«ناسا» تحيي سباق مشاريع الطيران الأسرع من الصوت

تصاميم أميركية وصينية مطورة لطائرات من دون ضجيج

نموذج طائرة «إكس - 59»
نموذج طائرة «إكس - 59»
TT

«ناسا» تحيي سباق مشاريع الطيران الأسرع من الصوت

نموذج طائرة «إكس - 59»
نموذج طائرة «إكس - 59»

أخيراً، أطلقت وكالة الطيران والفضاء الأميركية «ناسا» طائرة «إكس - 59» الأسرع من الصوت التي حلقت بهدوء في سماء بالمديل، كاليفورنيا، ثم هبطت بنجاح بعد بضع دقائق. وتعد هذه الطلعة الأولى التي انطلقت في 28 أكتوبر (تشرين الأول)، بمثابة اختبارٍ للأنظمة الأساسية وصلاحية الطيران في ظروف سرعات لم تتجاوز سرعة الصوت. كما تُمثل هذه الرحلة الخطوة قبل الأخيرة نحو إحياء رحلات الركاب الجوية الأسرع من الصوت.

تصاميم أميركية وصينية مطورة

وتُمثل هذه الرحلة أيضاً بداية سباقٍ لمعرفة أيّ من أفكار ومخططات الطائرات الأسرع من الصوت الثلاثة سيفوز، ليُصبح التصميم السائد في القرن الحادي والعشرين.

وقد طرحت شركة «لوكهيد مارتن» من جهتها، تصميم «إكس ـ 59» X-59، التي تُشبه شكل السهم، والتي جرى تطويرها لتجنب دوي الانفجار الصوتي.

بعد ذلك، لدينا طائرة «إكس بي - 1 بوم سوبرسونيك»Boom Supersonic’s XB-1، التي لا تهدف إلى تجنب دوي الانفجار الصوتي، بل إلى منعه من الوصول إلى الأرض، وذلك بفضل حسابات كمبيوترية والاستخدام الذكي لفيزياء الغلاف الجوي.

وأخيراً، لا يمكن أن نغفل أن الصين تُشارك هي الأخرى في هذا السباق، بتصميم يبدو أنه يمزج أفكاراً من كل من «إكس ـ 59» و«إكس بي ـ 1».

طائرة بلا دويّ صوتي

وتكمن أهمية طائرة «إكس-59» في تدارك تصميمها للفشل الذريع الذي مني به تصميم طائرة «كونكورد»؛ فرغم كونها معجزة تكنولوجية، فإن دويّها الصوتي المزعج المحطم لطبلة أذن الإنسان أثار استياءً شعبياً، مما أدى إلى حظر الطيران الأسرع من الصوت فوق المناطق المأهولة بالسكان عام 1971، في خطوة أضعفت جدواها التجارية، واتبعتها الجهات التنظيمية في جميع أنحاء العالم. والآن، ورغم رفع إدارة ترمب لهذا الحظر داخل الولايات المتحدة، فإنه لا يزال سارياً في بقية أرجاء العالم.

وهنا، جاء تصميم «إكس-59» لإلغاء جميع صور الحظر عالمياً. وهو يهدف إلى إثبات أن الطائرة النفاثة الأسرع من الصوت يمكنها التحليق دون إحداث دويّ مزعج، بل تُولّد صوتاً هادئاً لا يزيد في ضوضائه عن صوت إغلاق باب سيارة.

وفي هذا الصدد، أخبرني ديف ريتشاردسون، مدير برنامج طائرة «إكس-59» لدى شركة «لوكهيد مارتن»، العام الماضي، عند الكشف عن النموذج الأولي الفعلي: «يكمن الاختراق الحقيقي للطيران الأسرع من الصوت، في القدرة على التحليق فوق الأرض مرة أخرى. ولديك تلك المسارات الطويلة التي تكون فيها تلك الرحلة الأسرع من الصوت أكثر فائدة».

الخدعة السحرية تكمن في شكل التصميم

يذكر أن طائرة «إكس-59» جرى تصنيعها من أجزاء مُعاد تدويرها، مُثبتة في هيكل جذري على شكل رأس سهم، مما يجعلها تبدو أشبه بسلاح أكثر منها بمركبة بحثية. وفي الواقع، تبدو الطائرة أشبه بإبرة طويلة وحادة بشكل لا يُصدق.

وفي هذا التصميم تحديداً تكمن الخدعة السحرية. وبحسب ريتشاردسون، فإن سر رحلتها الهادئة ليس مادة أو محركاً جديداً غريباً. وأوضح قائلاً: «لا توجد تكنولوجيا جذرية في الطائرة نفسها. الأمر برمته يرتبط في الواقع مجرد شكل الطائرة».

وُلد هذا الشكل - بمقدمة تُشكل ثلث طول الطائرة، وقمرة قيادة دون نافذة أمامية، ومحرك مثبت على ظهرها - من رحم قوة حاسوبية هائلة. وأتاحت النمذجة المتقدمة للمهندسين محاكاة كيفية تصرف موجات الصدمة، أي العملية التي كانت تتطلب في السابق التجربة «مئات أو آلاف المرات بتكلفة باهظة» داخل نفق رياح.

