسارات ومراحل انتقالية جديدة تُدخلنا من جديد في صراع الشرعيات». وأردف: «لتفادي ذلك، علينا النظر بعناية لمخاوف البعض وتحفظاتهم، لأنه على الرغم من جهود اللجنة المشتركة، فإننا رأينا اعتراضات على ما تم التوصل إليه من البعض، لذا نرجو من الجميع المساهمة وبإيجابية لحل هذه الإشكاليات».

وطالب السني، الأمم المتحدة، بوصفها وسيطاً، بالإسراع في المساعدة لعلاج هذه الخلافات، و«نحن على ثقة، وإذا حسنت النوايا، بأن حلم الخروج من هذه الحلقة المفرغة ممكن، وبدء مرحلة استقرار الدولة لن يكون مستحيلاً».

المعلوم أن ليبيا لم تشهد سلاماً يُذكر منذ «ثورة» 17 فبراير عام 2011 التي دعمها حلف شمال الأطلسي (الناتو) وأطاحت بنظام القذافي. وقُسمت ليبيا في 2014 بين فصائل شرقية وغربية متناحرة، وانتهت آخر موجة صراع كبيرة في عام 2020 بوقف إطلاق النار.

هل تميل البعثة لحكومة الدبيبة؟

وتتمحور الأزمة راهناً، وفق سياسيين ورؤساء أحزاب، حول رغبة بعض الأطراف المحلية في تغيير حكومة الدبيبة، وسط اعتقادهم بأن المبعوث الأممي يعارض ذلك التوجه.

هنا ينفي أحد المسؤولين بالبعثة لـ«الشرق الأوسط» ميل البعثة إلى أي طرف سياسي بالبلاد، ويوضح: «المبعوث الأممي، باتيلي، أعلن في إحاطة سابقة أمام مجلس الأمن، في فبراير الماضي، مبادرة لحل الأزمة الليبية تتضمن إجراء انتخابات خلال العام الحالي، والبعثة تعمل على ذلك مع مختلف الأطراف في البلاد». ولكن 16 مرشحاً للرئاسة في ليبيا، استنكروا ما سمّوه «انحياز باتيلي، في إحاطته الأخيرة، إلى حكومة (الوحدة الوطنية) - التي سبق أن أنهى مجلس النواب ولايتها - واعتباره توافق مجلسي النواب و(الدولة) على تغييرها أمراً خلافياً، وأنه بذلك يقحم نفسه طرفاً في الأزمة، بدلاً من أن يكون جزءاً من الحل». وأثنى هؤلاء، من جهة ثانية، على الجهد الذي بذلته لجنة «6+6» ورحبوا بالنتائج التي توصلت إليها، ودعوها إلى العودة للاجتماع للنظر في الملاحظات التي أُبديت حيال مخرجاتها، والتوصل إلى توافقات تفسح الطريق أمام إجراء الانتخابات بشقيها (الرئاسية والتشريعية)، مؤكدين ضرورة عقدها في ظل حكومة واحدة لكل ليبيا، مُحمِّلين بعثة الأمم المتحدة كل تأخير إضافي في إجراء الانتخابات.

تقارب إقليمي... ودعم دولي

في هذه الأثناء، يعوّل كثيرون الآن على ألاّ تتراجع قضية بلادهم ثانيةً، وتعود للمربع الأول، آملين في الاستفادة من التقارب بين الأطراف الإقليمية، من بينهما القاهرة وأنقرة، بوصفهما «قطبين مؤثرين في الأزمة».

القاهرة، من جانبها، تدعم المسار الانتخابي ونتائج اللجنة المشتركة، وسط تمسكها «برفض أشكال التدخلات الخارجية كافة، وما لديها من مآرب تستهدف النيل من استقرار ووحدة ليبيا وثروات شعبها». وهو الخطاب الذي أكده رئيس مجلس النواب المصري، حنفي جبالي، خلال زيارته بنغازي، منتصف الأسبوع الماضي.

والأمر لا يختلف بالنسبة لأنقرة، التي أكد مندوبها لدى الأمم المتحدة حرص بلاده «على دعم المسار الديمقراطي بقيادة وملكية ليبية، بما من شأنه أن يدعم استقرار ليبيا والمنطقة».

وكانت جامعة الدول العربية، دعت مبكراً، عقب الإعلان عن نتائج اللجنة المشتركة، إلى تشجيع الأطراف الليبية على «تذليل العقبات التي تحول دون التوقيع النهائي على اتفاق القوانين الانتخابية بعد التوافقات المعلنة في بوزنيقة المغربية».

أيضاً ألمانيا، على لسان سفيرها لدى ليبيا، ميخائيل أونماخت، خلال لقائه نجلاء المنقوش وزيرة الخارجية بحكومة «الوحدة الوطنية» أبدت الحرص على دعم الجهود المحلية والدولية لإجراء الانتخابات وفق «قوانين انتخابية عادلة». والشيء نفسه، بحثه عماد السايح، رئيس مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، مع أونماخت، حيث تطرقا إلى دعم مقترحات ومساعي إنجاح الانتخابات المرتقبة وفق المعايير الدولية.

وتطرق اللقاء، إلى مناقشة آخر مستجدات العمليات الانتخابية، وتحضيرات المفوضية ومستوى جاهزيتها لتنفيذها، وبحث ما يمكن تقديمه من الدعم والخبرات المساندة في مجال إدارة وتنفيذ الانتخابات، كما استعرض اللقاء سبل تدعيم المقترحات والمساعي التي تضمن نجاحها وفقاً للمعايير الدولية.

ويعتقد متابعون بأن الأزمة الليبية ستظل تراوح في مكانها، ما دام الاتفاق لم يتم بين ساستها على طريقة إنهاء المرحلة الانتقالية، والتوجه نحو عقد انتخابات رئاسية ونيابية قريبة.

ماذا قدمت البعثة الأممية لليبيا في 8 أشهر؟

عبد الله باتيلي (UNSMIL)

* منذ أن وصل عبد الله باتيلي، الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، إلى العاصمة الليبية (طرابلس)، يوم 14 أكتوبر 2022، والأمل يداعب الليبيين بإمكانية حلحلة أزمة بلادهم، وإنهاء المرحلة الانتقالية.

