عفن أسود في تشيرنوبل يتغذى على الإشعاع

قد يستخدم في حماية رواد الفضاء

هناك نوع من العفن الأسود يعيش في موقع كارثة تشيرنوبل (إ.ب.أ)
هناك نوع من العفن الأسود يعيش في موقع كارثة تشيرنوبل (إ.ب.أ)
TT

عفن أسود في تشيرنوبل يتغذى على الإشعاع

هناك نوع من العفن الأسود يعيش في موقع كارثة تشيرنوبل (إ.ب.أ)
هناك نوع من العفن الأسود يعيش في موقع كارثة تشيرنوبل (إ.ب.أ)

اكتشف عدد من العلماء بعد أبحاث أجريت على مدى سنوات طويلة أن هناك نوعاً من العفن، أسود اللون، يعيش في موقع كارثة تشيرنوبل النووية، ويُرجح أنه يتغذى على الإشعاع، مشيرين إلى إمكانية استخدامه لحماية رواد الفضاء من الإشعاع الكوني الضار.

وحسب شبكة «بي بي سي» البريطانية، فقد بدأ البحث في هذا الأمر عام 1997 بعد أن قامت عالمة الأحياء الدقيقة الأوكرانية نيلي غدانوفا برحلة استكشافية ميدانية إلى أطلال محطة تشيرنوبل النووية المنفجرة والمهجورة، والتي كانت، قبل أحد عشر عاماً فقط، موقع أسوأ حادث نووي في التاريخ.

وفي الحادث الذي وقع في 26 أبريل (نيسان) 1986 تسببت سلسلة من الأخطاء في انهيار مفاعل محطة تشيرنوبل للطاقة النووية رقم 4 واحتراقه؛ ما أدى إلى انفجار وتسرب إشعاعي لاحق، أسفر عن مقتل 31 شخصاً وإصابة عدد لا يُحصى من الأشخاص بالسرطان.

وللحد من خطر التعرض للإشعاع؛ أنشأت السلطات منطقة محظورة بطول 19 ميلاً حول الموقع لحماية الناس من البقايا المشعة للمفاعل المعني.

ومع ذلك، لاحظت غدانوفا أن العفن الأسود المذكور قد اتخذ من هذه المنطقة الميتة مقراً له.

وأظهرت مسوحات لاحقة للتربة المحيطة أن العفن - الذي يضم 37 نوعاً مختلفاً من الفطريات - يبدو أنه ينمو باتجاه مصدر الإشعاع.

وخلص بحث غدانوفا إلى أن العفن انجذب إلى الإشعاع المؤين، وهو إشعاع كهرومغناطيسي يُطلق وابلاً من الجسيمات المشعة التي تمزّق الحمض النووي والبروتينات بقوة، ويمكن أن يؤدي إلى طفرات خطيرة، ويدمّر الخلايا، بل وقد يقتل الكائنات الحية.

وتساءلت غدانوفا لماذا ينجذب أي كائن حي إلى مادة تقتل ضحاياها وتسبب لهم التحورات والطفرات؟ واشتبهت في أن السبب قد يعود إلى احتواء العفن على الميلانين، الصبغة المسؤولة عن لون الشعر والبشرة الداكنين، وهو أيضاً السبب في اللون الأسود للعفن. وقد افترضت أن هذه الصبغة تحمي الفطريات من الإشعاع المؤين بالطريقة نفسها التي تحمي بها البشرة الداكنة الخلايا من الأشعة فوق البنفسجية.

لكن العفن الأسود في تشيرنوبل لم يكن يتكيف مع الإشعاع فحسب، بل كان يتغذى عليه.

وفي عام 2007، أضافت إيكاترينا داداتشوفا، العالمة النووية في كلية طب ألبرت أينشتاين بنيويورك وفريقها، أن أبحاث غدانوفا حول عفن تشيرنوبل، كاشفة عن أن نموه لم يكن موجهاً نحو الإشعاع فقط (انجذاب إشعاعي)، بل إن حجمه ازداد بالفعل في وجوده، وهذا يدل على أنه كان يستغل الإشعاع ويتغذى عليه، وهي ظاهرة أطلقت عليها اسم «التخليق الإشعاعي»، وكان الميلانين العنصر المحوري في هذه النظرية.

