«المقاومة العراقية» إلى «حرب أوسع» في لبنان

باقري كني فاجأ بغداد بأسئلة عن «حزب الله»... وطهران مشغولة بـ3 أزمات مركبة

فلسطيني يحمل صندوق تبرعات لضحايا حرب غزة خلال حملة نظمتها «حماس» في عيد الأضحى (رويترز)
فلسطيني يحمل صندوق تبرعات لضحايا حرب غزة خلال حملة نظمتها «حماس» في عيد الأضحى (رويترز)
TT

«المقاومة العراقية» إلى «حرب أوسع» في لبنان

فلسطيني يحمل صندوق تبرعات لضحايا حرب غزة خلال حملة نظمتها «حماس» في عيد الأضحى (رويترز)
فلسطيني يحمل صندوق تبرعات لضحايا حرب غزة خلال حملة نظمتها «حماس» في عيد الأضحى (رويترز)

حين حذّر وزير خارجية العراق، فؤاد حسين، من اندلاع حرب في لبنان، كان من المرجح أن يلقى كلامه المقلق استجابة عاصفة من الفصائل العراقية الموالية لإيران، أقلها التحضير لمساندة الحليف «حزب الله» اللبناني. ولم يحدث هذا كما جرت العادة بين حلفاء «محور المقاومة».

في 13 يونيو (حزيران)، كان الوزير حسين، يتحدث في مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره الإيراني بالإنابة، علي باقري كني، ومن دون سياق مسبق، وفي سابقة بين البلدين، رمى «طلقة تحذير» حول الجنوب اللبناني، بينما بغداد ملتزمة بالهدنة بظلال حكومة تحظى بإعجاب الأميركيين يوماً بعد آخر.

قال حسين: «لو اندلعت حرب هناك، ستتأثر المنطقة برمتها، وليس لبنان فقط».

وبالنسبة لكثيرين، كان كلام كبير الدبلوماسية العراقية «رسالة» تستند إلى معطيات وفرّها الزائر الإيراني، باقري كني، الذي كان قبل أسبوعين من وصوله إلى بغداد، يجري لقاءات «طبيعية» في بيروت ودمشق عن «الشراكة الوثيقة والدائمة».

شخصيتان في «الإطار التنسيقي»، أخبرتا «الشرق الأوسط»، أن باقري كني حين وصل إلى بغداد تحدث في الكواليس مع مسؤولين عراقيين، عن «حرب محتملة تُخطط لها إسرائيل في جنوب لبنان، فما موقف العراقيين؟».

وتقاطعت معلومات المصدرين حول أن باقري طلب صراحةً أن يكون «لبنان محور المؤتمر الصحافي المشترك». وقال أحدهما لـ«الشرق الأوسط»: «بالطبع، الحرب في لبنان تقلق الجميع، وستُسمع أصداؤها في بغداد أولاً»، ولهذا تبرّع الوزير العراقي بالتحذير، لأن حكومته والتحالف الشيعي الحاكم كان عليهم التعاطي مع جس نبض الإيرانيين بشأن لبنان.

وفي محاولة لاستنباط موقف «العسكريين»، تحدثت «الشرق الأوسط» إلى قائد فصيل عراقي فقال: «لقد وجّهت إلينا أسئلة عن موقفنا لو اشتعلت جبهة لبنان أكثر. فقلنا: مستعدون (...) سنذهب إلى هناك».

لكن الدوائر الدبلوماسية والسياسية ليست حاسمة إلى تلك الدرجة، فقد أكد مسؤول دبلوماسي أن «الأمر (طلب باقري) لم يكن بهذه الطريقة»، كما أن خبيراً عراقياً فسّر كلام فؤاد حسين بأنه «للموازنة السياسية بين الحكومة والمقاومة»، مقللاً من احتمالات حرب «أوسع».

وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين تولّى التحذير من حرب في لبنان بحضور نظيره الإيراني باقري كني (رويترز)

مَن يريد توسعة الحرب... إيران أم إسرائيل؟

تشهد مناطق الجنوب اللبناني والشمال الإسرائيلي منذ أشهر أعنف هجمات متبادلة منذ حرب 2006، لكنها أقل من أن توصف بالحرب المفتوحة. ثمة قواعد اشتباك غير تقليدية تجعلها حرباً على جرعات، بتكاليف عالية، لاسيما من جهة «حزب الله» وحاضنته في الجنوب.

تقول مصادر لبنانية، لـ«الشرق الأوسط»، إن حصيلة الأشهر الماضية تعادل أضرار حرب شاملة، لكنها في ميزان القوى، ليست كذلك.

وتزداد كثافة النيران الإسرائيلية على عمق 4 كيلومترات من الحدود، بمعدل قصف يومي، وتقل تدريجياً بعد عمق 10 كيلومترات وصولاً إلى نهر الليطاني.

المصادر التي قدمت هذه التوصيفات الميدانية قالت إن مناطق القصف شبه خالية ومدمرة على نحو غير مسبوق، والحديث عن «حرب أشد» مستحيل بغياب حاضنة اجتماعية، ومع تغير مواقع إدارة العمليات لـ«حزب الله»، على نحو طارئ.

لبنانيات يلتقطن صورة إلى جانب منزل مدمَّر بغارة إسرائيلية في بلدة عيتا الشعب بالجنوب (أ.ف.ب)

إذن، ما الحرب الأشد التي حذّر منها الوزير فؤاد حسين؟ ومَن يريد إشعالها؟ طهران أم حكومة بنيامين نتنياهو؟ على الأقل، فإن آموس هوكستين، مستشار الرئيس الأميركي جو بايدن، الذي وصل إلى إسرائيل الاثنين، ومنها إلى بيروت، لديه رسالة لثني نتنياهو عن أي تصعيد محتمل، قد يثير ذعر إيران ويدفعها إلى التدخل المباشر في لبنان، والتدخل سيكون بأذرعها في العراق.

ويعتقد عقيل عباس، وهو أستاذ العلوم السياسية من واشنطن، أن نتنياهو «يريد هذه الحرب أكثر من (حزب الله)، ومن إيران بالضرورة»، لأن الأخيرة تريد المحافظة على نسق الضربات المتواترة من «حزب الله» لتخفيف الضغط على «حماس» في غزة. أكثر من هذا سيكون ضاراً لها.

كما أن «حزب الله» نفسه يريد الحفاظ على «ديناميكية الردع» بمنسوبها الحالي، فإن أي عملية عسكرية مفتوحة من الإسرائيليين ستدمر البنى التحتية اللبنانية أكثر مما هي الحال الآن، و«هذا يسبب مشكلة لحسن نصر الله مع الشركاء اللبنانيين»، كما يقول عباس.

رواية أخرى... إيران تُلوّح بورقة «حزب الله»

قبل أن يصل باقري كني إلى بغداد، كانت إيران تنقل رسائل جس نبض إلى العراقيين توحي بأنها تواجه 3 مشاكل مستعصية؛ فراغًا خلّفه رئيسي وعبداللهيان، والضغط الهائل من الأميركيين والغرب في البرنامج النووي، وموضع طهران في صفقة وقف النار بغزة، وفي كل منها ستضطر إلى التخلي عن أحد محاورها في المنطقة، لكن الحصة «في المقابل» لا تساوي ثمنها، كما يصف سياسي عراقي على اطلاع بهذه الرسائل.

يقول السياسي العراقي: «إن التلويح بحرب قائمة بالفعل ضغط سياسي، حتى يعرف الإيرانيون حصتهم من صفقة وقف النار في غزة، لا سيما المرحلة الثانية منها».

في هذه الأجواء، إيران هي من تريد وضع ورقة «جنوب لبنان» على الطاولة لتحسين ظروفها في المفاوضات. ليس من الواضح ملاءمة هذه الفرضية مع حالة «حزب الله» الذي يتحدث كثيرون عن إنهاكه ومحدودية حركته. ويرد السياسي العراقي بالقول: «لم يختبر أحد حتى الآن حقيقة أن (حزب الله) منهك، بينما يستطيع في أي وقت إحداث خرق مؤذٍ للإسرائيليين».

