سانتياغو بينيا يواجه «صداعين» سياسيين: عقوبات واشنطن... والعلاقات مع تايوان

رغم تعزيز حزبه اليميني قبضته على الباراغواي

الرئيس المنتخب سانتياغو بينيا وسط مناصريه (رويترز)
الرئيس المنتخب سانتياغو بينيا وسط مناصريه (رويترز)
TT

سانتياغو بينيا يواجه «صداعين» سياسيين: عقوبات واشنطن... والعلاقات مع تايوان

الرئيس المنتخب سانتياغو بينيا وسط مناصريه (رويترز)
الرئيس المنتخب سانتياغو بينيا وسط مناصريه (رويترز)

مرة أخرى، وكما جرت العادة منذ 70 سنة بلا انقطاع، فاز الحزب الأحمر - أو الملوّن - (الكولورادو) بالانتخابات الرئاسية والاشتراعية في الباراغواي. الحزب اليميني القوي فاز بعدما حصل على 43 في المائة من الأصوات أمام معارضة منهارة ومبعثرة بين عشرات الأحزاب الصغيرة، خسرت على كل الجبهات بما فيها غالبية مجلس الشيوخ الذي كان لسنوات طويلة معقلها الرئيسي والوحيد في وجه الحزب الحاكم. هذا الفوز هو السابع الذي يحققه الحزب الأحمر من أصل ثماني انتخابات رئاسية خاضها منذ سقوط ديكتاتورية ألفريدو ستروسنر عام 1989، وهذا رقم قياسي لم يصل إليه أي حزب آخر في أميركا اللاتينية، وما يزيده أهمية أنه يأتي اليوم بينما يتسم المشهد السياسي في المنطقة بتراجع شعبية الأحزاب الحاكمة واليمينية وصعود الأنظمة اليسارية أو التقدمية. بهذه النتيجة، بعد أن ضمن الرئيس الجديد سانتياغو بينيا الغالبية في مجلسي الشيوخ والنواب، وحكام 15 مقاطعة من أصل 17، فإنه سيتمكن من حكم هذا البلد الذي يشكّل أقدم معقل يميني في قارة أميركا الجنوبية، من غير معارضة تذكر، بيد أنه سيواجه عدداً من التحديات على الجبهة الخارجية، أبرزها العلاقات مع واشنطن ومسألة المحافظة على الاعتراف بتايوان التي كانت أحد العناوين الرئيسية في الحملة الانتخابية.

كان سانتياغو بينيا في السابعة والثلاثين من عمره عندما انضمّ إلى الحزب الأحمر (الملوّن - الكولورادو) عام 2016 عندما تسلّم حقيبة وزارة المالية في حكومة الرئيس الأسبق أوراسيو كارتيس ليصبح الأصغر سناً في تاريخ الباراغواي بعدما كان قد تخرّج في جامعة هارفارد الأميركية العريقة، وتولّى مهام تخطيطية في صندوق النقد الدولي.

ولكن، لئن كان الرئيس الجديد يدين لـ«عرّابه» كارتيس بهذا الصعود السريع إلى قمة المشهد السياسي، فإن هذه العلاقة ستكون من العقبات الأساسية التي ستعترض ولايته منذ أصدرت الإدارة الأميركية قراراً بملاحقة الرئيس الأسبق بتهمة غسل الأموال والتعاون مع منظمات إجرامية لتهريب المخدرات. وكان بينيا بذل جهداً كبيراً خلال الحملة الانتخابية لفصل صورته وبرنامجه السياسي عن صورة كارتيس الذي ما زال الشخصية الأوسع نفوذاً في الحزب الحاكم. إلا أن بينيا صرّح أخيراً بـ«أن من حق الأشخاص الذين تشملهم هذه العقوبات الأميركية، وأيضاً من واجبهم، أن يدافعوا عن أنفسهم، سيما وأن كارتيس قد أنكر التهم الموجهة إليه».

قبل هذا التصريح سعى بينيا منذ إعلان ترشحه لرئاسة الجمهورية، وطوال الحملة الانتخابية إلى إبراز «استقلاليته» ودحض الاعتقاد السائد بأنه سيكون «دُمية» بيد الرئيس الأسبق الذي يملك أكبر ثروة في الباراغواي، والذي خرج أخيراً ظافراً من المعركة التي خاضها ضد الرئيس الحالي ماريو عبده للسيطرة على الحزب اليميني الحاكم. ولكون بينيا تكنوقراطياً لا يملك خبرة سياسية؛ فإنه بنى برنامجه السياسي على تأكيد قدرته على «تجديد الحزب» الذي يتوالى على الحكم في الباراغواي منذ سبعة عقود. غير أن بينيا تولّى إدارة مصرف يملكه كارتيس بعدما كان وزيراً للمالية في حكومته، وقبل أن يعلن ترشحه للرئاسة وينهزم في انتخابات الحزب التمهيدية أمام الرئيس الحالي ماريو عبده. ولاحقاً، في أول تصريح له بعد إعلان النتائج الرسمية للانتخابات قال بينيا إن الحزب الأحمر «صمد كل هذه السنين لأنه كان يعرف دائماً كيف يتماهى مع مختلف المراحل في تاريخ الباراغواي، وإنه اليوم قادر على التكيّف مع التغيرات الجديدة ومقتضيات العصر الحديث».

رئيس الباراغواي الأسبق كارتيس

 

أسباب مساعدة للانتصار

عديدة هي الأسباب التي ساعدت «الكولورادو» على الاستمرار طوال هذه السنوات مسيطراً على المشهد السياسي في الباراغواي، باستثناء الفترة القصيرة التي فاز فيها الأسقف اليساري السابق فرناندو لوغو عام 2008. ولعل أبرز هذه الأسباب، أن الانتخابات الرئاسية تُحسم في جولة واحدة، وهو ما يعني أن مرشحاً يمكن أن يُنتخَب رئيساً للجمهورية حتى لو صوّت ضده 57 في المائة من المواطنين كما حصل الآن مع سانتياغو بينيا، وقبله مع سلفه ماريو عبده والرئيس الأسبق أوراسيو كارتيس.