يعتمد تصميم شركة «لوكهيد مارتن» على إعادة تشكيل فيزياء دوي الانفجار الصوتي بشكل جذري. وبدلاً من السماح لموجات الصدمة الناتجة عن حركة الطائرة عبر الهواء بالاندماج في دوي انفجار ضخم ومتفجر، صُمم الشكل النحيف لطائرة «إكس ـ 59» لإبقاء تلك الموجات منفصلة. وعن ذلك، قال ريتشاردسون: «نريد أن نكون قادرين على التمدد وإدارة الصدمات المختلفة على طول الطائرة».

وبالفعل، جرى وضع كل عنصر بدقة لدعم هذا الهدف. إذ يقع مدخل هواء المحرك أعلى جسم الطائرة، مما يدفع موجة الصدمة للانتقال لأعلى، بعيداً عن الأرض. ويستعين الطيار بـ«نظام رؤية خارجية» عالي الدقة، بدلاً من النافذة، مما يزيل الانتفاخ الذي يشبه المظلة الذي من شأنه أن يُحدث موجة صدمة قوية.

ولا يتمثل الهدف النهائي هنا في بناء طائرة ركاب جديدة، بل في جمع البيانات. وتهدف مهمة «كويست» (QueSST) (تكنولوجيا الأسرع من الصوت الهادئة)، من «ناسا»، إلى تحويل دوي طائرة «كونكورد» البالغ 105 ديسيبل – ما يكافئ صوت منشار كهربائي - إلى صوت ارتطام بقوة 75 ديسيبل. وهذه نقطة البيانات الحاسمة.

وتُعد طائرة «إكس ـ 59» أداة تجريبية مصممة للتحليق فوق التجمعات السكانية، وطرح سؤال بسيط: هل هذا الصوت الخافت مقبول؟ ومن المقرر تجميع التعليقات من الأشخاص على الأرض، في قاعدة بيانات تتاح أمام الهيئات التنظيمية (القانونية) الأميركية والدولية، مما يوفر الأدلة التي يحتاجونها لإعادة صياغة قواعد الطيران الأسرع من الصوت.

اختبار نوع جديد من الطائرات

كانت هذه الرحلة الافتتاحية التي قادها نيلز لارسون، مجرد بداية لعملية اختبار صارمة. وعلى مدار الأشهر المقبلة، ستحلق طائرة «إكس ـ 59» بشكل أسرع وأعلى تدريجياً، لتتجاوز في النهاية سرعة 1.4 ماخ على ارتفاع 55 ألف قدم. وبمجرد التحقق من أدائها، ستبدأ الطائرة رحلاتها فوق التجمعات السكانية عبر العديد من المدن الأميركية. وإذا ما جاء رد الفعل العام إيجابياً ودعمت البيانات التوقعات، فسيكون الطريق ممهداً أمام انطلاقة أكبر.

وفيما يتعلق بمصنعي الطائرات التجارية، صرّح ريتشاردسون بأن الشركة تستطيع «البدء فوراً» في تطوير جيل جديد من الطائرات الهادئة الأسرع من الصوت بمجرد إلغاء القوانين الراهنة. والآن، يعتمد مستقبل أوقات السفر الأقصر بشكل كبير على أداء هذه الطائرة الفريدة والغريبة.

من جهتها، وفي هذه الأثناء وبعد اختبار طائرة «إكس بي ـ 1» بنجاح، تواصل شركة «بوم سوبرسونيك» العمل على طائرة «أوفرتشر»، أول طائرة تجارية لها. وإذا استمرت الشركة في تطويرها بالوتيرة الحالية، فقد تصبح الفائزة في هذا السباق الصامت للطائرات الأسرع من الصوت.

وقد أخبرني برايان شول، الرئيس التنفيذي للشركة، قبل بضعة أشهر أن طائرة «أوفرتشر» مصممة لتناسب البنية التحتية الحالية للمطارات. وستكون الطائرة قادرة على العمل من البوابات والمدرجات الحالية، مما يجعلها عملية للاستخدام التجاري. في المقابل، عبر عن اعتقاده بأنه سيكون من المستحيل لطائرة مثل «إكس ـ 59» أن تتطور إلى حجم طائرة ركاب، لأنها ستكون طويلة للغاية بشكل لا يُصدق، ويستحيل أن تتناسب مع المطارات الحالية دون إعادة تصميم أو بناء بوابات جديدة.

ومع ذلك، يبقى من السابق لأوانه التنبؤ بما سيحدث، إذ لا يزال يتعين على «إكس ـ 59» البدء في وإتمام حملة الاختبارات بنجاح، كما يتعين على «أوفرتشر» أن تتجسد على أرض الواقع. وينطبق الأمر نفسه على التصميم الصيني. أما الآن، فمن الممتع رؤية كل هذه الآلات الرائعة تُقلع... وتكتب التاريخ.

