لون اللثة... أداة رقمية تكشف عن صحة الجسد قبل ظهور الأعراض

كاميرا صغيرة وتشخيص كبير

لونٌ يكشف عمّا قبل المرض
لونٌ يكشف عمّا قبل المرض
TT

لون اللثة... أداة رقمية تكشف عن صحة الجسد قبل ظهور الأعراض

لونٌ يكشف عمّا قبل المرض
لونٌ يكشف عمّا قبل المرض

في مطلع عام 2026، برزت دراسة علمية حديثة بعنوان «الذكاء الاصطناعي في تشخيص التهاب اللثة: الأدلة الحالية والاندماج السريري المستقبلي»، أعدّتها الدكتورة ناريمان شاكر وفريقها من قسم طب الفم واللثة بكلية طب وجراحة الفم والأسنان بجامعة المستقبل بالقاهرة، ونُشرت في «مجلة طب اللثة السريري (Clinical Periodontology Journal)».

وخلصت الدراسة إلى أن نماذج الذكاء الاصطناعي المعتمدة على التعلم العميق باتت قادرة على تحليل صور اللثة والأشعة وتحديد مؤشرات الالتهاب وفقدان العظم بدقة عالية، مع قابلية متنامية للاندماج في الممارسة السريرية اليومية خلال عام 2026.

كاميرا صغيرة غيّرت فحص اللثة

* تحليل رقمي للثة: في إحدى عيادات الأسنان الحديثة بمدينة ساو باولو البرازيلية، لم يحتج الطبيب إلى المسبار المعدني المعتاد، ولا إلى المرآة الصغيرة التي ارتبطت طويلاً بصورة الفحص التقليدي، بل اكتفى بأن يطلب من المريض فتح فمه قليلاً، ثم وجّه كاميرا رقمية دقيقة نحو اللثة، وضغط زراً واحداً... صورة واحدة فقط كانت كافية لبدء التشخيص.

قد يبدو هذا المشهد أقرب إلى الخيال العلمي، لكنه اليوم واقع سريري يغيّر الطريقة التي نفهم بها أحد أوسع أمراض الفم شيوعاً وإهمالاً: التهاب اللثة. فالتشخيص هنا لا يقوم على النزف أو الفحص اليدوي، بل على تحليل رقمي دقيق لألوان اللثة، بوصفها مؤشراً بيولوجياً صامتاً على ما يجري في العمق. وكانت هذه المقاربة من أوائل الدراسات السريرية التي لفتت الانتباه في عام 2025، عندما نُشرت في مجلة «طب اللثة (Journal of Periodontology)» بقيادة الدكتور محمد أحمد حسن، من كلية طب الأسنان بجامعة ساو باولو؛ إحدى أبرز المؤسسات البحثية في أميركا اللاتينية. ومنذ ذلك الحين، لم يعد تحليل لون اللثة رقمياً يُنظر إليه بوصفه تجربة بحثية معزولة، بل أصبح يُدرج في الأدبيات العلمية الحديثة بوصفه من المسارات الواعدة في تشخيص الالتهاب المبكر وربط صحة الفم بالصحة الجهازية.

حين تدخل الخوارزمية العيادة

* التهاب صامت: لطالما صُنِّف التهاب اللثة بوصفه مشكلة ««بسيطة»، تبدأ باحمرار خفيف أو نزف عابر خلال تنظيف الأسنان. لكن هذا التوصيف التقليدي يُخفي حقيقة أكبر تعقيداً، فالالتهاب اللثوي غالباً ما يتطور بصمت، ويؤسس لعملية التهابية مزمنة قد تنتهي بتآكل العظم الداعم للأسنان، ثم فقدانها.

الأهم من ذلك أن هذا الالتهاب لا يظل محصوراً في الفم، فالأبحاث الحديثة تُظهر أن اللثة الملتهبة تُطلق وسائط التهابية تدخل مجرى الدم، وتسهم في رفع أخطار أمراض جهازية خطيرة، من بينها أمراض القلب وتصلّب الشرايين، والسكري من النوع الثاني، واضطرابات الإدراك والخرف، بل وحتى مضاعفات الحمل والولادة المبكرة. وبمعنى آخر؛ ما نراه نزفاً بسيطاً قد يكون في الحقيقة إشارة مبكرة إلى خلل صحي أوسع. * اللون أداة للتشخيص: في الدراسة البرازيلية، حلّل الباحثون أكثر من 110 صور رقمية للثة التُقطت باستخدام ماسح داخل الفم، قبل العلاج وبعده. لكن التميّز لم يكن في عدد الصور، بل في طريقة قراءتها؛ إذ لم تُعامَل الصورة بوصفها توثيقاً بصرياً فحسب؛ بل بوصفها بيانات قابلة للتحليل الدقيق.

