المحيطان الهادئ والهندي في مرمى التنافس الأميركي - الصيني

سباق تسلح لن يُغيِّر في معادلات النفوذ

علما الصين والولايات المتحدة مرفوعان على أحد الأعمدة في ولاية أميركية خلال زيارة سابقة لوفد صيني إلى واشنطن (رويترز)
علما الصين والولايات المتحدة مرفوعان على أحد الأعمدة في ولاية أميركية خلال زيارة سابقة لوفد صيني إلى واشنطن (رويترز)
TT

المحيطان الهادئ والهندي في مرمى التنافس الأميركي - الصيني

علما الصين والولايات المتحدة مرفوعان على أحد الأعمدة في ولاية أميركية خلال زيارة سابقة لوفد صيني إلى واشنطن (رويترز)
علما الصين والولايات المتحدة مرفوعان على أحد الأعمدة في ولاية أميركية خلال زيارة سابقة لوفد صيني إلى واشنطن (رويترز)

أنفقت الولايات المتحدة 19 تريليون دولار على جيشها منذ نهاية الحرب الباردة. ذلك أكثر بمقدار 16 تريليون دولار مما أنفقته الصين، ويعادل ما أنفقته بقية دول العالم مجتمعة خلال الفترة نفسها. ومع ذلك، هناك من يعتقد أن الولايات المتحدة يمكن أن تخسر أي حرب كبيرة، خصوصاً مع الصين. وقبل 3 سنوات، قال الأدميرال فيليب ديفيدسون، الذي كان آنذاك قائد القوات الأميركية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، إنه في السنوات الست المقبلة، سوف «يتفوق» الجيش الصيني على جيش الولايات المتحدة وسوف «يُغيِّر الوضع الراهن بالقوة» في شرق آسيا. وفي عام 2019 قال مسؤول سابق في البنتاغون، إن كل تجارب «محاكاة» الحروب مع الصين، كانت تؤدي إلى «استسلام» الجيش الأميركي. كما خلصت تقارير عدة إلى أنه إذا قررت الصين غزو تايوان، فإن جيشها قادر على شل القوات الأميركية إذا قررت الوقوف في وجهها، وهو ما حفز تحليلات تتحدث عن أنها نتيجة «طبيعية» لتراجع واشنطن، وصعود بكين.

انتصار أم إدارة تنافس؟

غذَّت تلك التقديرات الانقسام وتباين وجهات نظر داخل الحزبين الديمقراطي والجمهوري، بين مواجهة الصين و«الانتصار» عليها، أو إدارة «تنافس» معها بطريقة حازمة. وهو ما أدى إلى ظهور «تصدّعات»، لم تعهدها الولايات المتحدة في علاقتها مع حلفائها وشركائها، سواء في منطقة المحيطين الهادئ والهندي، أو في غيرها من مناطق التوتر حول العالم.

وفي مقالة نُشرت مؤخراً في مجلة «فورين أفيرز» بعنوان «لا بديل عن الانتصار»، يثير كل من مايك غالاغر، الرئيس السابق للجنة الحزب الشيوعي الصيني في مجلس النواب الأميركي، وماثيو بوتينغر، النائب السابق لمستشار الأمن القومي المسؤول عن ملف الصين، وكلاهما من الحزب الجمهوري، مخاوف بشأن سياسة إدارة بايدن تجاه الصين. واقترح الرجلان أنه لا بد للولايات المتحدة من أن تنسى «إدارة المنافسة»، وتتبنى المواجهة بلا حدود، ثم تنتظر حتى ينهار الحزب الشيوعي الصيني من الداخل، بحيث ينتهي بشكل حاسم كما انتهت الحرب الباردة. ورغم أن بوتينغر وغالاغر حريصان على عدم الدعوة إلى تغيير النظام بالقوة، فإنهما يعرّفان النصر بقدرة «الصين على رسم مسارها الخاص المتحرر من الديكتاتورية الشيوعية». وكتبا أن الصين التي «تشبه» تايوان سياسياً، هي «الوجهة الوحيدة القابلة للتطبيق».

وزير الأمن العام الصيني وانغ شياوهونغ مرحباً بوزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن في بكين (رويترز)

في المقابل يدافع راش دوشي، المسؤول السابق عن ملف الصين في مجلس الأمن القومي الأميركي في إدارة بايدن، عن سياسات الرئيس، قائلاً إنها لم تندفع إلى الدبلوماسية مع بكين، بل قلصت الاجتماعات الرفيعة المستوى، وأوقفت مؤقتاً عديداً من الحوارات التي لم تحقق نتائج. وبدعم من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، جرى التركيز على تجديد القوة الأميركية. وأضاف دوشي أن بكين كانت مقتنعة بأن الولايات المتحدة كانت في حالة انحدار خلال إدارة الرئيس السابق دونالد ترمب، وكشف الرئيس الصيني شي جينبينغ عن عبارة لخصت ثقة بكين المتزايدة بهذا الاتجاه: «العالم يمر بتغيرات عظيمة لم يسبق لها مثيل منذ قرن من الزمان». ورأى شي أن عزل ترمب للحلفاء والشركاء الأميركيين، والتعامل غير المنتظم مع جائحة كوفيد - 19 وتجاهل المعايير الديمقراطية، أدلة على أن «الشرق ينهض والغرب يتراجع». ولم تنظر بكين إلى ترمب على أنه صارم، بل على أنه لا يمكن التنبؤ به.