* مجلة «فاست كومباني»

ـ خدمات «تريبيون ميديا»


مقالات ذات صلة

«ناسا» توسع تعاقدها مع «سبيس إكس» لنقل مزيد من الرواد لمحطة الفضاء

علوم محطة الفضاء الدولية (رويترز) p-circle

«ناسا» توسع تعاقدها مع «سبيس إكس» لنقل مزيد من الرواد لمحطة الفضاء

أعلنت إدارة الطيران والفضاء الأميركية، الجمعة، أنها منحت شركة «سبيس إكس» عقداً بقيمة 946 مليون دولار لإرسال 3 بعثات إضافية من الرواد إلى محطة الفضاء الدولية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
علوم عرض الفوهة التي أُطلق عليها اسم «ماكغيتشين» يبلغ نحو 222 مترا، ويُعتقد أنها تشكّلت في ربيع 2024 نتيجة اصطدام القمر بمذنب أو كويكب (أ.ف.ب)

«ناسا» تكتشف فوهة ضخمة حديثة التكوين على القمر

اكتشف باحث في وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) فوهة ضخمة حديثة التكوين على سطح القمر، في حدث نادر يقول العلماء إنه قد لا يتكرّر سوى مرة كل قرن أو أكثر.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق عطارد يحمل عمره مكتوباً على سطحه (أ.ب)

عطارد ينكمش مثل حبّة عنب تذبل تحت الشمس!

أظهرت دراسة حديثة أنّ كوكب عطارد الصغير، ذا السطح المتجعِّد، قد يكون في طريقه إلى الانكماش بوتيرة أسرع مما توقَّع العلماء...

«الشرق الأوسط» (كيب كانافيرال - فلوريدا)
أوروبا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي خطاباً في القمة الدولية للفضاء بالقصر الكبير في باريس 10 سبتمبر 2026 (أ.ب)

ماكرون لتعزيز دور أوروبا في الفضاء

حثّ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الخميس، أوروبا على أن تصبح ضمن «الجهات الفاعلة» عالمياً في الفضاء.

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق الشمس أقرب هذه المرّة مما تسمح به السماء (الصندوق الوطني)

شمس عملاقة تشرق داخل قاعة سوق بريطانية

من المقرّر عرض عمل فنّي ضخم يُجسّد الشمس، للفنان لوك جيرام، في قاعة سوق غول بشرق يوركشاير، من 25 سبتمبر (أيلول) الحالي حتى 5 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل...

«الشرق الأوسط» (لندن)

الذكاء الاصطناعي يسكتشف سر «الأيدي السحرية» للعلماء

الذكاء الاصطناعي يسكتشف سر «الأيدي السحرية» للعلماء
TT

الذكاء الاصطناعي يسكتشف سر «الأيدي السحرية» للعلماء

الذكاء الاصطناعي يسكتشف سر «الأيدي السحرية» للعلماء

في ظهيرة أحد الأيام الماضية، كان عدد من العلماء يتحرك بنشاط ودأب داخل مختبر في مدينة كمبردج بولاية ماساتشوستس، حيث عكفوا على إجراء سلسلة من التجارب. وكانت تجهيزات المختبر اعتيادية: خزانة تهوية مخصصة للتعامل مع المواد الكيميائية الخطرة، وحاضنة لزراعة الخلايا. كما بدت إجراءات العمل مطابقة لما يجري في مختبرات علم الأحياء في كل مكان.

ذكاء اصطناعي للمراقبة

إلا أنه مع إمعان النظر، ظهرت بعض الأمور الغريبة؛ إذ كان معظم العلماء يضعون كاميرات صغيرة مثبتة على عصابات للرأس إلى جانب المعاطف والقفازات الواقية التي يرتدونها. وتولت ثلاث كاميرات إضافية مراقبة كل محطة عمل من أعلى، حيث كانت مثبتة على رف قريب.

أما الغريب واللافت فكان غياب دفاتر التسجيلات المختبرية. وبدلاً منها، كان العلماء يصفون عملهم بصوت خافت، وهم يتمتمون في ميكروفونات. وفي أحد أطراف المختبر، تجمع فريق لمراجعة تسجيلات مصورة للتجارب.

في واقع الأمر، كان هذا هو بحث حقيقي يجري داخل المختبر، فمن خلال منظومة من أجهزة الاستشعار والبرمجيات، صُممت لتسجيل ما يحدث في أثناء إجراء التجارب، بدقة تصل إلى مستوى الملّي ثانية، كان العلماء يدربون نماذج للذكاء الاصطناعي على التعرف إلى كل أداة يستخدمها العلماء، وكل حركة أو إجراء يتخذونه.

والمثير هنا أن الذكاء الاصطناعي ألًف سرداً خاصاً به، وصف من خلاله كل بضع ثوانٍ من التسجيل المصور بجمل مثل: «يعيد المشغّل تعليق الراسب، بتحريكه إلى أعلى وأسفل 10 مرات باستخدام الماصّة».

تعود هذه التكنولوجيا إلى شركة ناشئة تُدعى «ترانسفير»، أسست حديثاً، بعدما جمعت تمويلاً أولياً بقيمة 25 مليون دولار. وهي تسعى إلى معالجة تحدٍّ قديم قِدم البحث العلمي نفسه: رصد العوامل الخفية التي تجعل بعض التجارب تنجح، بينما تفشل أخرى.

إن الفشل قد يتخذ صوراً كثيرة. وعلى سبيل المثال، قد يقضي الباحثون شهوراً في إعداد سلالة من الخلايا المعدلة هندسياً، لتموت الخلايا فجأة على نحو غامض. وقد ينجح اختبار حكومي مثلاً للكشف عن فيروس «كورونا» في مختبر ما، ثم يفشل في اكتشاف الفيروس، عندما يستخدمه باحثون في مختبرات أخرى.

