تساؤلات وتحديات بعد الفوز الكبير لأحزاب المعارضة التايلاندية

تعايش صعب بين المؤسسة العسكرية والتقاليد ونبض الشارع

بيتا ليمجارونرات... زعيم حزب «التحرك نحو الأمام» يحيي مناصريه (رويترز)
بيتا ليمجارونرات... زعيم حزب «التحرك نحو الأمام» يحيي مناصريه (رويترز)
TT

تساؤلات وتحديات بعد الفوز الكبير لأحزاب المعارضة التايلاندية

بيتا ليمجارونرات... زعيم حزب «التحرك نحو الأمام» يحيي مناصريه (رويترز)
بيتا ليمجارونرات... زعيم حزب «التحرك نحو الأمام» يحيي مناصريه (رويترز)

تشكّل نتائج الانتخابات الأخيرة في تايلاند بداية حقبة جديدة، وقد جاءت بمثابة حكم صادم وقوي من جانب قرابة 40 مليون ناخب تايلاندي ضد هيمنة العسكريين على المشهد السياسي بالبلاد. المؤسسة العسكرية سيطرت على حكم تايلاند معظم الفترة منذ عام 1947، وإن تخللت هذه السنوات فترات قليلة تولت خلالها السلطة حكومات منتخبة ديمقراطياً. ولكن في السنوات الأخيرة، واجهت المملكة الواقعة في جنوب شرقي آسيا اضطرابات سياسية ومشكلات اقتصادية، في حين تعرّض النظام لتحديات كبيرة، في الوقت الذي تراجعت فيه شعبية رئيس الوزراء. يقدر عدد سكان تايلاند بـ70 مليون نسمة، وعُرفت تاريخياً باسم سيام، وتعيش تحت نظام حكم ملكي دستوري، وتعد البلد الوحيد في جنوب شرقي آسيا الذي نجا من الحكم الاستعماري. وجرى إعلان ماها فاجيرالونغكورن، الملك التايلاندي العاشر من سلالة تشاكري، ملكاً على البلاد في ديسمبر (كانون الأول) 2016. وتولّى الملك الحالي العرش خلفاً لوالده الملك بوميبول أدولياديغ، أطول ملوك العالم حكماً في ذلك الوقت، الذي توفي في أكتوبر (تشرين الأول) من ذلك العام.

ثمة احتمال لأن تصبح الانتخابات العامة التي شهدتها تايلاند يوم 14 مايو (أيار) الماضي الحدث السياسي الأبرز في تاريخها منذ منتصف السبعينات، حين أطاحت حركة مؤيدة للديمقراطية لأول مرة بالنظام العسكري الحاكم.

حصيلة الانتخابات الأخيرة كانت أشبه بزلزال سياسي، إذ اختار الناخبون التايلانديون بغالبية كاسحة اثنين من الأحزاب الديمقراطية هما «التحرك نحو الأمام» و«بويا تاي». وحصد الحزبان معاً أكثر من ثلاثة أخماس مقاعد مجلس النواب، جامعَين نحو 25 مليون صوت.

نجم حزب «التحرك نحو الأمام» لمع بوصفه أكبر كتلة سياسية في تايلاند، باستحواذه على 152 مقعداً، تلاه «بويا تاي» بـ141 مقعداً، داخل البرلمان البالغ إجمالي مقاعده 500. ولم يقترب أي حزب آخر من الإنجاز المزدوج الذي حققه هذا الحزبان.

بيتا ليمجارونرات (42 سنة) الذي تلقى تعليمه بجامعتي هارفارد والـ«إم آي تي» الأميركيتين العريقتين، هو زعيم حزب «التحرك نحو الأمام»، الذي يتبع أفكاراً تقدمية، ولقد نجح في استغلال شعبيته في صفوف الناخبين الشباب الساخطين والراغبين في التغيير.

بايتونغتارن شيناواترا (أ.ف.ب - غيتي)

أما «بويا تاي»، فإنه حزب شعبوي تقوده بايتونغتارن شيناواترا (36 سنة)، وهي ابنة رئيس الوزراء السابق والملياردير الشعبوي ثاكسين شيناواترا. ويستقي هذا الحزب دعمه من الطبقة العاملة في الريف والحضر، خصوصاً بالمناطق الواقعة شمال وشمال شرقي البلاد. وكانت شعبية هذين الزعيمين قد تصاعدت كثيراً في مواجهة المؤسسة العسكرية خلال العقدين الماضيين.

في المقابل، حصل الجنرال برايوت تشان أوتشا (69 سنة)، الذي أطاح عام 2014 بالحكومة المدنية المنتخبة ديمقراطياً بقيادة زعيمة «بويا تاي»، ينغلوك شيناواترا (وهي أخت ثاكسين) على نسبة هزيلة بلغت 7 في المائة من الأصوات، وحصل الائتلاف الحاكم المؤلف من أحزاب عسكرية على 77 مقعداً فقط. وهو ما يشكل تراجعاً كبيراً عن الـ116 مقعداً التي كان فاز بها الائتلاف في انتخابات 2019. ويذكر أن ينغلوك شيناواترا كانت أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة، قبل الانقلاب العسكري الذي نفذه الجنرال برايوت وبعده عيّن نفسه رئيساً للوزراء. وهنا نشير إلى أن برايوت حرص باستمرار على تأكيد دعمه للعائلة المالكة التايلاندية، بينما اتخذت المؤسسة العسكرية إجراءات قمعية صارمة ضد أي تحرك ضد «حكومتها».

هل ستشكَّل حكومة؟

عادة ما تستغرق الإجراءات البرلمانية في تايلاند أشهراً عدة قبل أن تتشكل الحكومة الجديدة وتتولى السلطة. وأمام لجنة الانتخابات في تايلاند ما يصل إلى 60 يوماً للمصادقة رسمياً على نتائج الانتخابات العامة هذا العام. وبعد ذلك، يجتمع البرلمان بدوره للمصادقة على الحكومة الجديدة.

وينص الدستور على ضرورة انعقاد الجلسة الأولى لمجلس النواب في غضون 15 يوماً بعد إعلان لجنة الانتخابات نتائج الانتخابات الرسمية، وذلك لانتخاب رئيس مجلس النواب الجديد، الذي سيكون أيضاً رئيساً للبرلمان التايلاندي، ومن المعتقد أن يوافق ذلك 13 يوليو (تموز) المقبل. ويعني هذا أن جلسة مشتركة لمجلس النواب المكون من 500 مقعد، ومجلس الشيوخ المؤلف من 250 مقعداً، ستُعقد في يوليو؛ لاختيار رئيس الوزراء الجديد.

يضم مجلس النواب (الغرفة الأدنى من البرلمان) إجمالي 500 مقعد، منها 400 مقعد متاحة أمام الدوائر الانتخابية و100 مقعد بنظام «القائمة الحزبية» (مقاعد تفوز بها الأحزاب على أساس نصيبها من الأصوات الوطنية). ولقد أعلن بيتا، زعيم حزب «التحرك نحو الأمام»، جاهزيته لتولي منصب رئيس الوزراء الثلاثين لتايلاند، وتشكيل حكومة ائتلافية من 8 أحزاب حليفة داعمة للديمقراطية هي: «بويا تاي» و«براشاشات» و«ثاي سانغ ثاي» و«سيري روام ثاي» (ثاي الليبرالي) و«فير» و«بلونغ سونغكوم ماي» (القوة الجديدة) و«بيو ثاي رومفلانغ».