طموحات الصين واضحة

حتى الآن، لا يمكن إنكار طموح الرئيس الصيني شي جينبينغ إعادة تشكيل العالم. فهو يريد حل شبكة تحالفات واشنطن و«تطهير» الهيئات الدولية مما يصفها بـ«القيم الغربية». يريد إسقاط الدولار الأميركي من قاعدته والقضاء على قبضة واشنطن على التكنولوجيا الحيوية. وفي نظامه الجديد المتعدد الأقطاب، سوف ترتكز المؤسسات والأعراف العالمية على المفاهيم الصينية للأمن المشترك والتنمية الاقتصادية، والقيم الصينية للحقوق السياسية التي تحددها الدولة، والتكنولوجيا الصينية، حيث لن تضطر الصين بعد الآن إلى الكفاح من أجل القيادة، وسيتم ضمان مركزيتها. ولتحقيق ذلك، حدد شي جينبينغ تنفيذ أربعة برامج صينية: مبادرة الحزام والطريق، ومبادرة التنمية العالمية، ومبادرة الأمن العالمي، ومبادرة الحضارة العالمية. وقد وضعت بكين مبادرة الأمن العالمية كنظام، على حد تعبير عديد من الباحثين الصينيين، لتوفير «الحكمة الصينية والحلول الصينية» لتعزيز «السلام والهدوء العالميين». وتدعو المبادرة، حسب تعبير شي إلى أن «ترفض الدول عقلية الحرب الباردة، وتعارض الأحادية، وتقول لا للسياسات الجماعية والمواجهة بين الكتل».

صورة وزعتها وكالة «شينخوا» لاستقبال شي في مطار سان فرنسيسكو الثلاثاء (أ.ب)

بيد أن التطورات السياسية والاقتصادية والعسكرية التي شهدها العالم منذ أكثر من سنتين، بدءاً بالغزو الروسي لأوكرانيا، وعودة «الروح» لحلف شمال الأطلسي (ناتو)، والأزمة الاقتصادية في الصين، والحرب الإسرائيلية على غزة، كشفت عن أن التقديرات بتراجع القوة الأميركية، مُبالَغ فيها بشكل كبير. وهناك من يرى أن تضخيم «خطر» الجيش الصيني، يقف وراءه «مجمع الدفاع والصناعة»، للحض على مزيد من الإنفاق في موازنة البنتاغون. ويؤكد عديد من الخبراء، بينهم صينيون، أن بكين ليست مستعدة عسكرياً لتنفيذ أي هجوم على تايوان. فدروس الحرب الأوكرانية ربما أجبرت بكين على إعادة النظر في قدرتها على شن حرب على الجزيرة، فضلاً عن تشكيكها في الاعتماد على التقنية العسكرية الروسية. ومقابل تكاثر الحديث عن نمو قدرات الصين العسكرية، للتحول إلى قوة بحرية عالمية، جاء إعلان البنتاغون عام 2022 عن أكبر زيادة في ميزانية تطوير سلاح البحرية الأميركية، بقيمة 27 مليار دولار، لامتلاك 350 سفينة حربية ليرفع من سقف التحدي معها.

وتقول صحيفة «واشنطن بوست»، إن إصلاح الجيش الأميركي وإعادة تأهيله، في مواجهة تنامي قوة الجيش الصيني، والتخلي عن أساليب ومعدات ثبت عدم فاعليتها في الحروب الجديدة، أخذ جرعة كبيرة، بعدما أظهر «مجمع الدفاع والصناعة والكونغرس»، حساً سليماً أخيراً.

وأضافت الصحيفة أن «إجماعاً جديداً بدأ ينشأ حول ضرورة إجراء تغييرات كبيرة»، وهو إجماع مدعوم بتوجيهات الجنرال تشارلز براون، الرئيس الجديد لهيئة الأركان المشتركة، الذي قال: «إذا لم نتغير، إذا فشلنا في التكيف، فإننا نخاطر بخسارة المعركة».

واشنطن تركز على الأهداف

في خطاب ألقاه في يناير (كانون الثاني) الماضي، تحدث مستشار الأمن القومي، جيك سوليفان، عن استراتيجية إدارة بايدن تجاه الصين، قائلاً إنها مبنية على «افتراضات واقعية» حول مدى قدرة الولايات المتحدة على إعادة تشكيل النظام السياسي في الصين. وقال إنها لا تركز على نوع العلاقة الثنائية التي تريدها واشنطن مع بكين ولا على نوع الحكومة التي يريد الأميركيون أن تحظى بها الصين، بل تركز على أهداف أميركية واضحة وطويلة الأمد: الحفاظ على منطقة المحيطين الهندي والهادئ خالية من الهيمنة، والحفاظ على القيادة الاقتصادية والتكنولوجية الأميركية، وتعزيز التعاون الدولي، ودعم الديمقراطيات الإقليمية. وأضاف قائلاً إنها تسعى إلى تنشيط مصادر القوة الأميركية من خلال الاستثمار في الداخل والتوافق مع الحلفاء والشركاء في الخارج، بما يمكِّنها من التنافس بشكل مكثف من خلال إضعاف الأنشطة الصينية التي تقوِّض المصالح الأميركية وبناء تحالف من القوى التي ستساعد الولايات المتحدة على تأمين أولوياتها، مع إدارة أخطار التصعيد.

تدريبات أميركية فلبينية مشتركة بالذخيرة الحية ضمن تدريبات "الكتف للكتف" السنوية في ميناء لاواغ الفلبيني، مطلع مايو (أيار) الماضي (رويترز)

ويستبعد كريغ سينغلتون، الزميل البارز لشؤون الصين في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، أن تنجح هذه السياسة في عكس اتجاه تدهور العلاقات بين البلدين. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «لا يمكن للمجاملات الدبلوماسية أن تحجب الانقسامات المتجذرة بين البلدين». وشكَّك في الدور الصيني قائلاً إن «هدف بكين الحقيقي هو تعزيز صورتها العالمية وتسليط الضوء على ما تعدها إخفاقات القيادة الأميركية العالمية».

