الصين تبني أول جزيرة عائمة مقاومة للأسلحة النووية في العالم

منصة أبحاث اصطناعية متنقلة ومكتفية ذاتياً

الصين تبني أول جزيرة عائمة مقاومة للأسلحة النووية في العالم
TT

الصين تبني أول جزيرة عائمة مقاومة للأسلحة النووية في العالم

الصين تبني أول جزيرة عائمة مقاومة للأسلحة النووية في العالم

احتكار المعادن النادرة... سلاسل توريد تصنيع لا مثيل لها... نماذج ذكاء اصطناعي مجانية تُنافس، أو تتفوق، على نظيراتها الأميركية... أوراق بحثية وشهادات دكتوراه في العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات أكثر من أي دولة أخرى... إذا كنت تقرأ كثيراً عن هذه المواضيع أخيراً، فأنت تعلم كيف أن استراتيجية الصين، التي استمرت لعقود، لتصبح القوة العظمى العالمية الأولى - وأكبر تهديد لهيمنة الولايات المتحدة على العالم - تُؤتي ثمارها.

توسع الصين البحري

ما قد لا تكون على دراية به هو الجزء الحاسم الآخر من خطط بكين؛ توسعها الصناعي للسيطرة على أهم مورد على هذا الكوكب: المحيطات. وقد تحول سعي الصين للهيمنة البحرية من طموح إقليمي إلى واقع عالمي، مدفوعاً بتوسع بحري «متسارع» ينافس توسع الولايات المتحدة خلال الحرب العالمية الثانية؛ إذ أنتجت الدولة الآسيوية بالفعل أكبر أسطول عسكري في العالم من حيث عدد السفن (على الرغم من أن واشنطن لا تزال تهيمن من حيث الحمولة بفضل مجموعات حاملات الطائرات الكبيرة الخاصة بها).

ومع ذلك، فإن استراتيجية بكين للسيطرة على منطقة المحيطين الهندي والهادئ - وما وراءها - تعتمد على أكثر من مجرد السفن الحربية؛ فهي تعتمد بشكل متزايد على تكتيكات المنطقة الرمادية التي تطمس الخط الفاصل بين البحث العلمي والانتشار العسكري.

نظم مدنية - عسكرية

وتنشر الصين بشكل منهجي نظماً «مدنية» مزدوجة الاستخدام - من سفن المسح الأوقيانوغرافي إلى أساطيل الصيد العسكرية - لرسم خرائط للممرات المائية الاستراتيجية الرئيسية، وتأكيد السيادة دون إطلاق رصاصة واحدة. يتصاعد الآن مبدأ «التقدم دون هجوم» هذا مع فئة جديدة من الهياكل العملاقة المصممة لترسيخ الوجود الدائم للصين في المياه المتنازع عليها.

جزر عائمة لأبحاث المحيطات

بينما تتحدى بحرية جيش التحرير الشعبي الهيمنة الأميركية بحاملات طائرات متطورة مثل «فوجيان»، وحاملات نووية جديدة قيد الإعداد، تُنشئ بكين في الوقت نفسه بنية تحتية موازية من الجزر العائمة والقواعد البحرية.

وتقول الصين إن تلك البنية التحتية مصممة لـ«الاقتصاد الأزرق» - فكرة أن المحيطات مورد ضخم لا يزال ينتظر الاستغلال - وهذا صحيح. ولكن، يا للعجب! صُممت هذه المرافق بقدرة عسكرية على البقاء، وتعمل بفاعلية كقواعد عمليات متقدمة تُوسّع نطاق الصين إلى ما هو أبعد من شواطئها مع الحفاظ على مظهر من الشرعية المدنية.