داخل مجلس النواب، لدى هذا الائتلاف الآن 313 صوتاً من 500 صوت. ولقد وافق أعضاء الائتلاف رسمياً على العمل معاً من خلال توقيع مذكرة تفاهم، تتضمن سياسات مكوناته الجديدة، وأعربوا عن رغبتهم في قيادة الحكومة القادمة. كذلك أعربت أحزاب الائتلاف رفضها السلطة المطلقة في البلاد، ووعدت بإجراء إصلاحات حال وصولها للسلطة.

أثناء التوقيع على مذكرة التفاهم، قال بيتا: «يتعلق اليوم بإقرار بداية جيدة، وعلينا أن نعمل معاً للمضي قدماً نحو إعلان سياساتنا بعد أن أتولى منصب رئيس الوزراء. لذا، فإن اليوم ليس سوى الخطوة الأولى». وأضاف أمام حشد من الصحافيين: «هناك كثير من الخطوات التالية الفورية التي تتبع ذلك، ومن المحتمل أن يفسر ذلك بشكل أفضل قليلاً كيفية إحداث التغيير».

ولكن على الرغم من الدعم الساحق، فإن معلقين سياسيين يشيرون لوجود مخاوف في صفوف مؤيدي الائتلاف، من إمكانية استغلال المعارضين المتحالفين مع الجيش مجلس الشيوخ، غير المنتخب، لمنع أعضاء الائتلاف من تولي مناصب. ويذكر أنه بموجب دستور تايلاند لعام 2017 الذي صيغ في ظل الحكم العسكري بعد انقلاب عام 2014، يتوجب على مجلسي البرلمان التصويت لاختيار رئيس وزراء جديد.

دستور 2017

تبعاً للدستور الذي أقره المجلس العسكري عام 2017، يجب انتخاب رئيس الوزراء، إضافة إلى 250 من أعضاء مجلس الشيوخ المعينين من قبل المجلس العسكري الملكي. ولتجاوز مجلس الشيوخ، سيحتاج بيتا إلى دعم 376 نائباً بالبرلمان. وهو أمر متعذّر من دون ضم حزب «بهومغايتاي»، الصديق للمجلس العسكري وصاحب التوجهات المحافظة.

هذا يعني أنه لا يزال بإمكان المؤسسة العسكرية الاضطلاع بدور رئيسي في تحديد الحكومة، مع فشل الائتلاف بالفوز بالغالبية المطلوبة وهي 376 مقعداً. وعلى الرغم من أن الائتلاف الجديد يأمل في أن تضغط المقاعد المشتركة في الحكومة على مجلس الشيوخ للتصويت لصالحه، فإن محللين يرون أن بيتا (المرشح الأبرز لتولي رئاسة الوزراء إذا شكّل الائتلاف الذي يقوده حزبه الحكومة) قد يصار إلى استهدافه، بل وإبعاده إذا قبلت «لجنة الانتخابات» شكوى بأنه لم يبع أسهماً يمتلكها في شركة إعلامية قبل إطلاق حملته الانتخابية، وهو ما يشكل خرقاً للقواعد ـ المصير ذاته الذي لقيه مؤسس حزبه عام 2019. ولقد تقدم بالفعل مرشح لحزب «فالانغ براشاراث»، المدعوم من المؤسسة العسكرية، بشكوى إلى لجنة الانتخابات واللجنة الوطنية لمكافحة الفساد، متهماً بيتا بأنه لم يدرج الأسهم التي يملكها في الشركة المذكورة في البيان الرسمي الذي قدمه بخصوص الأصول المملوكة له. لكن بيتا أنكر اقتراف أية مخالفة، وقال إن الاتهام الموجه له يقوم على نقطة فنية صغيرة.

من ناحية ثانية، رغم توجيه حزب «بويا تاي» الشعبوي دعوات قوية لتشكيل حكومة بقيادة حزب «التحرك نحو الأمام»، يرى محللون أن الحزب قد يتحالف مع حزب «بهومغايتاي»، الذي جاء في المركز الثالث، بجانب المؤسسة العسكرية والحزب الحاكم المدعوم من العائلة المالكة، «فالانغ براشاراث»، والذي بمقدوره بسهولة الحصول على دعم 270 من أعضاء مجلس الشيوخ.

ومع ذلك، يعتقد محللون بأن الجيش لن يعجبه عودة العائلة السياسية لرئيس الوزراء السابق ثاكسين شيناواترا، عبر حزبها «بويا تاي»، بعدما تحولت لشبح يطارد المؤسسة العسكرية والنخب الموالية للملكية منذ عام 2001. وبالتالي، في غياب حل وسط، قد تعاني تايلاند من مأزق غياب حكومة عاملة على امتداد شهور، خصوصاً أن الدستور لا ينص على موعد نهائي لتشكيل الحكومة.

الاضطرابات والجيش والعرش

على مدى عقود، لجأ حكام تايلاند العسكريون إلى الانقلابات والأحكام القضائية لإبقاء المعارضين المنتخبين بعيداً عن السلطة. وعلى الرغم من إقرار الحكم المدني رسمياً في تايلاند عام 1992، فإن الجيش التايلاندي ما زال مؤسسة مؤثرة وقادرة على تأجيل الإصلاح السياسي.

ما يستحق الإشارة إليه أنه في عام 1932 انتهت المَلَكية المطلقة بعد الثورة السيامية. ولكن، مع ذلك احتفظ العرش التايلاندي بمكانة مميزة في المجتمع، وبنفوذ هائل في الحكومة، ولطالما بقيت المؤسسة الملكية محصنة ضد النقد العام، من خلال نص القانون. ولكن، منذ ذلك الحين، دبر الجيش التايلاندي 22 انقلاباً، نجح 13 منها، وأجرى 20 تعديلاً دستورياً منذ قيام الدولة.

وعلى مدار سنوات، شكلت المواجهة بين الجنرالات العسكريين، والسياسيين والنشطاء المدنيين، السبب الجذري وراء غياب الاستقرار باستمرار عن البلاد.

أول حكومة منتخبة

عام 2001، أصبحت لدى تايلاند أول حكومة منتخبة استكملت فترة ولاية مدتها 4 سنوات، تحت قيادة ثاكسين شيناواترا، رجل الشرطة الذي تحوّل إلى رجل أعمال عملاق بمجال الاتصالات، الذي قاد موجة شعبوية للفوز مع حزبه «تاي راك تاي» (التايلانديون يحبون التايلانديين). ووعد حزبه بتحقيق استقرار في الاقتصاد، وتقديم رعاية صحية شاملة، وتخفيف ديون المزارعين، وتوفير تمويل لتحقيق تنمية بالقرى.

