موريتانيا بين اقتراعين... وولد الغزواني الرابح الأكبر

قاد البلاد بهدوء إلا أنه يواجه «معارضة صاعدة» واحتمالات الانزلاق

موريتانيا بين اقتراعين... وولد الغزواني الرابح الأكبر
TT

موريتانيا بين اقتراعين... وولد الغزواني الرابح الأكبر

موريتانيا بين اقتراعين... وولد الغزواني الرابح الأكبر

تتأهب موريتانيا لتنصيب برلمان جديد، مع مجالس محلية وجهوية، أفرزتها الانتخابات التي نظمت يوم 13 مايو (أيار) الماضي، وبذا ترتسم ملامح خارطة سياسية جديدة في البلاد، تمهدُ الطريق نحو انتخابات رئاسية مقرّر تنظيمها في منتصف العام المقبل (2024)، ومن المتوقع أن يخوضها الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني للفوز بولاية رئاسية ثانية. ولد الشيخ الغزواني (66 سنة)، جنرال متقاعد تقلّد العديد من المناصب الأمنية والعسكرية لأربعة عقود من الخدمة. وهو عسكري مثقف وهادئ، كان قد انتخب رئيساً للبلاد عام 2019، وحاول أن يحكم وفق نمط سياسي جديد على الموريتانيين، يقوم على تطبيع العلاقة مع الأحزاب السياسية المعارضة، في إطار ما سمّاه «التهدئة السياسية»، وأصبح يلتقي دورياً بقادة هذه الأحزاب، ويتشاور معها في الشأن العام. كانت فكرة ولد الشيخ الغزواني تستند إلى أن موريتانيا تقع في محيط إقليمي صعب. وهو ما وصفه في برنامجه الانتخابي بأنه موقعٌ «يجعلُ منها هدفاً لجميع الإرهابيين والمهرّبين والمتاجرين من كل صنف»، فهي جزء من منطقة الساحل التي تضربها المجموعات الإرهابية وشبكات التهريب والجريمة المنظمة. ثم إنها تقعُ على حافة صراع الصحراء، وتتأثر بأي تقلب أمني في منطقة غرب أفريقيا، حيث يحتدم الصراع بين روسيا والغرب. وبالتالي، فإنها تحتاج إلى «تهدئة سياسية» تساهم في استقرار الجبهة الداخلية، خاصةً أنها تتحضّر بنهاية العام الحالي لتصدير أول شحنة من الغاز الطبيعي، وهو ما ينعش آمال الموريتانيين بغدٍ اقتصادي مُشرق، بيد أنه، في المقابل، يثير مخاوف النخبة الموريتانية، فلطالما كانت حقول الغاز محفوفة بالمخاطر.

على الرغم من كلام بعض المراقبين والمتابعين عن «خارطة سياسية جديدة» تشكلت إثر الانتخابات الأخيرة في موريتانيا، فإن حزب الإنصاف الحاكم حقق انتصاراً يمكن وصفه بالساحق، حين حصل على 107 مقاعد في البرلمان من أصل 176 مقعداً، . ويضاف إلى هذا فوزه بجميع المجالس الجهوية البالغ عددها 13 مجلساً، وتحقيقه الفوز أيضاً في 165 من المجالس المحلية البالغ عددها 238. لقد كان فوزاً كاسحاً، مع أن المعارضة شككت في نزاهته، واتهمت الحزب الحاكم بالتزوير واستغلال وسائل الدولة، غير أن سيد أعمر ولد شيخنا، وهو الناطق باسم حزب الإنصاف، جدّد رفض حزبه لهذه الاتهامات.

ولد شيخنا في لقاء مع «الشرق الأوسط» قال إنَّ الحزب كان يتوقع هذه النتائج؛ لأن الانتخابات حسب رأيه «كانت بمثابة استفتاء حول برنامج رئيس الجمهورية، والإنجازات التي تحققت، وتوجهات النظام بشكل عام... ولقد جاءت النتائج معبّرة عن اهتمام المواطنين بهذا البرنامج الهادف لتحقيق التنمية والاستقرار».

وأردف ولد شيخنا: «كنا مقتنعين بأن الحزب سيحقق نتائج جيدة لجملة من الاعتبارات، منها الاستناد إلى المنجزات في مجال الحَكامة ومحاربة الفساد، وفي مجال الانحياز للطبقات الهشّة والبرامج الاجتماعية التي أنجزت في هذا المجال، ولأن المواطنين يدركون أن موريتانيا اليوم واحة أمان واستقرار وديمقراطية في محيط ملتهب... وبالتالي، هناك وعي بضرورة تعزيز هذا المناخ وتشكيل مظلة أمان سياسي له».