ويمكن أن تنجح شركة متخصصة في التكنولوجيا الحيوية في ابتكار دواء جديد واعد، لكن ما إن تسلّم بروتوكول إنتاجه إلى فريق يتولى تصنيعه على نطاق واسع، تختفي فاعلية الدواء فجأة.

في هذا الصدد، قالت آنا ماري فاغنر، المؤسسة المشاركة في شركة «ترانسفير»: «إنها مشكلة مؤلمة للغاية. يبدأ تبادل الاتهامات من هذا الطرف إلى ذاك: هل كان البروتوكول الذي اتبعته خاطئاً؟ أم أنك ارتكبت خطأ ما؟ هذه أخطاء باهظة التكلفة للغاية، من حيث الوقت والمال وحياة البشر».

أيدي العلماء «السحرية»

العجيب أن النجاح لا يقل غموضاً أحياناً عن الفشل، فهناك باحثون يحالفهم النجاح باستمرار في تجاربهم، فيثيرون إعجاب زملائهم وحيرتهم في آن واحد. بل إن العلماء لديهم مصطلح خاص لوصف هذه الموهبة: «الأيدي السحرية». وقد تبدو هذه الفكرة مثيرة للدهشة لمن لا يقضون حياتهم داخل المختبرات؛ فالعلم، في نهاية المطاف، لا يُفترض أن يكون ضرباً من ضروب السحر.

بوجه عام، عندما يجري العلماء تجاربهم، فإنهم يحرصون على تسجيل نتائجها بدقة، سواء في دفاتر المختبر أو لاحقاً في أوراق بحثية منشورة. ويستعين باحثون آخرون بهذه المعلومات لمحاولة تكرار التجربة.

ومع ذلك، فإنه بمرور الوقت كل عالم يكتشف، عاجلاً أم آجلاً، أن المعرفة الأساسية التي يحتاج إليها ليست بالضرورة مدونة في أي مكان. وفي هذا السياق، شرح جوناثان ليفني، كبير الباحثين لدى «معهد برود»، الذي تعاون مع شركة «ترانسفير»: «البروتوكول أشبه بالوصفة. يمكنك أن تعطي شخصاً وصفة، لكن هذا لا يعني أنها ستجعله طاهياً ماهراً».

ومثلما الحال مع الطهاة المتدربين، يقضي العلماء سنوات في التعلم والتدريب، ويلازمون الخبراء، ويطرحون الأسئلة، ويجربون بأنفسهم مختلف الإجراءات والأساليب.

ولكي تنجح تجربة ما، قد يضطر العالم إلى اتخاذ آلاف القرارات الصغيرة على مدار اليوم. مثلاً، إذا كان أحد الأنابيب يحتاج إلى الرجّ، فهل يُترك ليدور على منصة اهتزاز، أم يكفي تحريكه ذهاباً وإياباً باليد؟

وأضاف ليفني: «أحياناً لا يعرف الأشخاص البارعون حقاً سر براعتهم؛ فهم لا يتذكرون المرات العشرين، التي جربوا فيها طرقاً أخرى وفشلت».

في ستينات القرن الماضي، أطلق الكيميائي والفيلسوف المجري مايكل بولاني، اسماً على هذه الخبرة الغامضة: «المعرفة الضمنية». وكان يردد دوماً: «نحن نعرف أكثر مما نستطيع أن نقول». وفيما بينهم، بات العلماء يتفقون عموماً مع بولاني على أن المعرفة الضمنية، تشكل جزءاً أساسياً من البحث العلمي، لكنها قد تعرقل تقدمه كذلك.

رصد تقدم البحوث

نظرياً، يتقدم العلم حين يبني الباحثون على ما توصل إليه من سبقوهم. وعندما تصدر دراسة جديدة، يحاول علماء آخرون تكرار العمل الذي أُجري فيها، فإذا كانت النتيجة الأصلية صحيحة، فمن المفترض أن تؤدي محاولة تكرارها إلى النتائج نفسها.

بيد أن المثير للدهشة أن ذلك لا يحدث، في الغالب. وهنا، تمثل المعرفة الضمنية جزءاً من المشكلة. وعليه، يبقى العلماء عاجزون عن معرفة الطريقة الدقيقة لتكرار دراسة ما بمجرد قراءة ما كُتب عنها.

خلال عملها بأبحاث ما بعد الدكتوراه، أدركت رينيه ويغرزين، إحدى مؤسسات شركة «ترانسفير»، هذه الفجوة بوضوح. فقد كانت تدون تفاصيل تجاربها على البروتينات في دفتر المختبر، لكن ما سجّلته لم يكن سوى جزء بسيط من جهودها.

وعندما نشرت ويغرزين نتائجها اضطرت إلى اختزال سجلاتها بدرجة أكبر. وقالت: «أمضيت ثلاث سنوات في مرحلة ما بعد الدكتوراه، ثم جرى اختزال كل ذلك في ورقة بحثية من ثلاث صفحات».

وبطبيعة الحال، غابت عن تلك الملاحظات والتقارير، جميع القرارات الصغيرة التي اتخذتها ويغرزين، في أثناء إجراء أبحاثها.

وقال برايان نوسِك، الخبير في دلائل تكرار الدراسات بجامعة فرجينيا، والذي لا تربطه صلة بشركة «ترانسفير»: «قد تكون كل هذه التفاصيل مهمة، لكننا ببساطة لا نعرف على وجه اليقين ما إن كانت مهمة بالفعل».