باتيلي، السياسي السنغالي الذي يقف على مشارف الثمانين من عمره، تسلم مهامه قبل نحو 8 أشهر، على وقع فشل ليبيا في عقد انتخاباتها العامة 2021. لكنه منذ أن تسلم مهامه، وهو يروّض هذه الأزمة عبر محاولات مختلفة ولقاءات متعددة، في مسيرة لم تخلُ من انتقادات... هنا أبرز محطاتها:

- نبّه باتيلي، منذ وصوله إلى طرابلس، على أنه «سيتواصل أولاً وقبل كل شيء، مع الأطراف الليبية جميعها في عموم البلاد، بمَن فيهم النساء والشباب والمجتمع المدني؛ للاستماع إلى آرائهم بخصوص الأوضاع السياسية والأمنية والاقتصادية، ومعرفة رؤاهم بالنسبة لمستقبل بلادهم، بغية تحديد مسار توافقي يفضي إلى تنظيم انتخابات وطنية شاملة في أقرب وقت».

- في 15 و16 يناير (كانون الثاني) 2023، ترأس مع اللجنة العسكرية المشتركة (5+5) اجتماعاً لمدة يومين في سرت مع مراقبي وقف إطلاق النار الليبيين، التابعين لبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا. وقال إن اللجنة صادقت على الشروط المرجعية لعمل اللجنة الفرعية الفنية المشتركة التابعة لها، المعنية بنزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، والتي ستُعهد إليها مهمة تصنيف المجموعات المسلحة، عملاً بالبند الرابع من اتفاق وقف إطلاق النار.

- في 7 و8 فبراير، ترأس اجتماعاً لمدة يومين في القاهرة، ضم اللجنة العسكرية المشتركة (5+5) ولجان التواصل في كل من ليبيا والسودان والنيجر. وبدعم من مستشاري البعثة، وضع المشاركون في هذا الاجتماع آلية متكاملة للتنسيق المشترك وتبادل المعلومات بين البلدان الثلاثة لتسهيل عملية انسحاب المرتزقة والمقاتلين الأجانب، وصادقوا عليها.

- 16 نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، حذّر من تأجيل الانتخابات، مشيراً إلى أن مزيداً من التأخير سيقود إلى انعدام الاستقرار ومزيد من الانقسام.

- 27 فبراير 2023، قدم إحاطة أمام مجلس الأمن، وقال إن أمد العملية السياسية «طال أكثر من اللازم»، وإنها «ما عادت تلبي تطلعات الليبيين الساعين إلى انتخاب مَن يقودهم، وإلى بث الروح في مؤسساتهم السياسية».

- 11 مارس (آذار) 2023، أعلن تفاصيل مبادرته لحل الأزمة الليبية؛ بهدف توسيع الحوار والجمع بين الأطراف؛ لتمكينها من تجاوز الركود الحالي، وقيادة ليبيا نحو الانتخابات. وذكر أنه بالإمكان وضع خريطة واضحة للانتخابات الليبية بحلول منتصف يونيو المقبل (الحالي)، وإجراء الانتخابات خلال العام الحالي.

- 7 أبريل (نيسان) 2023، قال إن مبادرته الداعمة لإجراء الانتخابات الرئاسية والنيابية بالبلاد خلال العام الحالي تهدف «لتحريك المياه السياسية الراكدة» و«إشراك الجميع في رسم المسار نحو الاستحقاق الانتخابي».

- 8 أبريل 2023، حث مؤسسات البلاد كافة على الالتزام بـ«مهمة الانتخابات» المنتظرة، وبدء عهد جديد من المصالحة الوطنية.

- 17 مايو 2023، رأى أن شروط الترشح للرئاسة قضية جدلية، والبعثة ترى أن الانتخابات «كي تكون ممثلة لإرادة الشعب الليبي يجب ألا تستثني أحداً، وذلك من أجل التوصل إلى الاستقرار».

- 22 مايو 2023، أكد من مصراتة أنه لا يمكن أن ينعم الليبيون بالاستقرار إلا بانتخابات شفافة.


مقالات ذات صلة

موائد رمضان «السياسية» تثير انتقادات الليبيين مع تفاقم الغلاء

شمال افريقيا الدبيبة مستقبلاً أعيان وشباب وقيادات بلدية تاجوراء على مائدة الإفطار (حكومة الوحدة)

موائد رمضان «السياسية» تثير انتقادات الليبيين مع تفاقم الغلاء

في ظل تفاقم الأزمة الاقتصادية وارتفاع أسعار الدولار والسلع الأساسية في ليبيا باتت الأنظار تتجه نحو موائد الإفطار التي ينظمها متصدرو المشهد السياسي والأمني.

جاكلين زاهر (القاهرة)
شمال افريقيا اجتماع لحكومة الدبيبة الجديدة بحضور المنفي وتكالة (حكومة «الوحدة»)

حكومة «الوحدة» الليبية المعدّلة تنطلق دون موافقة حفتر وصالح

انطلقت أعمال حكومة «الوحدة» الليبية المعدّلة وسط تحديات الانقسام السياسي، ومن دون موافقة المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني»، أو مجلس النواب.

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا برلمانيون ليبيون خلال اجتماع في بنغازي الثلاثاء (لقطة من تسجيل مصور)

برلمانيون يرسمون «خريطة طريق» للإطاحة برئيس «النواب» الليبي ونائبيه

دخلت الأزمة السياسية في ليبيا منعطفاً جديداً من التصعيد البرلماني، حيث يواجه رئيس مجلس النواب عقيلة صالح أكبر تحدٍّ لسلطته منذ سنوات.