وقد استخدم الفريق أنظمة تحليل لوني متقدمة، أبرزها نظام «إتش إس في (HSV)» الذي يقيس درجة اللون وتشبعها وسطوعها، ونظام «CIELAB» المستخدم عالمياً في علوم الألوان الدقيقة. وقد أظهرت النتائج أن اللثة المصابة بالالتهاب تتسم بارتفاع واضح في درجات الاحمرار والاصفرار، وهي مؤشرات بيولوجية دقيقة على الالتهاب. والمثير أن هذه التحليلات الرقمية استطاعت التمييز بين اللثة السليمة وتلك الملتهبة بدقة تجاوزت 80 في المائة، من دون الحاجة إلى فحص يدوي أو إحداث نزف؛ مما يفتح الباب أمام تشخيص مبكر وغير مؤلم.

شرارة في اللثة... وحريق داخل الجسد

الذكاء الاصطناعي

لم يعد الذكاء الاصطناعي ضيفاً على العيادة، بل شريكاً في القرار. لم يقف التشخيص عند حدود تحليل الألوان، ففي مطلع عام 2026، أكدت المراجعة العلمية الحديثة المذكورة أعلاه والمنشورة في «مجلة طب اللثة السريري»، أن نماذج الذكاء الاصطناعي المعتمدة على التعلم لها قابلية متنامية للاندماج في الممارسة السريرية اليومية. وتشير الدراسة إلى أن هذه الخوارزميات لا تعمل بوصفها أدوات تشخيص بديلة، بل بوصفها مساعداً ذكياً يقرأ الإشارات الصامتة للمرض قبل أن تفرض نفسها سريرياً. وهنا يتّسع دور الذكاء الاصطناعي من مجرد تحليل صورة، إلى جزء من رؤية أوسع في «الطب التنبؤي»، حيث يصبح الكشف المبكر هدفاً أساسياً، لا مرحلة متأخرة من العلاج.

وهكذا يتحوّل مشهد عيادة الأسنان بسرعة. فالأدوات المعدنية التقليدية تفسح المجال للتصوير الرقمي، والخبرة البصرية تُدعَّم بقراءات رقمية دقيقة، والقرار السريري يصبح أعلى استنارة بالبيانات. وهذا التحول ليس ترفاً تقنياً، بل ضرورة طبية. فكلما كُشف عن الالتهاب في مراحله الأولى، قبل أن يُحدث تلفاً دائماً، كانت فرص الوقاية والعلاج أفضل، والمضاعفات أقل. وقد لا يكون بعيداً اليوم الذي يصبح فيه فحص اللثة إجراءً روتينياً سريعاً، أشبه بقياس ضغط الدم، يعتمد على كاميرا صغيرة وخوارزمية ذكية.

ولطالما قيل إن الفم مرآة للجسد، لكن الطب الحديث يضيف اليوم معنى أدق: الفم نظام إنذار مبكر. فاللثة، بتغير لونها ونسيجها، قد تُخبرنا بما يجري في عمق الجسم قبل أن تظهر الأعراض الصاخبة. ومع تطور الذكاء الاصطناعي والتصوير الرقمي، لم يعد هذا «الإنذار» بحاجة إلى تخمين، بل يمكن قراءته بلغة الأرقام. كاميرا صغيرة... قد تكون كافية لتغيير مسار التشخيص، وربما مسار الصحة بأكملها.


مقالات ذات صلة

الأطراف الاصطناعية... قفزات متتالية نحو محاكاة الحركة الطبيعية

علوم شخص يستخدم يده الاصطناعية لالتقاط مكعب صغير (جامعة ميشيغان)

الأطراف الاصطناعية... قفزات متتالية نحو محاكاة الحركة الطبيعية

يشهد مجال الأطراف الاصطناعية طفرة لافتة في السنوات الأخيرة، مدفوعة بتطورات متسارعة في تقنيات الروبوتات والذكاء الاصطناعي وأجهزة الاستشعار الدقيقة.