وإلى حد كبير يوافق على هذا الطرح عقيل عباس، الذي يرصد قلقاً إسرائيلياً تشاركه تل أبيب مع واشنطن بشأن «القدرات العسكرية والتكنولوجية لـ(حزب الله)»، حتى بعد أشهر من الاستنزاف.

أرشيفية لعناصر حركة «النجباء» التي تنشط في شرق سوريا خلال عرض عسكري في بغداد

«الأيدي على الزناد يا لبنان»

حين خرج الوزير العراقي بتحذيره اللبناني، كانت بغداد تحظى بمسافة أمان عن نيران حرب غزة في المنطقة. الحكومة استطاعت إدامة الهدنة مع القوات الأميركية لأشهر، ورئيسها محمد شياع السوداني يمسك بصعوبة بلحظة التوازن بين متطلبات إيران وطموحات الفصائل، ومنذ وفاة الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي لم يسمع قادة الأحزاب الشيعية والفصائل أشياء كثيرة مهمة من الإيرانيين.

يقول قائد فصيل شيعي في بغداد، طلب عدم نشر اسمه وعنوان الفصيل، إن الزيارات غير المعلنة للعسكريين الإيرانيين إلى العراق أصبحت قليلة جداً منذ وفاة رئيسي. مع ذلك، «هناك اتصالات روتينية فُهم منها أن طهران مشغولة بمشكلتها (...) سنتكلم لاحقاً».

قبل أن يزور باقري كني بغداد وأربيل، وصلت «أسئلة مباشرة من الإيرانيين لكتائب «حزب الله» وحركة «النجباء»: «هل تشاركون في حرب جنوب لبنان لو هاجمتها إسرائيل». يقول قائد الفصيل، لـ«الشرق الأوسط»: «قلنا لهم، نعم بالطبع. الأيدي على الزناد، نشارك وندعم».

قائد قوة القدس التابعة لـ«الحرس الثوري» الإيراني، إسماعيل قاآني كان في قلب تلك الاتصالات التي كسرت صمت طهران عن الحلفاء العراقيين منذ وفاة رئيسي. وحين وصل باقري كني كانت الحكومة العراقية تشعر بالضغط، كما يقول قيادي في الإطار التنسيقي، واضطرت إلى التحذير لمنح الانطباع بأن العراق لن يواصل الجلوس في «منطقة الراحة» خلف توترات غزة، في لبنان تحديداً.

مع ذلك، يرى الخبير عقيل عباس، أن كلام الوزير العراقي «فعل موازنة سياسي وإعلامي لإظهار أن العراق مع إيران ومع المقاومة بشكل عام، وليس محور المقاومة بشكل خاص».

يفسر عباس هذه المعادلة بأن ما تقوم به الحكومة من وراء كل هذه التحركات، بما فيها التحذير من حرب في جنوب لبنان، هو الموازنة، لا أكثر. «لأن حكومة السوداني غاضبة من الفصائل، وتحاجج ضدها داخل الإطار التنسيقي، وتطالب بمواقف جدية ضدها، من ضمنها إدخال إيران نفسها بصفتها فاعلاً ضاغطاً يردع الفصائل».

لكن الفصائل ليست سعيدة، خصوصاً حركة «النجباء» وكتائب «حزب الله»، اللتين تظهران حنقاً من الهدنة، وتحاولان استغلال أي فرصة للتمرد عليها.

وكانت مصادر عراقية، أبلغت «الشرق الأوسط» أن الهجمات التي تعرضت لها مطاعم أميركية في بغداد والمحافظات كان تخفي «نية للتمرد على الهدنة، وإيصال رسالة للإيرانيين بأنها حانقة على قرار التهدئة الذي ترعاه طهران في العراق».

وأكدت المصادر أن السوداني «تحدث مع قادة حلفاء وأصدقاء عن ضرورة لجم هذه الحركات التي لا معنى لها، سوى الاعتراض على وضع سياسي لا يلائم بعض القادة الشيعة».