خالد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا ليبيون في إحدى الأسواق (أ.ف.ب)

الغلاء يضاعف معاناة الأُسَر الليبية مع اقتراب عيد الفطر

تتفاقم معاناة الأسر الليبية مع اقتراب عيد الفطر، في ظل ارتفاع قياسي بأسعار مستلزمات العيد، ولا سيما ملابس الأطفال، ما يزيد الضغوط المالية على المواطنين.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا الدبيبة خلال لقاء مع قادة وأعيان مدينة الزاوية الليبية على مائدة إفطار رمضاني (مكتب الدبيبة)

تعديلات الدبيبة الحكومية تثير تساؤلات الليبيين حول سبب تجاهل الوزارات السيادية

على مدى نحو أسبوع، كشف رئيس حكومة الوحدة الوطنية «المؤقتة» في غرب ليبيا، عبد الحميد الدبيبة، عن قرارات تعديل وزاري بشكل متدرج، وزارة تلو الأخرى

علاء حموده (القاهرة)

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
TT

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)

يصعب الفرز بين العقيدة والمصلحة عند بحث العلاقات العراقية-الإيرانية. وفي حين أن العقيدة عابرة للحدود، يظل مفهوم المصالح نسبياً. أما في إطار المصالح المتبادلة، فهي من جهة محكومة بالعلاقات الثنائية، ومن جهة ثانية تتأثر بالخرائط والجغرافيا، فضلاً عن امتدادات التاريخ، التي غالباً ما تزحف هنا وهناك لتخلق فرصاً، إما لمزيد من التفاهمات، أو لتتحول إلى أزمات تختلط فيها عوامل التاريخ، والجغرافيا، والعقائد، والأديان، والقوميات، والمذاهب. لهذا، تكاد العلاقات العراقية-الإيرانية تكون نموذجاً فريداً من نوعه في منطقة الشرق الأوسط، لجهتي التداخل العنيف بين الحدود الجغرافية وميوعة التاريخ بكل إرثه وإشكالاته، وأيضاً بتعقيدات الحاضر، وغموض المستقبل.

لقد استدعى العراق وإيران، على الأقل منذ ثمانينات القرن الماضي، حين تحارب البلدان لمدة ثماني سنوات، كل ما يملكانه من مخزون التاريخ، وبالأخص آلامه وأحزانه. هذا فضلاً عن حساسيات الجغرافيا، ولا سيما الخطوط الحدودية الإشكالية، والتداخلات والامتدادات الإنثروبولوجية الإثنية، ومنها حالات لمناطق كانت عربية وجزءاً من العراق، لكنها أصبحت جزءاً من إيران.

وبعد حرب السنوات الثماني، التي انتهت بتجرّع المرشد الإيراني السابق آية الله الخميني «كأس السم» إثر موافقته على وقف إطلاق النار فيما عرف بـ«حرب الخليج»، اختلفت المقاربة بعد أكثر من ثلاثة عقود. وتحوّل العراق مع إيران بالتالي إلى حليف مرة، ومساند مرة، ويحاول الحياد مرة.

لكن الفارق، بين الأمس واليوم، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لم يمنح المرشد -الخلف- علي خامنئي المجال لتجرع «كأس السمّ» في المواجهة الحالية، بل أقدم على قتله في أولى الضربات التي وجهتها «آلة الحرب الأميركية» إلى إيران. وهكذا، تُرك الباب مشرعاً أمام «حرب مفتوحة»... مرشحة أن تغدو حرباً وجودية تحكمها معادلة صفرية «أكون أو لا أكون».

بين المصلحة والعقيدة

الحكومة العراقية، التي هي حكومة «تصريف أمور يومية»، تحاول الآن العمل وفق حدود طبيعتها، بيد أن ما يجري حولها يفوق قدرة أي حكومة كاملة الصلاحيات، ولا سيما في غياب أي توازن في موازين القوى.

وبسبب الخلافات السياسية بين القوى الفائزة في الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة، التي أجريت أواخر العام الماضي، تعذّر تشكيل حكومة جديدة نظراً للخلاف الكردي ـ الكردي على منصب رئيس الجمهورية، والخلاف الشيعي ـ الشيعي على منصب رئيس الوزراء.

ولكن في هذه الأثناء يستفيد رئيس الحكومة الحالية محمد شياع السوداني من الصلاحيات الممنوحة له بموجب الدستور كقائد عام للقوات المسلحة، فيسعى إلى الموازنة بين أمرين: الأول: الجهود المبذولة لحماية الجبهة الداخلية وسط الضربات المتبادلة بين الفصائل العراقية المسلحة الموالية عقائدياً لإيران.

والثاني: عمل ما يمكن عمله على الصعيد الدبلوماسي باتجاه خفض التصعيد في ضوء ضربات الفصائل التي استهدفت بعض دول الجوار الجغرافي للعراق.

بالتالي، ما يُذكر هنا أنه بينما كان العراق قد تمكن عملياً إبان حرب الـ12 يوماً في يونيو (حزيران) عام 2025 من النأي بنفسه عن المواجهة الإسرائيلية – الإيرانية، ما جنب العراق ضربات كانت مقرّرة، فإن الفصائل المسلحة اعتبرت الحرب الأخيرة حرباً وجودية يتطلب تكليفها الشرعي والعقائدي المشاركة فيها، بينما تميل بغداد للتعامل مع الحرب بلغة المصالح.

وحقاً، كرّر السوداني، رئيس الحكومة، في أكثر من موقف، منها اتصال هاتفي أجراه معه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، رفض الحكومة أي تهديدات تنطلق من الأراضي العراقية. وطبقاً لبيان رسمي أكد السوداني: «لن نسمح بأي حال من الأحوال بأن تنطلق من الأراضي العراقية أي تهديدات تمس الجمهورية الإسلامية الإيرانية»، وشدد على التزام بغداد بحماية سيادتها، ومنع استخدام أراضيها في أي تصعيد إقليمي.

غير أن العراق، وفق عضو البرلمان العراقي السابق حيدر الملا، «يقع في هذه الحرب بين نارين». إذ قال الملا على منصة «إكس» إن «أغرب ما في الحرب الدائرة بالمنطقة هو وضع العراق... أميركا تقصف العراق بحجة استهداف الفصائل المسلحة، بينما تقصف إيران العراق بحجة الوجود الأميركي». وأضاف الملا أنه «أحياناً العراق يقصف نفسه كما حدث في استهداف أربيل».