السبب الثاني هو أن الحزب، الذي يسيطر منذ سبعة عقود على أجهزة الدولة، بنى خلال هذه الفترة الطويلة شبكات واسعة تدعم مصالحه وتؤمّن له الدعم الشعبي مقابل الخدمات التي يقدمها لأنصاره. والسبب الثالث، أن «الكولورادو» قرّر حسم صراعاته الداخلية قبل الانتخابات، فتوافق الطرفان المتنازعان بقيادة الرئيس الأسبق كارتيس والرئيس الحالي ماريو عبده على دعم ترشيح بينيا كمخرج من الأزمة بينهما. ورابعاً وأخيراً، أن العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة على كارتيس ساهمت في «شدّ العصب الحزبي» حوله خلال الأشهر الأخيرة... بعد الحملة التي شنّها أنصاره ضد ما اعتبروه «تدخلاً من واشنطن» في الشؤون الداخلية للباراغواي.

ولكن على الرغم من الفوز الواضح الذي حققه الحزب، ليس من الأكيد أن الرئيس المنتخب بينيا لن يواجه معارضة من التيار التقليدي داخله، وهو تيار كان يعارض ترشحه، خاصة أن الانقسامات الداخلية هي من السمات التي ميّزت هذا الحزب منذ سنوات، وهي تظهر عادة بكل حدتها عند تشكيل الحكومة. ومن هنا سيكون بينيا مضطراً إلى إيجاد «توازن» بين الابتعاد عن كارتيس مسافة كافية كي لا يظهر بأنه على صلة بالمنظمات الإجرامية من جهة، ومن جهة أخرى الحرص على تحييد التيار الموالي للرئيس الأسبق الذي حصد نتائج مهمة في الانتخابات. وتجدر الإشارة إلى أنه لم يسبق لـ«الكولورادو» الحصول على الأكثرية في مجلسي الشيوخ والنواب معاً. وتحقق هذا الأمر الآن قد يفتح شهيّة التيارات الداخلية المتنازعة على المزيد من الصراعات، ويحتّم على الرئيس الجديد ترتيب الأوضاع داخل الحزب قبل أن يتفرّغ لتنفيذ برنامجه الانتخابي، علماً بأن احتمالات الانشقاق تزداد منذ احتدم الصراع بين كارتيس وعبده.

انشقاقات وهواجس

من التداعيات المحتملة للانشقاق الداخلي انضمام بعض الأحزاب التي أيّدت منافس بينيا، المرشح الليبرالي إيفرايين آليغري، الذي لا يختلف برنامجه الانتخابي كثيراً عن برنامج الرئيس المنتخب، لتشكيل جبهة يمينية معتدلة. ولا يستبعد بعض المراقبين أن يكون بينيا ميّالاً إلى هذا الاحتمال، لا بل قد يكون يخطط له؛ إذ يرى فيه مدخلاً إلى تجديد حزبه الذي لمح إليه مراراً في حملته الانتخابية، وربما مخرج من العلاقة المحرجة مع كارتيس بسبب العقوبات الأميركية المفروضة عليه.

ولكن التحالف المحتمل مع آليغري والقوى الليبرالية والديمقراطية المسيحية التي دعمته، طريق محفوفة بالمحاذير والمخاطر. إذ إن معظم الأحزاب التي دعمته في الانتخابات الرئاسية لم تفعل ذلك اقتناعاً منها ببرنامجه، بل سعياً إلى تشكيل أوسع جبهة ممكنة لإسقاط مرشح الحزب الأحمر وإنهاء هيمنته المزمنة على مقدرات البلاد. وما يستحق الإشارة في هذا السياق، أن آليغري كان قد فشل مرتين في السابق للوصول إلى الرئاسة، الأولى عام 2013 ضد كارتيس والأخرى ضد ماريو عبده عام 2018. يضاف إلى ذلك أن معظم الأحزاب التي أيّدته في الانتخابات الأخيرة كانت قد اشترطت أن يكون العنوان الرئيس لحملته «محاربة المنظمات الإجرامية» التي تمارس نفوذاً واسعاً على الحياة الاقتصادية والسياسية في بلد يحتل المرتبة الثانية في أميركا اللاتينية على قائمة الفساد، التي تتصدرها فنزويلا. وبالفعل، كان آليغري قد صرّح في ختام حملته الانتخابية بأن هذه الانتخابات ليست ضد «الكولورادو»، بل ضد المال الذي تشتري به المنظمات الإجرامية ضمائر السياسيين وتفرض عليهم شروطها عندما يصلون إلى السلطة.

في القريب المنظور تبقى العلاقة مع الولايات المتحدة هي الهاجس الأكبر لدى سانتياغو بينيا، خاصة إذا قررت واشنطن طلب استرداد الرئيس الأسبق كارتيس الذي صدرت بحقه عقوبات، ومذكرة بملاحقته قضائياً بتهمة التعاون مع منظمات إجرامية وتبييض الأموال. وهنا سيجد الرئيس الجديد المنتخب نفسه أمام معضلة كبيرة وهامش ضيّق للمناورة يكاد يقتصر على ورقة العلاقات مع تايوان، التي كانت تحظى دائماً بترحيب الإدارات الأميركية، والتي كانت أحد العناوين الرئيسية التي دارت حولها الحملة الانتخابية الأخيرة بعدما دعا مرشح المعارضة إلى إعادة النظر فيها والاتجاه صوب الصين التي تتسع دائرة نفوذها الاقتصادي في الباراغواي كما في بقية بلدان أميركا اللاتينية.

تشيانغ كاي شيك

في الواقع، الباراغواي هي الدولة الوحيدة في أميركا الجنوبية التي لا تزال تحتفظ بعلاقات دبلوماسية مع تايوان. ولقد قال الرئيس المنتخب إنه «لا بد من المحافظة عليها طالما أن البنى الاقتصادية في البلاد ما زالت غير جاهزة لتعميق العلاقات التجارية مع الصين»؛ وذلك رغم الضغوط القوية التي يمارسها قطاع الصناعات الغذائية - الذي يشكّل العماد الأساسي لاقتصاد البلاد - للانفتاح على السوق الصينية الضخمة.

بل ربما كانت الباراغواي الدولة الوحيدة التي يقع المتجول في شوارع عاصمتها على نُصب وتمثال ضخم للزعيم الصيني تشيانغ كاي شيك.