أحدث الإضافات إلى هذه الشبكة من الأصول هي قواعد في أعماق البحار، ومزارع خوادم تحت الماء؟

منصة أبحاث عائمة تتحمل الانفجارات النووية

والآن، توضع منصة أبحاث عائمة مصممة لتحمل الانفجارات النووية. تُشكل هذه المشاريع معاً بنية تحتية متصلة مصممة للعمليات طويلة الأمد، واستخراج الموارد، ومعالجة البيانات في البحر، وهي لم تصمم فقط لتحقيق مزايا علمية وصناعية، بل لتوسيع بصمة بكين في محيطات العالم.

مشروع مثير للإعجاب لا مثيل له في العالم

دعونا نلقِ نظرة على هذه المشاريع واحداً تلو الآخر، بدءاً من الأكثر إثارة للإعجاب: في ورقة بحثية نُشرت في وقت سابق من هذا الشهر في المجلة الصينية لأبحاث السفن، تُعدّ منشأة الأبحاث العائمة الجديدة في أعماق البحار، والمُصمّمة لجميع الأحوال الجوية، منصة شبه غاطسة تزن 86000 طن، وصفها مطوروها بأنها جزيرة اصطناعية متنقلة ومكتفية ذاتياً.

تنص العقود المبرمة مع حوض بناء السفن الذي سيبنيها - شركة بناء السفن الحكومية الصينية - على سفينة ثنائية الهيكل يبلغ طولها 453 قدماً وعرضها 279 قدماً، مع سطح رئيسي يرتفع 148 قدماً فوق خط الماء، وفقاً لصحيفة «ساوث تشاينا مورنينغ بوست». صُممت لإيواء 238 شخصاً لمدة تصل إلى أربعة أشهر دون الحاجة إلى إعادة إمداد. إنه مشروع مذهل لا مثيل له في العالم.

ووفقاً ليانغ دي تشينغ وفريقه في جامعة شنغهاي جياو تونغ، صُممت المنشأة لتكون «مهيأة لجميع الأحوال الجوية، وطويلة الأمد». ويحتوي هيكلها العلوي على حجرات حيوية للطاقة في حالات الطوارئ، والاتصالات، والملاحة، وهي مُقوّاة لتظلّ جاهزة للعمل بعد أي انفجار نووي.

تحمّل الأعاصير

صُمّمت المنصة للعمل في حالة البحر السابعة - بحار هائجة بأمواج تتراوح بين 20 و30 قدماً - وللتحمّل أعاصير تصل إلى الفئة 17، وهي أعلى تصنيف على المقياس الصيني. صرّح قائد المشروع، لين تشونغ تشين، بأنّ فريقه «يسابق الزمن لإكمال التصميم والبناء؛ بهدف الوصول إلى حالة التشغيل بحلول عام 2028».

وستُبحر المنصة بسرعة تقارب 17 ميلاً في الساعة لإجراء عمليات رصد في أعماق البحار واختبار تقنيات التعدين في مناطق تشمل بحر الصين الجنوبي.

ولكن ربما يكون أكثر ما يُثير الإعجاب، بعد حجمها الكبير بشكل لا يُصدق وتصميمها الشاهق ثنائي الهيكل، هو المادة التي اخترعوها لجعلها قادرة على تحمّل موجة صدمة نووية دون وزن الدروع الثقيلة التقليدية.

حاجز «ساندوتش» لاتقاء الضربات النووية

صمم المهندسون «حاجزاً شطيرة» باستخدام شبكة من الأنابيب المعدنية المموجة. وتستخدم هذه الأنابيب، المطوية بزاوية 21.25 درجة بدقة، بجدران يبلغ سمكها 0.02 بوصة فقط، تقنيات تسمح لها - على عكس المواد القياسية التي تنتفخ للخارج عند ضغطها - الانكماش في هيكلها إلى الداخل والتكاثف / ما يُوزع قوة التأثير.

ويزعم الباحثون أن عمليات المحاكاة التي أجروها أظهرت لوحة بسمك 2.4 بوصة - أي ما يُقارب عرض الهاتف الذكي - تتفوق على ألواح الفولاذ الأكثر سمكاً. وتحت ضغط انفجار نووي مُحاكٍ يبلغ 25.8 رطل لكل بوصة مربعة (177.83 كيلو باسكال)، قلل التصميم من الإزاحة الهيكلية القصوى بنسبة 58.53 في المائة مقارنةً بالدروع التقليدية.