محمد السيد علي (القاهرة)
صحتك تشير دراسات إلى أن خصائص الشاي الأخضر قد تساعد في دعم صحة البروستاتا وربما التخفيف من بعض أعراض تضخمها (بيكسباي)

ما تأثير تناول الشاي الأخضر على تضخم البروستاتا؟

يحتوي الشاي الأخضر على مركبات مضادة للأكسدة أبرزها الكاتيكينات التي تُعرف بقدرتها على تقليل الالتهابات وإبطاء نمو الخلايا ما قد يساعد على دعم صحة البروستاتا

«الشرق الأوسط» (بيروت)
علوم «ألفا جينوم» لدراسة الحمض النووي

الذكاء الاصطناعي يفكّ شفرة الجينوم البشري

آلية عمل الحمض النووي «دي إن إيه» الدقيقة لا تزال غامضة إلى حد كبير

كارل زيمر (نيويورك)
تكنولوجيا غالبية الأمراض الوراثية الشائعة مثل أمراض القلب واضطرابات المناعة الذاتية ترتبط بطفرات تؤثر على تنظيم الجينات (بيكسلز)

«غوغل» تطلق أداة ذكاء اصطناعي لفهم الطفرات الجينية المسببة للأمراض

كشف باحثون في شركة «غوغل ديب مايند» عن أحدث أدواتهم في مجال الذكاء الاصطناعي، مؤكدين أنها ستُسهم في مساعدة العلماء على تحديد العوامل الوراثية المسببة للأمراض.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك نُطلق على مرض باركنسون اضطراباً حركياً لأنه يؤثر على حركتنا... لكن هناك جانباً آخر غير حركي منه (بيكسباي)

4 أعراض لمرض باركنسون قد تظهر قبل عقود من التشخيص

يعتقد الكثيرون أن الرعاش هو العلامة التحذيرية الأساسية لمرض باركنسون. لكن أعراضاً أخرى، لا يرتبط الكثير منها بتغيرات في الحركة.

«الشرق الأوسط» (لندن)

الأطراف الاصطناعية... قفزات متتالية نحو محاكاة الحركة الطبيعية

شخص يستخدم يده الاصطناعية لالتقاط مكعب صغير (جامعة ميشيغان)
شخص يستخدم يده الاصطناعية لالتقاط مكعب صغير (جامعة ميشيغان)
TT

الأطراف الاصطناعية... قفزات متتالية نحو محاكاة الحركة الطبيعية

شخص يستخدم يده الاصطناعية لالتقاط مكعب صغير (جامعة ميشيغان)
شخص يستخدم يده الاصطناعية لالتقاط مكعب صغير (جامعة ميشيغان)

يشهد مجال الأطراف الاصطناعية طفرة لافتة في السنوات الأخيرة، مدفوعة بتطورات متسارعة في تقنيات الروبوتات والذكاء الاصطناعي وأجهزة الاستشعار الدقيقة. ورغم هذا التقدم لا يزال أحد أبرز التحديات يتمثّل في ضبط قوة القبضة بما يتناسب مع طبيعة الشيء الذي يمسكه المستخدم؛ فالإمساك ببيضة يتطلّب لمسة بالغة الرقة، في حين يحتاج فتح زجاجة ماء إلى قوة أكبر وتحكم أدق.

ووفقاً لمراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها في الولايات المتحدة، تُسجَّل نحو 50 ألف حالة بتر سنوياً، مما يجعل فقدان اليد عاملاً مؤثراً بشكل كبير في قدرة الأفراد على أداء مهامهم اليومية بصورة طبيعية.

تطوير طرف اصطناعي بقدرات ذكية تحاكي التفكير البشري (جامعة يوتا الأميركية)

نظم ذكية أكثر استجابة

وتركّز أحدث الابتكارات في هذا المجال على تطوير أطراف اصطناعية أكثر ذكاءً واستجابة، قادرة على محاكاة الإحساس الطبيعي لليد البشرية. وتمنح هذه التقنيات المستخدمين قدراً أكبر من الاستقلالية، وتساعدهم على إنجاز أنشطتهم اليومية بسهولة وثقة، مع تعزيز مستويات الراحة والسلامة في أثناء الاستخدام.