وقفة على الجسر المعلق

من جهة أخرى، في حين ترابط الفصائل المسلحة العراقية، لليوم الخامس على التوالي، عند «الجسر المعلّق» القريب من مبنى السفارة الأميركية المطلّ على نهر دجلة، أدى مقتل قيادي بارز في «كتائب حزب الله» إلى إعلان الفصائل توسيعها عملياتها لتشمل أوروبا. وجاء هذا التطوّر بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار، ويهدد النواب الذين ينتمون إليها في البرلمان العراقي بإلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» التي وقعها العراق مع الولايات المتحدة عام 2009.

الفصائل، في بيان لها، عدّت أن «المشاركة الأوروبية تجعل تلك الدول عدواً لشعوبنا ومقدساتنا». وتابع البيان: «واشنطن وتل أبيب تحشدان حلفاءهما، وتسعيان إلى استقدام دعم أوروبي للانخراط في الحرب»، محذراً من أن أي تورّط أوروبي «سيقابل بتوسيع دائرة الأهداف».

من جانبه، أفاد مقداد الخفاجي، عضو البرلمان العراقي عن حركة «حقوق» -وهي الجناح السياسي لـ«كتائب حزب الله»- أن البرلمان العراقي سيناقش الأسبوع المقبل إمكانية إلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» الموقعة مع واشنطن عام 2009.

وأردف الخفاجي أن «القوات الأميركية والإسرائيلية استهدفت العديد من مواقع القوات الأمنية والحشد الشعبي والفصائل في العراق... وهي العمليات التي أسفرت عن مقتل 19 شخصاً، وإصابة العشرات من عناصر الحشد الشعبي والقوات الأمنية». واستطرد أن «مجلس النواب سيطرح في الجلسة المقبلة مشروع إلغاء الاتفاقية الأمنية مع الجانب الأميركي لحماية الأجواء العراقية، وفي الوقت نفسه سيُستعان باتفاقية أخرى مع الدول العالمية كروسيا والصين... فالولايات المتحدة أثبتت تآمرها على الشعب والحكومة العراقية باستهداف مواقع أمنية تابعة للحشد، وكذلك مواقع مدنية، واستغلال أجواء العراق لضرب دول أخرى»، حسب تعبيره.

الفصائل المسلحة تعمل على توسيع عملياتها لتشمل أوروبا... بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار

حكومة منزوعة الصلاحيات

كما سبقت الإشارة، بعد نحو ثلاثة شهور على إجراء الانتخابات البرلمانية في البلاد، أخفقت القوى السياسية العراقية في التوافق على انتخاب رئيس جديد للجمهورية وترشيح رئيس جديد للوزراء. وهكذا تحوّلت الحكومة التي يترأسها السوداني بموجب الدستور إلى حكومة «تصريف أمور يومية» بعد انتخاب البرلمان الجديد، إلا أنها تواجه الآن تحدياً صعباً للغاية. وهو يتعلق بكيفية مواجهة تداعيات الحرب الحالية، سواءً في حال استمر غلق مضيق هرمز، أو مواصلة الفصائل المسلحة قصفها للمواقع الأميركية في العراق، مع التهديد بشن عمليات خارجية، وهو ما قد يعقّد موقف العراق عربياً ودولياً.

مع هذا، باشر السوداني رغم أجواء الحرب ممارسة صلاحياته كاملة كقائد عام للقوات المسلحة. هذا الوضع يمنحه مساحة للتحرك، بما في ذلك ضبط التوازنات بين المؤسسات الأمنية ومؤسسات الدولة الأخرى. وفي هذا السياق قد كان أكد أن «الدولة وحدها من يمتلك حق قرار الحرب والسِّلم»، وأن الحكومة ستقف بقوة تجاه أي طرف يحاول جرّ العراق للتورّط في الصراعات، مع التشديد على تحقيق المصالح العليا للشعب العراقي.

السوداني أكد في بيان شديد اللهجة التزام حكومته «بحماية سيادة العراق، وأجوائه ومياهه، ومنع توظيفها بأي شكل في الصراعات الجارية بالمنطقة». وتعهّد بأن «القوات المسلحة العراقية بكل تشكيلاتها وصنوفها ملتزمة بمهامها القانونية بحماية الممتلكات العامة والخاصة، والبعثات والسفارات الأجنبية». وبيّن أن الحكومة تولي أهمية كبيرة للعلاقات العراقية بالمحيط الإقليمي والدولي، من منطلق رئاسة العراق للقمة العربية تسعى إلى تنسيق المواقف بما يؤمن فرض الاستقرار، وإيقاف الأعمال العسكرية، ومنع حدوث المزيد من أسباب العنف. كذلك دعا رئيس الحكومة إلى «توحيد الخطاب بين القوى السياسية الوطنية، والعمل على مواجهة الشائعات، ووجّه الوزارات المعنية بمتابعة تأمين مفردات الأمن الغذائي، والجوانب الخدمية، والتصدّي لأي محاولة لاستغلال الأوضاع الراهنة للتلاعب بالأسعار».

ولكن، على الرغم من هذه المواقف، لم يكن الالتزام على الأرض دقيقاً. وبالإضافة إلى المظاهرات التي ينظمها ليلاً ونهاراً أنصار الفصائل المسلحة على «الجسر المعلّق»، القريب من القصر الحكومي والسفارة الأميركية، في محاولات للوصول إلى مبنى السفارة، فإن هذه الفصائل قصفت طوال الأيام الماضية عدة مواقع عراقية بينها مدينة أربيل، في إقليم كردستان، بحجة تسلّل جماعات كردية عراقية إلى داخل إيران بمساعدة الأحزاب الكردية الإيرانية التي تريد منها واشنطن أن تكون نواةً للغزو البرّي الأميركي انطلاقاً من المناطق الكردية بشمال غربي إيران بهدف إسقاط النظام الإيراني.

وللعلم، أعربت طهران عن قلقها بعد مكالمة هاتفية أجراها الرئيس ترمب مع الزعيمين الكرديين مسعود بارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، وبافل طالباني زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني، بشأن ما عدّته تطوراً خطيراً في حال دخل كرد العراق طرفاً في حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.