وتشيانغ هو الزعيم اليميني وقف في الصين بوجه الثورة الشيوعية التي قادها ماو تسي تونغ، قبل أن ينتقل إلى جزيرة فورموزا، حيث أسس الدولة التي تعرف اليوم باسم تايوان، والتي تعدّها بكين جزءاً لا يتجزأ من الوطن الصيني. إذ يرتفع تمثال تشيانغ كاي شيك باللباس العسكري في الجادة الطويلة والفسيحة التي تحمل اسمه في أرقى أحياء العاصمة أسونسيون. ثم إن هناك مدرسة كبيرة تحمل اسم مؤسس جمهورية تايوان وجامعة خاصة باسم «تايوان - باراغواي»، وحديقة نباتية فريدة من نوعها في المنطقة، فضلاً عن الاستثمارات المقدّرة بمئات الملايين من الدولارات، ومساعدات مالية يسيل لها لعاب زعماء «الكولورادو»، وفي طليعتهم الرئيس الأسبق كارتيس، بجانب مشاريع ضخمة لترميم وسط العاصمة التاريخي، من بينها مبنى البرلمان ومقرّ وزارة الخارجية.

تمثال تشيانغ كاي شيك في أسونسيون

غير أن وجود سفارة للباراغواي في تايوان، التي لا يزيد عدد يكانها على 24 مليوناً، يعني أن لا وجود لسفارة لها في الصين التي تجاوز تعداد سكانها 1400 مليون نسمة. وعدم وجود علاقات دبلوماسية مباشرة بين البلدين يعني انعدام أي علاقات تجارية مباشرة بينهما؛ ما يجعل الباراغواي مضطرة إلى اللجوء لوسطاء مثل تشيلي والأرجنتين والبرازيل لاستيراد البضائع والمنتجات الصينية، كما أن صادرات الباراغواي الرئيسية من الصويا واللحوم لا يمكن أن تصل إلى السوق الصينية من دون أن تمرّ عبر بلدان ثالثة.

حسابات الاقتصاد

خلال ولاية الرئيس الحالي ماريو عبده أصبحت تايوان المستورد الثاني للحوم من الباراغواي بعد تشيلي. والباراغواي هي الآن في عداد الدول العشر الأولى المصدِّرة للحوم في العالم، والرابعة المصدّرة للصويا، وهي تملك أيضاً طاقات هائلة لمضاعفة إنتاجها وزيادة صادراتها إلى الأسواق الدولية. والمفارقة اليوم هي أن الباراغواي لا تصدّر سوى كمية ضئيلة من الصويا إلى الصين، عن طريق الأرجنتين بقيمة لا تزيد على 30 مليون دولار سنوياً، بينما معـظم وارداتها تأتي من السوق الصينية بقيمة تجاوز 4 مليارات دولار. ويقول رجل الأعمال الصيني تشارلز تانغ، الذي يرأس غرفة التجارة التي تضمّ أكثر من مائة شركة في الباراغواي تصدّر المنتوجات الزراعية، إن بكين لن تسمح أبداً بفتح مكتب تجاري للباراغواي في الصين قبل إقامة علاقات دبلوماسية بين الطرفين، وبالتالي قطع العلاقات مع تايوان.

إلى جانب ذلك، تعتبر تايوان أن لعلاقاتها الدبلوماسية مع الباراغواي أهمية رمزية كبيرة، خاصة في سياق التوتر المتزايد بين واشنطن وبكين والأزمة الناشئة عن الحرب الدائرة في أوكرانيا، فضلاً عن أن الباراغواي هي حليفها الوحيد في أميركا الجنوبية، وواحد من حلفائها الثلاثة عشر في العالم. وعليه، فإن خسارتها سيكون لها إثر معنوي كبير، خاصة بعدما قررت هوندوراس قبل فترة قصيرة قطع علاقاتها معها وإقامة علاقات مع بكين. ويطرح تانغ، في معرض النقاش الدائر حول التخلي عن تايوان وإقامة علاقات مع بكين العرض التالي: شبكة للقطارات الكهربائية تغطّي جميع أنحاء الباراغواي، وتجهيز 30 مستشفى، وبناء 30 ألف وحدة سكنية جديدة، وبجانب إنشاء قطار سريع يربط العاصمة بمدينة الشرق في أقل من ساعة، ومطار جديد، ومترو أنفاق في العاصمة واستثمارات بقيمة 4 مليارات دولار في العام الأول من العلاقات بين البلدين.

حقائق

الباراغواي... «دولة بوليسية» حقيقية في عهد ستروسنر

يعود تأسيس العلاقات الدبلوماسية بين الباراغواي وتايوان إلى العام 1957، أي بعد ثلاث سنوات على بداية حكم أطول نظام ديكتاتوري في أميركا اللاتينية قاده ألفريدو ستروسنر، مؤسس «الكولورادو» (الحزب الأحمر أو الملّون)، الذي تبنّى كلياً عقيدة واشنطن المناهضة للأنظمة الشيوعية إبّان الحرب الباردة، على غرار ما فعلت بلدان عدة في أميركا اللاتينية. إلا أنه مع بداية الصعود الاقتصادي لجمهورية الصين الشعبية راحت هذه البلدان اللاتينية تقطع علاقاتها الدبلوماسية مع تايوان وتقيمها مع بكين. ووصلت العدوى إلى الولايات المتحدة نفسها التي أسست علاقاتها الدبلوماسية الرسمية مع الصين في العام 1979، في حين أصرّ نظام ستروسنر على إبقاء علاقاته مع تايوان، لا بل سعى إلى تطويرها وترسيخها على شتى الصعد.

إلى جانب ذلك، أخذت الباراغواي تتحوّل على عهد ستروسنر «دولة بوليسية» لجأ إليها مئات المسؤولين العسكريين والمدنيين الفارين من وجه العدالة في عدد من البلدان الأميركية اللاتينية بسبب ارتكابهم فظائع ضد مواطنيهم. وهو ما أدى لاحقاً إلى إنشاء «أرشيف الإرهاب» في العاصمة الباراغوية أسونسيون، الذي يحوي مجموعة من الوثائق والمستندات والمعلومات حول القمع الذي كانت تمارسه الديكتاتوريات العسكرية في أميركا اللاتينية ابّان سبعينيات القرن الفائت. وتضمّ هذه الوثائق كل المراسلات الخطية التي كانت تتبادلها السلطات الأمنية والعسكرية والاستخباراتية المدنية في الباراغواي على عهد ستروسنر حول ملاحقة المعارضين، من شيوعيين وليبراليين وفنانين ونقابيين، وتعذيبهم أو إعدامهم.