مع ذلك، أشعلت حرب ثاكسين المثيرة للجدل على المخدرات بجنوب البلاد ذي الغالبية المسلمة، جولة جديدة من أعمال التمرد. وعلى الرغم من اكتساح ثاكسين انتخابات عام 2005، سرعان ما هزت حكومته فضيحة مالية واحتجاجات لاحقة، فاضطر للدعوة إلى انتخابات جديدة. ومن ثم أُطيح به بعد أشهر في انقلاب مرّ دون إراقة للدماء.

الجنرال برايوت تشان أوتشا (أ.ف.ب - غيتي)

فترة ما بعد عام 2006 توصف عادةً بأنها «العقد الضائع» في تايلاند. ومع وجود ثاكسين في المنفى الذاتي وعزل خلفائه من قبل المحاكم، شهدت تايلاند عام 2010 أعنف حملة قمع ضد المتظاهرين، أُطلق عليها حملة «القمصان الحمر»، بقيادة رئيس الوزراء الحالي - الذي كان جنرالاً حينها - برايوت تشان أوتشا. وسلطت سنوات الاحتجاج الضوء على الانقسام الاجتماعي العميق بين فقراء الريف والطبقات الوسطى والعليا الأكثر ثراءً في العاصمة (بانكوك).

بعدها، عام 2011، أصبحت ينغلوك، شقيقة ثاكسين الصغرى، أول امرأة تتولى رئاسة الوزراء في تايلاند، لكن حكومتها واجهت هي الأخرى احتجاجات في خضم مساعيها لاستصدار عفو عن أخيها المنفي يومذاك. وأدى ذلك إلى انقلاب عسكري آخر وإعلان الأحكام العرفية عام 2014 لحجة إحلال الاستقرار. وعام 2017، أقر الجيش دستوراً جديداً يسمح له بتعيين 250 عضواً في مجلس الشيوخ الذي سيلعب دوراً في اختيار رئيس الوزراء.

تجربة... وسخط

انتخابات 14 مايو 2019 التي نُظر إليها في البداية بوصفها «تدريباً على نقل السلطة» من المجلس العسكري إلى حكومة منتخبة، أسفرت عن احتفاظ برايوت بالسلطة بعد انتخابات متنازع عليها، ما جدد مشاعر السخط والاستياء. أما الانتخابات الأخيرة، فيصفها أنيل وادوا، السفير الهندي السابق لدى تايلاند، بـ«الحدث السياسي الأكثر أهمية في البلاد منذ منتصف السبعينات، عندما نجحت للمرة الأولى حركة داعمة للديمقراطية في الإطاحة بنظام عسكري حاكم. ومع ذلك، شهدت هذه الانتخابات استخدام الجماهير التايلاندية الوسائل المتاحة للتعبير عن رفضها... وهو رفض تحول إلى حركات احتجاجية كبرى في السنوات الأخيرة. وأكدت نتيجة التصويت رغبة الناخبين في تعزيز المؤسسات الديمقراطية، وفرض مزيد من المساءلة على الجيش والخدمة المدنية، إلى جانب مزيد من المساواة في الفرص الاقتصادية».

=========================

شيخوخة السكان... بين التحديات الكبرى

* تعد تايلاند من أسرع الدول شيخوخة في العالم. ومن بين سكانها البالغ عددهم 70 مليون نسمة، هناك 12 مليون تايلاندي من كبار السن، طبقاً لأحدث تقرير إحصائي وطني. ومنذ عام 2005، جرى تصنيف تايلاند بوصفها «مجتمعاً مسناً»، حيث يمثل الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 60 سنة فما فوق 10 في المائة من السكان. ومن المتوقع أن يرتفع عدد السكان المسنين في البلاد إلى 28 في المائة، وأن تصبح تايلاند «مجتمعاً مسناً للغاية» بحلول العقد المقبل.

ومع التقدم في نظام الرعاية الصحية، يتضح أن أعداد ونسبة الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 60 سنة فما فوق آخذ في الارتفاع في تايلاند والعالم. وما يجدر ذكره أنه عام 2019، كان أكثر من مليار من سكان العالم فوق سن الـ60. ومن المتوقع أن يرتفع هذا العدد إلى 1.4 مليار بحلول عام 2030 و2.1 مليار بحلول عام 2050.

في حين أن هذا التحول الديموغرافي يعكس أوجه التقدم في التنمية الاجتماعية والاقتصادية والصحة، فإنه - في المقابل - يطرح كذلك تحديات جديدة. وإدراكاً منهم لهذه التحولات والتحديات الديموغرافية، عمل صناع السياسات والجهات المعنية في جنوب شرقي آسيا على مدار سنوات على إصلاح السياسات والمبادرات لمواجهة التحديات التي تواجه رفاه كبار السن.

=========================

تداعيات جيوسياسية محتملة لانتخابات 2023

* لا يستبعد مراقبون متابعون للشأن السياسي في تايلاند أن تخلف نتائج الانتخابات الأخيرة تداعيات جيوسياسية مهمة للبلاد وللإقليم المحيط بها. ذلك أن تايلاند، التي كانت شريكاً سابقاً للولايات المتحدة طوال سنوات «الحرب الباردة»، هي الدولة الديمقراطية الوحيدة المتعددة الأحزاب في البر الرئيسي لجنوب شرقي آسيا، والتي تخضع في الوقت ذاته لنفوذ الصين.

من جهته، نفى حزب «التحرك نحو الأمام» بشدة تأييده السماح للولايات المتحدة بإنشاء قاعدة عسكرية في تايلاند. ويأتي هذا الجدل في خضم تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة والصين، مع وجود مؤشرات على أن كمبوديا المجاورة لتايلاند تعزز روابطها مع الجيش الصيني. ويتضمن هذا التعزيز، تبعاً لمسؤولين أميركيين، بناء قاعدة بحرية صينية في خليج تايلاند.

في هذا الصدد، أعرب أنيل وادوا عن اعتقاده بأن «الولايات المتحدة لعبت دوراً في الانتخابات العامة في 14 مايو، التي يُنظر إليها بوصفها زلزالاً هزّ أركان المشهد السياسي التايلاندي، ما ترك حزب (التحرك نحو الأمام) في وضع يسمح له بتأسيس ائتلاف يمثل 62 في المائة من أعضاء البرلمان».

ويأتي نفي حزب «التحرك نحو الأمام» في وقت تراجعت فيه الفلبين في عهد رئيسها الحالي فرديناند ماركوس «الابن»، عن سياسة استمرت لعقود سمحت في إطارها للجيش الأميركي بإنشاء قواعد في البلاد، الأمر الذي لا بد من أن يُنظر إليه في إطار تصاعد التوترات العسكرية بين الصين وأميركا ببحر الصين الجنوبي وسياقاته.


مقالات ذات صلة

نجم بوليوودي يصبح رئيساً للسلطة التنفيذية في ولاية هندية

آسيا الممثّل سي جوزيف فيجاي (رويترز)

نجم بوليوودي يصبح رئيساً للسلطة التنفيذية في ولاية هندية

نُصِّب الممثّل سي جوزيف فيجاي، الأحد، رئيساً للسلطة التنفيذية في ولاية تاميل نادو في جنوب شرقي الهند، إثر مفاوضات شاقة بعد إعلان فوز حزبه في الانتخابات المحلية.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
المشرق العربي رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني مع المكلف بالحكومة علي الزيدي في 28 أبريل 2026 (رويترز)

مفاوضات تشكيل الحكومة العراقية تدخل أسبوعاً حاسماً

يدخل المشهد السياسي العراقي أسبوعاً بالغ الحساسية، يُتوقع أن يُحسم فيه مصير تمرير الحكومة الجديدة من عدمه.