المحيطان الهندي والهادئ

يركز صناع السياسات والخبراء الأميركيون على سؤالين رئيسيين حول المنافسة الاستراتيجية طويلة المدى بين الولايات المتحدة والصين: كيف يمكن تقييم مدى جودة أداء الولايات المتحدة مقارنةً بالصين، وأي منهما لديه مزيد من القوة والنفوذ في منطقة المحيطين الهندي والهادئ؟

تناول باحثون في مركز «راند»، هذه الأسئلة من خلال تحديد معنى التأثير أولاً في سياق المنافسة بين القوى العظمى وإنشاء إطار لقياس نفوذ الولايات المتحدة مقابل الصين في بلدان ثالثة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. وبشكل عام، خلص هؤلاء إلى القول إنه من الواضح أن لا الولايات المتحدة ولا الصين «تفوز» بالمنافسة على النفوذ في منطقة المحيطين الهادئ والهندي ككل، بل تتمتع كل منهما بمستويات متفاوتة من النفوذ فيها. فنفوذ الولايات المتحدة أكبر في أستراليا والهند واليابان والفلبين وسنغافورة منه في إندونيسيا وماليزيا وتايلاند وفيتنام. وفي حين ترى دول المنطقة أن الولايات المتحدة تتمتع بنفوذ دبلوماسي وعسكري أكبر من الصين، تتمتع الصين بنفوذ اقتصادي أكبر.

ومع ذلك، فإن ازدياد تصلب النظام السياسي، وازدياد تركز السلطة في بكين، ضيّق حيّز السياسات المحلية وقدرة السلطات على المناورة خارجياً في ظل افتقارها إلى الأمن الغذائي والطاقة، حيث تستورد نصف نفطها تقريباً من الشرق الأوسط. وفي حال اندلاع أي نزاع، فإن البحرية الصينية التي تعد أكبر قوة بحرية من ناحية عدد السفن، مع امتلاكها أخيراً 3 حاملات للطائرات (مقابل 11 للولايات المتحدة) لن تكون قادرة على منع قطع الإمدادات الحيوية عنها.

وتواجه الصين كذلك عقبات كبيرة لتحقيق طموحاتها الخارجية، في ظل تقديرات استراتيجية تشير إلى أن الجيش الصيني سيبقى مقيداً نسبياً في المدى المنظور في توسيع قدرته خارج محيط الصين المباشر. ويُرجح أن تواجه قيوداً مطّردة في الميزانية على مبادراتها الخارجية الضخمة خلال السنوات المقبلة، بينما تكافح مع اقتصاد مأزوم، حيث تتراجع توقعات الاقتصاديين عن الموعد الذي ستتفوق فيه الصين على الولايات المتحدة في الناتج المحلي الإجمالي، من سنوات إلى عقود.

زار بلينكن منطقة بوند الشهيرة في شنغهاي حيث تذوق المأكولات المحلية وشاهد مباراة في كرة السلة (رويترز)

في المقابل، تتمتع الولايات المتحدة باستقلالية تامة في توفير الطاقة والأمن الغذائي، وامتلاكها العملة الاحتياطية الأولى في العالم، رغم محاولة الصين وروسيا العمل معاً على الحد من الاعتماد على الدولار. لكنهما لن يتمكنا أبداً من إخراج الدولار من مكانته الأولى داخل شبكة الدفع العالمية، حسب تشن يي جون، عضو الأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية.

وإلى جانب ما سبق، فإن الصين مطالَبة بالمواءمة بين استخدام القوة والتأثير السياسي والاقتصادي على نطاق عالمي، وهي شروط تعريف «القوة العظمى»، بينما تواجه محيطاً جغرافياً صعباً. ومقابل استفادة الولايات المتحدة من محيط جغرافي وحدود سلمية ملائمة، تحيط بالصين 14 دولة، 4 منها مسلحة نووياً، هي الهند وروسيا وباكستان وكوريا الشمالية. كما أن 5 دول «جارة» لديها نزاعات إقليمية لم تُحل معها، هي الهند، واليابان، وروسيا، وكوريا الجنوبية، وفيتنام. ثم إن للولايات المتحدة وجوداً عسكرياً دائم الانتشار في المنطقة، مدعوماً باتفاقيات وقواعد عسكرية تمكّنها من الوصول إلى البلدان الواقعة على أطراف الصين.

دروس حرب أوكرانيا

ومع الدروس المستقاة من الحرب في أوكرانيا، تقول «واشنطن بوست»، إنه بدلاً من حاملات الطائرات والطائرات المقاتلة باهظة الثمن المعرّضة للخطر، تم الاعتماد على المسيّرات والأقمار الاصطناعية. فالبحرية والدبابات الروسية والأوكرانية تكاد تكون بلا دفاع ضد هجمات المسيّرات. ومع الحاجة إلى أنظمة إلكترونية مستقلة قادرة على العمل من دون نظام تحديد المواقع العالمي، تصمم مختبرات الدفاع في جميع أنحاء الولايات المتحدة وتنشئ أنظمة ذات ذكاء اصطناعي مدمجة في الأسلحة نفسها، حتى لا يُضطروا إلى الاعتماد على إشارات قابلة للتشويش من الفضاء. وتقود الحملة من أجل إصلاح البنتاغون، كاثلين هيكس، نائبة وزير الدفاع، التي أعلنت في أغسطس (آب) الماضي، مبادرة تهدف إلى نقل الدروس التقنية المستفادة من أوكرانيا إلى مناطق المعارك المحتملة، في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. وطلبت طائرات من دون طيار رخيصة الثمن للاستخدام في البر والبحر والجو، وهو ما تحقق سريعاً بشكل لم يتصوره البنتاغون نفسه. وقالت هيكس في خطاب في يناير، إن المبادرة، في الأشهر الخمسة الأولى من عمرها، أنجزت ما يستغرقه البنتاغون عادةً من سنتين إلى ثلاث سنوات، وتم تسليم أول أنظمة الطائرات من دون طيار الشهر الماضي. وتنشر فرق العمل سفناً وطائرات غير مأهولة في منطقة الخليج والبحر الأبيض المتوسط ​​ والبحر الكاريبي. ونظراً لأن المحيط الهادئ بيئة معقدة ومعادية، فإن برنامج الطائرات من دون طيار البحري القوي، سيحتاج إلى «قيادة الأنظمة الآلية» الخاصة به، مع سلطات مثل تلك التي أنشأتها البحرية النووية.