محطة فضائية تحت الماء

تنشر الصين أيضاً قاعدة تحت الماء تُشبه قاعدة «جيمس بوند»، تقع على عمق نحو 6560 قدماً في بحر الصين الجنوبي، ويبدو أنها الأولى من بين الكثير من القواعد. وفقاً لقائد المشروع، يين جيان بينغ، من معهد بحر الصين الجنوبي لعلوم المحيطات، يُعدّ المشروع بمثابة «محطة فضائية في البحر». تتصل وحداته المضغوطة بشبكة ألياف بصرية، وهي مصممة لاستضافة ستة علماء لمدة تصل إلى شهر.

ستبحث القاعدة كيفية استخراج هيدرات الميثان - للمساعدة في تلبية احتياجات البلاد المتزايدة من الطاقة - ومسح رواسب العناصر الأرضية النادرة والكوبالت والنيكل. وستدعمها سفينة الحفر «مينغ شيانغ» وشبكة من الغواصات غير المأهولة التي ستُستخدم أيضاً كنظام مراقبة للبلاد.

في موازاة ذلك، نشرت الصين أول مركز بيانات تجاري تحت الماء قبالة ساحل هاينان. وهو عبارة عن هيكل يزن 1433 طناً مغمور على عمق 115 قدماً، ويضم 24 رفاً للخوادم. ويشير مدير المشروع، بو دينغ، إلى أنهم «وضعوا كابينة البيانات بأكملها في أعماق البحر؛ لأن مياه البحر يمكن أن تساعد في تبريد درجة الحرارة».

يدّعي المطورون أن هذا التبريد السلبي يُمكن أن يوفر نحو 90 في المائة من الطاقة المُستخدمة عادةً للتحكم في المناخ في المراكز الأرضية. ستستمد وحدة اختبار مماثلة بالقرب من شنغهاي الطاقة من منشآت الرياح البحرية، وتُقدّر الشركة التي تُشيّد مركز البيانات هذا أن أكثر من 95 في المائة من طاقته ستأتي من مصادر متجددة. الفكرة ليست جديدة. فقد اختبرتها «مايكروسوفت» ووجدت أنها تعمل بشكل رائع بالفعل. والمثير للدهشة أن شركة «ريدموند»، واشنطن، توقفت عن العمل عليها ولن تُوسّع نطاقها. وهو أمر مُحزن - نظراً للهدر الهائل للطاقة الذي تُمثله مزارع الخوادم الحالية، الذي يُمكن تقليله بشكل كبير من خلال التبريد الطبيعي - ومُثير للصدمة لأن الولايات المتحدة في خضمّ حرب عالمية للهيمنة على الذكاء الاصطناعي مع الصين.

الفوز في سباق الذكاء الاصطناعي

الصين لا تدخر جهداً للفوز في هذه الحرب، وهذا تحديداً ما يُجسّده هذا الهيكل العملاق العائم الجديد. لن تتوقف بكين عند صنع هواتف «آيفون»، ومغناطيسات العناصر الأرضية النادرة، وبناء أفضل أنظمة الذكاء الاصطناعي باستخدام أكبر جيش من أطباء العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات في العالم.

وتسعى الصين أيضاً إلى أن تصبح أكبر قوة بحرية عظمى - تماماً كما فعلت إسبانيا، وبريطانيا والولايات المتحدة في القرون الماضية. ونحن نشهد انفتاحها في الوقت الفعلي.