وعندما تفشل دراسة مكررة في الوصول إلى النتائج الأصلية، فإن هذا قد يعني أن الدراسة الأولى كانت خاطئة. وربما كانت صحيحة بالفعل، لكن العلماء الذين حاولوا تكرارها ارتكبوا خطأً ما، من دون أن يدركوا ذلك. وقد يكون من الصعب على فرق العلماء أن تتفق على ما حدث بالضبط.

عام 1993، أفادت عالمة النفس فرانسيس راوشَر وزملاؤها بأن الأشخاص الذين يستمعون إلى موسيقى من تأليف فولفغانغ أماديوس موتسارت، يحققون تحسناً مؤقتاً في اختبارات الاستدلال. وأدى الجدل الذي أُثير حول ما عُرف باسم «تأثير موتسارت»، إلى دفع باحثين آخرين لإجراء تجاربهم الخاصة.

المثير أن كثيرين منهم لم يجدوا أي فائدة تُذكر. أما راوشَر، فقد قللت من أهمية هذه الإخفاقات، وقالت إن العلماء الآخرين لم يجربوا «تأثير موتسارت»، لأنهم لم يكونوا بارعين بما يكفي في إجراء التجارب؛ أي إنهم لم يكونوا «طهاة» علميين جيدين.

ولسنوات طويلة، استمر البحث عن «تأثير «موتسارت». وفي نهاية المطاف، لم يجد علماء آخرون سوى أدلة ضئيلة على وجوده.

ودفع هذا الوضع بعض العلماء نحو البحث عن وسائل جديدة لنقل المعرفة الضمنية. على سبيل المثال، عام 2006، أسس عالم الأحياء موشي بريتسكر دورية علمية حملت اسم «JoVE» تُنشر فيها مقاطع مصورة لعلماء، وهم يجرون تجارب معقدة.

وعام 2014، أنشأ عالم الأحياء ليني تيتلمان منصة تتيح للعلماء مشاركة بروتوكولاتهم ومناقشتها. ويستخدم الباحثون الموقع، ويحمل اسم «بروتوكولز دوت آي أو Protocols.io »، للمساعدة في تدريب الأعضاء الجدد في مختبراتهم، خاصة بعد رحيل العلماء ذوي الخبرة، الذين لطالما امتلكوا تلك «الأيدي السحرية».

أما ويغرزِن وفاغنر فتعملان من خلال «ترانسفير» على بناء نظام قادر على جمع كميات هائلة من البيانات عما يحدث داخل المختبر، في صورة تسجيلات مصورة وتسجيلات صوتية وبيانات صادرة عن أجهزة الاستشعار في معدات المختبر. بل وتتبع «ترانسفير» مصدر مستلزمات العمل، وصولاً إلى أرقام تشغيلات علب القفازات. والسؤال: لماذا كل هذا؟ عن ذلك، أجابت فاغنر: «ربما كان هناك أبخرة أو مواد متصاعدة من القفاز تؤثر في تجربتك».

من جهته، يرى نوسِك أن هذا النهج الجديد قد يكشف بعض الأسرار التي تفسر سبب نجاح التجارب أو فشلها. وقال: «أكثر ما يعجبني في عملهم أنهم ينطلقون بكل قوة في محاولة تفكيك كل تفصيلة. من المنطقي تماماً أن نذهب إلى أبعد مدى، ثم نكتشف ما الذي يهم بالفعل».

وتُدخل الشركة سجلها الرقمي للتجارب إلى أجهزة حاسوبية جرى تدريبها على التعرف إلى المعدات المستخدمة في تجارب الكيمياء الحيوية. وتتولى أنظمة الذكاء الاصطناعي تتبع المعدات، إلى جانب أيدي العلماء، وفك شفرة كل إجراء يقومون به.

وقد كشف هذا التحليل عن أن العاملين في المختبرات يجرون التجربة نفسها بطرق مختلفة للغاية. وعن هذا، قالت فاغنر: «إن حجم التباين الذي نراه حتى بين العلماء المدربين جيداً، مذهل حقاً».

جدير بالذكر هنا أن شركة «ترانسفير» تعاقدت مع شركة متخصصة في الاختبارات التشخيصية، إلى جانب عملاء آخرين يرغبون في استخدام برمجياتها لتتبع أبحاثهم. وقالت فاغنر إنه ربما في نهاية المطاف يقتصر دور النظام على كشف الأخطاء، بل ويمتد كذلك إلى توثيق الاكتشافات غير المتوقعة.

وبدلاً من تقليب دفاتر المختبر بحثاً عن خيوط تقود إلى تفسير ما حدث، يستطيع النظام العودة إلى كل ثانية من العمل، مع الاستعانة بالذكاء الاصطناعي للبحث عن أمور غير مألوفة قام بها العاملون من دون أن يدركوا ذلك.

وقال نوسِك إن على «ترانسفير» تقديم نتائج مفصلة لإثبات أن هذا النظام يجعل العلم أفضل بالفعل. واقترح قائلاً: «خذ 50 مختبراً، وتتبع التجارب في نصفها باستخدام هذه التكنولوجيا، ولا تتتبعها في النصف الآخر، ثم ابحث عن الفروق في مستوى التقدم».