ومع تخصيص إدارة بايدن ما يقارب 100 مليار دولار لدعم وتطوير وتشجيع الابتكارات العلمية، في سعي للعودة إلى تخصيص ما يعادل 2 في المائة من ميزانيتها للاستثمار في الثورة التكنولوجية الجديدة، كما كانت خلال مواجهتها للاتحاد السوفياتي، الأمر الذي مكّنها من الانتصار في «حربها الباردة» معه، يصبح السؤال: كيف يمكن للصين تحقيق أهدافها، في ظل مجموعة ضخمة من التحديات ونقاط الضعف البنيوية، التي ستفرض عليها آجلاً أم عاجلاً، تقنين حدود مواجهتها مع الولايات المتحدة؟


مقالات ذات صلة

سيناريوهات تنحي بايدن: بين خيار هاريس والمؤتمر المفتوح

تحليل إخباري بايدن وهاريس خلال مؤتمر صحافي عقب تعرُّض ترمب لمحاولة اغتيال في غرفة روزفلت بالبيت الأبيض (إ.ب.أ)

سيناريوهات تنحي بايدن: بين خيار هاريس والمؤتمر المفتوح

تتصاعد الضغوط على الرئيس الأميركي جو بايدن للتنحي عن السباق الرئاسي في مواجهة الرئيس السابق والمرشح الجمهوري دونالد ترمب، بعد تراجع حظوظه في استطلاعات الرأي.

رنا أبتر (واشنطن)
الولايات المتحدة​ مراسل صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية إيفان غيرشكوفيتش في صورة غير مؤرخة (رويترز)

الحكم على الصحافي الأميركي غيرشكوفيتش بالسجن 16 عاماً في روسيا

أدانت محكمة يكاترينبورغ الروسية في الأورال الصحافي الأميركي إيفان غيرشكوفيتش، اليوم (الجمعة)، بتهمة «التجسس» وحكمت عليه بالسجن 16 عاماً.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
رياضة عالمية باتريك فييرا يستعد لتولي تدريب منتخب أميركا (د.ب.أ)

فييرا يترك ستراسبورغ من أجل تدريب أميركا

رحل باتريك فييرا عن تدريب نادي ستراسبورغ مساء الخميس... قبل أقل من شهر على انطلاق الموسم الجديد.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الولايات المتحدة​ دونالد ترمب يعانق أحد أحفاده في آخر يوم من المؤتمر الوطني الجمهوري (أ.ف.ب)

«يعطينا الحلوى والصودا»... تعرّف على أحفاد ترمب الـ10

أخيراً، انضم أحفاد ترمب أيضاً إلى المشهد على خشبة المسرح في المؤتمر الوطني للحزب الجمهوري.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ توماس ماثيو كروكس في حفل تخرجه من مدرسة ثانوية (أ.ب)

مُطلق النار على ترمب بحث عن أحد أفراد العائلة المالكة البريطانية

كشف «مكتب التحقيقات الفيدرالي» أن المسلَّح الذي حاول قتل ترمب بحث عبر الإنترنت عن أحد أفراد العائلة المالكة البريطانية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

اقتصاد العالم على إيقاع حربَي أوكرانيا وغزة

TT

اقتصاد العالم على إيقاع حربَي أوكرانيا وغزة

تراجع التضخم إلى 2.4 في المائة مع انخفاض الزيادات بتكلفة البقالة والزيادات الإجمالية بالأسعار لأكبر اقتصادين ألمانيا وفرنسا (رويترز)
تراجع التضخم إلى 2.4 في المائة مع انخفاض الزيادات بتكلفة البقالة والزيادات الإجمالية بالأسعار لأكبر اقتصادين ألمانيا وفرنسا (رويترز)

يصر ديفرين، سائق الأجرة البريطاني، على أن يشير بيده لمحدّثه إلى مساحات خضر على جانبي الطريق بين لندن ومدينة ستانستد (شمال شرقي العاصمة البريطانية) قائلاً: «هذه الحقول مزروعة بالقمح». كلما انكشفت للطريق السريع مساحة خضراء، كرر ديفرين جملته: «حقول قمح، بدأ بعضها يميل إلى الاصفرار». ثم يفسّر إصراره على الإشارة إلى ذلك بأنها المرة الأولى التي يرى فيها مساحات مزروعة بالقمح في هذه المنطقة، عازياً لجوء بريطانيا إلى زراعتها إلى الحرب الروسية ـــ الأوكرانية.