وكان علي باقري، نائب أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني، قد أبلغ قاسم الأعرجي مستشار الأمن القومي العراقي، وفق بيان للأخير «بقلق السلطات الإيرانية حيال ما يجري في المناطق الحدودية الكردية بين العراق وإيران». وطالب المسؤول الإيراني العراق باتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع أي جماعات معارضة من اختراق الحدود بين البلدين، استناداً إلى الاتفاق الأمني الموقع بين بغداد وطهران.

وبدوره، أفاد الأعرجي بأن العراق يواصل جهوده الدبلوماسية مع مختلف الأطراف لاحتواء الأزمة، ووقف التصعيد، والعودة إلى مسار الحوار، والالتزام الكامل بالاتفاق الأمني بين البلدين، ومنع أي جماعات من التسلل، أو اختراق الحدود الإيرانية، أو تنفيذ أعمال إرهابية انطلاقاً من الأراضي العراقية. كذلك تطرّق الأعرجي إلى إرسال وزارة الداخلية في إقليم كردستان تعزيزات أمنية من قوات «البيشمركة» إلى الشريط الحدودي لتعزيز السيطرة على القاطع الحدودي من جهة أربيل. وجاء هذا بالتزامن مع ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء عن مصادر قولها إن «جماعات كردية إيرانية مسلحة في إقليم كردستان العراق أجرت مشاورات مع الولايات المتحدة خلال الأيام الماضية حول ما إذا كانت ستهاجم قوات الأمن الإيرانية».

كان العراق، من جهته، قد أعلن أواخر العام 2023 عن إخلاء مقار الجماعات والأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة للنظام في طهران، والموجودة في أراضي إقليم كردستان بشكل نهائي، تمهيداً لاعتبارهم لاجئين، ضمن اتفاق أمني مبرم بين البلدين.

زيدان «يحل العقدة»

في سياق متّصل، تخلق الحرب الجارية الآن أوضاعاً سياسية واقتصادية غاية في الصعوبة للعراق بسبب غلق مضيق هرمز، وافتقار العراق لبدائل في حال توقف تصدير نفطه، وإعلان البنك المركزي العراقي انخفاض احتياطي العملات الأجنبية. ويفاقم الوضع استمرار الانسداد السياسي داخل القوى الشيعية بسبب رفض رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي التنازل عن ترشحه لمنصب رئيس الوزراء.

ما يذكر، أن المالكي الذي رشحه «الإطار التنسيقي» الشيعي بالغالبية إثر تنازل السوداني -الفائز الأول بالانتخابات- يواجه «فيتو» أميركي يحول دون تمكنه من تشكيل الحكومة. ومع أن دائرة الرافضين لتوليه المنصب بدأت تتسع داخل البيت الشيعي، فإنه، حتى بعد اندلاع الحرب، وحاجة العراق إلى حكومة كاملة الصلاحيات، ما زال يرفض التنازل إلا إذا كان ذلك بإجماع قادة «الإطار التنسيقي». غير أن العقدة لا تقف عند البيت الشيعي، فالبيت الكردي، هو الآخر، يواجه انشقاقاً حاداً يحول دون استكمال حكومة الإقليم رغم مرور أكثر من سنة على تأخر تشكيلها، كما يعوق قدرة الكرد على حسم مرشحهم لمنصب رئيس الجمهورية.

القاضي فائق زيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى، كان اقترح في مقال له نشره في «الشرق الأوسط» الثلاثاء الماضي تحت عنوان: «خطيئة التفسير الخاطئ للدستور» إجراء تعديل للدستور، أو لقانون مجلس النواب العراقي، لتحديد المقصود بـ«الكتلة الأكبر عدداً». وهذا الكتلة يقع على عاتقها تقديم مرشح لمنصب رئيس الحكومة بعد كل انتخابات تشريعية.

زيدان، في مقاله الذي أثار ردود فعل واسعة داخل العراق، أسهم في فك العقدة الخاصة بمفهوم «الكتلة الأكبر» التي هي طبقاً للدستور القائمة الفائزة بالانتخابات. وأيضاً مهد الطريق أمام القوى الشيعية لترشيح السوداني لولاية ثانية كونه هو الفائز الأول عبر كتلته «ائتلاف الإعمار والتنمية». ووفق زيدان، فإن «المادة (76) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 تُعد من أكثر النصوص الدستورية إثارة للجدل، نظراً لارتباطها المباشر بتشكيل السلطة التنفيذية. فقد نصّت على أن يقوم رئيس الجمهورية بتكليف مرشح (الكتلة النيابية الأكثر عدداً) بتشكيل مجلس الوزراء خلال مدة محددة». وأضاف: «غير أن الإشكال الدستوري ظهر في تفسير هذا المصطلح، وهو ما تصدت له المحكمة الاتحادية العليا، في قرارها الصادر بالعدد (25/اتحادية/2010) بتأريخ 2010/3/25 والذي ما زال محل جدل فقهي وسياسي»، مبيناً أن «الإشكال تمحور حول تحديد المقصود بـ«الكتلة النيابية الأكثر عدداً»: أهي الكتلة التي حصلت على أعلى عدد من المقاعد في الانتخابات؟ أم الكتلة التي تتشكل بعد إعلان النتائج من خلال تحالفات داخل مجلس النواب؟».


بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
TT

بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة

قد يصعب فهم أثر بيتر ثيل مؤسس شركة «بالانتير» ورئيسها العام لأنظمة تشغيل البيانات في السياسة والحروب من دون العودة إلى الفكرة التي صاغت مساره بعد مشاركته في تأسيس شركة «باي بال». ذلك أنه إذا كانت مكافحة الاحتيال المالي تعني جمع إشارات متناثرة وتحويلها إلى «خريطة خطر» في الوقت الحقيقي، فلماذا لا تُنقل الفكرة إلى مكافحة الإرهاب والاستخبارات ثم إلى ساحة القتال؟ هكذا وُلدت «بالانتير» عام 2003، بوصفها شركة تبني «أنظمة تشغيل للبيانات» أكثر منها شركة برمجيات تقليدية، وتحوّل التراكم الهائل للمعلومات إلى معرفة قابلة للتنفيذ.