* «مجلة «فاست كومباني» - خدمات «تريبيون ميديا»


مقالات ذات صلة

دراسة تبحث: هل يغيّر الذكاء الاصطناعي طريقة تفكيرنا رغم صحة المعلومات؟

تكنولوجيا تلعب طريقة عرض المعلومات وسردها دوراً أساسياً في تشكيل الفهم وليس فقط مضمونها (شاترستوك)

دراسة تبحث: هل يغيّر الذكاء الاصطناعي طريقة تفكيرنا رغم صحة المعلومات؟

دراسة تظهر أن الذكاء الاصطناعي يؤثر في الآراء عبر طريقة عرض المعلومات حتى عندما تكون الحقائق صحيحة وغير مضللة.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا رئيس شركة «أبل» تيم كوك خلال أحد المؤتمرات السنوية للشركة (إ.ب.أ)

«أبل» في عامها الخمسين… قصة شركة أعادت تشكيل التكنولوجيا العالمية

مسيرة «أبل» خلال 50 عاماً تعكس قدرة استثنائية على الابتكار وإعادة الابتكار، من مرآب صغير إلى شركة أعادت تشكيل التكنولوجيا العالمية.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا قدرات ذكاء اصطناعي متقدمة بشاشة تحمي الخصوصية

تعرف على مزايا جوال «غالاكسي إس 26 ألترا»: نقلة في الخصوصية والذكاء الاصطناعي للجوالات

تصميم متين وأنيق باستوديو احترافي ذكي و«دائرة بحث» مطورة.

خلدون غسان سعيد (جدة)
تكنولوجيا الدراسة حللت أكثر من 391 ألف رسالة عبر نحو 5 آلاف محادثة لاكتشاف أنماط تفاعل روبوتات الدردشة (شاترستوك)

دراسة من ستانفورد: الذكاء الاصطناعي قد يعزز التفكير الوهمي

 تظهر الدراسة أن روبوتات الدردشة تميل لتأكيد آراء المستخدمين ما قد يعزز المعتقدات الخاطئة ويؤدي إلى دوامات وهمية مع مرور الوقت

تكنولوجيا نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة تعاني من مشكلة «الصندوق الأسود» التي تجعل قراراتها غير مفهومة للبشر (شاترستوك)

نهج جديد يمكّن الذكاء الاصطناعي من شرح قراراته

باحثو «MIT» يطورون طريقة تمكّن الذكاء الاصطناعي من تفسير قراراته بدقة ووضوح، ما يعزز الشفافية والثقة دون التضحية بالأداء.


لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟
TT

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

انطلق عصر الذكاء الاصطناعي بوعودٍ واسعة النطاق ونقاشاتٍ حول إمكانياتٍ لا حدود لها، كما تكتب لويز ك. ألين(*).

تفاؤل وخيبة

والآن، وبعد سنواتٍ من الخبرة العملية، لا يزال الخبراء متفائلين بشأن التأثير طويل الأمد للذكاء الاصطناعي. وفي الوقت نفسه، يتفق معظم الناس على أن مساهماته في الحياة اليومية كانت مخيِّبة للآمال، إن لم تكن أسوأ من ذلك.

وحتى بصفتي واحدة من العاملات في القيادة التقنية بهذا المجال، لا بد لي من الاعتراف بأن استياء المستهلكين من الذكاء الاصطناعي له ما يبرره إلى حد كبير، فقد اتسمت تجربة المواطن الأميركي العادي مع الذكاء الاصطناعي التوليدي، حتى الآن، بتراجع الجودة وازدياد انعدام الثقة.

قصص وهمية في وسائل الاتصال الاجتماعي

تعجّ وسائل التواصل الاجتماعي بأشخاصٍ وقصصٍ وهمية، وتمتلئ الأسواق الإلكترونية بشكلٍ متزايد بعمليات الاحتيال المدعومة بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تفشل مبادرات الشركات في تحقيق التوقعات المالية، بل إن عدداً منها زاد من صعوبة حياة العاملين.

لقد بات فشل أدوات الذكاء الاصطناعي العام في تحقيق الضجة الإعلامية الكبيرة التي أثيرت حولها، أمراً مُسلَّماً به عالمياً، حتى إن قاموس ميريام-ويبستر نفسه أعلن اختياره كلمة «هراء» ككلمة عام 2025.