ثم يخوض مع محدثه في حوار عن غلاء المعيشة وارتفاع الأسعار التي شهدتها البلاد بعد انتهاء فترة كورونا، إذ أصبح جنيهاً ونصف الجنيه سعر كل سلعة كانت تباع بجنيه واحد قبل سنة ونصف السنة. ويقول ديفرين ساخراً: «هل تعيد حقول القمح هذه الأسعار إلى ما كانت عليه؟ كل شيء في هذه البلاد، من السلعة البسيطة إلى إيجار المنازل، ارتفع سعره نحو 50 في المائة، فيما الرواتب لا تزال على حالها». ويضيف: «كذلك ارتفعت الرسوم الحكومية وأقساط الجامعات، وكأن الحكومة تريد استرداد المبالغ الطائلة التي أنفقتها خلال إغلاق (كورونا) على الناس والشركات».

ما يتمناه ديفرين وكل البريطانيين وسواهم من سكان دول العالم يحتاج إلى «معجزة مالية ونقدية»، وفق ما يقول الخبير الاقتصادي إسلام الشافعي لـ«الشرق الأوسط».

ويوجز الشافعي، الذي يتابع الاقتصاد العالمي من مكان إقامته في نيويورك، ما أصاب العالم خلال هاتين السنتين بالأرقام والوقائع، قائلاً: «تسببت الحرب الروسية ــ الأوكرانية في مشكلات للاقتصاد العالمي أدت إلى تباطئه، خصوصاً أن هذا الضغط جاء بعد الخروج من فترة كورونا التي أحدثت أزمة في سلاسل الإمداد وحالة من التضخم في كثير من الاقتصادات الكبرى. وعلى سبيل المثال، وصل التضخم في بريطانيا إلى 11 في المائة، وهذا من أعلى معدلات التضخم المتوقعة لدولة صناعية مثل بريطانيا لكنه عاد وانخفض إلى 2 في المائة في مايو (أيار) الماضي فيما سمي إعجازاً نقدياً ومالياً.

ذلك مع العلم أن انخفاض التضخم لم ينعكس على السلة الاستهلاكية للبريطانيين التي ترتفع سلعها بوتيرة بطيئة. وكذلك أصاب التضخم أميركا، إذ توقع البنك الدولي تراجع الاقتصاد الأميركي من 5.7 في المائة إلى 1.6 في المائة، وتراجع الاقتصاد الصيني، (مصنع العالم) من 8.1 في المائة إلى 3.2 في المائة».

وبعد كورونا فوراً، جاءت الحرب الروسية ــ الأوكرانية، وهما دولتان ذواتا مشاركة كبيرة جداً في حجم التجارة العالمية، فتعاظمت مشكلة الإمدادات وتعطلت سلاسلها نتيجة الحرب التي لم تقتصر تداعياتها على مسألة الحبوب وزيوت الطعام، بل على سبيل المثال أيضاً تسببت في إغلاق جزئي لصناعة السيارات في ألمانيا، وكذلك تأثرت كثيراً صناعة الحديد والصلب في اليابان. حصلت اضطرابات كثيرة عالمية في الصادرات السلعية، كما حصل ارتفاع كبير في كلفة النقل، إذ فرض الاتحاد الأوروبي حظراً على الطائرات والشاحنات في روسيا ما رفع تكلفة النقل 60 في المائة.

وهذا ما تؤكده دراسة حديثة نشرها «مركز فاروس للاستشارات والدراسات الاستراتيجية»، إذ أكد أن الحرب الروسية الأوكرانية أضافت مزيداً من الأعباء على الاقتصاد العالمي؛ فارتفعت الديون، وزاد حجم الاستثمارات الخاصة المتعثرة، وشهدت التجارة الدولية أبطأ معدل للنمو لم تشهده منذ خمسة عقود، كما أن ارتفاع أسعار الفائدة جعل من الصعب على الحكومات والشركات الخاصة الحصول على الائتمان وتجنب التخلف عن السداد. ويزداد ذلك بشكل خاص بالنسبة للعديد من الاقتصادات ذات الدخل المنخفض مع ارتفاع تكاليف الاقتراض، وابتعاد المستثمرين عن الأسواق الناشئة خوفاً من التوقعات العالمية الضعيفة بالفعل، والانكماش الإقليمي.

وتفيد الدراسة بأن الديون الحالية، وخاصة في شكل سندات حكومية وصكوك، تتعرض لضربة قوية بالفعل مع انخفاض قيمتها في التداول، حيث تفيد التقارير بأن السندات السيادية في بعض الدول الأوروبية كانت من بين أسوأ السندات العالمية أداءً خلال تلك الفترة المواكبة لبداية حرب إسرائيل على غزة. وإذا كان هذا هو الحال بالنسبة للحكومات ذات التصنيفات الائتمانية الجيدة إلى الممتازة، فإن الحكومات ذات الائتمان الأضعف ستشهد خصم الديون الحالية في التداول، ويصبح الوصول إلى الديون الجديدة أكثر تكلفة، وربما أكثر صعوبة في جذب المستثمرين.

إشارة أخرى للتأثير الاقتصادي ستكون في صناديق المؤشرات للأسهم في الأسواق الناشئة، مما يعني أن الشركات المدرجة في البورصات الإقليمية مدرجة في المؤشرات الرئيسية، مثل مؤشر MSCI. وقد انخفضت أسهم الأسواق الناشئة في MSCI بنسبة 1 في المائة تقريباً في الأسبوع الثاني من شهر نوفمبر (تشرين الثاني) 2023، بسبب التوترات في الشرق الأوسط والصراع المحتمل.

لاعبان كبيران

للحرب الروسية تكلفة كبيرة على أكثر من صعيد، وتقدر بمليارات الدولارات. وفيما لم تعلن الدول الخسائر التي تكبدتها، فإن «سكاي نيوز» نقلت في فبراير (شباط) الماضي تصريحاً لمسؤول رفيع في وزارة الدفاع الأميركية (لم تذكر اسمه) قال فيه إن روسيا أنفقت على الأرجح 211 مليار دولار على تجهيز أفراد قواتها ونشرهم وصيانة أسلحتهم لتنفيذ عمليات في أوكرانيا، وإن موسكو خسرت أكثر من 10 مليارات دولار بسبب إلغاء صفقات أسلحة أو تأجيلها، مضيفاً أن «الحرب كلفت روسيا نحو 1.3 تريليون دولار من النمو الاقتصادي المتوقع حتى عام 2026».