في السيرة العامة لبيتر ثيل، من ألمع شخصيات العالم وأخطرها اليوم، يتكرّر خيط واحد: الارتياب من الدولة حين تعجز، والارتياب منها أيضاً حين تتضخّم. لكن الرجل اختار أن يبني جسراً بين الطرفين: إذ يزوّد المؤسّسات الأمنية والعسكرية بأدوات تجعلها «أكثر قدرة»، مع إبقاء المساءلة الأخلاقية والسياسية معلّقة في الهواء. وهو اليوم الرئيس العام «بالانتير»، وشريك في منظومات استثمارية شكّلت ما يُعرف بـ«مافيا باي بال»، وامتدت من رأس المال المغامر إلى السياسة والإعلام.

سيرة ذاتية

وُلد بيتر أندرياس ثيل عام 1967 في مدينة فرنكفورت بألمانيا، لوالديه سوزان وكلاوس فريدريش ثيل اللذين هاجرا مع العائلة إلى الولايات المتحدة عندما كان بيتر في سنته الأولى. وعاشت العائلة في مدينة كليفلاند (بولاية أوهايو)، حيث عمل والده كلاوس مهندساً كيميائياً. ثم عمل في كثير من شركات التعدين، ما تسبب في تنقل بيتر وشقيقه الأصغر باتريك مايكل بكثرة. وللعلم، في حين حصلت والدته على الجنسية الأميركية فإن أباه لم يحصل عليها. وهذا الإحساس المبكّر بالتنقّل والهشاشة المؤسسية، كما يقرأه مقرّبون من مسار ثيل، ترك أثره على نظرته إلى الدولة والسلطة.

درس ثيل في جامعة ستانفورد الشهيرة وتخرّج فيها، وهناك جمع بين القانون والفلسفة وثقافة المناظرة، قبل أن يخوض تجارب قصيرة في عالم المحاماة والمال. ثم ينعطف إلى ما سيصبح «ديناً» لوادي السيليكون الجديد: تحويل الأفكار إلى منصّات تُعيد تعريف الأسواق.

بدايات الثروة والمغامرة

في أواخر التسعينات شارك ثيل في تأسيس «باي بال»، التجربة التي صاغت ثروته الأولى وشبكته الأوسع. وهناك تبلوَرت قناعته بأن الخطر الحقيقي ليس الحدث الظاهر، بل «النمط» المخفي خلف ملايين الإشارات الصغيرة، وأن القدرة على الربط بين بيانات - أو معطيات Data - متفرّقة يمكن أن تمنح المؤسسة، أي مؤسسة، تفوّقاً نوعياً.

وبعد بيع «باي بال» مطلع الألفية، تحوّل إلى مستثمر مبكّر وفاعل حين أسس شركة «فاوندر فند»، وصار اسمه يتردّد بصفته أحد أول المستثمرين الخارجيين في «فيسبوك»، في خطوة رسّخت صورته كمَن يقرأ التحوّلات قبل أن تصبح تياراً جارفاً.

وبالفعل، احتل بيتر ثيل، الذي يعيش في مدينة سان فرانسيسكو، المرتبة الـ293 في «فوربس 400» عام 2011، مع ثروة صافية تقدّر بـ1.5 مليار دولار منذ مارس (آذار) 2012، ثم احتل المرتبة الرابعة في قائمة «فوربس ميداس» لعام 2014 بـ2.2 مليار دولار.

«بالانتير»... واليمين السياسي المحافظ

إلا أن «بالانتير» بقيت مشروعه الأكثر تعبيراً عن شخصية الرجل... إنها شركة تقف على الحد الفاصل بين وادي السيليكون وأجهزة الأمن القومي، وبين هوَس الخصوصية العام وحاجة الدولة إلى أدوات أسرع في الرصد والتحليل. موقع ثيل كرئيس لمجلس إدارة الشركة لسنوات جعل حضوره يتجاوز التمويل إلى تشكيل السردية: التكنولوجيا ليست ترفاً، بل «بنية قوة» في زمن تُخاض فيه الحروب عبر البيانات قبل الصواريخ.

وسياسياً، تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة. وهنا لم يكن دعمه العلني لدونالد ترمب عام 2016، ولا خطابه في المؤتمر الجمهوري، مجرّد تفاصيل؛ بل جاء ذلك إعلاناً بأن المعركة على «شكل أميركا» تُدار أيضاً من داخل منظومات التقنية والتمويل. وفي الخلفية، أثارت رهاناته واستثماراته في شركات مرتبطة بالتعرّف إلى الوجوه وتحليلات المراقبة جدلاً متصاعداً حول الحدود الأخلاقية: متى تصبح أدوات «الأمن» شبكة تجسّس، ومتى يتحول «القرار المدعوم بالبيانات» إلى قرارٍ يتخفف من المساءلة؟

من هنا يصبح الخلاف الراهن بين إدارة ترمب و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، وفي طليعتها شركة «أنثروبيك»، امتداداً طبيعياً لعالم صنعه ثيل ورعاه. إنه عالم تتنافس فيه الدولة والشركات، لا على «الفكرة» بل على شروط تشغيلها. فالشركات تحاول وضع قيود أخلاقية وقانونية على نماذجها وخوارزمياتها، بينما تريد المؤسسات الأمنية هامشاً أوسع للاستخدام باسم الأمن الوطني.

وبين الطرفين، تقف منصّات مثل «بالانتير» بوصفها «بوابة الإدماج»... ليست النموذج نفسه، بل الطبقة التي تُدخل النماذج في قلب آلة الدولة، حيث يتحوّل التحليل إلى قرار، ثم إلى فعل... وتصبح معركة الشروط معركة على السيادة وعلى مسؤولية من يضغط الزّر.