وفي السياق، طوّر باحثون في جامعة قويلين للتكنولوجيا الإلكترونية في الصين نظاماً مبتكراً للأطراف الاصطناعية يعتمد على تعلّم الآلة، والرؤية الحاسوبية، وأجهزة استشعار متقدمة، بهدف تحديد قوة القبضة المناسبة لكل جسم في الوقت الفعلي. ونُشرت النتائج في عدد 20 يناير (كانون الثاني) 2026 من دورية «Nanotechnology and Precision Engineering».

وركزت الدراسة على قياس قوة القبضة اللازمة للتعامل مع أكثر من 90 في المائة من الأشياء اليومية الشائعة، مثل الأقلام، والزجاجات، والأكواب، والكرات، والمفاتيح، بالإضافة إلى الأشياء الهشة مثل البيض، وذلك لتمكين المستخدم من التفاعل الطبيعي مع محيطه دون الحاجة إلى ضبط قوة القبضة يدوياً في كل مرة.

ويعمل النظام عبر كاميرا صغيرة مثبتة بالقرب من راحة اليد، إلى جانب أجهزة استشعار للضغط في أطراف الأصابع، بالإضافة إلى جهاز لقياس النشاط الكهربائي للعضلات في ساعد المستخدم، مما يسمح بتحديد نية الإمساك بالشيء وضبط قوة القبضة تلقائياً.

وقال الباحث الرئيسي في الدراسة بجامعة قويلين للتكنولوجيا الإلكترونية، الدكتور هوا لي، إن هذا النظام يمكن أن يُحدث فرقاً ملموساً في حياة مستخدمي الأطراف الاصطناعية، من خلال الجمع بين الرؤية الحاسوبية وإشارات العضلات الكهربائية، بما يتيح التعرف الذكي على الأشياء والتحكم التكيفي بقوة القبضة في أثناء الإمساك بها.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن النظام يحلل تلقائياً الهدف باستخدام خوارزمية متقدمة تحدد نوع الشيء وملمسه وحجمه، ثم تختار قوة القبضة المناسبة له، مثل القوة الخفيفة عند التعامل مع البيض، أو القوة المعتدلة عند الإمساك بأكواب مملوءة بالماء، مما يقلل من احتمالات تلف الأشياء أو انزلاقها من اليد.

وبالاعتماد على إشارات جهاز قياس النشاط الكهربائي للعضلات للكشف عن نية المستخدم، يُكمل النظام تلقائياً عملية «التعرف البصري، ومطابقة القوة، وتنفيذ الحركة» بأسلوب يحاكي ذاكرة العضلات البشرية. ويُسهم ذلك في تقليل الحاجة إلى التعديل اليدوي المستمر، ويتيح أداء المهام اليومية بطريقة أكثر طبيعية، مما ينعكس إيجاباً على جودة حياة المستخدمين.

وعن تأثير هذه التكنولوجيا في تصميم الأطراف الاصطناعية مستقبلاً، أوضح الدكتور لي أن النظام يفتح آفاقاً جديدة لتطوير أيدٍ اصطناعية أكثر تقدماً، إذ يوفّر نمط التحكم المزدوج القائم على الرؤية الحاسوبية وإشارات العضلات منطقاً ذكياً يعتمد على «الكشف النشط والتنفيذ التلقائي». ويجعل هذا التحول اليد الاصطناعية أقرب إلى السلوك البشري الطبيعي في الإمساك بالأشياء، بدلاً من كونها مجرد أداة استجابة خاملة.

أما بشأن إمكانية تكييف هذا النظام لاستخدامه مع أطراف اصطناعية أو روبوتات أخرى، فأكد أن التكنولوجيا الأساسية لا تعتمد على بنية الطرف ذاته. ومع إجراء تعديلات بسيطة على نماذج التعرف البصري وضبط عتبات القوة المناسبة، يمكن تطبيق النظام على الأرجل أو الأذرع الاصطناعية، وحتى على أذرع الروبوتات، مما يوفّر حلولاً فعالة ومنخفضة التكلفة لأجهزة التأهيل والتقنيات الروبوتية، ويفتح المجال أمام تطبيقات واسعة في مجالات متعددة.