وقالت داداتشوفا: «يمكن تشبيه الأمر بالنباتات التي تتغذى على ضوء الشمس، ولكنه أقوى بكثير. فطاقة الإشعاع المؤين تزيد بنحو مليون مرة على طاقة الضوء المستخدم في عملية التمثيل الضوئي. لذلك؛ نحتاج إلى محوِل طاقة شديد القوة، ونعتقد أن الميلانين قادر على أداء هذا الدور، بتحويل الإشعاع المؤين إلى مستويات من الطاقة قابلة للاستخدام».

ولا يزال التخليق الإشعاعي مجرد نظرية؛ إذ لا يمكن إثباتها إلا إذا تم اكتشاف الآلية الدقيقة التي تربط بين الميلانين والتمثيل الغذائي.

ومع ذلك، إذا صحّ هذا، فسيكون له تداعيات كبيرة على مجموعة متنوعة من التطبيقات الحيوية، بدءاً من تنظيف الإشعاع في مواقع مثل تشيرنوبل وفوكوشيما، وصولاً إلى استكشاف الفضاء، وتحديداً حماية رواد الفضاء من الإشعاع الكوني الضار.

وقال الدكتور أرتورو كاساديفال، أستاذ ورئيس قسم علم الأحياء الدقيقة الجزيئية والمناعة في جامعة جونز هوبكنز، لمجلة «نيوزويك»: «هناك اهتمام كبير من جانب العلماء ووكالات الفضاء بتسخير قوة الصبغات الطبيعية، مثل الميلانين، للحماية من الإشعاع أثناء استكشاف الفضاء».

وأضاف: «يمكن للمواد التي تحتوي على الميلانين، وحتى العفن الأسود المزروع في الفضاء، أن تساعد في حماية البشر في المركبات الفضائية».

وفي عام 2018، أرسل الباحثون أحد أنواع عفن تشيرنوبل، وهو سلالة تُسمى Cladosporium sphaerospermum، إلى محطة الفضاء الدولية، ووجدوا أنه ينمو بمعدل متسارع، لكنهم لم يحددوا بشكل قاطع أن الإشعاع هو السبب.


مقالات ذات صلة

«ناسا» تؤجل أول رحلة مأهولة للقمر ضمن برنامج «أرتيميس» بسبب البرودة

علوم «ناسا» كانت على أهبة الاستعداد لإجراء اختبار تزويد الصاروخ التابع لمهمة «أرتيميس» (إ.ب.أ)

«ناسا» تؤجل أول رحلة مأهولة للقمر ضمن برنامج «أرتيميس» بسبب البرودة

أجلت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) رحلة رواد الفضاء المقبلة إلى القمر، بسبب توقعات بانخفاض درجات الحرارة إلى ما يقارب الصفر في موقع الإطلاق.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
يوميات الشرق عالم قريب فلكياً... بعيد إنسانياً (ناسا)

كوكب جديد داخل المنطقة الصالحة للحياة... لكن ببرودة قاتلة

اكتشف علماء الفلك الكوكب الجديد الذي يحتمل أن يكون قادراً على احتضان الحياة على مسافة تقارب 146 سنة ضوئية من الأرض

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم يأتي المؤتمر بدعم من المكتب الأممي لشؤون الفضاء الخارجي وشراكة مع الاتحاد الدولي للاتصالات (وكالة الفضاء السعودية)

مؤتمر دولي في الرياض يبحث استدامة المدارات الأرضية

انطلقت في الرياض أعمال النسخة الثانية من مؤتمر «حطام الفضاء 2026»، الذي تنظمه على مدى يومين «وكالة الفضاء» السعودية وسط مشاركة دولية رفيعة المستوى.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تكنولوجيا مركبة «أرتميس 2» الفضائية موجودة في الحجرة رقم 3 بمبنى تجميع المركبات بمركز كينيدي للفضاء في كيب كانافيرال (أ.ف.ب)

صاروخ إعادة البشر إلى القمر يُنقل لمنصة الإطلاق بفلوريدا

نقلت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) صاروخها العملاق «إس إل إس» الذي من المفترض أن يحمل روّاد فضاء إلى مدار القمر في أوّل مهمّة منذ أكثر من 50 سنة.