«حصّاد البيانات» في ثوب منصة

تقدّم «بالانتير» منصتين أساسيتين، هما: «غوثام» الموجّهة للاستخبارات والدفاع والعمليات الأمنية، و«فاوندري» الموجّهة للحكومات المدنية والشركات.

الفكرة المركزية ليست «امتلاك البيانات» بقدر ما هي «وصل البيانات»، عبر ربط قواعد متفرقة، وتنظيفها، وبناء طبقة دلالية (من الشخص/الكيان؟ ما العلاقة؟ ما الحدث؟). ومن ثم تمكين فرق العمل من تتبّع الأنماط، وبناء سيناريوهات، وتوليد توصيات عمل. هذا ما يجعلها قابلة لأن تصبح «غرفة عمليات» رقمية... من مكافحة الاحتيال، إلى تتبّع الشبكات، إلى التخطيط اللوجيستي، ووصولاً إلى الاستهداف العسكري.

هنا تحديداً تتقاطع «تقنيات الرصد» مع «الحرب». فما كان يُنجَز عبر الاستعانة بفرق تحليل ضخمة تعمل لأيام، بات يمكن ضغطه إلى ساعات أو دقائق، شرط أن تكون خطوط البيانات مفتوحة، أي من خلال: أقمار اصطناعية، ومسيّرات، واتصالات، وسجلات مالية، ونقاط عبور، ومصادر مفتوحة، أي كل ما يوسّع صورة الميدان.

وفي برامج مثل منظومة «مايفن»، التابعة لـ«البنتاغون» (وزارة الحرب الأميركية)، تظهر «بالانتير» بوصفها مشغّلاً برمجياً يرفع «سقف السرعة» في تحويل الرصد إلى قرار. ولقد زادت وزارة الدفاع سقف عقود «مايفن» عبر تعديلات كبيرة، ما يعكس توسع الطلب العسكري على هذا النوع من القدرات.

من الرصد إلى «الضغط على الزناد»

في أحدث تجلّيات هذا التحوّل، تصف تقارير أميركية كيف أصبح الذكاء الاصطناعي، عبر شراكات وتكاملات داخل المنظومات العسكرية، جزءاً من دورة اختيار الأهداف وترتيب أولوياتها في عمليات ضد إيران، وسط جدل سياسي وأخلاقي حاد حول حدود الاستخدام، ومَن يتحمّل المسؤولية عند الخطأ.

واللافت أن «الخصومة» بين «البنتاغون» وبعض شركات الذكاء الاصطناعي لا تدور فقط حول الأسعار أو الملكية الفكرية، بل أيضاً حول شروط الاستخدام: فهل تسمح الشركة بتطبيق نماذجها في مراقبة داخلية واسعة؟ وهل تقبل أن تكون خوارزمياتها جزءاً من أنظمة قد تنزلق إلى «الاستقلال الذاتي» في القتل؟

في هذا المناخ، برزت قضية شركة «أنثروبيك» بوصفها نموذجاً للصدام. إذ إن الشركة تتمسّك بقيود أخلاقية، بينما يضغط مسؤولون في إدارة ترمب و«البنتاغون» لتوسيع نطاق الاستخدام في ملفات الأمن الوطني، وفق ما أوردته تقارير حديثة.

هنا أيضاً يظهر «معنى ثيل» تحديداً: فـ«بالانتير» ليست شركة نماذج لغوية فقط، بل شركة «بنية تحتية تشغيلية» تستطيع إدخال أي نموذج من أي جهة، إلى «خط الإنتاج العسكري»، أي إلى سلسلة الاستشعار، والتحليل، والتوصية، والقرار، والتنفيذ. ومن ثم تصبح المعركة بين الحكومة وشركات الذكاء الاصطناعي معركة على من يتحكم ببوابة الإدماج: النموذج؟ أم المنصة التي تضعه داخل آلة الدولة؟

«المسح الوجهي» والرصد الشخصي

حين يُذكر «المسح الوجهي» بوصفه سلاحاً جديداً، لا يعني هذا أن «بالانتير» شركة كاميرات أو خوارزميات تعرُّف وجوه بحد ذاتها؛ لكنها بحكم طبيعتها التكاملية قادرة على إدخال مُخرجات أنظمة التعرف إلى الوجوه ضمن لوحة واحدة تربط الهوية بالحركة بالاتصالات بالمعاملات.

ومن جهة ثيل، يظهر اسمه مباشرة في ملف الاستثمار المبكّر في شركة «كلير فيو إيه آي» المثيرة للجدل، التي عُرفت بقدرتها على مطابقة الوجوه مع قواعد صور ضخمة جُمعت من الإنترنت، وما أثاره ذلك من مخاوف حقوقية.

بهذا المعنى، يغدو ثيل جزءاً من مشهد أوسع، حيث التزاوج بين رأس مال وادي السيليكون، وشهية الدولة للأدوات السريعة، وتحوّل الخصم من «إرهابي» إلى «دولة» إلى «شبكة سيبرانية»، إلى هدفٍ لا يمكن التعامل معه من دون تفوق معلوماتي. وفي الحروب الحديثة، السيبرانية والتدميرية معاً، لا تعود المعركة على السلاح وحده، بل على «الزمن»، بالذات: من يختصر دورة القرار، ومن يربح ثانية واحدة إضافية في الرصد والتشويش والضرب.

أوكرانيا وإسرائيل... مختبر حرب البيانات

إبان حرب أوكرانيا، نُقل النقاش إلى العلن أكثر. إذ نقلت تقارير موثوقة عن مسؤولين وشركة «بالانتير» أن البرمجيات تُستخدم في مجالات تتّصل بالاستهداف، وتحليل بيانات الميدان، وحتى توثيق ملفات يُراد استخدامها في ملاحقات جرائم حرب.

وفي ملف إسرائيل، ظهرت حساسية أكبر بسبب الاتهامات الحقوقية، إلى حد أن مستثمراً مؤسّسياً نرويجياً أعلن التخارج من أسهم الشركة بسبب مخاوف مرتبطة بعملها هناك، وفق ما أوردته «رويترز».