محصول قمح يتم جمعه في حقل قرب كييف على رغم الحرب الروسية على أوكرانيا (أ ف ب)

جاء التصريح الأميركي فيما كانت إدارة الرئيس جو بايدن تمارس ضغوطاً على مجلس النواب الأميركي لقبول حزمة من المساعدات الأمنية الدولية بقيمة 95 مليار دولار لأوكرانيا وإسرائيل وتايوان.

لماذا كان للحرب الروسية ــ الأوكرانية كل هذا التأثير؟ يضيف الشافعي قائلاً: «لأن روسيا وأوكرانيا لاعبان دوليان كبيران في الاقتصاد العالمي؛ يسيطران على 53 في المائة من التجارة العالمية لزيت الطعام والحبوب، ويستحوذان على 27 في المائة من تجارة القمح العالمية. وهذه نسب كبيرة جداً. ويضاف إلى ذلك توقف صادرات النفط الروسي، التي تشكل 12 في المائة من السوق العالمية للنفط، وكذلك المشتقات النفطية التي تشكل 15 في المائة من تجارة العالم. توقّف هذه الصادرات أدى إلى عجز كبير، ومن ثم ارتفاع كبير في الأسعار. أوروبا تستورد 45 في المائة من حاجتها للنفط والغاز من روسيا، وتوقف ذلك ينعكس ارتفاعاً كبيراً في الأسعار.

إلا أن الغاز والنفط الروسيين استمرا، رغم الحرب، في التدفق إلى أوروبا عبر خطوط الأنابيب الأوكرانية إلى مصافي التكرير في التشيك وسلوفاكيا والمجر». ووفق تقرير لمجلة «إيكونوميست»، فإن أوروبا كانت تعتمد على روسيا في 40 في المائة إلى 45 في المائة من وارداتها من الغاز ونحو ربع نفطها. ومنذ ذلك الحين، حاولت روسيا التنمر على أوروبا لإسقاط العقوبات الاقتصادية عن طريق خنق الإمدادات. لكن أوروبا، بدورها، فصلت نفسها تقريباً عن الطاقة الروسية. لكن ليس بالكامل، إذ يواصل الجانبان الالتزام باتفاق نقل الغاز الذي تم التوصل إليه بوساطة من الاتحاد الأوروبي لعام 2019 الذي تنتهي مدته نهاية ديسمبر (كانون الأول) 2024 لتسدل معه واحدة من أقدم وأكبر الروابط الاقتصادية بين روسيا وأوروبا من خلال نقل الغاز. كييف من جهتها أعلنت أنها لن تمدد الاتفاق مع شركة «غازبروم» الروسية، فيما أكد مسؤولون روس أنه لا مفاوضات جارية مع أوكرانيا أو الاتحاد الأوروبي.

الأمن الغذائي

أما بالنسبة إلى الغذاء، فيقول الشافعي: «كل دولة تأثرت بحسب اعتمادها على نفسها، وبحسب علاقتها في الاستيراد من روسيا أو أوكرانيا. دول الشرق الأوسط تعتمد بنسبة 75 في المائة من وارداتها من القمح على أوكرانيا وروسيا. أضف إلى ذلك، محاولة الغرب مساندة أوكرانيا ضد روسيا، وهي أصلاً خرجت من فترة كورونا منهكة». وأضاف: «بالتزامن مع ذلك، ارتفعت أصوات في بريطانيا تطالب بخفض ميزانية الدفاع من أجل التخلص من حالة التضخم، على اعتبار أن بريطانيا لا تملك ما يكفي لإمداد أوكرانيا بالسلاح، فيما أميركا تعاني من ديون تبلغ 33 تريليون دولار ومشكلات داخلية وتضخم، وهي مطالبة بإمداد أوكرانيا للوقوف أمام روسيا التي تعد خصماً غير سهل. الحرب الروسية الأوكرانية كشفت عن نقاط الضعف في التصنيع العسكري في دول الاتحاد الاوروبي وأميركا أيضاً. وكل ذلك شكل ضغوطاً رهيبة على ميزانيتها التي كانت أصلاً مضغوطة».

من جانبه، يؤكد الخبير الدولي في الأمن الغذائي مهاب فؤاد الأعور لـ«الشرق الأوسط»، أن حالة الأمن الغذائي العالمي تتأثر بشكل كبير في الجائحات والأزمات العالمية بين الدول، مشيراً إلى أن الأزمة بين روسيا وأوكرانيا تركت صدمة في أسواق السلع الغذائية وأضعفت التعافي عقب جائحة كورونا، حيث أسهمت في حدوث ركود اقتصادي وارتفاع للأسعار خلال الأعوام الماضية متأثرة بضعف الإمدادات الغذائية وارتفاع أسعار المدخلات الزراعية والطاقة، وتقويض فرص العمل والدخل للأشخاص الأكثر ضعفاً، وهو ما حال دون حدوث انخفاض في معدلات الجوع المستهدفة عالمياً، حيث توقع التقرير الأخير حول حالة الأمن الغذائي والتغذية في العالم أن يعاني ما يقرب من 600 مليون شخص من نقص تغذية مزمن في عام 2030. وهو ما يزيد بنحو 23 مليوناً لو لم تحدث الأزمة الروسية الأوكرانية.