«الشرق الأوسط» (مركز كيندي الفضائي في فلوريدا )
الولايات المتحدة​ مركبة «دراغون إنديفور» الفضائية التابعة لشركة «سبيس إكس» بعد وقت قصير من هبوطها وعلى متنها رواد الفضاء التابعون لوكالة ناسا... في المحيط الهادئ قبالة ساحل لونغ بيتش ولاية كاليفورنيا الأميركية 15 يناير 2026 (أ.ف.ب)

عودة كبسولة فضاء إلى الأرض على متنها 4 رواد أحدهم مريض

عاد أربعة رواد فضاء بسلام إلى الأرض، فجر الخميس، قبل بضعة أسابيع من موعد انتهاء مهمتهم في محطة الفضاء الدولية، وذلك بعد أن تعرّض أحدهم ​لوعكة خطيرة.

«الشرق الأوسط» (لوس أنجليس)

الصمت… بوصفه فضيلة طبية للخوارزميات

حين تختار الخوارزمية الصمت
حين تختار الخوارزمية الصمت
TT

الصمت… بوصفه فضيلة طبية للخوارزميات

حين تختار الخوارزمية الصمت
حين تختار الخوارزمية الصمت

في الطب التقليدي، كان الصمت قراراً بشرياً يتخذه الطبيب حين يرى أن الإفراط في التفسير قد يربك المريض أكثر مما ينفعه.

أما اليوم، وفي عصر الذكاء الاصطناعي الطبي، فقد أصبح السؤال أعمق: هل يمكن أن يكون الصمت جزءاً من هندسة الخوارزمية نفسها؟ وهل ينبغي أن نُعلّم الآلة أن تمتنع عن الكلام حين يكون كلامها مؤذياً؟

بين الشكّ البشري والثقة الرقمية

بحث 2026: الاعتراف بعدم اليقين

في يناير (كانون الثاني) 2026، نشر الباحث محمد رشاد الإسلام (Md Rashadul Islam) من قسم هندسة علوم الحاسوب في جامعة دافوديل الدولية (Daffodil International University) في دكا، بنغلاديش، دراسة على منصة «أركايف» (arXiv) بعنوان: «إطار الامتناع الانتقائي للذكاء الاصطناعي الواعي بعدم اليقين في تصوير السكتة الدماغية الحادة».

تناولت الدراسة تحدياً معروفاً في أنظمة الذكاء الاصطناعي الطبي، وهو أن النماذج - حتى الأكثر دقة - تُجبر على إصدار حكم تشخيصي في جميع الحالات، حتى عندما تكون درجة الثقة منخفضة.

لذا؛ اقترح الباحث إطاراً يدمج تقدير «عدم اليقين الاحتمالي» داخل نموذج تحليل صور السكتة الدماغية الحادة. وعندما تنخفض درجة الثقة عن حد معين، يمتنع النظام صراحةً عن إصدار توصية، ويُحيل القرار إلى الطبيب.

وأظهرت النتائج الأولية انخفاضاً في الأخطاء بالحالات الحدّية وارتفاعاً في أمان القرار السريري مقارنة بالنماذج التقليدية. ورغم أن الدراسة لا تزال منشورة بحثاً أولياً لم يخضع بعد للتحكيم النهائي، فإنها تعكس اتجاهاً بحثياً واضحاً نحو «ذكاء واعٍ بحدوده».