حمزة مصطفى (بغداد)
أوروبا ستارمر وبراون خارج مقر رئاسة الوزراء في «10 داونينغ ستريت»... يوم 9 مايو (د.ب.أ)

ستارمر يتعهّد بـ«الاستماع إلى الناخبين» بعد نكسة الانتخابات المحلية

تعهّد رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر بـ«الاستماع إلى الناخبين من دون الانحياز إلى اليمين أو اليسار»، بعد انتخابات محلية مُني حزب العمال فيها بهزيمة كبيرة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شمال افريقيا أمين عام التجمع الوطني الديمقراطي (إعلام حزبي)

الجزائر: مطالب حقوقية بالمحاسبة في «قضية ترتيب لوائح الترشيح للانتخابات»

فجَّر تسجيل صوتي مسرَّب، جرى تداوله على نطاق واسع بداية الشهر الحالي، فضيحةً سياسيةً مدويةً في ولاية قسنطينة، كبرى مدن الشرق الجزائري.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
الاقتصاد صفوف من المنازل الملوّنة تظهر في مدينة بريستول (رويترز)

تباطؤ سوق الإسكان في بريطانيا مع تراجع الطلب بفعل مخاوف الحرب

انخفضت أسعار المنازل في المملكة المتحدة خلال أبريل للشهر الثاني على التوالي، في ظل تراجع الطلب من المشترين نتيجة المخاوف المرتبطة بتداعيات الحرب.

«الشرق الأوسط» (لندن)

«إعادة هندسة» صامتة للنموذج الأوروبي

مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)
مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)
TT

«إعادة هندسة» صامتة للنموذج الأوروبي

مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)
مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)

تتحرّك المفوضية الأوروبية هذه الأيام في اتجاه مراجعة واسعة لعدد من قواعدها وتشريعاتها، في مسعى تعلن عنه بوصفه «تبسيطاً» و«تحديثاً» بينما يراه كثيرون «إعادة هندسة» صامتة للنموذج الأوروبي نفسه... فالقصة لا تتعلق بتفصيل قانوني معزول بل موازنة دقيقة بين المنافسة والضبط وبين حماية الحقوق وتسريع الاقتصاد وبين الوحدة التشريعية التي تريدها بروكسل والتباينات السياسية داخل الدول الأعضاء... في العمق تكشف هذه المراجعات عن سؤال أوروبي كبير هو: هل لا يزال الاتحاد قادراً على الجمع بين المعايير الصارمة والمرونة الاقتصادية في زمن يتغير بسرعة؟ أم أن الضغط العالمي من واشنطن إلى بكين يدفعه الآن إلى إعادة ترتيب أولوياته على نحو أكثر برغماتية وإن كان ذلك على حساب الصورة المثالية التي طالما عرفته بها الديمقراطيات الغربية؟

لا يمكن فهم ما تشهده بروكسل من انقلاب تشريعي دون العودة إلى سبتمبر (أيلول) 2024، حين سلّم ماريو دراغي، الرئيس السابق للبنك المركزي الأوروبي رئيسةَ المفوضية الحالية أورسولا فون دير لاين تقريره الضخم عن «مستقبل تنافسية أوروبا».

جاء التقرير الواقع في 400 صفحة بمثابة صرخة إنذار وجودية: أوروبا تتخلّف عن الركب، والفجوة مع الولايات المتحدة والصين تتّسع بصمت، والنموذج التنظيمي الذي طالما اعتُبر مصدر قوّة يتحوّل شيئاً فشيئاً إلى عبء يُعيق الابتكار. وكشف دراغي فيه أن أوروبا تخسر ما يعادل 300 مليار يورو سنوياً من مدّخرات أسرها المُوظَّفة في الخارج، وأن أسعار الكهرباء تتجاوز نظيراتها الأميركية بنسبة تراوح بين 150 و300 في المائة. وخلص إلى أن «الاتحاد» يحتاج إلى ضخ استثمارات إضافية تناهز 800 مليار يورو سنوياً للحفاظ على مكانته، واصفاً الوضع بأنه «تحدٍّ وجودي» قد يُفضي الإخفاق في مواجهته إلى «الأفول التدريجي» للقارة.

أورسولا فون دير لاين، رئيسة "المفوضية الأوروبية" (آ ب)

وأمام البرلمان الأوروبي في مدينة ستراسبورغ الفرنسية، حذّر دراغي من أن أوروبا «فشلت في تحويل الابتكار إلى منتجات تجارية قابلة للنمو»، وأن شركاتها الرائدة تجد نفسها مضطرة إلى الانتقال نحو السوق الأميركية كي تنمو، لأن السوق الأوروبية المُجزّأة، وتعقيدات الامتثال، لا تمنحانها الحجم الكافي للمنافسة العالمية. وتبعاً لهذا التقرير استجابت المفوضية في يناير (كانون الثاني) 2025 بإعلان «بوصلة التنافسية»، وهي مخطط استراتيجي لخمس سنوات يضع تخفيف الأعباء التنظيمية في صدارة الأولويات، مع التمسك بالأهداف المناخية الكبرى، ومنها «الحياد الكربوني» بحلول 2050.

عوامل الضغط المتراكمة من الداخل والخارج

في الواقع، لا يمكن عزل هذه المراجعات عن مُناخ سياسي داخلي وخارجي بالغ الاضطراب. ففي الداخل، أسفرت انتخابات البرلمان الأوروبي في يونيو (حزيران) 2024 عن صعود ملموس للتيارات اليمينية والقومية المتطرفة التي طالما انتقدت ما وصفته بـ«التضخم التشريعي» الصادر عن بروكسل، ولا سيما «الصفقة الخضراء الأوروبية». وشكّلت موجة احتجاجات المزارعين التي اجتاحت عواصم أوروبية عدة في مطلع 2025 رافداً شعبياً مباشراً لهذا التحوّل، إذ رفع المحتجون الصوت ضد تضخّم القواعد والاشتراطات التي يرون أنها تُثقل كاهلهم.

أما على الصعيد الخارجي، فقد وضعت عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض في يناير 2025، وإعلانه رزمة رسوم جمركية واسعة طالت الصادرات الأوروبية، المفوضيةَ أمام معادلة بالغة الدقة: إذ كيف تحافظ أوروبا على تنافسيتها في مواجهة شريك يرفع الجدران الجمركية من ناحية، ومنافس صيني من ناحية أخرى يضخ دعماً حكومياً هائلاً في صناعاته، في حين تلتزم هي بمنظومة تنظيمية صارمة تُثقل كاهل شركاتها؟

تقرير دراغي يُلخّص هذه المفارقة في جملة واحدة: «أوروبا قادت سباق القواعد، بينما خسرت سباق السوق».