موت السياسة

غير أن ديدي ولد السالك، رئيس المركز المغاربي للدراسات الاستراتيجية، له رأي آخر؛ إذ يقول فيه إن «الانتخابات الأخيرة لم يكن فيها رابح، بل الجميع خاسرون. والدولة الموريتانية هي أكبر الخاسرين، لأن هذه الانتخابات كانت تعني - وبشكل واضح - موت الحياة السياسية، التي من المفترض أن تقوم على خطاب آيديولوجي واضح، وأفكار ومشاريع تتنافس فيما بينها... وهي لم تشهد أي شيء من ذلك، بل كانت مجرد صراع بين القبائل والشرائح والأعراق».

ثم إن ولد السالك يذهب أبعد من ذلك، ليؤكد أن «الانتخابات الأخيرة أفرزت برلماناً لا لون له ولا طعم، وليست له معالم سياسية واضحة، وإنما هو مجموعة من رجال الأعمال والتجار، مع مَن ترشحوا بخطابات قبلية وشرائحية. أما الذين يحملون أفكاراً سياسية فهم قلة قليلة، وربما يمكنني القول إنه البرلمان الأكثر ميوعة، رغم ميوعة البرلمانات السابقة».

ومن جانبه، يعبّر أحمد سالم ولد الداه، مدير المركز العربي الأفريقي للإعلام والتنمية، عن اعتقاده بأن الانتخابات الأخيرة أفرزت ما سمَّاه «خارطة سياسية جديدة». وهو يدافع عن وجهة نظره بالقول إن «إلقاء نظرة بسيطة على البرلمان الجديد، كافية ليتضح حضور تيارات جديدة، أغلبها من شباب المعارضة، كما يتضح أن أغلب البرلمانيين وجوه جديدة، غير معروفة في الساحة السياسية، سواء في المعارضة أو الموالاة. وبالتالي، علينا أن نتريّث في الحكم عليهم؛ إذ لا يمكننا منذ الآن تصنيف قدراتهم السياسية، ولا إمكانية تأثيرهم وحضورهم داخل قبة البرلمان».

... وهزيمة التاريخ

ولد الداه في حواره مع «الشرق الأوسط» قال إن الحدث الأبرز في هذه الانتخابات هو «النكسة التي تعرّضت لها أحزاب المعارضة التقليدية»، في إشارة إلى حزب تكتل القوى الديمقراطية (اشتراكي) وحزب اتحاد قوى التقدم (يسار تقدمي) وحزب التحالف الشعبي التقدمي (قومي ناصري)، وهي الأحزاب الثلاثة الأقدم في الساحة السياسية، ذلك أنها عجزت مجتمعة عن الحصول على أي مقعد برلماني، للمرة الأولى منذ بداية التعدّدية السياسية في مطلع تسعينات القرن الماضي.

ويشرح ولد الداه، إن «النكسة التي تعرّضت لها أحزاب المعارضة العتيدة دفعتها إلى الكلام عن تزوير الانتخابات، وعن تعرّضها لمؤامرة سياسية، ما يعني أننا دخلنا في مرحلة جديدة من الشد والجذب، بعد سنوات من التهدئة السياسية». ويعتقد أن هذه الأحزاب «تضرّرت كثيراً من التهدئة السياسية، ولم تستثمرها لتعزيز الصلة بقواعدها الشعبية، ولتشرح موقفها السياسي بشكل واضح وصريح؛ لأن أغلب الموريتانيين كانوا يتحدثون عن موت المعارضة حتى قبل الانتخابات، بسبب غيابها عن الساحة وصمتها المطبق، وجاءت النتائج كشهادة وفاة لهذه المعارضة وتأكيداً واضحاً لهذا الموت السياسي».

ويرى ديدي ولد السالك، رئيس المركز المغاربي للدراسات الاستراتيجية، أن «تراجع الأحزاب السياسية التقليدية، حالة طبيعية جداً، ساهم فيها الكثير من العوامل؛ العامل الأول هو أن هذه الأحزاب شاخت قياداتها، وهرمت منظومتها الداخلية، والعامل الثاني أنها خرجت من حصار الأنظمة السابقة، وخاصة نظام الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، منهكة جداً، كما مزقها التفكك والانشطار، والعامل الثالث دخولها في جو التهدئة السياسية في عهد الرئيس الحالي، متخلية بذلك عن خطابها المعارض والمحرض على النضال».

في المقابل، ولد السالك يرى أن العامل الأخير الذي لعب دوراً محورياً في تراجع المعارضة التقليدية هو «موت الحياة السياسية في موريتانيا؛ إذ لم يعد هنالك أي أحد يهتم بالأفكار والقِيَم، ولا بمَن يملكون تاريخاً من النضال، وإنما أصبحت هنالك صراعات عبثية، تحرّكها المصالح الشخصية الضيقة».

وللعلم، ليستْ وحدها أحزاب المعارضة التقليدية هي التي تراجعت، بل إن حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية (إسلامي) الحديث العهد نسبياً في الساحة السياسية، والذي رغم أنه واصل صدارته لأحزاب المعارضة في البرلمان، تراجع عدد مقاعده من 18 مقعداً إلى 11 فقط في البرلمان الجديد، وأيضاً تراجع عدد مقاعد حزب الصواب (تقدمي - بعثي)، المتحالف مع الناشط الحقوقي بيرام الداه اعبيد، أحد أبرز الوجوه المنافسة في آخر اقتراعين رئاسيين (2014 و2019).