• خدمة «نيويورك تايمز»

نظم ذكية تؤلف سرداً خاصاً بها وتصف كل بضع ثوانٍ من التسجيل المصور ما ينفذه الباحثون في تجاربهم


علاج جيني واعد يعكس خللاً وراثياً في القلب

تتوقّف النوبة... لكنّ رحلة القلب لا تتوقّف عندها (جامعة سري)
تتوقّف النوبة... لكنّ رحلة القلب لا تتوقّف عندها (جامعة سري)
TT

علاج جيني واعد يعكس خللاً وراثياً في القلب

تتوقّف النوبة... لكنّ رحلة القلب لا تتوقّف عندها (جامعة سري)
تتوقّف النوبة... لكنّ رحلة القلب لا تتوقّف عندها (جامعة سري)

في خطوة علمية قد تفتح باباً جديداً لعلاج أمراض القلب الوراثية نجح باحثون أستراليون في عكس حالة «اعتلال عضلة القلب الناتج عن خلل جيني»، باستخدام حقنة واحدة تحمل نسخة سليمة من جين ALPK3. وأظهرت التجارب أن العلاج الجيني تمكن من استعادة وظيفة عضلة القلب في نماذج من الفئران كما أعاد قوة وانتظام النبض إلى أنسجة قلبية مصغرة جرى إنماؤها في المختبر من خلايا مرضى يحملون الطفرة الجينية نفسها. وأجريت الدراسة بقيادة معهد مردوخ لأبحاث الأطفال (MCRI) في ملبورن بأستراليا، ونُشرت في مجلة «Nature Cardiovascular Research» في 19 أغسطس (آب) 2026 بمشاركة باحثين من مؤسسات أسترالية ودولية.

نجاح «جيني»

• جين واحد يعيد للقلب قدرته. يمكن للطفرات في جين ALPK3 أن تسبب اعتلال عضلة القلب وهي مجموعة من الأمراض التي تضعف قدرة القلب على ضخ الدم، وقد تؤدي إلى تضخم القلب واضطراب ضرباته وزيادة خطر فشل القلب والوفاة. ويُعتقد أن اعتلال عضلة القلب يؤثر في نحو 30 مليون شخص حول العالم، بينما تبقى الخيارات العلاجية محدودة في بعض أشكاله الوراثية خصوصاً لدى الأطفال الذين قد تتطور حالتهم إلى درجة تستدعي زراعة القلب.

وقال الدكتور جيمس ماكنمارا من معهد فيكتور تشانغ لأبحاث القلب ومعهد مردوخ لأبحاث الأطفال أستراليا إن النتائج تمثل خطوة كبيرة باتجاه تطوير علاج يستهدف السبب الجيني للمرض بدلاً من الاكتفاء بإدارة أعراضه.

• نجاح لافت في الفئران. بدأ الباحثون بتطوير نموذج مخبري لفئران حديثة الولادة تحمل نسخة معيبة من جين ALPK3. وأظهرت هذه الحيوانات تضخم القلب وضعفاً في وظيفته في صورة مشابهة لبعض الحالات الشديدة التي تظهر لدى الأطفال المصابين بالمرض.

وعندما أدخل الباحثون نسخة سليمة من الجين باستخدام العلاج الجيني التجريبي تحسنت بنية خلايا عضلة القلب واستعادت القلوب قدرتها على ضخ الدم. واللافت أن العلاج لم يمنع ظهور المرض في الفئران الصغيرة فحسب بل تمكن أيضاً من عكس المرض لدى الفئران البالغة، وهي نتيجة عدّها الباحثون مؤشراً مهماً على اعتماد عضلة القلب على البروتين الذي ينتجه جين ALPK3.

• «قلوب صغيرة» في المختبر تؤكد النتيجة. وللتأكد من أن النتائج لا تقتصر على الحيوانات أعاد الفريق إنتاج المرض باستخدام خلايا جذعية مأخوذة من مرضى يحملون الطفرة الجينية نفسها ثم حوّلوها إلى أنسجة قلبية مصغرة في المختبر.

وأظهرت هذه «القلوب الصغيرة» علامات اعتلال عضلة القلب قبل أن يؤدي استبدال النسخ المعيبة من ALPK3 بواسطة نسخة سليمة إلى استعادة قوة الانقباض، وانتظام ضربات القلب بصورة طبيعية.

الذكاء الاصطناعي في العلاج

• هل يمكن علاج أمراض وراثية أخرى؟ ولم يتوقف الباحثون عند جين ALPK3 بل استعانوا بأداة للذكاء الاصطناعي تُعرف باسم Geneformer لدراسة العلاقة بين البروتين الناتج عن الجين وعدد من البروتينات المهمة في عضلة القلب.

وأشارت التحليلات إلى وجود ارتباط قوي بين ALPK3 وبروتين «تيتين» Titin الذي ينتجه جين TTN. وتُعد الطفرات التي تؤدي إلى قطع أو توقف إنتاج بروتين «تيتين» من أكثر الأسباب الوراثية شيوعاً لاعتلال عضلة القلب التوسعي، وقد تمثل ما يصل إلى ربع الحالات. وأظهرت التجارب أن إضافة نسخة سليمة من جين ALPK3 حسّنت انقباض أنسجة قلبية مأخوذة من أشخاص يحملون طفرات في TTN.