أورسولا فون دير لاين، رئيسة "المفوضية الأوروبية" (رويترز)

أصوات المسؤولين بين الاعتراف والوعد

لقد أطلقت رئيسة المفوضية فون دير لاين منذ اليوم الأول لولايتها الثانية خطاباً تجديدياً صريحاً، ففي «منتدى دافوس» خلال يناير 2025 أعلنت الانطلاق نحو «تبسيط جذري لقواعد التمويل المستدام، والعناية الواجبة». وفي لقائها مع الصحافة الألمانية لاحقاً أقرّت بأن «كثرة القواعد وإلزامات إعداد التقارير تُقيّد مسيرة النشاطات الاقتصادية، والتجارية، ولا سيما تلك التي تخصّ الشركات الصغيرة»، مستندةً إلى بيانات صندوق النقد الدولي التي تُشير إلى أن العوائق الداخلية في السوق لأوروبية الموحّدة تعادل في أثرها رسوماً جمركية بنسبة 45 في المائة.

وأيضاً حدّدت هدفاً كمياً واضحاً هو خفض الأعباء الإدارية بما لا يقل عن 25 في المائة على جميع الشركات، و35 في المائة على المؤسسات الصغيرة، والمتوسطة، بما يُوفّر 37.5 مليار يورو سنوياً، وطالبت البرلمانَ الأوروبي والدولَ الأعضاء بإقرار الحزم التبسيطية من دون إبطاء.

هذه الدعوة وجدت صدىً في العواصم الكبرى، إذ دعمت ألمانيا وفرنسا مسار التبسيط صراحةً، ووصفت برلين الحزمة الأولى بأنها «خطوة لازمة للتوفيق بين التحوّل المستدام والقدرة التنافسية». وانضمت بولندا، التي ترأست مجلس «الاتحاد» في مطلع 2025، إلى هذا التوجه، واصفةً إياه بـ«المبادرة الضرورية لتعزيز تنافسية الاتحاد».

كذلك كان رئيس «المجلس الأوروبي» أنطونيو كوستا قد أضفى على هذا التوجّه طابعاً سياسياً رفيعاً، حين أكد في رسالة وجّهها إلى قادة «الاتحاد» قُبيل القمة غير الرسمية في فبراير (شباط) 2026 أن «التبسيط ليس غاية في حد ذاته، بل وسيلة لجعل أوروبا تُنجز ما وعدت به مواطنيها»، مضيفاً أن المواطن الأوروبي «بات يقيس صدقية مؤسساته لا بعدد اللوائح التي تُصدرها، بل بالنتائج الملموسة التي تُوفرها على أرض الواقع».

وفي السياق ذاته، دعا كوستا -وهو رئيس سابق للحكومة البرتغالية- القادة الأوروبيين إلى «تسريع المفاوضات حول الحزم التبسيطية المعلّقة»، محذّراً من أن التأخر سيُضعف صدقية «الاتحاد» أمام شركائه التجاريين قبل أن يُضعفها أمام ناخبيه.

ومن العاصمة الفرنسية باريس، رفع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون صوته في هذا الملف بلهجة تجمع بين الطموح الأوروبي والحرص على السيادة الاستراتيجية. إذ قال في خطاب أمام منتدىً اقتصادي في برلين إن «أوروبا لا تستطيع أن تكون القارة الوحيدة التي تطبّق قواعدها على نفسها بصرامة، بينما يُنافسها الآخرون في ظل قواعد مختلفة تماماً»، مطالباً بأن يرافق التبسيط التشريعي سياسةٌ صناعية أوروبية متماسكة تحمي القطاعات الاستراتيجية من المنافسة غير المتكافئة.

استقلالية التشريع

ومن جهة ثانية، دعا ماكرون صراحةً إلى تطوير ما وصفه بـ«استقلالية التشريع»، بمعنى أن تمتلك أوروبا القدرة على تكييف قواعدها بسرعة، استجابةً للمتغيرات الجيوسياسية، ومن دون الانتظار سنوات في مسارات تشريعية مضنية.

أما المستشار الألماني (السابق) أولاف شولتس، فقد تبنّى موقفاً أكثر مباشرةً حين صرّح إبان مناقشات «مجلس الاتحاد» بأن «الاقتصاد الأوروبي لا يحتاج إلى مزيد من القواعد، بل إلى مزيد من الحرية للابتكار، والنمو»، مستنداً إلى معاناة الصناعة الألمانية في مواجهة منافسة صينية مدعومة حكومياً، بينما تتصاعد أعباء الامتثال في الداخل. وفي السياق ذاته، حرص شولتس على الإشارة إلى أن التبسيط لا يعني التخلي عن أهداف الحياد المناخي، لكنه يعني تحرير الطاقة الإنتاجية للشركات كي تنجز هذا التحول.

في المقابل، حمل الصوت الإيطالي مقاربة مغايرة، إذ اعترضت رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني، في قمة القادة غير الرسمية ذاتها، على ما رأت فيه تسرّعاً في إقرار بعض الحزم من دون تقييم كافٍ لأثرها على الصناعات التقليدية، ولا سيما قطاع السيارات الذي يُمثّل ركيزة اقتصادية أساسية في عدد من دول الجنوب الأوروبي.

وأردفت ميلوني أن «التبسيط مطلوب، لكن ينبغي ألا يكون ذريعةً للتخلي عن قطاعات بأكملها في مواجهة منافسة آسيوية يدعمها المال العام»، مطالبةً بأن تتضمّن كل حزمة تبسيطية تقييماً صريحاً لانعكاساتها على التوظيف، والنسيج الصناعي في الدول الأعضاء، وكشف هذا الخلاف عن توتر حقيقي داخل الاتحاد بين من يرى التبسيط أداةَ تحرير اقتصادي، ومن يخشى أن يتحول إلى إعادة توزيع للأعباء على حساب الدول الأقل قدرةً على إدارة المرحلة الانتقالية.

ماذا تحت المراجعة؟

منذ فبراير 2025، أصدرت المفوضية الأوروبية عشر حزم تشريعية تبسيطية تحت مسمّى «أومنيبوس»، تُعدَّل بموجبها قوانين متعدّدة في آنٍ واحد عبر توفيرات إدارية مقدَّرة بـ15 مليار يورو سنوياً. وتنصبّ أبرز هذه المراجعات على أربعة محاور:

- في مجال الاستدامة المؤسسية، خُفِّض عدد الشركات الملزمة بالإفصاح البيئي، والاجتماعي من 50 ألفاً إلى نحو خمسة آلاف فقط، أي إعفاء 80 في المائة من الشركات مما يُوفّر 4.4 مليار يورو سنوياً، مع تأجيل موعد الإبلاغ بسنتين لشريحة واسعة أخرى.

- على صعيد سلاسل التوريد، ضُيِّق نطاق «العناية الواجبة» ليقتصر على الشركاء التجاريين المباشرين، بدلاً من امتداده عبر سلسلة التوريد بأكملها.

- أما الملف الأكثر إثارةً للجدل، فهو قانون الذكاء الاصطناعي، إذ اقترحت المفوضية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 تأجيل اشتراطات الأنظمة عالية المخاطر -ومنها تلك المستخدمة في التوظيف، والرعاية الصحية، والقضاء- من 2026 إلى 2028 على أبعد تقدير.