معارضة جديدة

إنَّ نهاية المعارضة التي توصف في موريتانيا بـ«التاريخية»، كانت إيذاناً بتقاعد شخصيات ظلت حاضرة لعدة عقود في المشهد السياسي، على غرار أحمد ولد داداه ومسعود ولد بلخير ومحمد ولد مولود، ولكن في المقابل صعدت معارضة جديدة كانت «الحصان الأسود» لهذه الانتخابات. وهذا ما علّق عليه سيد أعمر ولد شيخنا، الناطق باسم حزب الإنصاف الحاكم، بقوله إن «المعارضة التقليدية تشهد منذ سنوات حالة ضعف وتراجع، ومشاكل بنيوية ومؤسسية وقيادية، وبالتالي لا تشكل جهة استقطاب مؤثرة». ثم يتابع: «مع هذا، هناك قوى معارضة جديدة حققت نتائج جيدة، ونحن ندرك أن الوضع الصحي للديمقراطية هو وجود موالاة ومعارضة في كامل اللياقة السياسية».

تتمثلُ هذه المعارضة الجديدة في تيارات شبابية، من مشارب فكرية وسياسية مختلفة، لا يجمعها سوى فكرة المعارضة وإتقان لعبة الإعلام الجديد. ويقود هذه المعارضة «ائتلاف أمل موريتانيا» الذي حصد 7 مقاعد في البرلمان الجديد، متفوقاً على العديد من الأحزاب العتيدة. وهنا يعلّق ديدي ولد السالك موضحاً أن «النتائج التي حققها ائتلاف أمل موريتانيا كانت متوقعة؛ لأنه مثّل خيار الشباب، وفيه شخصيات كانت فاعلة في أحزاب عريقة، بالإضافة إلى شباب متطلع نحو التغيير، وخاصة شباب المهجر الذي ترشح وصوّت لأول مرة في هذه الانتخابات... ورغم تباين هذه الأطراف فكرياً، فإنها تشكّل معاً قوة دافعة، وإذا استطاع أفرادها الاندماج في حزب سياسي، فإنهم سيشكلون حينئذ أحد تيارات المعارضة القوية في المستقبل».

أمَّا أحمد سالم ولد الداه، فيعتبر أن «المعارضة الجديدة تقودها شخصيات قفزت من سفينة أحزاب المعارضة التقليدية قبل أن تغرق... وهؤلاء كانوا يدركون وضعيتها الانتخابية وسوء علاقتها بقواعدها الشعبية... لقد كانت قراءتهم سليمة لمسار الأحداث». ثم يضيف أن «حراكاً سياسياً جديداً، طابعه شبابي بالدرجة الأولى، بدأ يحدث داخل صفوف المعارضة، وقد يظهر تأثيره بشكل أكبر خلال الانتخابات الرئاسية المقبلة».

نهاية التهدئة

بعد إعلان نتائج الانتخابات، خرجت أحزاب المعارضة في أول مظاهرة لها منذ عام 2019، أي منذ أن دخلت في تهدئة مع نظام ولد الشيخ الغزواني. ولقد رفعت هذه الأحزاب والقوى في مظاهرتها مطلب إلغاء نتائج الانتخابات وإعادة تنظيمها من جديد، وهو مطلب رفضته السلطة، بحجة أن المعارضة كانت شريكة في كل مراحل التحضير للانتخابات، وهي من انتدبت نصف أعضاء اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات.

وفي هذا السياق، يعتقد ولد الداه أن المعارضة التقليدية «تدفع نحو خلق أزمة انتخابية قد تتجه لأن تكون أزمة سياسية». وأشار إلى أنها اكتشفت متأخرة أنها خسرت كل شيء، ثم يستطرد: «مع أن الانتخابات سبقها اتفاق سياسي وقّع عليه 25 حزباً سياسياً (هو إجمالي عدد الأحزاب المرخّصة في موريتانيا)، وأشرفت عليه وزارة الداخلية، فإنها في النهاية كانت محل رفض من أحزاب المعارضة».

وفي هذا السياق يقول ولد شيخنا إن «الانتخابات كانت تُدار من لجنة مستقلة للانتخابات، تشارك فيها جميع الأحزاب السياسية؛ مولاةً ومعارضة، ولا يوجد حكيم من حكماء اللجنة تكلّم عن تزوير أو استقال أو تحفّظ عن سير العملية، ومع هذا يمكن أن تحدث خروق هنا أو هناك، مجالها الطعن لدى المؤسسات المختصة».