بهذا المعنى، يقول سياسي عراقي مقرب من رئيس الحكومة: «إن الأخير يلاحق جميع المنافذ التي يمكن أن تفلت منها الفصائل إلى حرب (تجر معها الجميع)».

هوكستين أبلغ بري بأن التهديد الإسرائيلي «جدي جداً» (رئاسة البرلمان اللبناني)

«حزب الله» لا يريد العراقيين

«بالفعل، نستعد لأي طارئ في لبنان (...) نعرف ما تواجهه درة تاج المقاومة في المنطقة (حزب الله)»، يقول قائد ميداني لفصيل شيعي متنفذ، ينشط في محافظة نينوى (شمال العراق)، وزعم أنه «أبلغ (الحرس الثوري) الاستعداد للقتال إلى جانب المقاومة في لبنان».

يبدو أن طهران تريد من «الأطراف المعنية» إظهار هذا الموقف علناً، بينما يتعرض «حزب الله» إلى ضغط هائل من الإسرائيليين الذين يخططون لحرب بهدف تفكك «المقاومة جنوب لبنان»، كانوا يريدون منح الانطباع بأن الهجوم على الجنوب أكثر سيجذب كل المقاومة أكثر إلى حرب شاملة.

غير أن مشاركة العراقيين «المقاومين» في حرب إلى جانب «حزب الله» ليست مضمونة، رغم أن العراقيين يعرضون «العدة البشرية»، فالفصيل اللبناني لم يبلغ أحداً من «رفاق المقاومة» بأنه سيسمح لهم بالانتشار في الميدان، على الأراضي اللبنانية.

يتفق قائدا الفصيلين الشيعيين في بغداد ونينوى على أن «(حزب الله) لن يستقبل العراقيين، لأنه ينظر إليهم غير مؤهلين، ولا يمتلكون كياناً متماسكاً، وهم في أفضل الأحوال حلفاء سيئون، لديهم مشاكل لا تعد ولا تحصى في صناعة القرار».

ما يزيد القناعة بعدم مشاركة الفصائل العراقية في حرب جنوب لبنان، هو التفاهم النادر بين الإيرانيين والحكومة في بغداد على حماية صيغة الاستقرار القائمة.

يقول مسؤول بارز في حكومة عادل عبد المهدي إن «العراق هو درة التاج لدى الإيرانيين، أكثر من (حزب الله)، ولن يغامر به في حرب جنوب لبنان». ويضيف: «ما قام به الوزير فؤاد حسين هو الضغط لمنع الحرب، وليس العكس».

ويقول عقيل عباس، إن «الجنرال قاآني توصل إلى اتفاق مع الأميركيين، نضج مع وزير الخارجية الراحل حسين أمير عبداللهيان، بعدم استهداف القوات الأميركية حتى تنتهي الحملة الانتخابية للرئيس جو بايدن».

يدفع هذا عباس إلى الاعتقاد بأن طهران لا تريد تسهيل فوز ترمب بضرب الأميركيين تحت ولاية منافسه بايدن.

في السياق، يكشف المسؤول العراقي السابق، أن إيران «أكثر من هذا»، تريد إبعاد الحرب عن حدود العراق، لأنهم «الآن أكثر حرصاً على الهدوء في العراق».

وأظهرت إيران خلال مراسم عزاء رئيسي إشارات تهدئة، حينما قدّم المرشد الإيراني، في مجلس تأبين أقامه يوم في 25 مايو (أيار) 2024، شخصيات سياسية ضالعة في الحكومة الحالية، وليس في الفصائل «المتمردة»، وأجلست في الصف الأول من المعزين شخصيات، مثل عمار الحكيم زعيم تيار «الحكمة»، ورئيس مجلس القضاء فائق زيدان، وحيدر العبادي رئيس الوزراء الأسبق، خلافاً لقادة فصائل وضعت ترتيب جلوسهم في المقاعد الخلفية، مثل أكرم الكعبي زعيم حركة «النجباء»، وعبد العزيز المحمداوي، المعروف بـ«أبو فدك»، رئيس أركان هيئة «الحشد الشعبي».