«التحديد الدقيق والموجّه»

ومع ذلك، تتاح للجمهور، الآن، فرصة لتغيير هذا الواقع في عام 2026. ويبدأ ذلك بتوظيف مفهوم «التحديد الدقيق (specificity)» ككلمة تُعرِّف ما هو مقبل.

وفي حقيقة الأمر، فإن شركات التكنولوجيا وباحثي الذكاء الاصطناعي بالغوا في تقدير القدرات الفعلية لهذه التقنية منذ البداية، فقد ركّز هؤلاء الرواد على الإمكانات الكامنة، بدلاً من النتائج العملية. لقد صوّروا الذكاء الاصطناعي على أنه ضرورة يجب على الشركات اتباعها لمواكبة التطورات، بدلاً من كونه أداةً يمكن للمؤسسات والأفراد استخدامها لتحقيق أهداف محددة.

التكنولوجيا وسيلة وليست غاية

لتطوير هذه التقنية وتحقيق رؤيتهم لمستقبل مُحسَّن بالذكاء الاصطناعي، سيتعيّن على القادة التوقف عن مناشدة الجمهور لتغيير الخطاب حول الذكاء الاصطناعي.

إن الطريق إلى الأمام بسيط للغاية، إذ يحتاج قادة التكنولوجيا إلى العودة إلى أساسيات المنتج. عليهم أن يتقبلوا فكرة أن التكنولوجيا وسيلة لتحقيق غاية، وليست غاية في حد ذاتها، وهذا يعني إعادة تركيز استراتيجيات التطوير والتواصل على حلول للمشاكل الحقيقية.

خطوات التحديد الدقيق «الموجّه»

1. التصميم الموجَّه للأفراد لا «المستخدمين»

إن إغراء بناء أدوات عامة الأغراض مفهوم، لكن القيام بذلك باستخدام التكنولوجيا الحالية يُضعف فائدتها. وستكون أدوات الذكاء الاصطناعي، اليوم، أكثر فاعلية عندما تُصمم خصوصاً لأفراد محددين في أدوار محددة. يجب أن تُوجه هذه المعرفة عملية ابتكار المنتج، والتدريب، والتسويق، وتكتيكات المبيعات.

2. التركيز على النتائج بدلاً من القدرات

الذكاء الاصطناعي ليس مختلفاً عن أي منتج آخر. لن يستخدمه الناس إلا إذا حل مشكلة موجودة لديهم بالفعل. ويفشل كثير من أدوات الذكاء الاصطناعي في تحقيق هذا الهدف، فهي تركز على ما يمكن للنموذج فعله، بدلاً من التمعن في فهم أسباب أهمية ما يفعله.

3. التوقف عن تقديم وعود خيالية

قد يُمثل الذكاء الاصطناعي، اليوم، مستقبلاً يمكن فيه تحقيق التحسين الشامل، لكن هذا ليس صحيحاً. يجب أن تعكس خطط تطوير المنتجات هذه الحقيقة. إنّ الوضوح والمباشرة بشأن ما هو متاح الآن وما سيكون متاحاً في المستقبل يُساعدان على تخفيف الإرهاق الناتج عن الضجة الإعلامية واستعادة الثقة.

حان وقت إعادة النظر

بصفتي مديرة للمنتجات، شاهدتُ عدداً من الأمثلة على الاستخدام الأمثل للذكاء الاصطناعي، خلال السنوات القليلة الماضية.

ومع ذلك، أُدرك أن أسباب انعدام ثقة الجمهور أو عدم اهتمامه الواسع النطاق تقع في معظمها على عاتق قطاع التكنولوجيا، ذلك أن رغبة هذا القطاع في إنجاز كل شيء دفعة واحدة، خلقت بيئةً لا يثق فيها الناس بقدرة التكنولوجيا على القيام بأي شيء مفيد.