ويقول الأعور: «إن دول الشرق الأوسط تعتمد بشكل كبير على روسيا وأوكرانيا، حيث تأتي مصر في مقدمة دول الشرق الأوسط التي تعتمد على استيراد الحبوب من روسيا وأوكرانيا، بما يساوي 23 مليار دولار في الفترة بين عامي 2016 و2020، وتليها السعودية بمبلغ 17 مليار دولار في الفترة نفسها، وبعدها تركيا بحوالي 12.5 مليار دولار، ثم المغرب بمبلغ 8.7 مليار دولار، والإمارات بـ6.1 مليار دولار، والجزائر بمبلغ 5.5 مليار دولار في الفترة بين عامي 2016 و2017، ثم تونس والسودان والأردن واليمن وليبيا وفلسطين والكويت وقطر وعمان».

اتفاق الحبوب

وكانت روسيا وافقت على صفقة مع أوكرانيا، بوساطة تركيا والأمم المتحدة، تقضي بتسهيل مرور الصادرات الزراعية الروسية والأوكرانية عبر البحر الأسود لمدة عام انتهى في يوليو (تموز) 2023. وتجرى حالياً مفاوضات لإعادة تفعيل الاتفاق الذي قضى بعودة حجم صادرات الحبوب الأوكرانية إلى مستوى ما قبل الحرب؛ أي تصدير 5 ملايين طن متري شهرياً، وتضمن الاتفاق عدة بنود وقَّع عليها الأطراف الأربعة.

ونصَّ الاتفاق على أنه يقضي بتفتيش السفن المشاركة في تصدير الحبوب الأوكرانية عند الدخول والخروج من البحر الأسود للتأكد من عدم حمل أسلحة على متنها، وهذا ما قد أعلن عنه أطراف الاتفاق، كما تضمن الاتفاق أنه تُصدر الحبوب من خلال ثلاثة موانئ بحرية هي: أوديسا، ووچورنوموركس، ويوزهنو، على أن تكون تلك الموانئ مطلة على البحر الأسود، وأهم تلك الموانئ ميناء أوديسا الذي يطل على البحر الأسود.

متى التعافي؟

هل هناك أمل بالتعافي القريب؟ يجيب الشافعي: «التعافي يكون في كل دولة بحسب وضعها وإمكاناتها وقدراتها على التعامل مع الصدمة. هناك دول بدأت تتحدث عن تعاف مثل بريطانيا التي أفادت آخر الأرقام بأن التضخم فيها نزل من 11 في المائة إلى 2 في المائة، وهذا أكبر معدل هبوط للتضخم على مدار 50 سنة، لكن التأثير سيبقى قوياً ما دامت هاتان الحربان قائمتين».

عمال يجلسون أمام لافتة كُتب عليها: «أوقفوا وحش التضخم» في ميناء هامبورغ (رويترز)

أما الأعور فيؤكد أن «الأزمة تسببت في تباطؤ التعافي في عام 2022 بنسبة نقطة مئوية واحدة حيث سجل 3.4 نقطة مئوية فقط. كما أن مؤشر منظمة الفاو لأسعار الأغذية قفز لأعلى مستوى له على الإطلاق في مارس (آذار) 2022. وهو ما رفع فاتورة واردات الأغذية في العالم لأعلى مستوى لها في 2022، كما شهدت فاتورة واردات المدخلات الزراعية العالمية زيادة بنسبة 48 في المائة لتصل إلى 424 مليار دولار أمريكي في العام نفسه. وارتفعت معدلات التضخم طوال عام 2022 في جميع الاقتصادات تقريباً، وتجاوز التضخم الكلي العالمي 9 في المائة خلال النصف الثاني من العام، وهو أعلى مستوى له منذ عام 1995».

وتأتي أهمية الأزمة لكونها شملت اثنين من منتجي السلع الرئيسيين في العالم، حيث كانا في 2021 من بين أكبر ثلاثة مصدرين عالميين للقمح والذرة وبذور اللفت وأقراص بذور دوار الشمس. كما أن روسيا تعدّ مصدراً بارزاً للأسمدة. وفي الفترة بين عامي 2016 و2021، أنتجت أوكرانيا وروسيا أكثر من 50 في المائة من إمدادات العالم من بذور دوار الشمس، و19 في المائة من الشعير في العالم، و14 في المائة من القمح، و30 في المائة من صادرات القمح العالمية، مع اعتماد ما لا يقل عن 50 دولة على روسيا وأوكرانيا للحصول على 30 في المائة أو أكثر من إمدادات القمح.

وفي تقرير منفصل، رفعت منظمة الأغذية والزراعة الدولية (فاو)، توقعاتها للإنتاج العالمي من الحبوب في 2024 بنحو 7.9 طن بزيادة 0.3 في المائة لتصل إلى 2.854 مليار طن بزيادة طفيفة على مستويات 2023 ليسجل أعلى مستويات له على الإطلاق.

ويضيف الأعور: «تم اتخاذ إجراءات لمواجهة التحديات عبر استراتيجيات لتغيير النظم الغذائية والعمل على توفير أنظمة غذائية صحية مستدامة وميسورة التكلفة، وتشمل دمج السياسات الإنسانية والإنمائية وسياسات بناء السلام في المناطق المتضررة من الصراعات، وتعزيز قدرة الفئات الأكثر تضرراً على مواجهة الأزمات الاقتصادية، والمشاركة في إدارة سلاسل الإمداد الغذائي لخفض تكاليف المواد الغذائية، وحل مشكلة الفقر وعدم المساواة، وتعزيز البيئات الغذائية وتغيير سلوك المستهلك لتعزيز الأنماط الغذائية ذات الآثار الإيجابية على صحة الإنسان والبيئة، فضلاً عن السياسات التي تم اتخاذها في كل بلد على حدة لمواجهة تلك المشكلات».