أما ولد السالك فيؤكد أن «الانتخابات من الناحية النظرية أجريت في ظل توافق سياسي، لكن الإخفاقات التي واكبتها تعود إلى جملة من العوامل. ولعل العامل الأهم هو المحاصصة في اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات؛ إذ إن المحاصصة دوماً تكون على حساب المبدئية والشفافية والنزاهة، المحاصصة ضد فكرة المواطنة والدولة... وبالتالي، كان المفروض أن تشكل اللجنة من شخصيات وطنية تتمتع بالكفاءة والاستقلالية عن الأحزاب وعن السلطة»، ويضيف ولد السالك «أنه بالإضافة إلى ما سبق لم تُتح للجنة فترة زمنية كافية للتحضير الجيد للانتخابات، وتدريب لجانها وهيئاتها».

وحول مدى تأثير نتائج الانتخابات الأخيرة على مستقبل التهدئة السياسية، يختتم ولد السالك بالقول: «ظهر أن التهدئة السياسية ليست قائمة على بنية توافقية، كما أريد لها منذ البداية بسبب فشل التشاور الوطني. لذا من الطبيعي أن تعود الساحة إلى الشدّ والجذب، وستظهر معارضة جديدة تتمثل في الحركات الشبابية التي ستتبلور منها المعارضة الصاعدة، مستغلة حالة اللا رضا في الشارع والدخول في أجواء الانتخابات الرئاسية».

من الانتخابات الموريتانية (أ.ف.ب)

طريق ولد الغزواني المفتوح نحو الرئاسة

> كانت أعين الموريتانيين حين صوتوا في الانتخابات التشريعية الأخيرة بنسبة مشاركة تجاوزت السبعين في المائة، منتصف الشهر الماضي، موجهة حقاً نحو الانتخابات الرئاسية، منتصف العام المقبل. والقصد هنا، بصورة خاصة، الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني الذي بدأ مشروعه الانتخابي بوعد كبير تمثَّل في «التهدئة». فهل سينجحُ الرجلُ في تنظيم انتخابات رئاسية هادئة؟... هكذا يتساءلُ من يتابعون المشهد الموريتاني.

المؤكد هو أن ولد الشيخ الغزواني كان أكبر رابح في الانتخابات الأخيرة، حين حصلت الأحزاب الداعمة له على غالبية ساحقة في البرلمان. بل إن جميع أحزاب المعارضة لم تتجاوز حصتها 27 مقعداً من أصل 176 مقعداً في البرلمان، وهي نسبة ضئيلة جداً، جاءت لتؤكد أن ولد الغزواني خلال أربع سنواتٍ مضت من حكمه، نجح في أن ينتزع من المعارضة حجة «الإقصاء» التي ظلت تشكل ركيزة أساسية من خطابها طوال عقود، وقارعت بها عدة أنظمة متعاقبة.

في هذا السياق، يرى أحمد سالم ولد الداه أن الرئيس الموريتاني لم يستفد فقط من هزيمة المعارضة، وإنما أيضاً من التنافس داخل أحزاب الموالاة، ويضيف: «لاحظنا أن الانتخابات شهدت صراعاً قوياً بين أحزاب الموالاة، في الكثير من الدوائر الانتخابية. وتركز هذا الصراع حول أي حزب يمثل البرنامج الانتخابي للرئيس. لقد كان ولد الغزواني هو الرابح من كل ذلك، دون أن يظهر في أي مهرجان سياسي أو يعلن الانحياز لأي حزب».

أمَّا ديدي ولد السالك فيقول: «لا أعتقد أن الرئيس الحالي كسب الكثير من الرهانات في هذه الانتخابات؛ لأن ما ظهر من ولاءات وما ترتب عليها من نتائج، هو حالة مكررة عشناها أكثر من مرة في العقود الماضية، وهي ناتجة عن وضع اجتماعي يسود فيه الفقر والأمية وغياب الوعي، وتحكم السلطة في كل شيء، بما في ذلك الانتخابات نفسها». وخلص من ثم إلى أن الرئيس ولد الشيخ الغزواني قد لا يكون مشغولاً كثيراً بما سيحدث في الانتخابات الرئاسية المقبلة؛ «لأن القاعدة تقول إن من يترشّح من القصر هو من يفوز، مهما كانت حصيلته السياسية، وهذه القاعدة لن تتغير ما لم يحدث تغيّر عميق في المجتمع».

ولكن في المقابل، من الواضح أن السلطة في موريتانيا منشغلة لفكرة تنظيم انتخابات «هادئة». وهي تراهن على أن يستمر «تطبيع» العلاقة مع المعارضة، لا سيما بعد تكرار أعمال عنف يُخشى أن تصبح لازمة للانتخابات في موريتانيا. بل إنها باتت تثير القلق من أن تتطور ما لم يتيسّر علاجها. إذ وقعت أعمال عنف عقب رئاسيات 2019، وتجدّدت في أعقاب انتخابات الشهر الماضي، وأخذت نسقاً تصاعدياً وطابعاً عرقياً.

وفي كلتا المرتين خرج الجيش ليعيد الأمن في بعض المدن، واضطرت السلطات لقطع الإنترنت للحدّ ممّا وصفته بـ«الشائعات وخطاب الكراهية»، ومع ذلك تؤكد السلطات دوماً جاهزيتها للتعامل مع أي وضعية للسيطرة عليها، بينما تظل احتمالات الانزلاق قائمة.

الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني (أ.ف.ب) نهاية المعارضة التي توصف في موريتانيا بـ«التاريخية»، كانت إيذاناً بتقاعد شخصيات ظلت حاضرة لعدة عقود في المشهد السياسي


مقالات ذات صلة

«صراع الأضداد» في فرنسا يحمى وطيسه

حصاد الأسبوع ميلونشون يحيي مناصريه اليساريين (آ ف ب /غيتي)

«صراع الأضداد» في فرنسا يحمى وطيسه

فرنسا غارقة اليوم في أزمة سياسية - مؤسساتية لم تعرف مثيلاً لها منذ ستينات القرن الماضي التي أفضت وقتها وتحديداً يوم 28 أبريل (نيسان) 1969 إلى استقالة رئيس الجمهورية، الجنرال شارل ديغول، مؤسس «الجمهورية الخامسة» الذي كان في السلطة في عامه الحادي عشر. وما بين ذلك التاريخ واليوم، تَعاقب على السلطة سبعة رؤساء: جورج بومبيدو وفاليري جيسكار ديستان وفرنسوا ميتران وجاك شيراك ونيكولا ساركوزي وفرنسوا ميتران والرئيس الحالي إيمانويل ماكرون الذي انتُخب لولاية أولى ربيع عام 2017. وخلال هذه العهود، استقر في قصر الأليزيه رؤساء من اليمين ومن اليسار وعرفت فرنسا ثلاث مراحل مما يسمى «التعايش» أو «المساكنة» بين رئيس للجمهورية ينتمي إلى معسكر سياسي ورئيس حكومة من معسكر آخر.

حصاد الأسبوع بدر عبد العاطي... «مهندس العلاقات الأوروبية» يترأس «الخارجية المصرية»

بدر عبد العاطي... «مهندس العلاقات الأوروبية» يترأس «الخارجية المصرية»

تسلّم الدبلوماسي المخضرم الدكتور بدر عبد العاطي مهام عمله وزيراً للخارجيّة والهجرة وشؤون المصريين بالخارج، ضمن حكومة الدكتور مصطفى مدبولي الجديدة.

فتحية الدخاخني (القاهرة)
حصاد الأسبوع عمرو موسى

وزراء تعاقبوا على حقيبة الخارجية المصرية

> يمتد تاريخ وزارة الخارجية المصرية لأكثر من مائة سنة، تعاقب خلالها على قيادة دفة الدبلوماسية المصرية أكثر من 40 وزيراً.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
حصاد الأسبوع  رئيس الوزراء المنغولي في لقاء آخر مع الرئيس الصيني شي جينبينغ (تشينخوا)

انتخابات منغوليا وانعكاساتها مع «جاريها العملاقين»... الصين وروسيا

بعد الانتخابات البرلمانية الأخيرة في منغوليا، الدولة الآسيوية غير الساحلية، شُكّلت حكومة ائتلافية برئاسة رئيس الوزراء لوفسان نامسراي أويون-إردين، بعدما حرم الناخبون الساخطون «حزب الشعب المنغولي» الحاكم من الغالبية البرلمانية، وإرغام لوفسان نامسراي على تشكيل حكومة ائتلافية مع أحزاب المعارضة. وللعلم، حصل الحزبان المنافسان الرئيسان، أي «الحزب الديمقراطي» وحزب «خون»، على مقاعد كثيرة في البرلمان، لكنهما لم يتمكنا من تحدّي حكومة «حزب الشعب المنغولي».

براكريتي غوبتا (نيودلهي)
حصاد الأسبوع المصفحة الرسمية بين الرئيسين فلاديمير بوتين وكيم جونغ أون في بيونغ يانغ (رويترز)

شراكة بوتين «الاستراتيجية» مع بيونغ يانغ توسّع المواجهة مع الغرب

قد تشكّل الزيارة «التاريخية»، كما وصفتها موسكو وبيونغ يانغ، للرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى كوريا الشمالية، نقطة تحوّل رئيسية في الصراع المتفاقم بين روسيا

رائد جبر (موسكو)

«صراع الأضداد» في فرنسا يحمى وطيسه

ميلونشون يحيي مناصريه اليساريين (آ ف ب /غيتي)
ميلونشون يحيي مناصريه اليساريين (آ ف ب /غيتي)
TT

«صراع الأضداد» في فرنسا يحمى وطيسه

ميلونشون يحيي مناصريه اليساريين (آ ف ب /غيتي)
ميلونشون يحيي مناصريه اليساريين (آ ف ب /غيتي)

مرحلتا «التعايش» أو «المساكنة» الأولى والثانية في فرنسا كانتا في عهد الرئيس الاشتراكي فرنسوا ميتران الاشتراكي مع رئيسيْ حكومة من اليمين الديغولي هما جاك شيراك (بين عاميْ 1986 و1988) وإدوار بالادور (بين 1993 و1995)، ثم في زمن الرئيس شيراك، حين شغل الاشتراكي ليونيل جوسبان منصب رئاسة الحكومة طيلة خمس سنوات (1997 و2002). وانتهت المرحلة الأخيرة بإعادة انتخاب شيراك لولاية ثانية من خمس سنوات.