إنها حقيقةٌ يصعب تقبّلها، لكن أي قائد تقني يُنكر ذلك يُخدع نفسه. ومع ذلك، لم يفت الأوان بعدُ لتصحيح الوضع. إذا كان القادة على استعداد لتقبُّل هذه الحقيقة وإعادة توجيه استراتيجياتهم نحو «التحديد»، فسيكون هناك متسع من الوقت لإعادة النظر، وإعادة التقييم، وتحقيق رؤية مستقبلٍ مُحسَّن. يجب أن يحدث هذا قريباً، وإلا فسيضيع مستقبل الذكاء الاصطناعي هباءً.

*مجلة «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا»


مجتمعات كاملة وتجارب إنسانية... لا تزال خارج نطاق الذكاء الاصطناعي

نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
TT

مجتمعات كاملة وتجارب إنسانية... لا تزال خارج نطاق الذكاء الاصطناعي

نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر

في القاعات الكبرى، حيث تُصاغ البيانات وتُعلن المبادئ بلغة تبدو مكتملة، يظهر الذكاء الاصطناعي كأنه يسير بثقة نحو مستقبل أكثر عدلاً وإنصافاً. تُرفع شعارات الشفافية، وتُكرَّر مفاهيم الحوكمة، وتُقدَّم العدالة الخوارزمية كأنها حقيقة قريبة لا جدال فيها.

لكن خلف هذا الانسجام الظاهري، يبقى سؤال أكثر إزعاجاً، وأقل حضوراً:

هل ما يُقال في هذه القاعات يعكس فعلاً ما يحدث خارجها، أم أنه يكتفي بصياغة عالمٍ مثالي لا وجود له في الواقع؟

أخلاقيات داخل حدود البيانات

تركّز معظم النقاشات العالمية حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي على قضايا تبدو مكتملة: التحيّز، والخصوصية، والشفافية، والمسؤولية. وهي دون شك قضايا حقيقية، لكنها تنطلق من افتراض خفيّ نادراً ما يُناقش: أن المشكلة تكمن في كيفية استخدام البيانات، لا في حدودها.

لكن السؤال الأكثر عمقاً، والأقل طرحاً، هو: ماذا عن أولئك الذين لا تُمثّلهم البيانات أصلاً؟ فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغ من تعقيد، لا يرى العالم كما هو، بل كما يُقدَّم له. وما لا يدخل في بياناته، لا يدخل في حساباته... ولا في قراراته. وهنا لا يكون الخطأ في الخوارزمية، بل في العالم الذي اختُصر داخلها.

ما لا تراه الخوارزميات

عالم خارج الرؤية الخوارزمية

في مساحات واسعة من هذا العالم، لا تُقاس المعاناة ولا تُسجَّل، ولا تتحول إلى بيانات يمكن للآلة أن تفهمها. هناك أمراض لا تصل إلى مرحلة التشخيص، وصدمات لا تُوثَّق، وواقع صحي كامل يظل خارج أي نموذج تنبؤي.

في مثل هذه البيئات، لا يكون التحيّز نتيجة خلل تقني في الخوارزمية، بل نتيجة غياب الصورة من الأساس. فالمشكلة ليست في طريقة التحليل... بل فيما لم يُحلَّل أصلاً.

وهنا يتبدّل معنى العدالة نفسها. فكيف يمكن الحديث عن «عدالة خوارزمية» في عالمٍ لم يُمثَّل رقمياً بعد؟ وهل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون منصفاً... إذا كان لا يرى الجميع؟

عندما لا تكفي الأخلاقيات

في القمم العالمية، يُقدَّم الذكاء الاصطناعي كأداة يمكن تهذيبها أخلاقياً، وكأن المشكلة تكمن فقط في ضبط سلوك الخوارزمية من داخل النظام الذي أنشأها. تُناقش المبادئ، وتُصاغ الأطر، ويبدو وكأن الحل يكمن في تحسين ما هو قائم. لكن هذا التصور يخفي افتراضاً أعمق: أن جميع المشكلات قابلة للحل من داخل النظام نفسه. بينما يهمس الواقع بشيء مختلف تماماً.