صورة وزعها مكتب خامنئي لتأبين رئيسي في 25 مايو ويظهر في الصف الأول مسؤولون وسياسيون عراقيون

النموذج السوري في لبنان

يقول المسؤول العراقي السابق، بناءً على اتصالات يجريها من واشنطن مع قيادات عراقية ولبنانية حول التوتر الأخير، إن «الحرب الشاملة غير موجودة إلا في خيالات اللبنانيين». ومع ذلك، لو حدثت «ليس من المرجح أن يحتاج (حزب الله) إلى الكتائب العراقية، على سبيل المثال»، لأن «الوضع الميداني صعب على أبناء المقاومة المحلية، الذين يتحركون بالكاد في مناطقهم، فكيف على مسلح قادم من العراق».

لكن لو اندلعت الحرب فإن «إيران لن تترك (حزب الله) لوحده. هذا لن يحدث (...) ستفعل شيئاً بالتأكيد»، يقول المسؤول الذي يرى أن مجيء سفيرة أميركية جديدة إلى العراق بموقف متطرف ضد الإيرانيين على صلة بالأمر، «يبدو أن واشنطن تحسب حسابات اليوم التالي لحرب غزة بتدابير سياسية جديدة من بغداد، لصد رد الفعل الإيراني على المرحلة الثانية من وقف الحرب في القطاع (...) لو أنجزت المرحلة الأولى منه».

لكن السيناريو المغرق في التشاؤم يفيد بأن الحرب «الأوسع» ستندلع في جنوب لبنان، وحينها ستلجأ إيران إلى النموذج السوري في لبنان، تحت ضغط صفقة غزة، ومفاوضات النووي. يقول المسؤول العراقي: «هذا يعني تقسيم خريطة لبنان وفق معطيات وحسابات معينة، بين فصائل من العراق واليمن وأفغانستان، والزحف إليها سيبدأ من سوريا».

في المحصلة، ليس هناك تقاطع معلومات حاسم بشأن حرب أوسع في جنوب لبنان، ومشاركة الفصائل العراقية فيها. على الأرجح فإن الطرف العراقي المعني بـ«محور المقاومة» يمتلك الرسائل دون الحقائق، وأن إيران من خلفه تحاول استخدام جميع الأوراق بحذر لإجراء تعديلات لصالحها في صفقة «اليوم التالي» لغزة، وتخشى انفلات «الساحات» التي تديرها إلى حرب تفقدها القدرة على المناورة.


مقالات ذات صلة

حراك عراقي لتسوية «خلاف نادر» داخل القضاء

المشرق العربي ممثلو ائتلاف «إدارة الدولة» الحاكم خلال أحد الاجتماعات في بغداد (أرشيفية - إعلام حكومي)

حراك عراقي لتسوية «خلاف نادر» داخل القضاء

منح ائتلاف «إدارة الدولة» الحاكم في العراق المحكمة «الاتحادية» فرصة لفك «الاشتباك» مع مجلس القضاء الأعلى بشأن الخلاف على تمرير «قانون العفو العام»

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي السلطات العراقية تحرق أطناناً من المخدرات في موقع جنوب بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)

الأمن العراقي يتوعد تجار المخدرات

توعدت وزارة الداخلية العراقية، الجمعة، المتورطين بتجارة المخدرات بأن يكون العام الحالي هو «الأقسى عليهم»، مع استمرار حملة لمكافحة نشاطهم في عموم البلاد.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي محطة «بيجي» الغازية للكهرباء في العراق (موقع وزارة الكهرباء)

بغداد تطلب تمديد الإعفاء الأميركي لتأمين الكهرباء

دعا رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى مواصلة إعفاء بلاده من العقوبات المفروضة على إيران.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي فلسطينيون نزحوا إلى الجنوب بأمر إسرائيل خلال الحرب وهم في طريقهم إلى منازلهم في شمال غزة (رويترز)