ولقد صوّت البرلمان الأوروبي بغالبية الأصوات لصالح هذا التمديد، بيد أن المفاوضات الثلاثية بين البرلمان والمجلس والمفوضية لا تزال تراوح مكانها حول مسألة جوهرية هي: هل تخضع أنظمة الذكاء الاصطناعي المُدمجة في منتجات مثل الأجهزة الطبية والسيارات لقانون الذكاء الاصطناعي؟ أم تكتفي بالتشريعات القطاعية القائمة؟

وتُضاف إلى ما تقدم ذكره حزم بيئية ودفاعية وزراعية تستهدف مجتمعةً خفض أعباء الامتثال في قطاعات بالغة الأهمية.

ما يكمن وراء الخطاب التبسيطي

إذا كانت الحجج الرسمية تستند إلى ضرورة تعزيز «تنافسية» الشركات، فإن الدوافع الأعمق أكثر تعقيداً. إذ ثمة خشية حقيقية من تسرّب الشركات الأوروبية الناشئة نحو الولايات المتحدة، حيث البيئة التمويلية أيسر، والاشتراطات التنظيمية أخفّ، في حين لا تلتزم الإدارة الأميركية بمعايير مناخية مماثلة، ولا الصين بمستوى مماثل من الرقابة.

ويُضاف إلى ذلك ثقل الضغط الانتخابي الذي كشفت عنه الانتخابات الأوروبية، وضغط جماعات الأعمال الكبرى التي يُشير تحليل منظمة «كوربورت يوروب أوبسرفاتوري» إلى أنها استأثرت بـ69 في المائة من اجتماعات المفوضية عام 2025، مقابل 16 في المائة فحسب لمنظمات المجتمع المدني. وهذا ما دفع أكثر من 360 منظمة مدنية إلى إصدار بيان مشترك، محذّرةً من أن «الأومنيبوس» يُعيد تأطير الشفافية والمساءلة البيئية بوصفهما عبئاً بيروقراطياً بدلاً من اعتبارهما ركيزةً للحوكمة. وذهب باحثون إلى أن الجزء الأكبر من التوفيرات المُعلنة لا يأتي من تبسيط الإجراءات، بل من تقليص النطاق، وإعفاء الشركات من الالتزام أساساً، وثمة فارق جوهري بين التبسيط الحقيقي والتراجع المُقنَّع.

بين السيادة الأوروبية... والبرغماتية

هذه المراجعات تُظهر، حقاً، أن أوروبا لم تعُد تتصرف كما لو أنها تملك رفاهية التشريع المثالي. فهي اليوم تُدير مرحلة برغماتية هدفها حماية وحدة السوق، وتخفيف الضغط على الصناعة، ومنع الانقسام بين دولها الأعضاء، غير أن البرغماتية ليست بلا ثمن. ذلك أن الاتحاد بنى نفوذه الدولي على كونه «حارس معايير» عالمياً في البيئة، وحماية البيانات، وحقوق العمال، والذكاء الاصطناعي. وهذه السمعة رأسمال دبلوماسي واقتصادي حقيقي يتآكل في كل مرة تتراجع فيها أوروبا عن مبدأ راسخ.

في المقابل، يرى المدافعون عن التبسيط أن أي «قاعدة لا تُطبَّق ليست قاعدة»، بل إنها وهم، وأن المعيار الذي تعجز الشركات والجهات الرقابية عن الامتثال له في مواعيده يُفضي إلى فوضى قانونية لا إلى حماية فعلية. ولقد عبّرت فون دير لاين عن هذه المعادلة الصعبة حين دعت في العاصمة الدنماركية كوبنهاغن خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 إلى «التبسيط وإزالة القواعد الزائدة» جاعلةً حزم «الأومنيبوس» النموذجَ المرجعي، في حين يرى المنتقدون أن الخط الفاصل بين إزالة البيروقراطية الزائدة وتفكيك الحماية الجوهرية أرقّ مما توحي به الخطب.

مرحلة جديدة تكتب بروكسل معادلتها الصعبة

في أي حال، المراجعات الجارية في المفوضية الأوروبية ليست مجرد تحديثات تقنية، بل هي محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين القانون، والاقتصاد، والسيادة في لحظة تاريخية فارقة... لحظة تتراجع فيها العولمة الليبرالية، وتتصاعد فيها الحماية الاقتصادية، ويُعاد فيها رسم خرائط النفوذين التكنولوجي والتجاري على مستوى العالم.

وعليه، فالنتيجة الأرجح هي دخول أوروبا مرحلة جديدة أقل مثالية، وأكثر حساباً، وربما أكثر تناقضاً بين ما تريده بوصفها قارةً معيارية تُصدّر قيمها إلى العالم، وما تسمح به باعتبارها قوةً اقتصادية تسعى إلى البقاء بتنافسية في عالم يزداد صلابة.

وبين هذين القطبين المتوترَين، تنسج بروكسل يومياً معادلتها الصعبة، لأن شكل القاعدة القانونية في المركز يُحدّد في نهاية المطاف شكل الحياة اليومية في باريس، وروما، وبرلين، ومدريد، وأثينا. وحينئذٍ تتحوّل السياسة من نصٍّ تفاوضي فوقي إلى تجربة ملموسة في الأسواق، والمصانع.


علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»

علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»
TT

علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»

علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»

عندما اقتلعت دبابة أميركية ضخمة يوم 9 أبريل (نيسان) عام 2003 تمثالاً ضخماً للرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، كان يتوسّط «ساحة الفردوس» لم يكن علي الزيدي قد بلغ سن «الرشد السياسي» آنذاك. إلا أن ذلك الشاب تحوّل فيما بعد إلى واحد من كبار أغنياء رجال المال والأعمال في «عراق ما بعد عام 2003»، مع أن سجلّ ولادته يشير إلى أنه ولد في إحدى قرى محافظة ذي قار بجنوب العراق يوم 1/5/1985. منظر تلك الدبابة الأميركية «استفز» قائد «القيادة الوسطى الأميركية» - آنذاك - الجنرال تومي فرانكس، الذي كان يراقب المشهد من قاعدة العُديد في قطر، بعدما شاهد جندياً أميركياً يلف سارية العلم العراقي بالعلم الأميركي. وهذا تصرّف رفضه فرانكس فوراً، فأمر بإنزال العلم الأميركي وتعويضه بالعلم العراقي الذي لا يزال حتى الآن مُختلفاً عليه مع أنه لا يزال يحمل عبارة «الله أكبر» التي كتبت بخط يد صدام حسين.

كان منظر اقتلاع التمثال مدهشاً سواءً للموالين لصدام حسين، الذين شاهدوا سقوط نظامه السريع بينما لا يزال البديل مجهولاً، أو لمعارضيه.

يومذاك كان المعارضون ينقسمون إلى «معارضات» حسب الدول التي أقاموا فيها بين الشرق والغرب. أيضاً لم يكن لبعضهم أي وزن سياسي بعد ما عرف مرة بـ«السقوط» ومرة بـ«التحرير» وثالثة بـ«الاحتلال»، وهو الوصف الذي اتفق عليه لأول مرة مع اختلاف المنطلقات والأهداف مؤيدو صدام ومعارضوه.