كذلك يضم الأرشيف العديد من المراسلات والوثائق العائدة للبرازيل وتشيلي والأرجنتين والأوروغواي إبان عهد الديكتاتوريات العسكرية التي حكمت تلك البلدان في سبعينات وثمانينات القرن الماضي. وأيضاً تضمّ هذه المستندات معلومات مفصّلة عن التعاون الذي كان قائماً بين تلك الأنظمة بإشراف وتوجيه الولايات المتحدة وأجهزتها الاستخباراتية التي كانت تمدّ الأجهزة الأمنية والعسكرية في أميركا الجنوبية بالمساعدات والموارد التقنية والمالية لقمع المعارضين السياسيين.


مقالات ذات صلة

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

حصاد الأسبوع باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسمياً، والتي

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك،

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي

حصاد الأسبوع كيريكو (آ ف ب)

بنين... الديمقراطية «المستقرة نسبياً» في أفريقيا

تُعدّ بنين، التي كانت تُعرف سابقاً باسم داهومي، والتي يقارب عدد سكانها 14 مليون نسمة، واحدة من أكثر الدول استقراراً نسبياً في أفريقيا. وسياسياً، عاصمة بنين

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
حصاد الأسبوع صورة جامعة للقادة المشاركين في «القمة» (رويترز)

«القوى التقدمية» في الغرب تسعى لاستعادة الثقة بالنفس

عندما بزغ فجر القرن الحادي والعشرين، كانت كوكبة من القيادات «التقدمية» - الاشتراكية أو من اليسار المعتدل - تتربع على قمم السلطات التنفيذية في أوروبا، من بينها:

شوقي الريّس ( مدريد)

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
TT

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)

لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسمياً، والتي لطالما أثارت شكوكاً أميركية بسبب تاريخها النووي وعلاقاتها المعقدة مع الجماعات المسلحة، كانت حتى الأمس القريب تبدو أقرب إلى هامش النظام الإقليمي الجديد منها إلى مركزه. إلا أن الحرب على إيران، وطبيعة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشخصية والصفقية، والحاجة الأميركية إلى وسيط يجمع بين القدرة على مخاطبة طهران وعدم القطيعة مع واشنطن، كلها عوامل أعادت إسلام آباد إلى الواجهة دفعة واحدة.

عودة باكستان إلى الساحة الإقليمية الشرق أوسطية لا يجوز فهمها فقط من زاوية الوساطة الحالية، بل يجب قراءتها بوصفها نتيجة مسار أطول يتضمن:

1- إعادة تأهيل تدريجية للعلاقة الأميركية - الباكستانية بعد سنوات من التراجع لمصلحة الصين.

2- استثمار باكستان لعناصر قوتها الخاصة، من موقعها الجغرافي إلى وزنها العسكري والنووي، مروراً بعلاقاتها مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج.

3- الأهم أن هذه العودة تطرح سؤالاً أكبر هو: هل تتحوّل باكستان من مجرد «وسيط ظرفي» إلى أحد اللاعبين الذين يسهمون في إعادة صياغة توازن القوة الإقليمي، في لحظة تتعرض فيها إيران إلى ضغط غير مسبوق، وتعيد فيها القوى الكبرى والإقليمية ترتيب مواقعها؟

مخاطبة ترمب بلغته

في ولايته الأولى، لم يُخفِ ترمب ضيقه من باكستان. اتهمها يومها بأنها لم تُقدم لواشنطن سوى «الأكاذيب والخداع»، في تعبير لخّص مرحلة من الفتور العميق بين البلدين. وحقاً، كانت واشنطن ترى أن باكستان تستفيد من المساعدات الأمنية والمالية الأميركية، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بهوامش واسعة في أفغانستان، وتُبقي علاقاتها بالصين أولوية استراتيجية. غير أن ما تبدل لاحقاً لم يكن فقط سلوك إسلام آباد، بل أيضاً إدراكها العميق لطبيعة ترمب نفسه.

وفق تقرير لصحيفة «واشنطن بوست»، أدركت النخبة الباكستانية مبكراً أن ترمب لا يتجاوب مع الخطاب التقليدي القائم على التحالفات الطويلة أو اللغة الدبلوماسية المجردة، بل مع ما يُمكن تسويقه إليه بوصفه إنجازاً مباشراً وملموساً. لذلك صاغت إسلام آباد عرضها بلغة «صفقة»، أي: التعاون في مكافحة الإرهاب، والانفتاح على «صفقات» المعادن الحيوية، والإشارة إلى «شراكات» في مجال العملات الرقمية عبر اتفاقات مرتبطة بجهات على صلة بعائلة ترمب.

هذا هو ما عبّر عنه المسؤول الباكستاني السابق مشاهد حسين سيد، حين قال إن بلاده قدّمت لترمب «الثلاثية»: العملة المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب.

هنا يكمن التحوّل الأساسي، إذ إن باكستان لم تُحاول إقناع واشنطن بأنها تغيّرت جذرياً، بل حاولت إقناع ترمب بأنها مفيدة له شخصياً وسياسياً. ولقد عزّزت هذا المسار بخطوات رمزية وسياسية مدروسة، منها الإشادة المتكررة بدوره في وقف النار مع الهند، وترشيحه لجائزة نوبل للسلام، والانضمام إلى مبادرات ذات طابع احتفائي مرتبطة بخطابه الدولي. وبحلول الخريف، كان ترمب قد انتقل إلى وصف قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير بأنه «المشير المفضّل» لديه.

هذه ليست مجرد مجاملة.

إنها تعني أن باكستان نجحت في تحويل العلاقة مع واشنطن من ملف مؤسساتي ثقيل وموروث من «الحرب على الإرهاب»، إلى قناة شخصية مباشرة مع رئيس أميركي يُعلي من قيمة الولاء والجدوى الفورية أكثر من أي اعتبارات أخرى.