هذه الأمثلة ليست هامشية في «بروفايل» ثيل، لأنها تشرح كيف انتقلت أدوات جمع البيانات من كونها «مساعدة» إلى كونها «محدِّدة لمسار الحرب». فحين تكون المنصة قادرة على ابتلاع تدفقات متعددة (صورة - إشارة - نص - إحداثيات) وإخراج «قائمة أولويات» في الوقت الحقيقي، يصبح النقاش السياسي والأخلاقي حول القيود أو غيابها، جزءاً من الأمن الوطني نفسه.

من «مايفن»... إلى «تيتان»

وفي السنوات الأخيرة، تقدّمت «بالانتير» خطوة إضافية هي الدخول إلى برامج عسكرية تُجسّد فكرة «المعركة الموصولة» مثل مشروع «تيتان» (عقدة الوصول إلى استهداف الاستخبارات التكتيكية) للجيش الأميركي. وهو نظام يهدف إلى استيعاب بيانات من الجو والبر والفضاء، وتحويلها إلى معلومات استهداف أسرع وأكثر دقة. هذا، وأُعلنت عقود التطوير والنمذجة بوضوح عبر قنوات رسمية وعلاقات مستثمرين، بما يعكس انتقال الشركة من «مزوّد برمجيات» إلى لاعب دفاعي مكتمل الأركان.

وهنا أيضاً، تكتسب قصة ثيل قيمة تفسيرية. ذلك أن الرجل الذي دافع طويلاً عن فكرة أن ليس على التكنولوجيا أن تخجل من الدفاع، يجد في «بالانتير» منصة تقول عملياً إن تفوق الدولة في الحروب المقبلة سيُقاس بقدرتها على «تنظيم البيانات» مثلما يُقاس بقدرتها على امتلاك الذخيرة.

والصدام الذي ظهر أخيراً بين الإدارة و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، ليس تفصيلاً تقنياً. إنه صدام على «شكل القوة الأميركية»... فهل تُبنى على نماذج مغلقة بشروط أخلاقية صارمة تفرضها الشركات لحماية سمعتها؟ أم تُبنى على «منطق الدولة» الذي يريد حرية استخدام أوسع ما دام ذلك تحت عنوان الأمن القومي؟

تقارير حديثة عن التوتر مع «أنثروبيك»، وعن بحث جهات رسمية وشبه رسمية عن بدائل، تضع هذا السؤال في مركز السياسة الدفاعية.وفي هذا السياق، تبدو «بالانتير» ومعها إرث ثيل، أقرب إلى «حلقة الوصل» التي تقلق الجميع. فهي ليست مجرد نموذج ذكاء اصطناعي يمكن التوقف عن استخدامه، بل «بنية تشغيل» إذا استقرت داخل المؤسسات يصبح فِكاكها مكلفاً، وتصبح شروط استخدامها جزءاً من هندسة الدولة نفسها. وهذا ما يفسر لماذا يتحوّل الجدل حول «خوارزمية» إلى جدل حول السيادة، ولماذا تُقرأ الحروب الحديثة، من ساحات أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط، بوصفها حروباً على من يمتلك «منصة القرار» قبل أن يمتلك منصة الإطلاق.


«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
TT

«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)

تبدو شركة «بالانتير» اليوم مثالاً مكثّفاً على التحوّل الذي يعيشه الاقتصاد الأميركي. مثال شركات بدأت كبرمجيات «تحليل بيانات»، ثم اكتشفت أن الدولة، لا السوق الاستهلاكية، هي الزبون الذي يضمن النمو الطويل، وبخاصة مع عودة المنافسة بين القوى الكبرى، وتحوّل الحروب إلى صراعات تُدار بالاستشعار والخوارزميات.

أُسست الشركة عام 2003، واليوم تبلغ قيمتها السوقية نحو 433 مليار دولار (مارس/ آذار 2026). وبحسب تقريرها السنوي عن 2025، بلغ «الرصيد المتبقي من قيمة العقود» أكثر من 11 مليار دولار، بينها 6.8 مليار لزبائن تجاريين، و4.4 مليار لزبائن حكوميين.

وتوضح الشركة أن هذه الأرقام لا تشمل العقود الحكومية غير المموّلة بالكامل، التي يصل سقفها التعاقدي الإجمالي إلى نحو 12.3 مليار دولار. وعلى صعيد العقود الأميركية الكبرى، وقّع الجيش اتفاقاً مؤسّسياً لمدة 10 سنوات بسقف حتى 10 مليارات يدمج 75 عقداً. وأعلنت عقداً ثابت السعر حتى نحو 100 مليون دولار على 5 سنوات لبرنامج «مايفين» مع «البنتاغون»، وعقداً آخر بقيمة 480 مليون دولار لتطوير البرنامج نفسه عام 2024. كذلك أبرمت وزارة الأمن الداخلي اتفاق شراء بسقف حتى مليار دولار، وتشمل العقود الحكومية جهات أميركية وحكومات حليفة خارجياً.

في الخارج، ساهمت الحروب في تسويق «بالانتير» بوصفها «أداة حرب بيانات» بقدر ما هي شركة تقنية. ففي أوكرانيا، نُقل عن الشركة ورئيسها التنفيذي، أليكس كارب، أن البرمجيات تُستخدم في سياقات تتصل بالاستهداف وتحليل الميدان، وفي توثيق ملفات لادعاءات جرائم حرب. وفي إسرائيل، أثارت طبيعة العمل حساسية استثمارية وحقوقية وصلت إلى تخارج مستثمر مؤسسي كبير.

هذا التوسّع السريع لا ينفصل عن موجة «عسكرة الذكاء الاصطناعي» داخل الغرب. هنا الشركات لم تعد تُباع كبرمجيات مكتبية، بل كمنصات تشغيل للقرار. وحين تصبح المنصّة جزءاً من بنية الدولة، يصبح نموها أقرب إلى «قصة اعتماد» طويلة الأجل: عقود متعددة السنوات، وتراكم بيانات، وتكلفة عالية للاستبدال، وهو ما يفسّر كيف تحوّلت «بالانتير» من اسم جدلي في وادي السيليكون إلى عنوان دائم في سوق الدفاع والأمن.