العراق: نرفض أي مخططات لتفريغ قطاع غزة من سكانه

أدانت وزارة الخارجية العراقية اليوم الخميس المحاولات الرامية إلى إفراغ قطاع غزة من سكانه سواء بالتهجير القسري أو أي وسائل أخرى.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي الحكومة العراقية تقول إنها تبحث عن بدائل للغاز الإيراني (رويترز)

بغداد للبحث عن بدائل الطاقة بعد عقوبات ضد إيران

دعا كل من رئيسي الحكومة والبرلمان في العراق الائتلاف الحاكم إلى اجتماع لمناقشة تداعيات خارجية وداخلية، على خلفية عقوبات أميركية على إيران، تطول العراق.

حمزة مصطفى (بغداد)

«المدرسة العالمية للاجئين»: بصيص أمل وسط الحروب والنزوح

TT

«المدرسة العالمية للاجئين»: بصيص أمل وسط الحروب والنزوح

تلامذة سوريون يلعبون خلال الاستراحة في باحة مدرستهم في مخيم للاجئين في أعزاز قرب الحدود التركية (غيتي)
تلامذة سوريون يلعبون خلال الاستراحة في باحة مدرستهم في مخيم للاجئين في أعزاز قرب الحدود التركية (غيتي)

وسط الكوارث الإنسانية الناجمة عن الحروب والنزاعات، لا يزال هناك أمل تعيده مبادرات إنسانية لمن فقدوه. من بين هذه المبادرات تبرز «المدرسة العالمية للاجئين» (World Refugees School)، التي أطلقها الأردني وليد تحبسم عام 2016، لتصبح نموذجاً ناجحاً في مجال تعليم اللاجئين؛ فهي لا تقتصر على محو الأمية، بل تسعى لتقديم تعليم شامل يتيح للاجئين استكمال مراحلهم التعليمية بشهادات معتمدة دولياً؛ ما يعيد الأمل لملايين الطلاب المحرومين من التعليم.

بداية الفكرة لقاء غير متوقع

كانت البداية مع لقاء جمع وليد تحبسم، وهو أحد رواد قطاع تقنية المعلومات في الأردن، مع متبرع أميركي في كاليفورنيا، أراد أن يساهم في تعليم اللاجئين السوريين بعد اندلاع الاحتجاجات في سوريا عام 2011. أراد المتبرع تمويل تعليم 25 طالباً فقط، لكن تحبسم رأى فرصة أكبر. فبدلاً من تعليم مجموعة صغيرة من الطلاب، طرح فكرة يمكن أن تشمل ملايين اللاجئين حول العالم.

يقول تحبسم: «كانت فكرة تقديم تعليم شامل وليست مجرد دورة تدريبية أو محو أمية. التعليم الرسمي هو السبيل لتغيير حياة اللاجئين وتحقيق أحلامهم في مستقبل أفضل».

وبحسب الدراسات التي أجرتها المجموعة، يصل متوسط فترة لجوء الفرد إلى 17 عاماً، بينما يحتاج اللاجئ إلى نحو 7 سنوات ليشعر بالاستقرار المؤقت. في هذه المدة، غالباً ما يخرِج الأطفال والشباب من النظام التعليمي الرسمي؛ ما يترك فجوة تعليمية تهدد مستقبلهم. هنا برزت الحاجة إلى نظام تعليمي يواكب طبيعة حياة اللاجئين المتنقلة ويوفر لهم فرصاً تعليمية مستدامة.

التلميذة السورية فاطمة الاحمد فقدت رجلها في قصف على إدلب وتقطع يومياً مسافة 3 كلم للوصول إلى التعليم (غيتي)

دعم سعودي ودولي

كان للدعم السعودي دور كبير في نجاح المبادرة، حيث ساهمت المملكة بمبادرات تعليمية أخرى، مثل نظام «نور» الذي يدير المنظومة التعليمية لخدمة أكثر من 6.5 مليون طالب في السعودية.