الحكم العامودي

رغم تعاقب العهود والتغيّرات في الآيديولوجيا والأولويات وبرامج الحكم، لم تعرف حقاً أزمات خطيرة؛ بفضل صلابة المؤسسات التي أرساها الجنرال شارل ديغول التي وفرت التعاقب السلمي والسلس على السلطة.

أما اليوم، فإن قراري الرئيس إيمانويل ماكرون، مساء 9 يونيو (حزيران) الماضي، حل البرلمان بعد الهزيمة التي ضربت تحالف الأحزاب الثلاثة المؤيدة له في الانتخابات الأوروبية، والدعوة إلى انتخابات برلمانية جديدة، أدخلا فرنسا في أزمة عميقة لا أحد يعرف كيف الخروج منها ولا الحدود التي ستقف عندها.

لوبن ومعها بارديلا (آ ب)

ويوماً بعد يوم، تتكشف الظروف، التي أحاطت بقرار ماكرون الفجائي، الذي اتخذه بمعزل عن الحكومة ومن دون القيام بالمشاورات التي يُلزمه بها الدستور، وتحديداً مع رئيسيْ مجلسي الشيوخ والنواب ورئيس الحكومة. ولم يعد سراً أن الأخير، غابرييل أتال (35 سنة)، كان معارضاً بقوة لقرار ماكرون الذي يدين له بكل شيء، ولكونه أصغر رئيس حكومة في تاريخ البلاد منذ عام 1802، حين وصل الجنرال نابوليون بونابرت - ولاحقاً الإمبراطور - إلى منصب «القنصل الأول» ما يساوي منصب رئيس الحكومة.

كذلك اعتبر إدوار فيليب، رئيس الحكومة الأسبق، والرئيس الحالي لحزب «هورايزون» المتحالف مع ماكرون، أن الأخير «قتل الأكثرية الرئاسية»، لذا «يتوجب الذهاب إلى أكثرية مختلفة لن تكون كسابقتها». أما فرنسوا بايرو، الحليف الرئيس لماكرون ورئيس حزب «الحركة الديمقراطية» المنضوية تحت لواء التحالف الداعم له، فرأى أن المعركة الانتخابية التي تلي حل البرلمان «ليست معركة سياسية بل صراع من أجل البقاء».

ماكرون ومجموعته الضيقة

بناءً عليه، صار واضحاً، اليوم، أن ماكرون اتخذ قراره مع مجموعة ضيقة لا تتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة. وفي اجتماع دُعيت إليه في قصر الإليزيه يائيل بيفيه ـ براون، رئيسة مجلس النواب، ليس للتشاور، بل لإبلاغها قراره، طلبت منه الأخيرة اجتماعاً على انفراد لتبلغه رفضها حل البرلمان الذي ترأسه منذ سنتين، مذكّرة إياه بالمادة الدستورية التي تُلزم رئيس الجمهورية بالتشاور معها. ولقد وافق ماكرون على طلبها، إلا أن الاجتماع، في غرفة جانبية، لم يدُم سوى دقيقتين.

ما حصل مع بيفيه ـ براون، جرى أيضاً مع جيرار لارشيه، رئيس مجلس الشيوخ، المنتمي إلى اليمين التقليدي - حزب «الجمهوريون» - والرجل الثاني في الدولة الذي يشغل هذا المنصب، من غير انقطاع، منذ عام 2014.

إذ نقلت صحيفة «لوموند» أن لارشيه، الذي لم يكن حاضراً الاجتماع الطارئ في الإليزيه، تلقى اتصالاً هاتفياً من ماكرون، في الثامنة والربع من مساء التاسع من يونيو (حزيران) الماضي، وأن الاتصال دام دقيقة ونصف الدقيقة.

وتابعت الصحيفة أن لارشيه، الطبيب البيطري السابق، انتقد ماكرون؛ لعدم احترامه المادة 12 من الدستور، الأمر الذي عدَّه «انتقاصاً من دور المؤسسة التي يرأسها»، وبالتالي من منصبه ومنه شخصياً. وسأل لارشيه، ماكرون: «هل فكّرت ملياً بما قرّرت فعله؟»، وجاء ردّ رئيس الجمهورية: «نعم، أنا أتحمل كامل المسؤولية ومستعد للتعايش» مع حكومة من غير معسكره السياسي.

التعايش مع اليمين المتطرف!