فهناك معاناة لا تنتظر «حوكمة» الخوارزمية... بل تنتظر أن تُرى. وهناك بشر لا يحتاجون إلى خوارزميات أكثر عدلاً، بل إلى أن يدخلوا أصلاً في مجال رؤيتها.

ما بين الخطاب والواقع: درس من قمة الهند

كما ظهر في نقاشات القمة العالمية للذكاء الاصطناعي في الهند، التي رفعت شعار «الذكاء الاصطناعي المسؤول»، بدا أن التركيز ينصب على مبادئ الحوكمة، والشفافية، وتقليل التحيّز داخل الأنظمة. لكن ما تكشفه هذه النقاشات، رغم أهميتها، هو فجوة أعمق: أن الخطاب الأخلاقي العالمي يفترض وجود عالم ممثَّل بالكامل داخل البيانات... بينما الواقع مختلف تماماً. فما لا يُقال في هذه القاعات، ليس فقط حدود التقنية، بل حدود الرؤية نفسها... إذ توجد مجتمعات كاملة خارج نطاق النماذج، وتجارب إنسانية لا تصل إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي، وبالتالي لا تدخل في أي إطار أخلاقي يُناقش.

* عدم الاستقرار البيئي أو الضغوط النفسية من العوامل التي لا يمكن قياسها ولا تدخل إلى الأدوات الذكية *

حدود ما يمكن قياسه

في دراسة حديثة نُشرت عام 2026 في مجلة «نيتشر ميديسن» (Nature Medicine)، أظهرت نماذج تنبؤية طوّرها باحثون في جامعة ستانفورد قدرة متقدمة على تحليل البيانات الصحية، واستباق المخاطر قبل حدوثها. ومع ذلك، توقفت هذه النماذج عند حدود واضحة عندما يتعلق الأمر بعوامل لا تُقاس بسهولة، مثل عدم الاستقرار البيئي أو الضغوط النفسية التي لا تجد طريقها إلى السجلات الطبية.

وهنا لا تنكشف حدود التقنية فحسب، بل حدود الفكرة التي تقوم عليها.

فالمشكلة ليست في دقة ما نقيس، بل في افتراضٍ أعمق: أن كل ما هو مهم... يمكن قياسه.

لكن الواقع أكثر تعقيداً من ذلك. فبعض أهم محددات الصحة لا تُكتب في البيانات، ولا تُترجم إلى أرقام، ومع ذلك تظل الأكثر تأثيراً في حياة الإنسان.

ما بعد الأخلاقيات

قد تنجح القمم في صياغة مبادئ أخلاقية للذكاء الاصطناعي، وتبدو هذه المبادئ مكتملة في نصوصها ومنطقها. لكن التحدي الحقيقي لا يبدأ داخل هذه الأطر، بل خارجها.

في تلك المساحات التي لا تصلها البيانات، ولا تلامسها النماذج، ولا تختزلها الأرقام، هناك يتغيّر السؤال نفسه. فلا يعود السؤال:

هل الذكاء الاصطناعي أخلاقي؟ بل يصبح أكثر عمقاً وإلحاحاً: هل يستطيع أن يرى ما يجب أن يكون أخلاقياً تجاهه؟


أول مهمة مأهولة إلى القمر منذ 50 عاماً

شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر
شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر
TT

أول مهمة مأهولة إلى القمر منذ 50 عاماً

شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر
شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر

سترسل وكالة الطيران والفضاء الاميركية ناسا، أربعة رواد فضاء في مهمة أرتميس 2 في رحلة تستغرق 10 أيام حول القمر للتمهيد لهبوط على سطحه في المستقبل وإقامة قواعد دائمة عليه.