ويرى الباحثون أن هذه النتيجة مهمة بشكل خاص لأن جين TTN ضخم جداً ما يجعل استبداله مباشرة بواسطة استخدام تقنيات العلاج الجيني الحالية أمراً بالغ الصعوبة. أما استهداف ALPK3 فقد يوفر نهجاً مختلفاً يمكن أن يفيد مجموعة أوسع من أمراض القلب الوراثية.

• من المختبر إلى المرضى. ورغم النتائج الواعدة يؤكد الباحثون أن العلاج لا يزال في المرحلة ما قبل السريرية، وأن هناك حاجة إلى مزيد من دراسات السلامة قبل الانتقال إلى التجارب البشرية.

ويأمل الفريق في التعاون مع شركاء تجاريين لتطوير العلاج والوصول به إلى التجارب السريرية.

وتعكس قصة الطفلة الأسترالية كيت البالغة من العمر تسعة أعوام، حجم الحاجة إلى مثل هذه العلاجات. فقد شُخّصت كيت باعتلال عضلة القلب التضخمي الناتج عن طفرة في جين MYH7 وخضعت في سن الثالثة لجراحة قلب مفتوح لإزالة جزء من عضلة القلب المتضخمة وتحسين تدفق الدم.

ورغم تحسن حالتها وعودتها إلى حياة نشطة فإنه لا تزال الجراحة لا تمثل علاجاً نهائياً للمرض، وقد تحتاج مستقبلاً إلى جهاز مزيل للرجفان القلبي. ويأمل العلماء أن تسهم مثل هذه الاكتشافات مستقبلاً في الانتقال من علاج آثار أمراض القلب الوراثية إلى استهداف أسبابها الجينية مباشرة بما قد يوفر خيارات علاجية جديدة للأطفال والعائلات التي تواجه هذه الأمراض.


هل يمكن التنبؤ بالزلازل الكبرى قبل وقوعها؟

تنزلق صفيحتان تكتونيتان بعضهما باتجاه بعض لتشكلا منطقة اندساس ما قد يؤدي إلى زلازل قوية (جامعة كاليفورنيا في ريفرسايد)
تنزلق صفيحتان تكتونيتان بعضهما باتجاه بعض لتشكلا منطقة اندساس ما قد يؤدي إلى زلازل قوية (جامعة كاليفورنيا في ريفرسايد)
TT

هل يمكن التنبؤ بالزلازل الكبرى قبل وقوعها؟

تنزلق صفيحتان تكتونيتان بعضهما باتجاه بعض لتشكلا منطقة اندساس ما قد يؤدي إلى زلازل قوية (جامعة كاليفورنيا في ريفرسايد)
تنزلق صفيحتان تكتونيتان بعضهما باتجاه بعض لتشكلا منطقة اندساس ما قد يؤدي إلى زلازل قوية (جامعة كاليفورنيا في ريفرسايد)

تُعدُّ الزلازل من أكثر الظواهر الطبيعية تدميراً، ليس فقط بسبب قوتها الهائلة، وإنما أيضاً لصعوبة التنبؤ بموعد وموقع قوعها. ورغم التقدم الكبير في علم الزلازل وتقنيات مراقبة حركة الصفائح التكتونية، لا يزال تحديد المكان والوقت الدقيقين لوقوع زلزال كبير يمثل تحدياً أمام العلماء.

لكن دراسة جديدة تطرح مقاربة مختلفة؛ فبدلاً من محاولة تحديد موعد وقوع الزلزال، يسعى الباحثون إلى معرفة أين تتراكم الضغوط على طول الصدوع، وتحديد المناطق الأكثر احتمالاً لحدوث الزلازل الكبرى فيها.

وفي هذا السياق، طوّر فريق من الجيوفيزيائيين في جامعة كاليفورنيا في ريفرسايد الأميركية طريقة جديدة تساعد على تحديد المناطق الأكثر عرضة لأعنف الزلازل على وجه الأرض، في خطوة قد توفر أداة مهمة لتحسين الاستعداد للكوارث في بعض أخطر المناطق الزلزالية حول العالم.

وعلى خلاف محاولات التنبؤ بتوقيت الزلازل، تركز الطريقة على رصد المناطق التي يتراكم فيها الإجهاد على طول الصدوع الكبرى؛ ما يساعد العلماء على تحديد المواقع الأكثر احتمالاً لحدوث التمزق الزلزالي عند وقوع الزلزال.

يقول الباحثون إن الزلازل تتصدر عناوين الأخبار لحظة وقوعها، لكن الصدع يكون قد ظل لسنوات يراكم الإجهاد في صمت، ويمكن قياس هذا الإجهاد.

وفي اختبار للطريقة، نجح النموذج الذي طوّره الباحثون في تحديد جزء من منطقة اندساس كامتشاتكا شرق روسيا، شهد لاحقاً زلزالاً ضخماً؛ ما يعزز إمكانية استخدام هذا النهج لتحديد مواقع الزلازل الكبرى، حتى مع استمرار صعوبة التنبؤ بموعد وقوعها. ونُشرت النتائج في عدد 4 سبتمبر (أيلول) من دورية «Geophysical Research Letters».

منهج الطريقة

يركز أسلوب الفريق على «مناطق الاندساس»، حيث تنزلق إحدى الصفائح التكتونية تحت أخرى. وتُعدُّ هذه المناطق مصدراً لأعنف زلازل الأرض، بما في ذلك زلازل تتجاوز قوتها 8.5 درجة، وغالباً ما تتسبب في أمواج تسونامي مدمرة.