بالنظر لنتائج الانتخابات الأوروبية، التي شهدت احتلال حزب «التجمع الوطني»، اليميني المتطرف بزعامة مارين لوبن، وترؤس الشاب جوردان بارديلا لائحتها، المرتبة الأولى وحصوله على 34 في المائة من الأصوات، كان ماكرون يعني التعايش مع حكومة من اليمين المتطرف. وهذا ما كان سيُدخل فرنسا نادي الدول التي سيطر عليها هذا اليمين؛ أكان بالكامل كما في إيطاليا وهولندا، أم جزئياً كما في المجر والدنمارك والسويد.

إلا أن لارشيه، المعروف باعتداله ووسطيته، انتقد نهج الحكم الماكروني قائلاً له أن «عمودية حكمه - أي إمساكه بالقرار السياسي وحرمان حكومته من هامش من التصرف - قادته إلى العزلة التي يعاني منها راهناً». وخلاصة القول إن قلة اكتراث ماكرون بالمؤسسات وبدور رئيس الحكومة والنقابات، وما يسمى الهيئات الوسيطة، كالنقابات مثلاً، أدت إلى «القطيعة مع الرئيس»، بمن في ذلك المرشحون للانتخابات التي أُجريت دورتاها يوميْ 30 يونيو، و7 يوليو (تموز) الحالي. وكان من أبرز معالم هذه القطيعة أن أحداً من المرشحين لم يطلب دعم ماكرون في حملته الانتخابية؛ لأنه اعتبر أن حضوره سيؤدي إلى نتائج عكسية. كذلك كان اللافت أن أياً من المرشحين لم يضع صورته إلى جانب صورة ماكرون على ملصقاته الانتخابية.

تبعات المبادرة الماكرونية..

لقد أفادت نتائج الدورة الانتخابية الأولى الرسمية والنهائية، التي صدرت عن وزارة الداخلية، أن حزب «التجمع الوطني»، ومعه حليفه أريك سيوتي، رئيس حزب «الجمهوريون» المنشقّ والملتحق بـ«التجمع الوطني»، حصل على 33.15 في المائة من أصوات الناخبين، وعلى 10.7 مليون صوت، في تحوّل لم يعرفه سابقاً، كما تمكّن 37 من مرشحيه من الفوز منذ الجولة الأولى.

ثم حلّت «الجبهة الشعبية الجديدة»، التي تشكلت في وقت قياسي، والتي تضم ثلاثة أحزاب يسارية وحزب «الخضر»، في المرتبة الثانية بحصولها على 28 في المائة من الأصوات.

أما «ائتلاف الوسط»، الداعم لماكرون وعهده، فقد حلّ في المرتبة الثالثة، إذ رسا على ما دون عتَبة الـ21 في المائة. وللعلم، تمكّن اليسار من إيصال 32 نائباً منذ الدورة الأولى، مقابل نائبين فقط للائتلاف الأخير. وأصاب الانهيار أحزاب العهد الثلاثة في الصميم، وكذلك حزب «الجمهوريون» الذي تقلّص ناخبوه إلى 6.75 في المائة، بعدما هيمن، طيلة عقود، على الحياة السياسية في فرنسا.

نعم، جاءت نتائج الجولة الأولى صادمة وبمثابة قرع لجرس الإنذار محذِّرة من وصول اليمين المتطرف إلى السلطة عبر الانتخابات البرلمانية. وطيلة الأسبوع الفاصل بين الجولتين الأولى والثانية، كان السؤال المحوَري يدور حول ما إذا كان اليمين المتطرف سيحصل على الأكثرية المطلقة في البرلمان أم لا.

وأخذ جوردان بارديلا، الذي رشحه «التجمع الوطني» لرئاسة الحكومة، بينما تتحضر مارين لوبن للعبور إلى قصر الإليزيه في الانتخابات الرئاسية لعام 2027، يتكلّم إلى الإعلام وكأنه واصل غداً إلى رئاسة الحكومة.

بيد أن هذه النتائج دفعت «الجبهة الشعبية الجديدة» و«ائتلاف الوسط»، رغم التباعد الآيديولوجي والسياسي بينهما والحملات السياسية والشخصية العنيفة المتبادلة طيلة ثلاثة أسابيع، إلى الاتفاق على سحب مرشحيهما من الدوائر التي حلّوا فيها في المرتبة الثالثة لكي تصب الأصوات كافة لصالح المرشح المناهض لليمين المتطرف، مهما كان لونه السياسي. والحقيقة أن «معجزة» تحقّقت، واتفق الطرفان على سحب 220 مرشحاً أكثريتهم من جبهة اليسار، الأمر الذي قلَب النتائج المرتقبة سلفاً رأساً على عقب.

ظواهر فرضت نفسها

في أي حال، ثمة أربع ظواهر فرضت نفسها:

الأولى أن «الجبهة الجمهورية» التي شكلت لوقف زحف اليمين المتطرف إلى السلطة نجحت في مهمتها. فبدل أن تثبت جولة الإعادة نتائج الجولة الأولى، ها هو اليمين المتطرف يحل في المرتبة الثالثة، ما وأد أحلامه السلطوية مع أنه نجح في إيصال 125 نائباً إلى البرلمان الجديد، مقابل 89 نائباً في البرلمان السابق.