باكستان «وسيط» رغم عدم اعترافها بإسرائيل

المفارقة الظاهرية أن الدولة التي لا تعترف بإسرائيل أصبحت اليوم منصة للتفاوض في حرب تكون إسرائيل أحد أطرافها الرئيسيين. بيد أن هذه المفارقة تتلاشى إذا نظرنا إلى الوساطة من منظور وظيفي لا آيديولوجي. فإسلام آباد لا تلعب دور الضامن لاتفاق شامل بين طهران وتل أبيب، بل دور الميسّر لقناة أميركية - إيرانية، على قاعدة أن مفتاح التأثير الحقيقي موجود في واشنطن. ومن هذه الزاوية، فإن إحجامها عن الاعتراف بإسرائيل قد لا يكون عائقاً، بل ربما هو عنصر طمأنة إضافي للإيرانيين.

وفق الـ«واشنطن بوست» تمتلك باكستان ثلاثة عناصر تمنحها أهلية خاصة لهذا الدور: أولها، مستوى من الثقة النسبية مع إيران، بحكم الجوار البري الطويل، والحاجة المتبادلة إلى ضبط الحدود ومنع تحول المناطق المشتركة إلى بؤر فوضى دائمة. وثانيها، قدرتها على مخاطبة واشنطن من داخل علاقة أُعيد ترميمها مع دونالد ترمب شخصياً. وثالثها، ثقلها النووي والعسكري، الذي يمنحها مكانة تختلف عن مكانة الوسطاء التقليديين الأقل وزنًا.

ويُشير ذلك بوضوح إلى أن هذا الثقل النووي يضيف إلى «هيبة» باكستان في نظر مختلف الأطراف.

لكن الأهم من ذلك أن سلطة إسلام آباد ليست وسيطاً محايداً بالكامل، بل وسيط مصلحي. ذلك أنها معنية بمنع انهيار إيراني شامل أو تفكّك داخلي على حدودها الغربية، كما أنها معنية في الوقت نفسه بمنع طهران من ترجمة أزمتها إلى ضغط أمني أو مذهبي داخل الساحة الباكستانية. وبالفعل، أظهرت التطورات الأخيرة مدى هشاشة الداخل الباكستاني أمام ارتدادات الحرب، مع وقوع اضطرابات وأعمال عنف بعد مقتل المرشد الإيراني، ومحاولة اقتحام القنصلية الأميركية في كراتشي.

من هنا، لا تبدو الوساطة الباكستانية «عملاً خيرياً» أو مجرد إنجاز دعائي. إنها أيضاً محاولة دفاع متقدّم عن الأمن الوطني الباكستاني، فالدولة النووية الكبرى المجاورة لإيران لا تستطيع تحمل «سيناريو» الفوضى الطويلة الأمد، ولا «سيناريو» سيطرة مطلقة لـ«الحرس الثوري» على بلد مأزوم ومتفكّك، ولا كذلك «سيناريو» تدخّلات إقليمية متشابكة قد تفتح الخرائط على احتمالات يصعب ضبطها.

باكستان نجحت

في تحويل العلاقة

مع واشنطن من ملف ثقيل عن «الحرب

على الإرهاب» إلى قناة شخصية مباشرة

مع رئيس أميركي

السعودية بوابة العودة

من جهة ثانية، لم تعد العلاقة الباكستانية - الأميركية تُفهم بعيداً عن الدور السعودي. فخلال سنوات التراجع الأميركي النسبي في التعاطي مع باكستان، ومع تنامي الحضور الصيني الاقتصادي والاستراتيجي في البلاد، بقيت المملكة العربية السعودية ومعها دول خليجية صماماً مالياً وسياسياً أساسياً لإسلام آباد. ولقد اضطرت باكستان أخيراً للاعتماد على حزم إنقاذ وقروض من السعودية والإمارات، في ظل أزماتها النقدية وغلاء المعيشة، بعدما كانت تلجأ أيضاً إلى صندوق النقد الدولي.

ثم إن هذا البُعد المالي لا ينفصل عن البُعد الاستراتيجي، فالرياض كانت تاريخياً الجسر الذي يسمح لباكستان بالحفاظ على صلة وثيقة بالمنظومة الأمنية العربية الحليفة لواشنطن، حتى حين كانت العلاقات الباكستانية - الأميركية تمر بمراحل فتور. واليوم، مع توقيع «معاهدة الدفاع الاستراتيجية» بين الرياض وإسلام آباد، ومع ترجمة ذلك -ولو رمزياً- عبر إرسال طائرات حربية وقوات باكستانية إلى السعودية في رسالة ردع إلى طهران، باتت باكستان أقرب إلى موقع «الشريك الأمني المرِن» الذي يمكن توظيفه في التوازن الخليجي - الإيراني من دون وضعه في الواجهة الأولى للمواجهة.

هذا الدور المزدوج للسعودية مهم «ذهاباً وإياباً»، فهي من جهة تمنح باكستان دعماً مالياً وسياسياً يُخفف هشاشتها الداخلية، ومن جهة أخرى تفتح لها باب العودة إلى واشنطن عبر إبرازها بوصفها عنصر استقرار داخل المنظومة الإقليمية التي تريد الولايات المتحدة إعادة ضبطها. بهذا المعنى، فإن التقارب الباكستاني - الأميركي ليس بديلاً عن الصين بقدر ما هو عملية تنويع اضطرارية للمحاور، تقودها حاجة باكستان إلى تجنّب الارتهان الكامل لبكين، وحاجة واشنطن إلى شريك يملك مفاتيح في أفغانستان وإيران والخليج معاً.

والواقع أن هذه البراغماتية هي ما يُفسّر قدرة باكستان على الجمع بين خطوط تبدو متناقضة:

- شراكة وثيقة مع الصين.

- علاقة أمنية متقدمة مع السعودية.

- قناة مفتوحة مع واشنطن.

- لا جسور مقطوعة مع إيران.

إنها -أي باكستان- تُحاول أن تكون «دولة تقاطع» لا «دولة محور»، مستفيدة من موقعها الجغرافي، ومن لحظة سيولة إقليمية غير مسبوقة.

الرئيس الباكستاني شهباز شريف مع نائب الرئيس الأميركي فانس (آ ب)

توازن القوة الإقليمي

بالتوازي مع ما سبق، في حين لا تبدو باكستان مرشحة لأن تحل محل القوى الإقليمية التقليدية، فإنها باتت مرشحة جدّية لأن تصبح رقماً أصعب في معادلة التوازن. إذ إن السعودية تبقى «لاعب الثقل المالي والنفطي» العربي، وتركيا تملك أدوات نفوذ عسكرية وسياسية أكثر تمدداً في المشرق وشرق المتوسط، ومصر تحتفظ بثقل الدولة المركزية العربية، وإن كان دورها الإقليمي أكثر حذراً، في حين تبقى إسرائيل القوة العسكرية الأكثر تفوقاً تكنولوجياً والأكثر التصاقاً بالقرار الأميركي في هذه الحرب.