بين القدرة على التنبؤ وأخلاقيات الإفصاح

الذكاء الاصطناعي اليوم قادر على التنبؤ بمخاطر أمراض قبل سنوات من ظهورها، وقراءة الصور الشعاعية بدقة تتجاوز أحياناً العين البشرية. لكن السؤال لم يعد: هل يستطيع أن يتنبأ؟ بل: هل ينبغي أن يُعلن كل ما يتنبأ به؟

تخيّل نظاماً يخبر مريضاً باحتمال متوسط للإصابة بمرض خطير خلال عشر سنوات. الاحتمال غير حاسم، والتدخل غير مؤكد، لكن كلمة «خطر» وحدها قد تغيّر نظرته إلى ذاته ومستقبله. هنا تتحول المعلومة من رقم إحصائي إلى عبء نفسي.

ليس كل تنبؤ يستحق أن يتحول إنذاراً.

خطر الضجيج العلاجي

الأنظمة الذكية مصممة بطبيعتها لإنتاج نتائج. والنموذج الذي لا يُخرج توصية يُعدّ ناقصاً تقنياً. لكن الطب ليس سباقاً في عدد التنبيهات، بل مسؤولية في وزن العواقب.

وقد يقود الإفراط في الإنذار إلى فحوص غير ضرورية، وتشخيص زائد، وقلق مزمن. ومع إدماج الخوارزميات في السجلات الطبية الإلكترونية، تتحول التوصية إلى «خيار موصى به» تلقائياً، ويصبح الخروج عنه في حاجة إلى تبرير. هنا يحدث ما يمكن تسميته بالانزياح الصامت للمسؤولية؛ لا تُلغى حرية الطبيب، لكنها تُثقل تحت ضغط الثقة الرقمية.

مبدأ الصمت الخوارزمي

من هنا يبرز مفهوم «الصمت الخوارزمي» بوصفه فضيلة طبية ناشئة. وهو لا يعني إخفاء الحقيقة، بل ترشيحها عبر ميزان التناسب. فإذا كان التنبؤ عالي الدقة، والتدخل المبكر ينقذ حياة، فالإفصاح واجب. أما إذا كان الاحتمال متوسطاً، والفائدة غير محسومة، والضرر النفسي متوقعاً، فقد تكون المراقبة أكثر أخلاقية من الإنذار.

الفرق هنا بين القدرة على التنبؤ والحق في التدخل.

ضجيج الإنذارات

الشكّ المهني في عصر الخوارزميات

أحد أعمدة الطب هو الشكّ البنّاء، فالطبيب المتمرّس يعرف متى يتدخل ومتى ينتظر. لكن الخوارزمية، إن لم تُصمَّم بعناية، قد تُضعف هذا الشك؛ لأنها تعرض توصياتها بثقة رقمية تبدو عقلانية ومحايدة.

ومع الاعتياد، يتحول النظام مرجعيةً غير مُساءلة، لا لأنه يفرض نفسه، بل لأننا نعتاد عليه. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية.

نحو ذكاء أكثر تواضعاً

الطب لا يحتاج إلى ذكاء أعلى فحسب، بل إلى ذكاء أكثر تواضعاً؛ ذكاء يعترف بدرجة عدم يقينه، ويُظهر حدوده بوضوح، ويمتنع عن الكلام حين يكون الكلام ضرراً.

فالخوارزمية لا ترى القلق في عيني المريض، ولا تتحمل تبعات القرار، ولا تعيش أثر الكلمة. الطبيب وحده من يزن الاحتمال في ضوء الإنسان الجالس أمامه.

ليست المشكلة أن تتكلم الخوارزمية، بل أن تتكلم حين لا ينبغي لها أن تفعل. فالذكاء الحقيقي لا يُقاس بعدد ما يقول، بل بقدر ما يعرف أن يمتنع.

ومستقبل الرعاية الصحية لن يُقاس بعدد ما تقوله الأنظمة الذكية، بل بقدرتها على معرفة متى تتراجع خطوة، وتترك للإنسان الكلمة الأخيرة.