«الدعم السعودي لم يكن مادياً فقط، بل كان رؤية استراتيجية تركز على أهمية التعليم كونه أولوية إنسانية»، يقول تحبسم.

ويعيد تحبسم الفضل في ذلك إلى لقاء جمعه بالأمير فيصل بن عبد الله، قائلاً «كان الأثر الأكبر في التفكير كيف يمكن البناء على ما تم إنجازه في قطاع التعليم من خلال الشراكة الحقيقية ما بين القطاعين العام والخاص، حيث كانت قضية دعم اللاجئين حول العالم من أهم مخرجات هذا الاجتماع».

الأمير فيصل بن عبد الله

في حديث خاص لـ«الشرق الأوسط» قال الأمير فيصل بن عبد الله، إنه «في ظل الظروف الصعبة التي يعاني منها أشقاؤنا اللاجئون في فلسطين وغيرها من الدول المنكوبة، لمواجهة الأزمات الإنسانية التي تتفاقم يوماً بعد يوم، نجد أنه من المهم جداً دعم حق كل طفل في الحصول على تعليم آمن وجيد؛ كونه حجر الأساس لبناء مستقبل أفضل».

وأضاف الأمير أن مدرسة اللاجئين العالمية تمثل نموذجاً مُلهماً للدور الذي يمكن أن يلعبه التعليم في تخفيف معاناة الأطفال والشباب اللاجئين، وتجديد الأمل في نفوسهم.

وقال: «إن دعمنا هذه المدرسة ومبادراتها التعليمية هو واجب أخلاقي وإنساني نلتزم به لتعزيز فرص التعلم وتقديم يد العون لكل طفل يتطلع إلى مستقبل أفضل رغم التحديات».

وأضاف الأمير: «نؤمن بأن الاستثمار في التعليم ليس مجرد استجابة عاجلة للأزمات، بل هو استثمار طويل الأمد في تحقيق السلام والعدالة والتنمية المستدامة». ومن هذا المنطلق، دعا الأمير المجتمع الدولي والمؤسسات الإنسانية إلى الوقوف صفاً واحداً لدعم هذه الجهود وضمان حصول كل طفل لاجئ على حقه في التعليم.

وقال: «ستبقى الرسالة واضحة في عدم ادخار أي جهد في سبيل دعم اللاجئين أينما كانوا، خصوصاً في هذه الظروف العصيبة التي تتطلب من الجميع الوقوف بمسؤولية إنسانية تجاههم».

أطفال فلسطينيون يحضرون صفاً أقامته معلمة سابقة وأم من رفح لتعليم الأولاد في مركز نزوحهم بإحدى مدارس خان يونس (أ.ف.ب)

التعليم لمكافحة التطرف

يشدّد تحبسم على أهمية التعليم في الحد من الأفكار السلبية التي قد تنشأ في بيئات اللجوء، ويقول: «التعليم ليس رفاهية، بل ضرورة لضمان عدم تحول الأطفال والشباب ضحايا للأفكار المتطرفة التي قد تملأ الفراغ في حياتهم».

وفي خضم الصراعات السياسية، غالباً ما يصبح اللاجئون ضحايا المصالح المتشابكة، لكن تحبسم يصرّ على أن التعليم يجب أن يظل بعيداً من التجاذبات السياسية، قائلاً: «هدفنا إنساني بحت، التعليم للجميع بغض النظر عن الخلفيات السياسية أو العرقية».

وتسعى «المدرسة العالمية للاجئين» إلى توسيع خدماتها لتشمل دولاً جديدة، في الشرق الأوسط وأفريقيا، كما تهدف إلى دعم الأنظمة التعليمية الرسمية في المناطق التي تعمل فيها، لتوفير تعليم مستدام للجميع.

لكن، على رغم الإنجازات الكبيرة، لا تزال المدرسة تواجه تحديات تمويلية كبيرة. ويقول تحبسم: «في ظل تركيز المنظمات الدولية على تقديم الطعام والمأوى، يبقى التعليم في مرتبة متأخرة. لكننا نؤمن بأنه الحل الجذري لبناء مستقبل أفضل».