مع هذا، باكستان تضيف الآن شيئاً عناصر لا تتوفر مجتمِعةً لدى اللاعبين المذكورين، أبرزها: أنها دولة إسلامية نووية، وذات جيش كبير، وحدود مباشرة مع إيران، وذات قابلية للتحاور مع واشنطن وطهران والخليج في آنٍ معاً. وبهذا، المعنى، قد يتحوَّل دور إسلام آباد إلى أحد ثلاثة أشكال.

الأول: وسيط أمني - سياسي يسهّل التهدئة؛ حيث تعجز القنوات المباشرة، خصوصاً في الملفات التي تمس إيران والخليج.

الثاني: شريك ردع رمزي إلى جانب السعودية، يرسل إشارات أكثر مما يخوض مواجهات مباشرة.

والثالث: عنصر توازن يمنع أن تتحوّل أي تسوية إقليمية جديدة إلى ترتيب يستثني القوى الإسلامية غير العربية الكبرى.

إلا أن هذا الطموح يصطدم بقيود واضحة. وتقول الـ«واشنطن بوست» إن معظم الباكستانيين لن يلمسوا من هذه الوساطات شيئاً ما لم تنجح الدولة في معالجة أزماتها الاقتصادية البنيوية. كما ينبه مسؤولون وخبراء سابقون إلى أن بعض الصفقات المعلنة مع واشنطن قد يكون أقرب إلى الضجيج السياسي منه إلى التحوّل الاقتصادي الحقيقي. وفضلاً عن ذلك، فإن خصوم القيادة الباكستانية الحالية يرون في انخراطها الخارجي محاولة لصرف الأنظار عن الصراعات الداخلية، وتعزيز شرعية المؤسسة العسكرية.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إسلام آباد نجحت في كسب ود ترمب؛ هي فعلت ذلك بالفعل إلى حد بعيد، بل السؤال هو ما إذا كانت قادرة على تحويل هذا الود إلى نفوذ مستدام، لا إلى لقطة دبلوماسية عابرة.

نجاحها في ذلك سيتوقف على ثلاثة شروط: أولاً، أن تُحافظ على خط توازن دقيق مع إيران يمنع التدهور الحدودي والفوضى. وثانياً، أن تترجم تقاربها مع واشنطن إلى مكاسب اقتصادية ومؤسساتية فعلية لا صفقات دعائية. وثالثاً، أن تدير شراكتها مع الرياض بطريقة تُعزز موقعها الإقليمي من دون أن تزجّ بها في مواجهة مباشرة مفتوحة مع طهران.

وهكذا، في المحصلة، عادت باكستان إلى أميركا؛ لأنها فهمت كيف تُخاطب ترمب، ولأن الحرب على إيران رفعت قيمة موقعها الجغرافي والسياسي في لحظة حرجة. لكنها عادت أيضاً لأن الإقليم نفسه بات يبحث عن قوى وسيطة تملك القدرة على وصل الخطوط المتباعدة.وإذا كانت السنوات الماضية قد كرّست صورة باكستان بوصفها دولة تتأرجح بين الأزمات، فإن الأشهر الأخيرة توحي بأنها تحاول إعادة تقديم نفسها بوصفها دولة مفصلية في إعادة تركيب توازنات المنطقة. غير أن هذه العودة، مهما بدت لافتة، ستظل ناقصة ما لم تنجح إسلام آباد في تحويل الدور الخارجي إلى استقرار داخلي، وفي إثبات أن الوساطة ليست فقط طريقاً إلى رضا ترمب، بل أيضاً إلى مكانة إقليمية يصعب تجاوزها.


أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
TT

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك، الجنرال عاصم منير، قائد الجيش، بوصفه الرجل الأقوى في باكستان وصاحب التأثير الأكبر في ملفات الأمن والسياسة الخارجية.

وأهمية منير لا تعود فقط إلى موقعه الداخلي، بل إلى نجاحه في بناء قناة مباشرة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى حد أن الأخير عدّه «المشير المفضل» لديه بحلول أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في إشارة رمزية إلى حجم التحول في العلاقة.

إلى جانب منير، لعب رئيس الوزراء شهباز شريف دور الواجهة السياسية لهذا التقارب. فالحكومة الباكستانية كثفت الإشادة العلنية بترمب، وشكرته مراراً على تدخله لوقف إطلاق النار مع الهند، كما رشحته إسلام آباد لجائزة نوبل للسلام، في خطوات هدفت إلى مخاطبة ترمب بلغته السياسية القائمة على التقدير الشخصي والرمزية الإعلامية.

مشاهد حسين سيد(فايسبوك)

كذلك برز مشاهد حسين سيد، الرئيس السابق للجنة الدفاع في مجلس الشيوخ الباكستاني، بوصفه من أبرز من شرحوا فلسفة هذا التحول. إذ قال إن باكستان «قرأت ترمب جيداً»، وقدمت له ما سماها «الثلاثية»: العملات المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب. وتكشف هذه العبارة عن أن إسلام آباد تعمّدت إعادة «تسويق» نفسها في واشنطن من زاوية «المنفعة المباشرة»، لا من زاوية التحالفات التقليدية فقط.

وبالطبع، لا يقل أهمية عن هؤلاء فريق الدولة الاقتصادي والدبلوماسي، الذي أسهم في ترجمة الانفتاح إلى صفقات وممرّات تواصل، من اتفاق المعادن الحيوية إلى الترتيبات المالية والسياسية التي حسّنت صورة باكستان داخل إدارة ترمب. وعليه، يمكن القول إن عاصم منير كان «مهندس» القناة الاستراتيجية، وشهباز شريف واجهتها السياسية، فيما وفّر مشاهد حسين سيد الإطار التفسيري لهذا التحوّل.


روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
TT

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي رئاسة جمهورية بنين، الواقعة في غرب أفريقيا. واداني يخلف الرئيس المنتهية ولايته باتريك تالون، الذي لا يحق له الترشح مجدداً بعدما أمضى ولايتين رئاسيتين مدة كل منهما 5 سنوات. وللعلم، حصل الرئيس الجديد، الذي يلقب بين أقرانه اختصاراً لاسمه بـ«رو»، على أكثر من 94 في المائة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية التي أجريت يوم 12 أبريل (نيسان) الحالي، متفوقاً على منافسه المعارض بول هونكبي، في انتخابات بلغت نسبة المشاركة فيها 58.78 في المائة.

روموالد واداني، الذي كان يوصف بأنه «الخليفة المختار» للرئيس باتريك تالون، أعلن في أول تصريحاته عقب فوزه برئاسة بنين اعتزامه البناء على ما وصفه بـ«الأسس الصلبة» التي أرساها سلفه، وأنه سيكرس مساراً سياسياً يقوم على الاستمرارية أكثر من التغيير، مع تأكيد حرصه على «التماسك الوطني»، الذي مثّله حجم فوزه في الانتخابات.

الفوز كان متوقعاً

الفوز في حد ذاته لم يكن مفاجئاً، لا سيما أن واداني (49 سنة)، يمثل نموذج «التكنوقراطي الصاعد» في أفريقيا؛ إذ جاء إلى الحكم من بوابة الإدارة المالية لا السياسة التقليدية. وطوال عقد كامل شغل خلاله منصب وزير الاقتصاد والمالية، منذ عام 2016، ارتبط اسم واداني بتغييرات هيكلية أعادت ضبط المالية العامة، وخفّضت عجز الموازنة إلى نحو 3 في المائة من الناتج المحلي، في حين حقق الاقتصاد معدلات نمو تجاوزت 6 في المائة سنوياً في المتوسط. وهذه النتائج هي ما بنى عليه الرجل برنامجه الانتخابي للوصول إلى سدة الحكم، بعدما اكتسب ثقة المستثمرين مرسّخاً اسمه كمهندس «الاستقرار المالي» في واحد من أسرع اقتصادات غرب أفريقيا نمواً.

يوصف روموالد وادني بأنه «هادئ الطباع»، لا سيما مع قلة ظهوره الإعلامي، بيد أنه وفق محللين سياسيين كان «العقل المدبر» خلف التغييرات الاقتصادية في بنين طوال العقد الماضي؛ ما جعله يتصدّر المشهد كخليفة لتالون. وبالفعل، تحوّل «البيروقراطي» الذي لطالما عمل خلف الكواليس شخصاً جماهيرياً يجوب البلاد ويخطب في تجمّعات جماهيرية، متخلياً عن ربطة العنق والخطاب المكتوب، في محاولة للتقرّب من الشارع وكسر صورة «التكنوقراطي الاقتصادي الصارم».

نقلت وكالة «أ.ف.ب» الفرنسية، من جهتها، عن أحد حلفائه قوله إن الحملة «أظهرت وجه واداني الحقيقي كشخص قريب من الناس»، في تحوّل لافت لرجل ظل لسنوات يعمل بعيداً عن الأضواء. أما عن السباق الرئاسي نفسه، فقد خاضه واداني مدعوماً من أحزاب الائتلاف الحاكم. وأقرّ منافسه الوحيد، بول هونكبي، بالهزيمة قبل إعلان النتائج رسمياً، وهو ما اعتبره واداني بعد الفوز «مؤشراً على النضج الديمقراطي».

نشأة اقتصادية

وُلد روموالد واداني يوم 20 يونيو (حزيران) 1976 في مدينة لوكوسا بجنوب غربي بنين، قرب الحدود مع توغو، لأسرة متعلّمة ذات خلفية اقتصادية. ونشأ بين صرامة والده مهندس الإحصاء وأستاذ الرياضيات وروح المبادرة عند والدته رائدة الأعمال، وانعكس هذا الواقع فيما بعد على مسيرته التعليمية والمهنية.

إذ اتجه الشاب الطموح لدراسة الإدارة والمحاسبة والتمويل في «المدرسة العليا لإدارة الأعمال» بمدينة غرونوبل الفرنسية قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة للدراسة في معهد إدارة الأعمال بجامعة هارفارد الأميركية العريقة. ولكن، مع أن تكوين واداني العملي والعملي الأساسي كان خارج البلاد، فإنه دائماً ما أبدى حرصه على تأكيد ارتباطه بجذوره، عبر إشارات متكرّرة إلى امتلاكه مزرعة في بنين.

مهنياً، يتمتع واداني بصفة محاسب قانوني معتمد في كل من فرنسا والولايات المتحدة، كما أنه حصل على درجة الماجستير في التمويل، وتلقى تدريباً متخصصاً في مجالات الاستثمار المباشر ومخاطر رأس المال. وقبل دخوله العمل الحكومي، راكم «رو» خبرة دولية عملية داخل شركة «ديلويت» المحاسبية العالمية الشهيرة، حيث بدأ مسيرته المهنية في فرنسا عام 1998، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة عام 2003. وخلال هذه الفترة، طوّر واداني خبرات في مجالات عدة، وقدّم خدمات استشارية لقطاعات متنوعة من بينها: التعدين، والتكنولوجيا والإعلام والاتصالات، والقطاع المالي، والقطاع العام، والتجزئة، فضلاً عن تعاونه مع حكومات وجهات مانحة دولية.

ثم في عام 2012، عندما كان لا يزال في سن الـ36، رُقّي واداني إلى منصب شريك ومدير إداري في «ديلويت»، وبعد ذلك بثلاث سنوات، كُلّف إنشاء مكتب جديد للشركة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، كما تولى مسؤولية إدارة التدقيق والممارسة المهنية لأنشطة «ديلويت» في دول أفريقيا الناطقة بالفرنسية.

وزيراً للاقتصاد والمالية

تجربة واداني المهنية الدولية دفعت لتعيينه في منصب وزير دولة للاقتصاد والمالية يوم 7 أبريل (نيسان) 2016 ضمن أول حكومة للرئيس باتريك تالون، وفيها كُلّف تنفيذ برنامج تغييري طموح، قبل أن يُعاد تعيينه في مايو (أيار) 2021، ويواصل لعب دور محوَري في رسم السياسات الاقتصادية لبنين.