الجينات وتجارب الحياة تحددان مصير العدوى داخل أجسامنا

الجينات وتجارب الحياة تحددان مصير العدوى داخل أجسامنا
TT

الجينات وتجارب الحياة تحددان مصير العدوى داخل أجسامنا

الجينات وتجارب الحياة تحددان مصير العدوى داخل أجسامنا

كشفت دراسة علمية حديثة أن الاختلاف الكبير في استجابة الناس للأمراض المعدية يعود إلى تفاعل معقّد بين الجينات التي نرثها، وتجارب الحياة التي ممرنا أو نمرّ بها، مثل العدوى السابقة، واللقاحات، والعوامل البيئية. وأظهرت الدراسة أن هذه العوامل تترك بصمات جزيئية دائمة على خلايا الجهاز المناعي تتحكم في كيفية عمل الجينات، واستجابة الجسم للأمراض.

فهرس «غير جيني» لخلايا المناعة البشرية

ُشرت الدراسة التي أجراها باحثون من معهد سالك للأبحاث في كاليفورنيا الولايات المتحدة في مجلة «Nature Genetics» في 27 يناير (كانون الثاني) 2026 حيث قدّم العلماء أول فهرس غير جيني مفصّل لخلايا المناعة البشرية، ما يفتح الباب أمام تطوير علاجات أكثر دقة، وتخصيصاً لكل فرد.

وتبرز أهمية هذه النتائج بوضوح بعد أن أظهرت جائحة كوفيد-19 حقيقة لافتة هي أن الأشخاص المصابين بالفيروس نفسه قد يمرّون بتجارب صحية مختلفة تماماً. فبينما يعاني بعضهم أعراضاً خفيفة، يصاب آخرون بمضاعفات خطيرة. وهذا ما أعاد طرح سؤال جوهري ألا وهو لماذا تؤثر العدوى نفسها على الناس بطرق متباينة؟

الطبقة الخفية وراء الحمض النووي

رغم أن جميع خلايا الجسم تحمل الحمض النووي «دي إن إيه» نفسه، فإنها لا تؤدي الوظائف نفسها. فالخلية الجلدية تختلف تماماً عن الخلية المناعية. ويعود هذا الاختلاف إلى ما يُعرف بـاللاجينوم Epigenome.

واللاجينوم عبارة عن علامات كيميائية صغيرة ترتبط بالحمض النووي، وتعمل بوصفها مفاتيح تشغيل أو إيقاف للجينات. وهي لا تغيّر الشيفرة الوراثية نفسها، لكنها تتحكم في طريقة عمل الخلايا.

وعلى عكس الجينات يتميز اللاجينوم بالمرونة، إذ تُورَّث بعض علاماته، بينما تتشكل أخرى نتيجة التعرض للعدوى، واللقاحات، والعوامل البيئية عبر مراحل الحياة.

الطبيعة والتجربة داخل خلايا المناعة

ولفهم تأثير الجينات، وتجارب الحياة على الجهاز المناعي، حلّل فريق البحث بقيادة جوزيف إيكر من مختبر التحليل الجينومي معهد سالك للدراسات البيولوجية في الولايات المتحدة الأميركية عينات دم من 110 أشخاص ذوي خلفيات متنوعة. وشملت هذه العينات أشخاصاً تعرضوا لعدوى مختلفة، مثل الإنفلونزا، وكوفيد-19، وفيروس نقص المناعة البشرية، إضافة إلى تلقي بعضهم لقاحات، والتعرض لمواد كيميائية بيئية.

وركّز الباحثون على أربعة أنواع رئيسة من خلايا المناعة هي: الخلايا التائية T cells، والخلايا البائية B cells التي تحتفظ بذاكرة طويلة الأمد للعدوى السابقة، ثم الخلايا الوحيدة Monocytes، والخلايا القاتلة الطبيعية natural killer cells التي تستجيب بسرعة، وبصورة أوسع.