وبالنسبة لوليد تحبسم وفريقه، فإن هذه المبادرة هي بمثابة الضوء في آخر النفق لملايين اللاجئين الذين ينتظرون فرصة لبناء حياة جديدة.

الطريق إلى الاعتراف الدولي

لم يكن الحصول على اعتماد دولي لشهادات «المدرسة العالمية للاجئين» أمراً سهلاً. استغرقت المبادرة ثلاث سنوات من البحث والتفاوض مع مؤسسات تعليمية مرموقة في بريطانيا. في النهاية، نجحت المدرسة في الحصول على الاعتمادية التي تمكّن طلابها من إكمال تعليمهم الجامعي في أي مكان في العالم.

«لم يكن الأمر سهلاً»، يقول تحبسم: «كنا في حاجة إلى إقناع الشركاء الدوليين بجدوى التعليم المدمج الذي يجمع بين التعليم الإلكتروني والحضوري. لكننا أثبتنا أن اللاجئين يستحقون فرصاً متساوية في التعليم».

طفل سوري متوجهاً إلى مدرسته في مخيم للاجئين في منطقة أعزاز قرب الحدود التركية (غيتي)

حلول مبتكرة لمناطق النزاع

قدمت «المدرسة العالمية للاجئين» حلاً عملياً يتمثل في وحدات تعليمية متنقلة (كرفانات) مزودة بالطاقة الشمسية، الإنترنت، ومرافق تعليمية كاملة. تم تصميم هذه الوحدات لتلبية احتياجات اللاجئين في المناطق النائية ومخيمات النزوح، مع ضمان تقديم تجربة تعليمية شبيهة بالتعليم النظامي.

«كان هدفنا توفير بيئة تعليمية مرنة تتكيف مع ظروف اللاجئين»، يقول تحبسم: «الوحدات المتنقلة ليست فقط مدارس، بل هي مراكز تعليمية تُعيد بناء الأمل في المجتمعات التي نخدمها».

الأرقام تتحدث

حتى اليوم، استفاد أكثر من 38 ألف طالب بشكل مباشر من خدمات المدرسة، وتخرج فيها 1800 طالب بشهادات معتمدة، بينما استفاد أكثر من 4.5 مليون شخص بشكل غير مباشر.

في محافظة إدلب السورية، نجحت المدرسة في تقديم التعليم لأكثر من 38 ألف طالب في ظروف غاية في الخطورة، حيث تم تخريج دفعات من الطلاب الذين حصلوا على شهادات معترف بها دولياً، وتم اعتماد البرنامج وشهاداته من قبل منظمة City & Guilds البريطانية.

و«المدرسة العالمية للاجئين» (World Refugees School) مدرسة عالمية تعنى بالتعليم الرسمي (Formal) المبني على مناهج دراسية عالمية ووطنية لجميع الفئات الطلابية المستهدفة، باستخدام التقنيات الرقمية في تعويض نقص الموارد التعليمية المتوفرة للطلبة اللاجئين والمهجرين، آخذين بعين الاهتمام الاختلاف في الموارد البشرية والمادية المتاحة لكل مجموعة منهم، وحقيقة تعرُّضهم للانتقال من دولة إلى أخرى، وبالتالي من نظام دراسي إلى آخر بشكل مستمر، إضافة إلى التعاون مع بعض أعرق المنظمات الدولية في اعتماد البرامج الدراسية، وتوفير اعتماد دولي لبرامجهم الدراسية وشهاداتهم.

ويتطلع القائمون على المبادرة إلى توظيف خبرات وتجارب «المدرسة العالمية للاجئين» (WRS) لتوصيل رسالة للأطفال الذين حرمتهم ويلات الحرب والدمار من نعمة التعليم والتعلم بإنشاء مبادرة خاصة لنشر رسالة «اقرأ» حول العالم انطلاقاً من غزة وانتهاءً بتأسيس وقف خيري يهدف إلى تعليم مليون طفل وطفلة محرومين من أبسط حقوقهم الإنسانية.