بعد ذلك، تولى واداني حقيبة الاقتصاد عندما كانت بنين تشكو فيه ارتفاع عجز الموازنة، وسوء إدارة الدين العام، وتراجع ثقة المستثمرين. وبالفعل، قاد سياسة تغييرية تقوم على محورَين رئيسين: الأول يتمثل في إدارة مالية عامة تتّسم بالشفافية لتحقيق «انضباط» الميزانية وتعبئة التمويل الدولي وتعزيز ثقة المانحين الدوليين من القطاعين العام والخاص. والآخر يركّز على تحسين مناخ الأعمال وتعزيز قدرة القطاع الخاص على مواجهة الصدمات الخارجية.

بفضل هذه السياسة، سجلت بنين نمواً بنسبة 8 في المائة عام 2025، وهو مستوى غير مسبوق لمدة ثلاثة عقود، وفق ما ذكره موقع الحملة الانتخابية لواداني. وحسب الموقع أيضاً، سُجّل رفع نصيب الفرد من الدخل بنسبة 50 في المائة خلال أقل من عشر سنوات، وتحديث أكثر من 14 ألف كيلومتر من الطرق، وبناء مستشفيات ومدارس جديدة، بالإضافة إلى برنامج المقصف المدرسي الذي يسمح لنحو 1.3 مليون طفل بالاستفادة من وجبة ساخنة يومياً.

أيضاً، تمكّن واداني من إجراء تغييرات على المالية العامة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 في المائة من الناتج المحلي، كما أطلق خلال ولايته مشاريع بنية تحتية كبرى حققت نمواً اقتصادياً واستقراراً، عزّزا ثقة المستثمرين الدوليين، ورسّخا صورة بنين كنموذج إصلاحي صاعد في المنطقة.

وعلى الصعيد الإقليمي، لعب واداني دوراً بارزاً في غرب أفريقيا، حيث ترأس المجلس القانوني لوزراء مالية «الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا»، وقاد مفاوضات مع فرنسا تُوجت بتوقيع اتفاق في ديسمبر (كانون الأول) 2019 لإنهاء العمل بعملة الفرنك الأفريقي (CFA) في المنطقة، في خطوة اعتُبرت تحولاً مهماً في مسار السيادة النقدية لدول الإقليم.

القائد الشاب... والمرشح الرئاسي

خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 أعلن روموالد واداني اعتزامه الترشح للرئاسة رغبةً منه في إكمال مسار التغيير، وتحقيق مزيد من التقدّم. وتعهد أيضاً بتوفير فرص عمل والقضاء على الفقر لتصل ثمار التغيير إلى كل بيت في بنين رافعاً شعار «نبني معاً بنين أحلامنا».

واليوم، وفق صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية، يعكس فوز واداني بالرئاسة «توجّهاً نحو تجديد الطبقة السياسية الحاكمة وتطوّراً للعقلية السياسية» في بنين «باختيار جيل من الحكّام أقرب للواقع». وهو بذا، ينضم إلى مجموعة محدودة من الرؤساء الشباب في قارة أفريقيا.

ثم إنه ممّا يزيد أهمية الحدث كون واداني وصل إلى قمة السلطة عبر انتخابات، اعتبر مراقبون دوليون أنها «أجريت بشكل سلمي ومنظم»، وأن ما سُجّل من ملاحظات محدودة لا يمسّ صدقية النتائج، وإن غابت عنها التعدّدية الفعلية.

التحديات الأمنية

من جهة ثانية، لانتخابات الرئاسة في بنين أهمية إضافية؛ كونها نُظّمت وسط تحديات أمنية كادت تهدّد إجراءها من الأساس. ففي ديسمبر الماضي، سيطر عدد من أفراد الجيش على محطة التلفزيون الرئيسة، وهاجموا قصر الرئاسة في محاولة انقلاب فاشلة احتجاجاً على تدهور الوضع الأمني في شمال البلاد وتصاعد تهديد الإرهاب. وبالتالي، جاءت الانتخابات بعد تعرّض بنين لإحدى أكثر سنواتها عنفاً على الإطلاق في 2025، وسلّطت المحاولة الانقلابية الضوء على هشاشة الأوضاع السياسية في دولة تعدّ واحدة من الديمقراطيات الأفريقية المستقرة نسبياً. وفي أي حال، نجحت الانتخابات الرئاسية الأخيرة في تحقيق خامس انتقال سلمي للسلطة منذ استقلال بنين عام 1960. كما أنه بالنسبة لمؤيدي واداني يمثل صعوده «بروز جيل جديد من القادة، أقل اهتماماً بالشعارات وأكثر تركيزاً على النتائج» حسب الـ«نيويورك تايمز»، لكن معارضيه يرون فيه «استمراراً لنظام سياسي يضيق فيه هامش التعدّدية».

إرث مثقل بالتحديات

في الواقع، يمكن القول إن روموالد واداني يتولّى محمّلاً بإرث مثقل بالتحدّيات السياسية والأمنية والاتهامات بتقييد المعارضة، ومسار اقتصادي تغييري حقّق قدراً من النمو والازدهار؛ ما يضعه أمام معادلة صعبة لاستكمال مسار التغيير الاقتصادي ومواجهة التحدّيات الأمنية مع الحفاظ على استقرار البلاد سياسياً.

ويُعدّ الفقر أحد أخطر التحديات التي تواجه واداني، لا سيما مع تجاوز نسبته أكثر من 30 في المائة من السكان. ويضاف إلى ذلك تصاعد الهجمات «الإرهابية» في الشمال؛ ما يفرض ضغوطاً على الجيش والسلطة، وانتقادات المعارضة لغياب التعددية و«الانفتاح السياسي الحقيقي».

وبينما يرى مراقبون أن الرئيس الجديد سيواصل النهج الاقتصادي الذي قاده خلال فترة سلفه تالون، فهم يؤكدون أن قياس نجاحه سيظل رهناً بقدرته على تحقيق تنمية أكثر شمولاً من جهة واحتواء التهديدات الأمنية وإعادة التوازن للحياة السياسية من جهة أخرى.وهكذا، بين الاستمرارية وضغوط الانفتاح والتغيير الديمقراطي، يدخل واداني عازماً على تحقيق مستقبل أفضل لشعب بنين. ويرى مراقبون أن سنواته الأولى في الحكم ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان سيُرسّخ نموذجاً ناجحاً للحكم الرشيد، أم سيواجه أزمات تعيد طرح الأسئلة القديمة حول الديمقراطية والتنمية في غرب أفريقيا.