طالب الصفوف الثانوية

بين المؤيدين والمعارضين، لم يكن الشاب علي الزيدي في عام 2003 قد أكمل الدراسة الثانوية بعد. وكذلك ما كان قد تشكل طموحه السياسي في ظل فوضى «المحاصصة»، التي سرعان ما دمغت النظام السياسي المتشكل بعد عام 2003، وذلك عن طريق طبقة سياسية لم تكن من الناحية العملية بمثابة «آباء مؤسسين» لهذا النظام. وهذا، مع أنه يجري تداول هذا المصطلح على مستوى التوارث السياسي للسلطة بين الأجيال.

وحقاً، لم تكن ثمة فرصة للأجيال الجديدة في تولي السلطة في العراق، بعدما احتكرتها طبقة الجيل الأول من السياسيين العراقيين. وكان هؤلاء قد انتظموا أول الأمر فيما عُرف بـ«مجلس الحكم»، الذي تألف من 25 قيادياً سياسياً، طبقاً للمحاصصة العرقية والطائفية والدينية والمذهبية بقيادة الحاكم المدني الأميركي بول بريمر.

لذلك اتجه علي الزيدي ومعه عدد كبير من «مجايليه» الشبان بعد إكمال دراساتهم الأولية والجامعية إلى عالم المال والأعمال.

الدولة «مدينة» له!

ونجح الزيدي في عالم المال والاقتصاد والتجارة أيّما نجاح؛ إذ غدا، بمساعدة عائلته، من كبار الأثرياء في البلاد، وهذا إلى الحد الذي وجد معه أن الدولة التي يحتلّ المنصب التنفيذي الأول فيها - أي منصب «رئيس مجلس الوزراء» - مدينة له شخصياً بنحو ملياري دولار أميركي.

مع ذلك، حرص الزيدي على إكمال تحصيله الدراسي، فحصل على درجة الماجستير في تخصّص المالية والمصرفية، في أعقاب إنهائه المرحلة الجامعية الأولى بحصوله على درجتي بكالوريوس في المجال ذاته، إلى جانب الإجازة في القانون. ومنذ ذلك الحين عرف علي الزيدي بخبرته المهنية التي شملت تدرّجه في عدد من المناصب الإدارية والقيادية، منها تولّيه رئاسة مجالس إدارة كلٍّ من «الشركة الوطنية القابضة»، و«جامعة الشعب»، و«معهد عشتار الطبي»، إضافة إلى «مصرف الجنوب».

الزيدي... الشاب الذي اقتحم الحلبة

لقد وقف نوري المالكي، رئيس الوزراء الأسبق وأحد أبناء «الجيل الأول» من السياسيين العراقيين في حقبة ما بعد 2003، وهو ينظر إلى علي الزيدي، الذي لم يكن عام 2003 - وهي حقبة ما بعد سقوط صدام حسين ونظامه - قد بلغ سن الرشد السياسي بعد.

بيد أنه اليوم، وبحضور المالكي ومن معه من قيادات الصف الأول، يقف مكلّفاً بتشكيل حكومة عراقية هي التاسعة بعد التغيير عام 2003، بموجب مرسوم جمهوري من رئيس الجمهورية نزار آميدي.

في هذا السياق، الجميع يعرف أن إسقاط صدام حسين ما كان ليحصل لولا الولايات المتحدة الأميركية، التي - مع هذا - لم يستمر «شهر عسلها» مع القوى السياسية التي سلمتها واشنطن السلطة على طبق من فضة بعد مقتل أكثر من 5000 آلاف جندي أميركي وإنفاق عدة تريليونات من الدولارات. ذلك أن هذه القوى سرعان ما قلبت ظهر المِجَنّ لواشنطن، وبدأت عملية تداول «سلمي» وغريب للسلطة... تُدار عبر انتخابات يقتصر الاعتراف بنتائجها على تقاسم الوزارات، بينما يجري توزيع باقي المناصب طبقاً للمحاصصة العرقية والطائفية.

وللعلم، طوال العقدين الماضيين من الزمن، بدت الكفة الإيرانية التي تؤيد الطبقة السياسية الشيعية التقليدية هي الأكثر أرجحية مقابل «هزيمة» للأميركيين!

بطبيعة الحال، هذه المعادلة لم ترض الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترمب، الذي رفض ترشيح قوى «الإطار التنسيقي» الشيعية لنوري المالكي، الذي سبق له أن ترأس الحكومة العراقية لدورتين، بينما لم ينجح في نيل الثالثة بسبب «فيتو» المرجعية آنذاك، ثم واجه هذه المرة «فيتو» ترمب.

دور «فيتو» ترمب في ترئيس الزيدي

ترمب، فرض «الفيتو» أخيراً؛ لأنه أعرب دائماً عن ضيقه من الخسائر الأميركية التي ترتّبت على إسقاط صدام، وأيضاً غضبه من إحجام القيادات السياسية العراقية - لا سيما الشيعية منها - عن تقديم الشكر لواشنطن على ما يعدّه ترمب «عملاً كبيراً» قامت به القوات المسلحة، وكذلك المؤسسات السياسية في الولايات المتحدة، لصالحها.

وبالتالي، فإنه بعد «الفيتو» على تولي المالكي رئاسة الحكومة، عجزت القوى السياسية الشيعية عن الإتيان ببديل من داخلها، الأمر الذي مهّد الطريق أمام ما بات يسمى في العراق بـ«الإزاحة الجيلية»، الذي تقدَّمه هذه المرة رجل المال والأعمال علي الزيدي، الذي بات يحظى بقبول أميركي واسع النطاق، بينما تحاول إيران مُرغمة على الترحيب به.

وفي الحقيقة، الزيدي ليس فقط من خارج توليفة «الجيل الأول»، الذي يضم إلى جانب المالكي أشخاصاً كإياد علاوي، وإبراهيم الجعفري، وحيدر العبادي، وعادل عبد المهدي. بل، هو أيضاً ليس حتى من «الجيل» الذي تلاهم، ومنه مصطفى الكاظمي ومحمد شياع السوداني. إلا أنه يصطف مع الجيل الأول الذي تعامل مع مُرسي النظام السياسي الحالي؛ أي الحاكم الأميركي بول بريمر.

أكبر من إزاحة جيلية

مهما يكن من أمر، اقتحم علي الزيدي الحلبة متسلّحاً برؤية اقتصادية ومالية هي أهم ما يحتاج إليه العراق الآن، ولا سيما في أعقاب فشل ما يمكن تسميته تجاوزاً «جيل التأسيس» في بناء دولة قادرة على مواجهة التحديات الاقتصادية والمالية والتنموية.

إذ إن العراق لم يتمكن بعد من الخروج من «عنق زجاجة» المماحكات السياسية التي أثقلته بالمديونية، وبملايين الموظفين الذين يعتمدون على مبيعات النفط فقط. مع ذلك، فإن الزيدي، الذي اقتحم الحلبة بصورة مفاجئة، لا يبدو «طارئاً» على الجسم السياسي، وبالأخص بعد كل المباركات الداخلية والإقليمية والدولية التي حصل عليها.