وباستخدام قياسات دقيقة لحركة الأرض عبر أقمار تحديد المواقع (GPS)، طوّر الباحثون خوارزمية تكشف الأجزاء «المقفلة» من الصدوع التي تختزن الطاقة. وتُعرف هذه المناطق باسم «النتوءات» (asperities)، وهي أجزاء مقفلة من سطح الصدع تقاوم الحركة بسبب الاحتكاك، إلى أن يتراكم إجهاد كافٍ لإطلاق زلزال كبير.

وكان الفريق قد حدد إحدى هذه المناطق المقفلة أسفل شبه جزيرة كامتشاتكا قبل وقوع الزلزال الكبير هناك. ورغم أن توقيت الحدث ظل خارج نطاق قدرة الطريقة على التنبؤ، وقع التمزق في المكان نفسه تقريباً الذي أشار النموذج إلى تراكم الإجهاد فيه.

وكشفت النتائج أيضاً عن أن الزلازل التي تقع في المنطقة نفسها قد تتصرف بشكل مختلف تماماً؛ فرغم أن كامتشاتكا شهدت زلزالين عملاقين في عامي 1952 و2025، تسبب الحدث الأخير في موجة تسونامي أصغر بكثير؛ ما يشير إلى أن الجزء الأقرب إلى سطح الصدع انزلق بمقدار أقل مقارنة بالزلزال الأول.

ويشدد الباحثون على أن طريقتهم لا تستطيع التنبؤ بحجم أمواج التسونامي أو توقيت وقوع الزلازل، لكن تحديد المناطق الأكثر خطورة قد يسهم في تحسين خطط التأهب على المدى الطويل.

ويعمل الفريق حالياً على تطبيق هذا النهج في مناطق اندساس رئيسية أخرى باليابان، والمكسيك، ونيوزيلندا وشمال غرب المحيط الهادئ في الولايات المتحدة؛ إذ تحمل كل منها تعقيدات إضافية، مثل وجود صدوع تطلق طاقتها تدريجياً بدلاً من إطلاقها في زلازل مفاجئة. كما يستكشف الباحثون إمكانية تطبيق تقنيات مشابهة لفهم صدوع كاليفورنيا بشكل أفضل.

فجوات في المراقبة العالمية

يتطلب توسيع نطاق هذه الطريقة رصداً أكثر دقة؛ فبينما توفر محطات (GPS) البرية بيانات قيّمة، لا تزال القياسات في أعماق المحيطات محدودة للغاية، رغم أن الكثير من أخطر الصدوع في العالم يقع تحت قاع البحر، وفق الدراسة.

وقد بدأ باحثون في اليابان استخدام أجهزة صوتية موضوعة على قاع البحر لقياس التشوهات البطيئة على مدى سنوات طويلة، في حين تُقترح جهود مماثلة في مناطق أخرى، من بينها تشيلي وشمال غربي المحيط الهادئ. ومن المتوقع أيضاً أن يوفر قمر اصطناعي أُطلق أخيراً قياسات إضافية للمناطق التي تفتقر حالياً إلى تغطية كافية من أجهزة (GPS). ويكشف هذا العمل عن فجوات كبيرة في مراقبة الزلازل عالمياً، خصوصاً في أجزاء من المحيط الهادئ التي تندر فيها البيانات اللازمة لتقييم مخاطر التسونامي.

ويؤكد الباحثون أن تحسين القدرة على تحديد أماكن الزلازل يجب أن يكون مكملاً للاستعداد العام، وليس بديلاً عنه، في حين يرى الفريق أن خوارزميته قد تساعد مستقبلاً في تقييم المخاطر الزلزالية على امتداد الكثير من أخطر حدود الصفائح التكتونية النشطة في العالم، شريطة توفر بيانات كافية.

وتعليقاً على النتائج، قال الأستاذ المساعد بالشبكة القومية لرصد الزلازل التابعة للمعهد القومي للبحوث الفلكية في مصر، محمد عز العرب، إن الدراسة تمثل خطوة مهمة في تطوير أساليب تقييم المخاطر الزلزالية، خصوصاً أنها قدمت خوارزمية جديدة تساعد على تحديد المناطق التي تتراكم فيها الضغوط على طول الصدوع بدقة أكبر.

وأضاف عز العرب لـ«الشرق الأوسط» أن نجاح هذه الطريقة في تحديد المنطقة التي وقع فيها زلزال كامتشاتكا يمثل نتيجة مشجعة، لكن هذا النجاح لا يكفي وحده للحكم على مدى دقة وفاعلية الخوارزمية، مشيراً إلى ضرورة اختبارها في مناطق اندساس أخرى ذات ظروف جيولوجية مختلفة قبل اعتمادها أداة موثوقة لتقييم المخاطر الزلزالية على نطاق واسع.

وأكد عز العرب أن الرسالة الأهم التي تبرزها الدراسة هي أن تحديد المناطق الأكثر خطورة يمكن أن يعزز خطط الاستعداد والتخطيط لمواجهة الكوارث، لكنه لا يمكن أن يحل محلها، موضحاً أن معرفة أماكن الخطر «تُكمل الاستعداد ولا تُغني عنه».