تصميم يد اصطناعية مبتكرة تحاكي حركة اليد الطبيعية (معهد التكنولوجيا الإيطالي)

محاولات بحثية موازية

وتتزامن هذه التطورات مع جهود بحثية عالمية أخرى تهدف إلى محاكاة الحركة الطبيعية بشكل أدق. ففي ديسمبر (كانون الأول) 2025، نجح فريق من جامعة يوتا الأميركية في تطوير يد اصطناعية ذكية تعتمد على الذكاء الاصطناعي، ومزودة بمجسات ضغط وأخرى بصرية دقيقة تمكّنها من «التفكير الذاتي». ودُرّبت اليد باستخدام شبكة عصبية على أوضاع قبض مختلفة، مما سمح لكل أصبع بالتحرك بشكل مستقل ومتزامن مع المستخدم، وتقليل الجهد العقلي المطلوب لأداء المهام اليومية.

كما يعمل باحثون في معهد التكنولوجيا الإيطالي وجامعة إمبريال كوليدج لندن على تطوير أطراف اصطناعية تعتمد على التناغم العصبي العضلي وتكنولوجيا الروبوتات اللينة. وفي يونيو (حزيران) 2025، صمم الفريق يداً اصطناعية لينة ذات درجتَيْن من الحركة، أظهرت نتائج واعدة في التحكم الدقيق والمتعدد الأصابع، بما في ذلك المهام المعقدة التي لم تكن ممكنة بالطرق التقليدية.

وفي يوليو (تموز) 2024، ابتكر باحثون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا واجهة عصبية متقدمة للساق الاصطناعية، تتيح للطرف الإلكتروني التفاعل المباشر مع الجهاز العصبي البشري. وتعتمد هذه الواجهة على عضلات متصلة جراحياً وأقطاب لاستشعار الإشارات العصبية، مما مكّن المستخدمين من استعادة التحكم الحركي والحسي وتحقيق تحسينات ملحوظة في سرعة المشي وقوة العضلات والتكيف مع بيئات مختلفة.

ووفق الباحثين، تشير هذه التطورات إلى أن مستقبل الأطراف الاصطناعية يتجه نحو أنظمة ذكية، ومتكيفة، ومتصلة عصبياً، تقترب بشكل متزايد من الأداء الطبيعي للأطراف البيولوجية، وتعيد للمستخدمين بساطة الحركة وثقتهم بأداء مهامهم اليومية.


حذف جينات محددة يسهّل العلاج المناعي للسرطان

حذف جينات محددة يسهّل العلاج المناعي للسرطان
TT

حذف جينات محددة يسهّل العلاج المناعي للسرطان

حذف جينات محددة يسهّل العلاج المناعي للسرطان

كشفت دراستان علميتان حديثتان عن أن فقدان جينات بعينها داخل الخلايا السرطانية قد يجعل الأورام أكثر هشاشة أمام هجوم الجهاز المناعي، ويفتح الباب أمام التنبؤ الدقيق بالمرضى الذين يمكن أن يستفيدوا فعلياً من العلاج المناعي.

وتشير النتائج إلى أن مقاومة السرطان لهذا النوع من العلاج لا ترتبط دائماً بضعف المناعة، بل بقدرة الورم نفسه على حماية خلاياه عبر مسارات جينية تعمل بمثابة «دروع خفية».

العلاج المناعي... نجاح محدود

وقد أحدث العلاج المناعي نقلة نوعية في علاج بعض أنواع السرطان، إذ يعتمد على تحفيز جهاز المناعة، ليتعرّف على الخلايا السرطانية ويهاجمها. ومن أشهر هذه العلاجات ما يُعرف بـ«مثبطات نقاط التفتيش المناعية» التي تعمل على إزالة القيود المفروضة على الخلايا المناعية، مما يسمح لها بمهاجمة الورم بقوة أكبر.

وأثبت هذا الأسلوب فاعليته بشكل خاص في سرطانات، مثل «الميلانوما» (سرطان الجلد)، وكذلك في الأورام التي تعاني خللاً في إصلاح الحمض النووي (DNA). ومع ذلك لا يستجيب لهذا العلاج سوى أقل من 35 في المائة من مرضى الأورام الصلبة، ولا يزال السبب الدقيق لهذا التفاوت موضع بحث علمي مكثف.