ولا يبدو هذا التبادل للسلطة قسرياً من الظاهر، بل كل شيء جرى أمام كاميرات التلفزيون وسط تبادل للابتسامات والنظرات، وربما الحسرات المُضمرة، التي لم تكشف عنها «فلاشات» التصوير التي تطايرت أضواؤها في تلك اللحظة عند أول انتقال سلمي للسلطة، وهي التي لم يتداولها منذ عقدين ونيف من الزمن سوى مؤسسي الآيديولوجيات الحزبية... ببُعديها السياسي القومي والديني.

كسر القواعد والسياقات

بلا شك، هناك من يرى أن ما حصل تحوّل كبير كسر كل القواعد والسياقات، بل أيضاً القوالب التي بدت صامدة وصلدة ومحمية، طوال 23 سنة من عمر هذا النظام السياسي.

وطبقاً للنتائج والمعطيات، فإن ما حصل لانتقال السلطة، وبهذه الطريقة من صراع بين كبار آيديولوجيّي ومؤدلجي هذه السلطة بزعاماتها التاريخية والجغرافية والطبقية والمناطقية، بدا مفاجئاً. لكنه جاء أيضاً سلساً إلى جيل الأبناء، وإن كان هذه المرة من خارج «النموذج» السياسي.

ليس هذا فقط. بل هناك ما هو لافت أكثر؛ فمن المعروف أن واشنطن هي التي جاءت بـ«الجيل الأول» - أو «جيل الآباء» - من الطبقة السياسية التي أخفقت في تأسيس نظام خارج «المحاصصة» وتوزيع المغانم. ولكن الرئيس ترمب، الذي لديه ملاحظات على طريقة «تحرير» العراق أيام كانت مفردة «التحرير» تحتل كل القواميس، أو «احتلال» العراق التي باتت هي المفردة الأكثر تداولاً فيما بعد، يرى أن التغيير الحالي من «جيل الآباء إلى جيل الأبناء إنما تحقق بمساعدته أيضاً».

ماذا يعني هذا؟ إنه يعني أكبر من مجرد «إزاحة جيلية»، بل يثبت أن واشنطن... هي اللاعب الأساسي في تقرير من يحكم العراق. أنها، كما جاءت بـ«الجيل الأول» ها هي نفسها تأتي بـ«جيل الأبناء»، وهذه المرة خروجاً من خارج دهاليز السياسة... إلى قلب مصالح المال والأعمال.


الفرص والتحديات أمام رئيس الحكومة العراقية العتيد

لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)
لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)
TT

الفرص والتحديات أمام رئيس الحكومة العراقية العتيد

لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)
لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)

لم يتأخر الرد الإيراني على ما صدر عن الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن تكليف علي الزيدي بتشكيل الحكومة العراقية المقبلة. وللعلم، من المقرر أن ينال الزيدي، هذا الأسبوع، تأكيدات راسخة من البرلمان العراقي حيال ترؤس الحكومة العراقية التاسعة بعد عام 2003.

هذا، وفي حين أقرّت الولايات المتحدة، ومعها حليفتها بريطانيا، بعد مرور أقل من شهر على غزو العراق واحتلاله يوم 9 أبريل (نيسان) 2003، بأنهما «قوتا احتلال» وفق القانون الدولي، تغير الحال؛ إذ بعد ذلك، فرغت إيران من ترتيب أوراقها في العراق، وأحكمت سيطرتها على جميع مفاصل السلطة عن طريق قوى المعارضة - الشيعية، بالذات - التي تسلّمت السلطة. وسرعان ما بات يطلق على الوجود الأميركي في العراق مسمى «احتلال» يتطلب المقاومة لإخراجه.

في ضوء ذلك، تشكلت «قوى السلاح»، التي لا تزال ترفع شعار المقاومة رغم تغير الحكومات وخروج القوات الأميركية من العراق عام 2011، ثم عودتها إلى عام 2014 بطلب من الحكومة العراقية بعد احتلال تنظيم «داعش» ثلث الأراضي العراقية.

وعلى الرغم من استمرار الجدل والخلاف بين واشنطن وطهران في شأن العراق، وانقسام القوى السياسية العراقية بين مؤيد بالكامل لإيران، وهي «قوى السلاح» وعدد كبير من القوى الشيعية، فإن الكرد والسنّة ما زالوا في مرحلة انعدام الوزن نتيجة عجزهم عن الموازنة في العلاقة بين واشنطن وطهران مرة، وبغداد مرة ثالثة، حتى اليوم.

ولكن الواضح أنه بدأت ملامح علاقة جديدة تترسم في الأفق على صعيد العلاقة بين واشنطن وطهران بعد حربي «الـ12 يوماً» عام 2025 والحرب الراهنة مع الوقف الهشّ لإطلاق النار. فللمرة الأولى تلوح في الأفق ملامح «حالة جديدة» تتشكل داخل العراق... جوهرها تراجع النفوذ الإيراني لصالح واشنطن في عهد دونالد ترمب.

ترمب (آ ب)

ويتمثل هذا من ناحية في رجحان كفة الحرب الراهنة لصالح واشنطن على أذرع طهران في المنطقة - ومنها «قوى السلاح» في العراق - التي بدأت تتلقى ضربات عنيفة، ومن ناحية ثانية في عجز القوى الشيعية القريبة من طهران من تشكيل حكومة عراقية على هواها أو هوى العاصمة الإيرانية... وبخاصة بعد «الفيتو» الذي فرضه الرئيس الأميركي على نوري المالكي لتشكيل الحكومة.

بالتالي، في حين بدا وصول شاب في الأربعينات من عمره، أي الزيدي، إلى منصب رئيس الوزراء - أهم منصب تنفيذي في العراق، وهو الذي احتكرته منذ عام 2003 وإلى اليوم القيادات الشيعية - أمراً مفاجئاً، فإن الأمور لا تزال قليلة الوضوح. فالزيدي، وفق مراقبين، في حالة من انعدام الوزن تتمثل بكون تكليفه «فرصة» له للنجاح بسبب خلفيته الاقتصادية، وبكون التكليف «تحدّياً» تؤكّده الرسائل الموجّهة إليه من الرئيس ترمب ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان.

طهران، كما يبدو، اختارت خوض «معركة دبلوماسية» مع واشنطن عبر بغداد برسائل «شديدة الانفجار»، بعدما كشفت الرئاسة الإيرانية عن مضمون المكالمة الهاتفية التي أجراها بزشكيان مع الزيدي بعد نحو أسبوعين على ترشيحه. وبينما سارع ترمب إلى تهنئة الزيدي بعد أيام قليلة على تكليفه، فإن بزشكيان لم يكتف بتهنئة الزيدي، بل كتب في تدوينة على منصة «إكس» عبارة «نحن المسلمين قد خضعنا سابقاً؛ خضعنا للقدير المتعال، ولا أحد غيره يستطيع أن يُخضعنا». وأضاف في حديث هاتفي مع الزيدي، «شددتُ على ضرورة نصح المسؤولين الأميركيين بسحب التهديد العسكري من منطقتنا؛ لأنه لا يمكن إخضاع أتباع المذهب الشيعي».