والثانية أن جبهة اليسار، ومَن انضم إليها، حلّوا في المرتبة الأولى مع 195 نائباً، يتبعهم في ذلك ائتلاف الوسط الرئاسي (166 نائباً) الذي خسر 84 نائباً.

والثالثة أن أية مجموعة من المجموعات الرئيسة الثلاث لم تحصل على الأكثرية المطلقة (289 نائباً) أو لامستها، الأمر الذي أوجد وضعاً سياسياً بالغ التعقيد، وجعل تشكيل حكومة جديدة صعب المنال.

والرابعة قوامها أن القرار السياسي انتقل من قصر الإليزيه، حيث خرج ماكرون ضعيفاً في المنافسة الانتخابية بسبب ضعف مجموعته السياسية وفقدان سيطرته على المجموعات الأخرى، إلى البرلمان. وهو ما أعاد فرنسا - بمعنى ما - إلى عهود «الجمهورية الرابعة» عندما كان القرار بيد المشرّعين وليس بيد رئيس الجمهورية.

انتخابات بلا فائز

يعطي الدستور الفرنسي تسمية رئيس الحكومة لرئيس الجمهورية، كما أنه لا يُلزمه بمهلة محددة لاختياره. بيد أن العُرف يقول إنه يتوجب عليه أن يُوكل المهمة إلى شخصية من «التجمع»، أو الحزب الفائز بالانتخابات، أو الذي يحل في المرتبة الأولى؛ أي في حالة الانتخابات الأخيرة، إلى «الجبهة الشعبية الجديدة».

بيد أن ماكرون يتمهل وتجمعه (ائتلاف الوسط)، ومعهما اليمين التقليدي (حزب «الجمهوريون»)، الذي حصل على 65 نائباً. وهؤلاء يراوغون ويستمهلون ويسوّقون الأعذار لمنع اليسار من الوصول إلى السلطة بحجة هيمنة حزب «فرنسا الأبية»، والمرشح الرئاسي السابق جان لوك ميلونشون، عليه. ومنذ الأحد الماضي، يوجه هؤلاء سهامهم على ميلونشون؛ لأنهم يرون فيه نقطة الضعف الرئيسة، ويواظبون على نعته بـ«معاداة السامية»، وبالسعي لهدم النظام الديمقراطي، وإثارة الفوضى والطوائفية.

وتضاف إلى ما سبق حجتان: الأولى أن اليسار عاجز عن توفير أكثرية في مجلس النواب باعتبار أنه ليست ثمة مجموعة من المجموعتين الكبريين تقبل بالتحالف معه للوصول إلى العدد السحري (289 نائباً). والثانية أن «لا أحد فاز في الانتخابات الأخيرة»، كما أكد وزير الداخلية جيرالد درامانان... باعتبار أن المجموعات الثلاث نالت أعداداً متقاربة من النواب.

وبالفعل، سارع ماكرون إلى استخدام الحجة الأخيرة في «الرسالة» التي وجّهها إلى الفرنسيين، الأربعاء، عبر الصحافة الإقليمية - وهي الثانية من نوعها منذ حل البرلمان. وعمد الرئيس إلى استخلاص النتائج وطرح تصوّره للأيام المقبلة، فيما تجهد جبهة اليسار، بشِق النفس وبمفاوضات شاقة، إلى التوافق حول اسم مرشح تطرحه لرئاسة الحكومة وسط كمٍّ من الأسماء.

وهنا، لم يتردد أوليفيه فور، أمين عام الحزب الاشتراكي، في طرح نفسه للمنصب، علماً بأن هناك صراعاً داخلياً قائماً بين الحزب الاشتراكي وحزب «فرنسا الأبية» على تزعّم تجمع اليسار و«الخضر». وحلم ماكرون ومجموعته إحداث شرخ داخل «جبهة اليسار» بحيث يبتعد الاشتراكيون و«الخضر» - وأيضاً الشيوعيون - عن ميلونشون و«فرنسا الأبية»، بحيث يتاح المجال لتشكيل حكومة «قوس قزح» من اليمين وائتلاف الوسط واليسار غير الميلونشوني؛ بمعنى إقصاء أقصى الطرفين خارجها، أي من جهة، اليمين المتطرف ممثلاً بـ«التجمع الوطني»، ومن جهة ثانية، اليسار المتشدد ممثلاً بـ«فرنسا الأبية».

وللتذكير، طلب ماكرون، في رسالته التي لقيت احتجاجات قوية، لا بل تنديداً شديداً بـ«مناورته» الجديدة، من «كل القوى السياسية التي ترى نفسها داخل المؤسسات الجمهورية، أن تنخرط في حوار صادق ونزيه من أجل بناء أكثرية صلبة تكون بطبيعة الحال متعددة». وأردف أنه يريد «التمهّل بعض الوقت من أجل التوصل إلى تسويات بهدوء واحترام للجميع»، مكرّراً من جديد أن «لا أحد فاز» في هذه الانتخابات.