جينان يحددان مصير العلاج

• جينان مقاومان للعلاج المناعي. في دراسة نُشرت في مجلة «Cell Reports Medicine» بتاريخ 20 يناير (كانون الثاني) 2026 قاد فريق بحثي -برئاسة ماثيو كويلو من برنامج السرطان والشيخوخة والطفرات الجسدية في معهد ويلكوم سانجر بالمملكة المتحدة، وبالتعاون مع مبادرة «Open Targets» (هي شراكة مبتكرة وواسعة النطاق ومتعددة السنوات بين القطاعَين العام والخاص) والدكتور إميل فوست من معهد السرطان الهولندي- بحثاً كشف عن دور جينَين رئيسيين في مقاومة السرطان للعلاج المناعي.

ووجد الباحثون أن حذف جينين، يُعرفان باسم «CHD1» و«MAP3K7» من الخلايا السرطانية، يجعل هذه الخلايا أكثر عرضة لهجوم الجهاز المناعي. وتشير النتائج إلى أن هذيَن الجينَين قد يشكّلان مؤشرات حيوية تساعد الأطباء على توقّع استجابة المرضى للعلاج المناعي قبل البدء به.

• كيف توصّل الباحثون إلى ذلك؟ استخدم العلماء تقنية «كريسبر» (CRISPR)، وهي أداة متقدمة لتحرير الجينات، لتعطيلها داخل الخلايا السرطانية، واحداً تلو الآخر. وما ميّز هذه الدراسة هو أن الخلايا السرطانية نُمّيت مع خلايا مناعية مأخوذة من الشخص نفسه، مما سمح بمراقبة التفاعل الحقيقي بين الورم والجهاز المناعي.

وأظهرت النتائج أن تعطيل أحد الجينين يجعل الخلايا السرطانية أكثر حساسية لإشارات مناعية قوية، خاصة «الإنترفيرون-غاما» (IFNγ) interferon-gamma، وكذلك لهجوم الخلايا التائية (T cells) المسؤولة عن قتل الخلايا السرطانية. أما عند تعطيل الجينَين معاً فقد أصبحت الخلايا السرطانية شديدة الهشاشة، وكأنها فقدت قدرتها على مقاومة الالتهاب المناعي، مما يدفعها نحو الموت الخلوي عند تنشيط الجهاز المناعي.

جين حامٍ للخلايا السرطانية

• مفتاح أمان يُبقي خلايا السرطان حية. وفي الاتجاه نفسه، لكن عبر آلية مختلفة، جاءت دراسة ثانية نُشرت في مجلة «Cell Reports» بتاريخ 19 ديسمبر (كانون الأول) 2025، بقيادة كونور كيرني، من معهد أوليفيا نيوتن-جون لأبحاث السرطان في أستراليا.

وركزت هذه الدراسة على جين يُعرف باسم «TAK1»، وتبيّن أنه يعمل بمثابة «مفتاح أمان» يحمي الخلايا السرطانية من الإشارات القاتلة التي تطلقها الخلايا التائية (CD8⁺)، وعند تعطيل هذا الجين تفقد الخلايا السرطانية بروتيناً واقياً يمنع الموت الخلوي لها، وعندئذ تغدو أكثر عرضة للتدمير المناعي.

ونتيجة لذلك تنمو الأورام بشكل أضعف، ويصبح الجهاز المناعي أكثر قدرة على السيطرة عليها من دون الحاجة إلى تعزيز المناعة نفسها، بل عبر إزالة آليات الحماية الداخلية للورم.

أدلة من التجارب والمرضى

وعند اختبار نتائج الدراستَيْن على نماذج حيوانية لاحظ الباحثون أن الأورام التي تفتقر إلى هذه الجينات استجابت بشكل أفضل للعلاج المناعي، وجذبت أعداداً أكبر من الخلايا المناعية القاتلة للسرطان.

كما أظهر تحليل بيانات المرضى أن الأورام ذات النشاط المنخفض لجينات «CHD1» و«MAP3K7» أو تلك التي تعطّل فيها مسار «TAK1» كانت أكثر قابلية للاستجابة للعلاج المناعي، مما يعزّز فكرة استخدام هذه الجينات بوصفها مؤشرات تنبؤية.