ثم قاموا برسم خريطة للتغيرات اللاجينية، خاصة أنماط مثيلة الحمض النووي داخل كل نوع من هذه الخلايا.

نوعان من البصمات اللاجينية

وكشفت الدراسة عن وجود نوعين واضحين من التغيرات اللاجينية هي تغيرات مرتبطة بالوراثة الجينية، وتغيرات ناتجة عن تجارب الحياة، والتعرض البيئي.

وتبيّن أن هذين النوعين يظهران في مناطق مختلفة من الجينوم. إذ تترك التأثيرات الوراثية بصمتها في مناطق مستقرة، خاصة في الخلايا المناعية طويلة العمر، مثل الخلايا التائية، والبائية. في المقابل تظهر تأثيرات التجارب الحياتية في مناطق تنظيمية أكثر مرونة تساعد الخلايا على الاستجابة السريعة للتهديدات.

وتشير هذه النتائج إلى أن الجينات تضع الأساس طويل الأمد لعمل الجهاز المناعي، بينما تعدّل التجارب الحياتية الاستجابة المناعية بحسب الظروف.

ربط خطر الأمراض بخلايا مناعية محددة

وأوضحت الدراسة أن بعض الاختلافات الجينية المرتبطة بالأمراض لا تُسبب المرض بشكل مباشر، بل تعمل من خلال التأثير على «مفاتيح» كيميائية دقيقة تتحكم في نشاط الجينات داخل أنواع معيّنة من خلايا الجهاز المناعي. ويساعد هذا الفهم العلماء على معرفة أيّ الخلايا تبدأ منها الأمراض، وكيف تتطور على المستوى الجزيئي، ما يمهّد الطريق لتشخيص أدقّ، وعلاجات أكثر استهدافاً بدل التأثير في الجهاز المناعي بأكمله.

نحو طب مناعي شخصي

من أبرز آفاق هذا البحث إمكانية استخدام الخرائط اللاجينية للتنبؤ بكيفية استجابة الأشخاص للعدوى. فمع توفر عدد أكبر من البيانات قد يصبح بالإمكان تحليل بصمة الشخص المناعية، وتوقع شدة المرض لديه، وربما حتى قبل التعرض للعدوى.

وفي المستقبل قد يستخدم الأطباء هذه التواقيع اللاجينية لتحديد الأشخاص الأكثر عرضة للمضاعفات، وتصميم استراتيجيات وقائية أو علاجية مخصصة لهم.

خريطة طريق للمستقبل

يوفّر هذا الأطلس اللاجيني الجديد لخلايا المناعة مورداً علمياً بالغ الأهمية لدراسة الأمراض المعدية والوراثية على حد سواء. ومن خلال كشف كيفية تفاعل الجينات، وتجارب الحياة داخل خلايا المناعة، تقرّب هذه الدراسة الطب من مفهوم العلاج الشخصي الحقيقي.

ومع توسّع هذا الفهرس في السنوات المقبلة قد يساعد الأطباء ليس فقط على فهم أسباب المرض، بل أيضاً على حماية المرضى بطرق أكثر فاعلية، ودقة.


الأطراف الاصطناعية... قفزات متتالية نحو محاكاة الحركة الطبيعية

شخص يستخدم يده الاصطناعية لالتقاط مكعب صغير (جامعة ميشيغان)
شخص يستخدم يده الاصطناعية لالتقاط مكعب صغير (جامعة ميشيغان)
TT

الأطراف الاصطناعية... قفزات متتالية نحو محاكاة الحركة الطبيعية

شخص يستخدم يده الاصطناعية لالتقاط مكعب صغير (جامعة ميشيغان)
شخص يستخدم يده الاصطناعية لالتقاط مكعب صغير (جامعة ميشيغان)

يشهد مجال الأطراف الاصطناعية طفرة لافتة في السنوات الأخيرة، مدفوعة بتطورات متسارعة في تقنيات الروبوتات والذكاء الاصطناعي وأجهزة الاستشعار الدقيقة. ورغم هذا التقدم لا يزال أحد أبرز التحديات يتمثّل في ضبط قوة القبضة بما يتناسب مع طبيعة الشيء الذي يمسكه المستخدم؛ فالإمساك ببيضة يتطلّب لمسة بالغة الرقة، في حين يحتاج فتح زجاجة ماء إلى قوة أكبر وتحكم أدق.