النداءات الإنسانية

أطفال فلسطينيون يبحثون عن بقايا طعام في القمامة في منطقة دير البلح بعد انتشار المجاعة جراء الحصار الإسرائيلي على قطاع غزة (دي بي أي)

الأزمات التي تعاني منها الدول، خصوصاً الدول المانحة، انعكست سلباً على مساعدة الفئات الأكثر تضرراً من الحروب. ويقول الشافعي: «في بداية الحرب الروسية – الاوكرانية غادر أوكرانيا 7 ملايين شخص إلى دول أوروبا. والأمم المتحدة تقول إن هناك 15 مليوناً في حاجة إلى الغوث. ومن ثم فهذه الحرب سببت ضغطاً شديداً على هذه الدول التي لديها مشكلاتها ومصاعبها المالية، ما جعل نداءات الأمم المتحدة لتمويل اللاجئين تقابل باستجابات ضعيفة جداً. وإذا أضفت إلى ذلك حركة اللجوء الفلسطيني الآن والاحتياج الإنساني نتيجة الحرب الإسرائيلية على غزة وضرب منظمة أونروا وما إلى ذلك، فهي تحتاج إلى مصاريف أكثر ودعم أكبر».

تأثير حرب غزة

وبالنسبة إلى الحرب الإسرائيلية على غزة، فإن تأثيرها المباشر والكبير كان على إسرائيل نفسها، إذ تعطل الاقتصاد الإسرائيلي وتكبد خسائر فادحة، حيث أظهرت معطيات بنك إسرائيل ووزارة المالية الإسرائيلية أن تكلفة الحرب منذ 7 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي حتى نهاية مارس 2024، بلغت أكثر من 270 مليار شيقل (73 مليار دولار).

وبحسب بيانات وزارة الأمن الإسرائيلية، فإن كلفة الحرب اليومية منذ 7 أكتوبر حتى نهاية ديسمبر (كانون الأول) 2023، بلغت مليار شيقل يومياً (270 مليون دولار)، قبل أن تنخفض خلال العام 2024 لتصل إلى 350 مليون شيقل (94 مليون دولار).

لكن تأثير هذه الحرب على الاقتصاد العالمي نتج عن الهجمات المستمرة لـ«الحوثيين» (الانقلابيين اليمنيين) على السفن في البحر الأحمر، ما تسبب في تراجع حركة مرور السفن بشكل كبير، وانخفض حجم التجارة في مضيق باب المندب، الذي تمر عبره السفن للوصول إلى قناة السويس من المحيط الهندي، بنسبة كبيرة.

وأفاد رئيس هيئة قناة السويس المصرية أسامة ربيع، في أحدث بيان، بأن عدد السفن التي تستخدم القناة انخفض إلى 20148 سفينة في عام 2023-2024 من 25911 سفينة في العام المالي الذي سبقه 2022-2023، وبالتالي تراجعت إيراداتها إلى 7.2 مليار دولار من 9.4 مليار دولار .

وقدّرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (ومركزها باريس)، الاثنين 5 فبراير 2024، أنّ الارتفاع الأخير في أسعار الشحن البحري قد يؤدي إلى زيادة تضخم أسعار الواردات في بلدان المنظّمة الثمانية والثلاثين بنحو 5 نقاط مئوية إذا استمرت هذه الزيادة بأسعار الشحن، وفق ما نقلت شبكة «سي إن بي سي» الأميركية المختصّة بالاقتصاد.

سفينة تحمل حاويات تمر عبر قناة السويس المصرية (الموقع الإلكتروني لهيئة قناة السويس)

يعلق الشافعي على ذلك بالقول: «بالنسبة إلى حرب غزة ما كان ليكون لها تأثير دولي لولا التحرك الإيراني في الأساس، الذي ينفذه الحوثيون في البحر الأحمر، لعرقلة الملاحة فيه. قناة السويس يمر فيها 12 في المائة من التجارة العالمية، ومن هنا جاء التأثير على 12 في المائة من حركة التجارة العالمية. ووفق بيانات هيئة قناة السويس، فإن مرور السفن ناقلات المستوعبات انخفض بنسبة 67 في المائة، ومن ثم فإن هذه السفن أصبحت تتفادى المرور في البحر الأحمر وتذهب عبر رأس الرجاء الصالح، ما زاد كلفة النقل نتيجة زيادة المسافة التي أصبحت تقطعها 6 آلاف كيلومتر و15 يوماً في الملاحة، ومن ثمّ زيادة في استهلاك الوقود والوقت في إيصال البضائع، ما انعكس سلباً على التجارة العالمية، إضافة إلى تسديد المستهلكين هذه الأثمان الإضافية».

وعلى الرغم من تأزم الأوضاع الاقتصادية في معظم دول العالم، فإن صندوق النقد الدولي يرى أن هناك تعافياً عالمياً مطرداً «لكنه بطيء ويختلف من منطقة إلى أخرى». ويقول الصندوق في تقريره «آفاق الاقتصاد العالمي 2024 – 2025» الصادر في أبريل (نيسان) الماضي: «تشير تنبؤات السيناريو الأساسي إلى استمرار نمو الاقتصاد العالمي بنسبة 3.2 في المائة خلال عامي 2024 و2025، وتراجع التضخم العالمي باطراد، من 6.8 في المائة في 2023 إلى 5.9 في المائة في 2024، و4.5 في المائة في 2025، مع عودة الاقتصادات المتقدمة إلى مستويات التضخم المستهدفة في وقت أقرب من اقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية. ومن المتوقع بوجه عام أن يشهد التضخم الأساسي تراجعاً بشكل أكثر تدرجاً.