• نحو علاج أكثر تخصيصاً ودقة. تفتح هذه النتائج الباب أمام علاج مناعي أكثر تخصيصاً. فإذا أمكن فحص نشاط هذه الجينات في الأورام قبل العلاج فقد يتمكن الأطباء من تحديد المرضى الأكثر استفادة وتجنّب إعطاء علاجات مرهقة ومكلفة لمن لن يستفيدوا منها.

ويقول أليكس واترسون، أحد مؤلفي الدراسة من معهد ويلكوم سانجر، إن الخلايا السرطانية عندما تفقد هذه الجينات تصبح أسهل بكثير لهجوم الجهاز المناعي، مما يكشف عن نقطة ضعف يمكن استغلالها علاجياً.

من جهته، يشير الباحث الرئيسي ماثيو كويلو إلى أن هذه المؤشرات الحيوية قد تساعد مستقبلاً في توجيه قرارات علاجية أدق وتحسين فرص المرضى في الاستفادة من العلاج المناعي.

• صورة أوضح لمقاومة السرطان. ترسم الدراستان معاً صورة أكثر وضوحاً لأسباب فشل العلاج المناعي لدى عدد كبير من المرضى، فالمشكلة لا تكمن دائماً في ضعف الجهاز المناعي بل في قدرة الورم نفسه على تعطيل إشارات القتل المناعي أو تحمّلها عبر مسارات جينية محددة.

إن حذف جينات -مثل «CHD1» و«MAP3K7» أو تعطيل جين «TAK1»- لا يعزّز المناعة مباشرة بل يزيل الدروع الخفية التي يستخدمها السرطان للبقاء. ومع استمرار الأبحاث قد يتحول هذا الفهم إلى خطوة حاسمة نحو توسيع نطاق المستفيدين من العلاج المناعي ومنح الأمل إلى عدد أكبر من مرضى السرطان.


«ناسا» تؤجل أول رحلة مأهولة للقمر ضمن برنامج «أرتيميس» بسبب البرودة

«ناسا» كانت على أهبة الاستعداد لإجراء اختبار تزويد الصاروخ التابع لمهمة «أرتيميس» (إ.ب.أ)
«ناسا» كانت على أهبة الاستعداد لإجراء اختبار تزويد الصاروخ التابع لمهمة «أرتيميس» (إ.ب.أ)
TT

«ناسا» تؤجل أول رحلة مأهولة للقمر ضمن برنامج «أرتيميس» بسبب البرودة

«ناسا» كانت على أهبة الاستعداد لإجراء اختبار تزويد الصاروخ التابع لمهمة «أرتيميس» (إ.ب.أ)
«ناسا» كانت على أهبة الاستعداد لإجراء اختبار تزويد الصاروخ التابع لمهمة «أرتيميس» (إ.ب.أ)

أجلت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) رحلة رواد الفضاء المقبلة إلى القمر، بسبب توقعات بانخفاض درجات الحرارة إلى ما يقارب الصفر في موقع الإطلاق.

وتم تحديد موعد أول رحلة مأهولة إلى القمر ضمن برنامج «أرتيميس» الآن في توقيت لا يتجاوز 8 فبراير (شباط)، متأخرة يومين عن الموعد الأصلي، وفق ما ذكرته وكالة «أسوشييتد برس» للأنباء.

وكانت وكالة «ناسا» على أهبة الاستعداد لإجراء اختبار تزويد الصاروخ التابع لمهمة «أرتيميس» القمرية، البالغ طوله 322 قدماً (98 متراً)، بالوقود، غداً السبت، لكنها ألغت كل شيء في وقت متأخر، أمس الخميس، بسبب الطقس البارد المتوقع.

والآن، تم تحديد موعد «الاختبار النهائي بالغ الأهمية»، يوم الاثنين المقبل، إذا سمحت ظروف الطقس.

ويعني هذا التغيير أن أمام «ناسا» ثلاثة أيام فقط في فبراير (شباط) لإرسال أربعة رواد فضاء في رحلة حول القمر والعودة، قبل أن تمتد المهمة إلى مارس (آذار).