ووفقاً لمراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها في الولايات المتحدة، تُسجَّل نحو 50 ألف حالة بتر سنوياً، مما يجعل فقدان اليد عاملاً مؤثراً بشكل كبير في قدرة الأفراد على أداء مهامهم اليومية بصورة طبيعية.

تطوير طرف اصطناعي بقدرات ذكية تحاكي التفكير البشري (جامعة يوتا الأميركية)

نظم ذكية أكثر استجابة

وتركّز أحدث الابتكارات في هذا المجال على تطوير أطراف اصطناعية أكثر ذكاءً واستجابة، قادرة على محاكاة الإحساس الطبيعي لليد البشرية. وتمنح هذه التقنيات المستخدمين قدراً أكبر من الاستقلالية، وتساعدهم على إنجاز أنشطتهم اليومية بسهولة وثقة، مع تعزيز مستويات الراحة والسلامة في أثناء الاستخدام.

وفي السياق، طوّر باحثون في جامعة قويلين للتكنولوجيا الإلكترونية في الصين نظاماً مبتكراً للأطراف الاصطناعية يعتمد على تعلّم الآلة، والرؤية الحاسوبية، وأجهزة استشعار متقدمة، بهدف تحديد قوة القبضة المناسبة لكل جسم في الوقت الفعلي. ونُشرت النتائج في عدد 20 يناير (كانون الثاني) 2026 من دورية «Nanotechnology and Precision Engineering».

وركزت الدراسة على قياس قوة القبضة اللازمة للتعامل مع أكثر من 90 في المائة من الأشياء اليومية الشائعة، مثل الأقلام، والزجاجات، والأكواب، والكرات، والمفاتيح، بالإضافة إلى الأشياء الهشة مثل البيض، وذلك لتمكين المستخدم من التفاعل الطبيعي مع محيطه دون الحاجة إلى ضبط قوة القبضة يدوياً في كل مرة.

ويعمل النظام عبر كاميرا صغيرة مثبتة بالقرب من راحة اليد، إلى جانب أجهزة استشعار للضغط في أطراف الأصابع، بالإضافة إلى جهاز لقياس النشاط الكهربائي للعضلات في ساعد المستخدم، مما يسمح بتحديد نية الإمساك بالشيء وضبط قوة القبضة تلقائياً.

وقال الباحث الرئيسي في الدراسة بجامعة قويلين للتكنولوجيا الإلكترونية، الدكتور هوا لي، إن هذا النظام يمكن أن يُحدث فرقاً ملموساً في حياة مستخدمي الأطراف الاصطناعية، من خلال الجمع بين الرؤية الحاسوبية وإشارات العضلات الكهربائية، بما يتيح التعرف الذكي على الأشياء والتحكم التكيفي بقوة القبضة في أثناء الإمساك بها.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن النظام يحلل تلقائياً الهدف باستخدام خوارزمية متقدمة تحدد نوع الشيء وملمسه وحجمه، ثم تختار قوة القبضة المناسبة له، مثل القوة الخفيفة عند التعامل مع البيض، أو القوة المعتدلة عند الإمساك بأكواب مملوءة بالماء، مما يقلل من احتمالات تلف الأشياء أو انزلاقها من اليد.

وبالاعتماد على إشارات جهاز قياس النشاط الكهربائي للعضلات للكشف عن نية المستخدم، يُكمل النظام تلقائياً عملية «التعرف البصري، ومطابقة القوة، وتنفيذ الحركة» بأسلوب يحاكي ذاكرة العضلات البشرية. ويُسهم ذلك في تقليل الحاجة إلى التعديل اليدوي المستمر، ويتيح أداء المهام اليومية بطريقة أكثر طبيعية، مما ينعكس إيجاباً على جودة حياة المستخدمين.

وعن تأثير هذه التكنولوجيا في تصميم الأطراف الاصطناعية مستقبلاً، أوضح الدكتور لي أن النظام يفتح آفاقاً جديدة لتطوير أيدٍ اصطناعية أكثر تقدماً، إذ يوفّر نمط التحكم المزدوج القائم على الرؤية الحاسوبية وإشارات العضلات منطقاً ذكياً يعتمد على «الكشف النشط والتنفيذ التلقائي». ويجعل هذا التحول اليد الاصطناعية أقرب إلى السلوك البشري الطبيعي في الإمساك بالأشياء، بدلاً من كونها مجرد أداة استجابة خاملة.

أما بشأن إمكانية تكييف هذا النظام لاستخدامه مع أطراف اصطناعية أو روبوتات أخرى، فأكد أن التكنولوجيا الأساسية لا تعتمد على بنية الطرف ذاته. ومع إجراء تعديلات بسيطة على نماذج التعرف البصري وضبط عتبات القوة المناسبة، يمكن تطبيق النظام على الأرجل أو الأذرع الاصطناعية، وحتى على أذرع الروبوتات، مما يوفّر حلولاً فعالة ومنخفضة التكلفة لأجهزة التأهيل والتقنيات الروبوتية، ويفتح المجال أمام تطبيقات واسعة في مجالات متعددة.

تصميم يد اصطناعية مبتكرة تحاكي حركة اليد الطبيعية (معهد التكنولوجيا الإيطالي)

محاولات بحثية موازية

وتتزامن هذه التطورات مع جهود بحثية عالمية أخرى تهدف إلى محاكاة الحركة الطبيعية بشكل أدق. ففي ديسمبر (كانون الأول) 2025، نجح فريق من جامعة يوتا الأميركية في تطوير يد اصطناعية ذكية تعتمد على الذكاء الاصطناعي، ومزودة بمجسات ضغط وأخرى بصرية دقيقة تمكّنها من «التفكير الذاتي». ودُرّبت اليد باستخدام شبكة عصبية على أوضاع قبض مختلفة، مما سمح لكل أصبع بالتحرك بشكل مستقل ومتزامن مع المستخدم، وتقليل الجهد العقلي المطلوب لأداء المهام اليومية.

كما يعمل باحثون في معهد التكنولوجيا الإيطالي وجامعة إمبريال كوليدج لندن على تطوير أطراف اصطناعية تعتمد على التناغم العصبي العضلي وتكنولوجيا الروبوتات اللينة. وفي يونيو (حزيران) 2025، صمم الفريق يداً اصطناعية لينة ذات درجتَيْن من الحركة، أظهرت نتائج واعدة في التحكم الدقيق والمتعدد الأصابع، بما في ذلك المهام المعقدة التي لم تكن ممكنة بالطرق التقليدية.

وفي يوليو (تموز) 2024، ابتكر باحثون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا واجهة عصبية متقدمة للساق الاصطناعية، تتيح للطرف الإلكتروني التفاعل المباشر مع الجهاز العصبي البشري. وتعتمد هذه الواجهة على عضلات متصلة جراحياً وأقطاب لاستشعار الإشارات العصبية، مما مكّن المستخدمين من استعادة التحكم الحركي والحسي وتحقيق تحسينات ملحوظة في سرعة المشي وقوة العضلات والتكيف مع بيئات مختلفة.

ووفق الباحثين، تشير هذه التطورات إلى أن مستقبل الأطراف الاصطناعية يتجه نحو أنظمة ذكية، ومتكيفة، ومتصلة عصبياً، تقترب بشكل متزايد من الأداء الطبيعي للأطراف البيولوجية، وتعيد للمستخدمين بساطة الحركة وثقتهم بأداء مهامهم اليومية.